ذكر انتهاء الأخبار إليه
عادة هذا السلطان أن يطالعه نوابه في مملكته مما يتجدد عندهم من مهمات الأمور أو ما قاربها، وتأخذ أوامره، وتعود أجوبته عليهم بما يراه، وبين السلطان وجميع بلاد ممالكه مراكز بين المركز والمركز أميال، في كل مركز عدة خيل بريد للسلطان من الجند أناس بريديه في حضرته، وفي كل بلد لحمل الكتب والعود بأجوبتها، فإذا ورد بريدي بلد من بلاد مملكته أو عاد المجهّز من بابه، أحضره أمير جاندار [¬١] (١)، وهو من أمراء المئين، والدوادار وكاتب السر بين يديه، فيقبل الأرض ثم يأخذ الدوادار الكتاب فيمسحه بوجهه البريدي، ثم يناوله السلطان، فيفتحه، ويجلس كاتب السر، فيقرأه عليه، ويأمر فيه بأمره.
ومما ينهى إليه من الأخبار ما يكتب في ورق خفيف صغير ويحمل على الحمام الأزرق، وللحمام مراكز كل مركز منها ثلاثة من مراكز خيل البريد أو أزيد، لا يتعدى الحمام ذلك المركز، ولا يمكنه تجاوزه، فإذا حمل الكتاب خلوه بنوع معزى (٢) ليعرف، فلا يعارض ثم يسرح (٣)، فإذا وصل إلى المركز المعد له أخذ عنه، ونقل على حمام غيره، من ذلك المركز من مكان إلى مكان إلى حضرة السلطان.
стр. 947
ومن عادة هذه المملكة (١) أن ولاة أمور المدينة، وهم أصحاب الشرط تستعد مجددات (٢) ولا يأتهم في كل نهار ممن هم على المحلات من قبلهم، ثم يكتب متولى الشرطة مطالعة جامعة ما يبعث إنهاؤه من ذلك، وعمل إلى السلطان هذا بمتجددات ما يقع من قتل يقع أو حريق كبير [¬١]، ويجرى مجرى ذلك، فأما يتبع الناس في أحوال أنفسهم فلا.
стр. 948
فصل
ومن عادة (١) جيوش هذه الممالك الركوب في يومي الاثنين والخميس في الموكب، وهو مكان فسيح يكون بكل مدينة بها عسكر فيسيرون به، ثم يقف العسكر مع نائب السلطان أو الحاجب، إن لم يكن، ثم نائب، وينادى على الخيل بينهم وربما نودى على كثير من آلات (٢) الجند والخيم والخركاوات والأسلحة، وربما نودى على كثير من (٣) العقار، ثم أن كانوا بمصر طلعوا إلى الخدمة السلطانية بالقلعة على ما قدمنا ذكره، والإذن لهم على الانصراف بعد أكل السماط، وإن كانوا في غير مصر نزلوا في خدمة النائب إلى مكان سكنه، وهو دار السلطنة، ويجلس النائب، وتقرأ عليه القصص، وينصف (٤) المظلومين، ويمد السماط، ويأكل عامة الأمراء والجند، ثم ينصرفون، وتزداد عساكر الشام بركوب يوم السبت على هذين اليومين.
والنواب تقعد لقراءة القصص الاثنين والخميس والسبت، وربما قعدوا طرفي النهار في هذه الأيام كذلك، ومن عادة هذا السلطان أنه يكتب خطه على ما يأمر، وأما مناشير الأمراء والجند، وكل من له إقطاع فإنه يكتب عليه علامته وعلامة السلطان القائم الآن، السلطان الناصر [¬١] (٥) ناصر الدنيا والدين أبي
стр. 949
المعالي محمد ابن الملك المنصور قلاوون، خلد الله دولته، الله أملى.
وأما تقاليد النواب وتواقيع أرباب المناصب من القضاة والوزراء والكتاب، وبقية أرباب الوظائف، وتواقيع أرباب المناصب من القضاة وتواقيع الرواتب والإطلاقات فإنه يكتب عليها اسمه واسم أبيه صورته محمد بن قلاوون.
وأما كتب البريد وخلاص الحقوق والظلامات، فإنه يكتب عليها أيضا اسمه، وربما كرم من يكتب إليه، فأما من كرمه من ذوي السيوف كتب له والده محمد بن قلاوون، وأما من كرمه من ذوي العمائم المدورة من القضاة والوزراء كتب أخاه بدلا من والده.
فأما الإقطاعات فالرسم فيها أن يقال (خرج الأمر الشريف، وأما الوظائف والرواتب والإطلاقات فالرسم فيها أن يقال) (١) رسم بالأمر الشريف، وليس بموضع استيعاب أوضاع المكاتبات ولو أخذنا في هذا لطال، ولكننا نذكر نبذة تتعلق بالمناشير والتقاليد والتواقيع إذ كانت هي الأصل لجريان الأرزاق بها فأعلاها ما أفتتح بخطبة الحمد لله (المخطوط ص ٢١٧) ثم ما افتتح بخطبة أولها أما بعد حمد الله حتى يأتي على خرج الأمر في المناشير أو رسم في الأمر بالتواقيع (٢)، ثم بعد هذا أنزل الرتب، وهو أن يفتتح في المناشير خرج الأمير، وفي التواقيع رسم بالأمر.
ويمتاز المناشير المفتتح فيها بخطبة الحمد لله بطغرا [¬١] بالسواد تضمن اسم السلطان وألقابه، ومن عادة السلطان في الإقطاعات للجند أن يتولى بنفسه
стр. 950
استخدامهم، فإذا وقف قدامه من يطلب الإقطاع المحول (١)، ووقع اختياره على واحد أمر كاتب الجيش بالكتابة له، فكتب ورقة مختصرة تسمى المثال [¬١]، مضمونها خبز فلان كذا ثم يكتب فوقه رسم المستقر له ويناولها السلطان، ويكتب عليها بخطه (٢)، ويعطيها الحاجب لمن رسم له، فيقبل الأرض ثم يعاد إلى ديوان الجيش، فتسك شاهدا عندهم، ثم تكتب مربعة مكملة بخطوط جميع الديوان الإقطاع، وهم ديوان الجيش وعلائمهم (٣)؛ ثم يؤخذ (٤) عليها خط السلطان، ثم تحمل إلى ديوان الإنشاء بالمكاتبات، فتكتب المناشير ثم يعلم السلطان عليها علامة على ما تقدم ذكره، ثم يكمل ذلك المنشور بخطوط ديوان الإقطاع بعد المقابلة على صحة أصله.
فأما الاستخدام في البلاد النائبة فليس للنواب مدخل في تأمير أمير عوض أمير مات، بل إذا مات أمير سواء كان كبيرا أو صغيرا، طولع السلطان بموته، فأمر من أراد عوضه، أما فمن في حضرته ويخرجه إلى مكان الخدمة أو فمن في مكان الخدمة أو نقل إليه من بلد آخر على ما يراه في ذلك.
فأما جند الحلقة فإذا مات أحد منهم، استخدم النائب عوضه، فكتب على نحو من ترتيب السلطان المثال ثم المربعة، وتجهز المربعة مع البريد إلى حضرة السلطان، فيقابل عليها في ديوان الإقطاع (٥)، ثم يكتب عليها من ديوان الإنشاء كما تقدم في الجند الذين بالحضرة، وإن كان ما يمضيها السلطان،
стр. 951
أخرجها لمن يرى، ثم يكون حكم الكتابة به حكم ما تقدم.
ومن مات من الأمراء والجند (المخطوط ص ٢١٨) قبل استكمال (١) مدة الخدمة حوسب وراثه على حكم الاستحقاق، ثم إما ترتجع منهم أو يطلق على قدر حصول العناية بهم.
وإقطاعات الأمراء والجند منها ما هو بلاد يستغلها مقطعها كيف شاء، ومنها ما هو نقد على جهات يتناولها منها، فأما أرزاق ذوي الأقلام من مبلغ يعين وغلة ولأعيانهم الرواتب الجارية في اليوم من اللحم بتوابله أو غير توابله والخبز والعليق، ولأكابرهم السكر والشمع والزيت والكسوة في كل سنة والأضحية.
وفي رمضان السكر والحلوى وأكبر من هؤلاء كالوزير له في المدة مائتان وخمسون دينارا حبشية، ومعه ما ذكر من الأصناف والغلة إذا تسطر ونمت كانت بنظيرها ثم ما دون ذلك وما دون دونه، ومن هو في الحضرة آمين في ذلك.
وأما القضاة والعلماء، فالقضاة أرزاقهم على السلطان وأكثرها خمسون دينارا كل شهر، ولهم المدارس التي يستدر من أوقافها، وفي دمشق معالم حكامها على وقف بمصالح المسلمين مضاف إلى مال مسجدها الجامع.
وأما العلماء فليس لأحد منهم شيء إلا من أوقاف مدارسه إلا من له على سبيل الراتب أو الإدراري [¬١]، وذلك قليل نادر لا حكم له، فنعرج على ذكره.
ولهذا السلطان صدقات جارية ورواتب داره منها ما هو أرض من بلاد، ومنها ما هو مرتب على جهات من مبلغ وغلة وخبز ولحم وزيت وكسوة، واللحم والزيت والكسوة قليل نادر لمن حصلت له عناية، فأما الأرض والمبلغ
стр. 952
والغلة والخبز فكثير جدا، ومتسع مرة (١)، وفي الغالب يتوارثه الأبناء عن الآباء، والأخ عن الأخ وابن العم عن ابن العم حتى أن كثيرا ممن يموت، ويخرج أدراره من مرتبه لأجنبي فيحضر القريب بعد ذلك، ويقدم قصته، يذكر فيها أولويته بما كان لقريبه فيستعاد له.
وفي هذه المملكة قائمة شعائر الإسلام بالمساجد والخطبات في جميع القرى، وأما الأرزاق والإدرارات فلا تؤخذ إلا بتواقيع (المخطوط ص ٢١٩) السلطان ما قل منها وما جل.
وهذه المملكة تشتمل على عدة من القلاع والحصون والمعاقل وبكل منها نائب وحاكم شرعي وخطيب ومؤذن وكحال وجرائحي وحفظة ولحفظتها جوامك [¬١] لا إقطاعات وبها آلات التحصين وذوو أعمال وصناعات والحجارين والنجارين والحدادين وما تدعو إليه الضرورة في مثل ذلك.
стр. 953
زي ذوي العمائم المدورة
نبدأ بالقضاة والعلماء، وزيهم دلق متسع بغير تفريج فتحة على كتفه، وشاش كبير منه ذؤابة بين الكتفين طويلة، وأما من دون هؤلاء فالفرجية الطويلة الكم بغير تفريج والذؤابة أيضا، فأما زهادهم فيقصر الذؤابة ويميلها إلى الكتف الأيسر على المسنون، ولا يلبس أحد منهم الحرير ولا ما فيه الحرير، ومنهم من يلبس الطيلسان.
فأما قاضي القضاة الشافعي، فرسمه الطرحة (١)، وبها يمتاز ويركب أعيان هذه الطائفة البغلات بسروج غير مفضضة ويتخذ عوض الطمنكيات [¬١] (٢) في السروج عرقشينات [¬٢] وهي شبيه بثوب السرج، مختصر منها، وهو من جوخ، وقد يكون من أنواع الأديم، ويشق ويعمل بين السرج ومثرته، وقضاتهم تعمل بدلا من الكنبوش [¬٣] الزناري وهو من الجوخ شبيه بالعباءة المجوبة الصدر مستدير من وراء الكفل، لا يعلوه لا ذنب ولا قوش وربما ركبوا بالكنابيش وهؤلاء لجمهم كبار ثقال الوزن (٣).
وأما الوزراء والكتاب فزيهم الفرجيات المفرجة من الصوف ومن المحبرات
стр. 954
عمل الإسكندرية وغير ذلك، والنصافي والبياض، ويعمل أكابرهم البادهنجات [¬١] (١) في الأكمام، ويلبس البغالطيق من تحت فراجيهم، وربما لبسوا الجباب المفرجة من ورائها، ويختلف ركوبهم، وغالبه شبيه بالجند أو يقارب له، وتجمل هذه الطوائف بمصر أقل مما هم عليه بالشام في زيهم وملبوسهم ومركوبهم، إلا ما يحكى عن قبط مصر في بيوتهم من اتساع الأحوال والنفقات حتى أن الواحد منهم يكون في ديوانه بأردأ [¬٢] اللباس ويأكل أدنى المأكل، ويركب (المخطوط ص ٢٢٠) الحمار حتى إذا صار في بيته، انتقل من حال إلى حال، وخرج من عدم إلى وجود.
ولقد يبالغ الناس فيما يحكى من ذلك عنهم، لبعد أحوالهم [¬٣] وتباين أمورهم [¬٤] (٢) فأما التجار وأخلاط عامة الناس، فتختلف أحوالهم في الملابس والزي حتى أن الفقراء وإن جمعهم زي الفقر وزيقه (٣)، وضمهم لباس التصوف، فإنهم تتباين حالاتهم في الملابس وأطوارهم في التشكلات.
стр. 955
الكلام على أرباب الوظائف في هذه المملكة
نقول أن جميع الوظائف التي في حضرة السلطان لا تذكر منها إلا أعيانها، وأما صغار الوظائف فجزء من كل، فلا حاجة بنا إلى ذكرها، وكل ما نذكره مما هو في الحضرة نظيره في كل مدينة من قواعد مدن هذه المملكة، ويبقى الفرق ما بينهما الفرق بين (١) المكانين، فالوظائف الكبار (٢) فمن ذوي السيوف، إمرة السلاح الدوادارية [¬١] (٣) الحجوبية [¬٢]، إمرة جاندار [¬٣] الاستاذ دارية [¬٤] هي المهمندارية [¬٥]، نقابة الجيوش، الولاة، ومن ذوي الأقلام؛ الوزارة، كتابة السر، نظر الجيش، نظر الأموال، نظر الخزانة، نظر البيوت، نظر بيت المال، نظر الإصطبلات، ومن ذوي العلم؛ القضاة، الخطباء، وكالة بيت المال، الحسبة.
ثم نقول: إن هذا السلطان أبطل النيابة والوزارة بحضرته (٤)، وكان هو الذي يفرق الإقطاعات، ويعين الإمرة (٥)، وفي هذا القول كفاية.
стр. 956
وأما الوزارة فكان يليها من أرباب السيوف والأقلام على قدر ما ينفق، وكان الوزير ثاني النائب في المكانة، فأما الآن فإن السلطان بقى المفرد بما كان للسلطنة من العظمة والنيابة في التصرف.
وأما الوزارة فإنه أبطلها واستخدم في أيام هذا السلطان وظيفة يسمى مباشرها نظر الخاص (المخطوط ص ٢٢١) أصل موضوعها (١) أن يكون مباشرها متحدثا فيما هو خاص بمال السلطان، ويتحدث في موضوع السلطان، وفي مجموع الأمر في الخاص بنفسه، وفي القيام بأخذ راية فيه، فبقى تحدثه فيه، وبسببه كأنه هو الوزير لقربه من السلطان، وزيادة تصرفه، ولنذكر وضع كل وظيفة مما ذكرنا.
стр. 957
ذكر الوظائف
أما النيابة فقد تقدم قولنا أنه سلطان مختصر في ما هو ناء عن الحضرة، وأن النائب هو المتصرف المطلق التصرف في كل أمر يراجع في الجيش والمال والخبر، وهو البريد وكل ذي وظيفة في نيابته، لا يتصرف إلا بأمره، ولا يفصل أمرا معضلا إلا بمراجعته، وهو يستخدم الجند، ويرتب في الوظائف، وأما ما هو جليل منها كالوزارة والقضاء وكتابة السر والجيش، فإنه ربما عرض على السلطان من يصلح، وقل أن لا (١) يجاب، وربما سمى أكابر هؤلاء النواب ملك الأمراء، وإن حصلت المناقشة لا يستحقها إلا من هو بدمشق لأنه (٢) ليس بالشام قاعدة الملك سواها.
وأما النيابة العظمى فهي نيابة الحضرة ويسمى هذا النائب، كافل الملك، وقد نبهنا فيما تقدم على كبير محله، وهو السلطان الثاني، وجميع نواب الممالك تكاتبه في غالب ما يكاتب فيه السلطان، ويراجعونه فيه كما يراجع السلطان، وهو يستخدم الجند من غير مشاورة، ويعين الإمرة، ولكنه بمشاورة السلطان وعادته أن يركب بالعسكر في أيام المواكب، وينزل الجميع في خدمته، فإذا مثل في حضرة السلطان وقف في ركن الإيوان، فإذا انقضت الخدمة مضى (٣) إلى داره والأمراء معه، ومدلهم السباط [¬١] (٤) كما يمد السلطان، ويجلس جلوسا عاما للناس، ويحضره أرباب الوظائف، ويقف قدامه الحجاب، وتقرأ عليه القصص، فيقدم إليه الشكاة، ثم يصرف الناس، ولما كانت النيابة قائمة على هذه الصورة،
стр. 958
لم يكن السلطان يتصدى بنفسه لقراءة القصص [¬١] (المخطوط ص ٢٢٢) عليه، وسماع الشكوى بل كان يكتفى بالنائب ثم أن النائب إذا قرئت عليه القصص (١) فما كان يكفي فيها مرسومه، أصدره عنه، وما لم يكن فيه بد من صدور مرسوم سلطاني فيه أمر بكتابته عن السلطان وإصداره، فيكتب وينبه فيما يكتب أنه بإشارته، ثم يصدر ما كان من الأمور المعضلة التي لا بد له من إحاطة علم السلطان بها، يعلمه تارة منه إليه وقت اجتماعه به، وتارة يرسل من يعلمه بها ويأخذ أمره فيها.
وكان ديوان الأقطاع، وهو الجيش في زمان النيابة ليس لهم خدمة إلا عنده ولا اجتماع إلا به ولا اجتماع (٢) لهم بالسلطان (٣) في أمر من الأمور.
وأما الوزير وكاتب السر فقد يراجعانه في بعض الأمور دون بعض، ثم اضمحلت النيابة بالحضرة وتقهقرت [¬٢] أوضاعها، وأما الآن فقد بطلت.
وأما الحجبة فهي موضوعة لأن صاحبها ينصف من الأمراء والجند تارة بنفسه وتارة بمشاورة السلطان وتارة بمشاورة النائب إن كان، وإليه تقديم من يعرض، ومن يرد، وعروض الجند وما ناسب ذلك، وأما مع عدم النيابة فهو المشار إليه في الباب والقائم مقام النواب في كثير من الأمور، وأما إمرة جاندار فصاحبها كالمتسلم للباب، وله به البردداريه [¬٣] وطوائف الركابية
стр. 959
والحريسانية [¬١] والجاندارية وهو يقدم البريد مع الدوادار، وكاتب السر على ما قدمنا ذكره.
وإذا أراد السلطان تقرير أحد أو قتله، كان على يد صاحب هذه الوظيفة، وهو المتسلم الزردخانة [¬٢] (١)، التي هي أرفع قدرا في الاعتقالات من السجن المطلق، ولا تطول مدة المعتقل بها بل إما أن يعمل تخليه سبيله أو تلاف نفسه.
وقد قدمنا القول أن صاحب هذه الوظيفة يدور بالزفة حول السلطان في سفره مساء وصباحا.
وأما الأستاذدار [¬٣] فإليه أمر بيوت السلطان كلها من المطابخ والشرابخاناه [¬٤] (٢) والحاشية والغلمان، وهو الذي يمشي بطلب السلطان والحكم في غلمانه وباب داره [¬٥] (المخطوط ص ٢٢٣) وإليه أمور الجاشنكيريه [¬٦] وإن كان كبيرهم نظيره في الإمرة من ذوي المئين، وله حديث مطلق وتصرف تام في استدعاء ما يحتاجه كل من في بيت السلطان من النفقات والكساوى، وما يجري مجرى [¬٧] ذلك.
стр. 960
وإما إمرة سلاح فهو مقدم السلاح داريه، والمتولى لحمل سلاح السلطان في المجامع الجامعة، وهو المتحدث في السلاح خاناه [¬١]، وما يستعمل لها، وما يقدم إليها، ويطلق منها وهو من أمراء المئين.
وأما الدواداريه فهم لتبليغ الرسائل عن السلطان، وإبلاغ عادة الأمور، وتقديم القصص إليه والمشاورة على من يحضر إلى الباب (١) وتقديم البريد هو وأمير جاندار وكاتب السر كما تقدم، ويأخذ خط السلطان على عموم المناشير والتواقيع والكتب، وإذا خرج عن السلطان بمرسوم يكتب (٢) وتعين رسالته.
(٣) وأما نقابة الجيوش فهذا كأحد الحجاب الصغار، وله تخلية الجند في عرضهم، ومعه يمشي النقباء، وإذا طلب السلطان أو النائب أو الحاجب أميرا أو خدما قالوا له أرسل إليه وأحضره، وإذا أمروا بالترسيم على أحد من هؤلاء (٤) أمروه فرسم عليه وهو بمن يطلب بالخزانة في الموكب وفي السفر.
وأما الولاية فهم أصحاب الشرطة وطبقتهم معروفة معلومة وأما وظائف أرباب الأقلام فأجلها الوزارة لأن ربها ثاني السلطان إذا أنصف وعرف حقه، ولكن في هذه المدد حدث عليها النيابة، وتأخرت الوزارة حتى قعد بها مكانها، وقد تقدم قولنا على أنه وليها أناس من أرباب السيوف والأقلام بأرزاق على قدر الإنفاق، ووظيفة الوزارة أشهر من أن يذكر وضع مباشرها، لنفاذ كلمته، وتمام تصرفه، ولكنها في أخريات هذه الأيام تقهقرت [¬٢] حتى كان المتحدث فيه
стр. 961
كناظر المال، لا يتعدى الحديث في المال، ولا يتسع له في التصرف بمجال ولا تمتد يده في الولاية والعزل لتطلع السلطان إلى الإحاطة بجزئيات [¬١] الأحوال، ثم أن السلطان أبطل هذه الوظيفة، وعطل جيد الدولة من عقودها (المخطوط ص ٢٢٤) وصار ما كان إلى الوزير منقسما إلى ثلاثة؛ إلى ناظر المال إرشاد الدواوين أمر تحصيل المال، وصرف النفقات والكلف، وإلى ناظر الخاص تدبير جملة الأمور وتعيين المباشرين، وإلى كاتب السر التوقيع في دار العدل مما كان يوقع فيه الوزير بمشاورة واستقلال ثم أن كلا من المتحدثين الثلاثة لا يقدر على الاستقلال بأمر إلا بمراجعة السلطان، ومراجعته عليه.
وأما كتابة السر فقراءة الكتب الواردة على السلطان وكتابة أجوبتها وأخذ خط السلطان عليها، وتسفيرها، وتصريف المراسم ورودا وصدرا والجلوس لقراءة القصص بدار العدل والتوقيع عليها، وقد صار يوقع فيما كان يوقع عليه بقلم الوزارة على حسب ما يرسم له به السلطان.
وأما نظر الجيوش فقد تقدم في ذكر الإقطاعات وعند ذكر النيابة ما يدل على حال صاحب هذه الوظيفة مما فيه كفاية (١) وهذا الناظر معه من المستوفيين [¬٢] من يحرر كليات المملكة وجزئياتها فرأسهم هو مستوفى الصحبة، وهو يتحدث في جميع المملكة مصرا وشاقا، ويكتب مراسيم يعلم عليها السلطان تارة تكون بما يعمل في البلاد؛ بإطلاقات، وتارة باستخدامات كتاب في صغار الأعمال، ومن هذا، وما يجرى مجراه، وهي وظيفة جليلة تلي النظر.
وأما بقية المستوفين فكل منهم حديثه مقيد لا مطلق، فإنه لا يتعدى حديثه
стр. 962
قطرا من أقطار المملكة، وهذا الديوان هو أرفع ديوان الأموال (١)، هو فرع هذا الديوان وإليه يرفع حسابه وتتناهى أسبابه.
وأما نظر الخزانة فكانت الخزانة أولا كبيرة الوضع لأنها مستودع أموال المملكة، فلما استحدثت وظيفة الخاص ضعف أمر هذه المسماة بالخزانة، وصارت تسمى بالخزانة الكبرى، وهو اسم أزيد من مسماه، ولم يبق بها الآن إلا خلع تخلع منها، ولا يحضر عليها ويصرف أولا فأولا، وفي غالب ما يكون ناظرها من القضاة، أو ممن يلتحق بهم.
وأما نظر البيوت فهو ناظر جليل، وهو منوط بالاستاذداريه (المخطوط ص ٢٢٥) فكل ما يتحدث فيه استاذدار له فيه مشاركة الحديث، وقد تقدم تفصيل حال وظيفة أستاذدار فيما تقدم.
فأما نظر بيت المال فهي وظيفة جليلة معتبرة وموضوعها حمل حمول المملكة إلى بيت المال، والمتصرف منه تارة بالميزان وتارة بالتسبيب بالأقلام، ولا يلي هذه الوظيفة إلا من ذوي العدالة المبرزة.
وأما نظر الاصطبلات فهو ديوان جليل، مباشرته في اصطبل السلطان، وله الحديث في أنواع الاصطبلات والمناخات [¬١] وعليقها وأرزاق المستخدمين فيها ومالها من الاستعمالات والإطلاق، وكل ما يبتاع لها أو يبتاع بها (٢).
وأما وظائف ذوي العلم فقد تقدم القول أنها القضاة والخطابة ووكالة بيت المال والحسبة، وهذه وظائف معروفة ومباشرات أربابها معلومة لأنه لا يكاد تخلو مملكة من ممالك الإسلام فيها.
стр. 963
فصل
وفي هذه المملكة وما هو متعلق (١) بها مجموع المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها، المسجد الحرام والبيت المقدس ومسجد النبي ﷺ ، وأول ما تبدأ به ما هو محقق في هذه المملكة، ودخل في حدودها وهو القدس وبه المسجد الأقصى والصخرة التي هي أول القبلتين، وإليه كان إسراء النبي ﷺ من المسجد الحرام كما قال الله ﴿سُبْحانَ اَلَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرامِ إِلَى اَلْمَسْجِدِ اَلْأَقْصَى اَلَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ [¬١] وبجانبه الأيمن الطور وعليه كانت مخاطبة موسى ﵇ وفيه وفيما حوله غالب مدافن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. (٢)
قال التيفاشي [¬٢] في كتاب سرور النفس بمدارك الحواس الخمس [¬٣] وذكرت الرواة أن هذه الأرض التي بارك الله فيها وحولها [¬٤] أربعون ميلا عرضا في تدوير
стр. 964
البيت المقدس [¬١]، والبيت المقدس في وسطها، وكان اسمها في الزمن الأول ايليا [¬٢]، وقول الله تعالى يحقق أن بيت المقدس في وسط تربيع الأرض المقدسة التي بارك الله تعالى فيها، والمسجد الأقصى في قبة السلسلة (المخطوط ص ٢٢٦) وكان مجلس داود ﵇.
وفيه أيضا الموضع الذي عرج بالنبي ﷺ إلى السماء منه، وهو تحت قبة المعراج [¬٣]، وفيه موضع مصلى أيوب ﵇ بالملائكة على قبة يقال لها قبة الملائكة، وفيه الصخرة التي كان يقرب عليها يوشع بن نون خلافة لموسى بن عمران وفيه محراب مريم، وفيه متعبد زكريا، وهو نفسه من بناء داود وسليمان ﵉:
قلت (١): وفيه قبر إبراهيم الخليل على الصحيح داخل السور المحيط بالمكان المعروف به الآن بقرية إبراهيم (٢) المسماة الآن ببلدة الخليل [¬٤]، وإن لم يصح القبر المعين الآن بعينه (٣) وقد تضمن كتاب الله العزيز والأحاديث الواردة عن النبي ﷺ من فضائله ما فيه كفاية.
والصخرة قبلة اليهود الآن وإلى القدس حجهم، وبالقدس القمامة [¬٥] التي
стр. 965
يحجها النصارى من أقطار الأرض وأعماق البحر.
وإلى جانب القدس مدينة نابلس [¬١] محسوبة من الأرض المقدسة، وداخلة في حدودها وإلى طورها حج السامرة وهم طائفة من اليهود [¬٢] ينتمي أئمتها (١) إلى بنوة هارون ﵇.
فالقدس الشريف معظم عند جميع (٢) المسلمين واليهود والنصارى، ومكان زيارة لهم أجمعين، وإنما اختلافهم في أماكن الزيارة منه، وما نبهنا على هذا إلا لما فيه من الفائدة لإطباق الجميع على تعظيمه وقصده بالزيارة.
وأما الحرمان الشريفان مكة [¬٣] والمدينة [¬٤] زادهما الله جلالة وتعظيما، فهما من الحجاز ولم يزل أمراء المدينة الشريفة مترامين إلى صاحب مصر في غالب أوقاتهم، ومعظم أيامهم إلا القليل النادر، فإنه ربما عصى بعضهم، ومع هذا لا يترامى إلى سواه (٣). وأما أمراء مكة المعظمة فقد كان منهم من يسر حوافي من
стр. 966
ارتقاء يرضى صاحب مصر بأنه سامع له مطيع، ويقول لصاحب اليمن مثل ذلك، وكان أكثر ميلهم إلى صاحب اليمن حقيقة، هو أهم معه ثم تراموا إلى صاحب العراق لقوة سلطانه (المخطوط ص ٢٢٧).
وما برح هذا السلطان يجلس منهم ويطلق ويقيم الواحد بعد الواحد، ويجهز إليهم الجيش مرة بعد أخرى ليصفوا له كدرهم على علاتهم، فأما الآن فقد حكم عليهم حكما قاهرا حتى انقاد له صعبهم، ولانت له شكائمهم على إباء فيها واعوجاج بها، وذلك لما مات أبو سعيد بهادر خان بن محمد خدابنده سلطان العراق (١) وتشعبت بعده الأهواء، ولم يعد إلى بعد (٢) تأليف (كتابي (٣) هذا، أنهم يجمل) (٤) ولا صلحت [¬١] لهم أمور وأمراء المدينة من بني الحسن بن علي ﵄ من أولاد جماز بن شيحه [¬٢].
وأمراء مكة المعظمة من أولاد الحسن بن علي بن علي (٥) ﵄ من أولاد إدريس بن قتادة [¬٣]، وبكل منهما جماعة من الأشراف أقارب أمرائها، وهؤلاء أمراء مكة والمدينة على طاعتهم وعصيانهم لابد القائم منهم بالإمرة من ملاطفة صاحب مصر حتى يأخذ منه تقليدا [¬٤] بالإمرة، لخوفهم من قربه ومواصلة ركبانهم إليهم من مصر ودمشق، وقد ذكرنا هذا توفية بشرط هذا
стр. 967
الكتاب، ولم نتعرض إلى ذكر فضائلهما كفى الحرمين عن ذلك، وفيهما البيت المحجوج المحجوب، ونبي هذه الأمة وشفيعها سيدنا محمد ﷺ ، فحسبهما بمكان بيت الله ورسوله المصطفى ﷺ شرفا، تتطامن له أعناق السماء، ويمسك بأطراف البسيطين الثرى والماء.
ومما هو في حدود هذه المملكة مما له باسم سلطان حاكم وملك متصرف، حماة [¬١] وهي مدينة بين حمص [¬٢] وحلب [¬٣] وهي لبقايا ملوك بني أيوب من أراد صاحب مصر ولاه ومن أراد عزله، ولقد كانت انتزعت منهم بعد موت المظفر شادي بن المنصور محمد بن المظفر، ووليت لنواب كبقية نواب هذه المملكة ثم أن هذا السلطان أعادها إلى البيت الأيوبي، وملك بها المؤيد عماد الدين إسماعيل بن الأفضل (١) بن المظفر ابن عم الذي انتزعت بعد موته ثم بعده ولده الأفضل محمد وهو القائم بها الآن، يستقل فيها بإعطاء (المخطوط ص ٢٢٨) الإمرة والإقطاعات وتولية القضاة والوزراء وكتابة السر وكل الوضائف، ويكتب المناشير والتواقيع من جهته، ولكن لا يمضي أمرا كبيرا في مثل إعطاء إمرة أو إعطاء وظيفة كبيرة، حتى يشاور صاحب مصر، وهو لا يجيبه إلا بأن الرأي ما يراه، وهذا ومثله.
وهذه حماة مبنية على نهر العاصي، وهي من أحاسن مدن الشام. ومما يجب
стр. 968
ذكره هنا ذكر بلاد سيس، وهي ما بين حلب والروم استولى عليها الأرمن من قديم، ومملكتها في بيت الأرد بن مليح الأرميني من مدة متقدمة.
وبلادها بعضها أغوار على ساحل البحر، وبعضها متعلقة بالجبال، وهي من العواصم، ومما يليها، وملكها مترام إلى صاحب العراق والعجم، ومنتظم في سلكه، وما خرج عسكره إلى الشام لقتال صاحب مصر إلا وخرج معهم، وكثر سواد عسكره، وبالغ في نكاية الإسلام وأهله، وهو مع هذا يدارى صاحب مصر ويداهنه ويحمل إليه ما لا في كل سنة، قطيعة مقررة، وفي كل وقت (١) وحين تغزوه عساكر مصر والشام في عقر البيره، وفتحت البلاد وسبى النساء والذراري في سنة تأليفي فيها هذا الكتاب، وهي سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة [¬١]، جهز السلطان فرقة من العساكر إليها، فخاف صاحبها، وسلم جانبا من بلاده، مما يلي المملكة الإسلامية من نهر جيهان (٢) إلى ما لاصق البلاد، وصارت بحمد الله في يد الإسلام، وقبضة السلطان، وقرر عليه القطيعة على باقي بلاده.
ومن خصاص هذه المملكة معدن الزمرد وهو بالحد المتصل بأسوان له من جهة السلطان ديوان وشهود، وينفق على العمال به، وتقام لهم المؤن لحفره واستخراج الزمرد منه، وهو في جبال هرمله، يحفر فيه، وربما سقط على الجماعة به فماتوا وتجمع ما يخرج منه، ويحمل إلى السلطان، ومنه يحمل إلى البلاد، ولقد رأيت منه قطعة وسطها أخضر، في نهاية الحسن، وأطرافه جميعه أبيض، ما بين وسطه وأطرافه بين اللونين، ثم كلما كان أقرب (المخطوط ص ٢٢٩) إلى الوسط كان أقرب إلى الخضرة، كان إلى الطرف، كان أميل إلى البياض إلى أن كان آخره
стр. 969
أبيض الوسط، أنضجته الطبيعة نضجا كاملا والأطراف لم يكمل نضجها، فسبحان الله مبدع كل شيء.
وبها البلسان وهو شجر قصار بالمطرية (١) [¬١]
حاضرة عين شمس (٢) بالقرب من القاهرة، وتسقى من بير هناك، (ولا يكون إلا في تلك البقعة، وهذه البير) [¬٢] تعظمها النصارى، وتقصدها وتغتسل بمائها، وتستشفى بها على زعمها، ويخرج لاعتصار البلسان أوان إدراكه من قبل السلطان، من يتولى ذلك ويحفظه، ويحمل إلى الخزانة ثم يحمل منه إلى قلاع الشام، والمارستانات [¬٣] لمعالجة المبرودين، وملوك النصارى من الجيوش والروم والفرنج بها دون السلطان بسببه، (ويستهدونه منه) (٣) لأنهم لا يصح عندهم تنصر إلا بالغمس في ماء العمودية وعندهم أنه لا بد أن يكون في ماء العمودية من دهن البلسان، هكذا أخبرني جماعة من النصارى، وهو ظاهر التقديم في معالجة الفالج وارتخاء الأعصاب وسائر الأمراض.
وفيها القرصفة والصنم السليماني، والسبسب من مكان يعرف بدار الغربة، قريب مصر، أنفع دواء للاستسقاء، ومنه الأفيون، وهو عصارة الخشخاش الأسود المصري، وكذلك الجوز المائل، وهو يطلع بدمياط [¬٤]، فأما ما يطلع بجبال
стр. 970
القدس وبلاد فلسطين والأردن من الحشائش المنصوص عليها في كتب الأطباء فكثير جدا كالمرياقلوت [¬١] ذات الألف ورقة التي هي من أجل الباذزهرات [¬٢] النافعة من السموم القتالة، ولم نذكر هذا إلا على سبيل العرض وإلا فليس هو من المقصود.
стр. 971
ذكر عادة هذه المملكة في الخلع ومراتبها
وهي ثلاثة أنواع؛ أرباب السيوف والأقلام والعلماء، فأما أرباب السيوف (١) أكابر ذوي المئين منهم الأطلس الأحمر الرومي وتحته الأطلس الأصفر الرومي وعلى الفوقاني طرز مزركش ذهب وتحته سنجاب، وله سجف من ظاهره مع الغشاء قندس وكلوته زركش ذهب وكلاليب ذهب وشاش لانس رفيع موصول به في طرفيه حرير أبيض مرقوم بألقاب السلطان (المخطوط ص ٢٣٠) مع نقوش باهرة من الحرير الملون مع منطقة (٢) ذهب، ثم تختلف أحوال المنطقة بحسب مقاديرهم، وأغلاها أن يعمل بين عمدها يواكر [¬١] أوسط ومجنبين مرصعة بالبلخش [¬٢] (٣) والزمرد، واللؤلؤ.
ثم ما كان بيكاريه واحدة مرصعة ثم ما كان بيكارية واحدة من غير ترصيع.
فأما من تقلده ولاية كبيرة منهم، فإنه يزاد سيفا محلى بالذهب (٤) وفرسا مسرجا ملجما بكنبوش مذهب.
وصاحب حماة خلعته من أعلى هذه الخلع، وبدل الشاس اللانس بشاش يعمل بالاسكندرية من الحرير شبيه بالطول، ويمرج بالذهب، ويعرف بالمثمن،
стр. 972
ويعطى فرسانا، أحدهما كما ذكر والآخر يكون عوض كنبوشة زناري أطلس أحمر، وقد استقر لنائب الشام مثل هذا وأزيد بتركيبه مزركش ذهب دائرة بالقباء الفوقاني، ودون هذه المرتبة في الخلع نوع يسمى الطرد وحش يعمل بدار الطراز بالاسكندرية وبمصر وبدمشق، وهو مجوخ جاخات كتابه بألقاب السلطان.
وجاخات طردوحش [¬١] أو طير، وجاخات ألوان ممتزجة بقصب مذهب تفصل بين هذه الجاخات نقوش وطراز، هذا من القصب وربما كبر بعضهم فركب عليه طراز مزركش بالذهب، وعليه السنجاب والقندس كما تقدم، وتحته قباء من المفرج الاسكندراني الطرح وكلوته زركش كلاليب وشاش على ما تقدم، وحياصة ذهب تارة تكون بيكارية وتارة لا تكون بيكارية.
وهذه لأصاغر أمراء المئين، ومن يلحق بهم ودون هذه الرتبة كنجى [¬٢] عليه نقش من لون آخر غير لونه، وقد يكون من نوع لونه، يتفاوت بينهما بسنجاب مقندس والقباء (١) كما قدمنا ذكره، إلا أن الحياصة [¬٣] والشاش [¬٤] لا يكونان بأطراف رقم بل تكون مجوخة بأخضر وأصفر مذهب، لا يكون بيكارية [¬٥]
стр. 973
ودون هذه الرتبة كنجى بلون واحد بسنجاب مقندس [¬١] والبقية على ما ذكر، وتكون الكلوتة خفيفة الذهب، وجانباها يكاد (المخطوط ص ٢٣١) أن يكونان خاليين بالجملة، ولا حياصة له ودون هذه الرتبة لا محرم لون واحد، والبقية على ما ذكر خلا الكلوته والكلاليب ودون هذه الرتبة محرم وقندس تحته قباء ملون بجاخات من أحمر وأخضر وأزرق أو غير ذلك من الألوان وسنجاب وقندس، وتحته قبائها إما أزرق أو أخضر أو شاش أبيض بأطراف من نسبة ما تقدم ذكره، ثم ما دون هذا النوع ولا بد من تنقيص ما.
وأما الوزراء والكتاب فأجل خلعهم كنجى أبيض مطرز برقم حرير ساذج وسنجاب وقندس ويبطن القندس بالسنجاب، وتملأ الأكمام به، وتحته كنجى أخضر وبقيار كتان من عمل دمياط مرقوم وطرحة، ثم دون هذه التربة عدم تبطين القندس بالسنجاب وأخلى الأكمام منه، ودونها ترك الطرحة، ودونها أن يكون التحتاني محرما، ودون هذا أن يكون الفوقاني من نوع الكنجي، لكنه غير أبيض ثم تحته عنابي طرح (١) أو ما يجرى مجراه، ثم ما دون ذلك ما قدمنا في خلع أرباب السيوف.
وأما القضاة والعلماء فخلعهم من الصوف بغير طراز، ولهم الطرحة، وأجله أن يكون أبيض وتحته أخضر ثم ما دون ذلك على نحو ما قدمنا.
وأما أهبة الخطباء فإنها من السواد للشعار العباسي وهو دلق مدور كما قدمنا وصفه في ذكر زي العلماء وشاش أسود وطرحة سوداء، وينصب على المنبر علمان أسودان مكتوبان بأبيض أو بذهب؛ ويخرج المبلغ من المؤذنين قدام
стр. 974
الخطيب، وعليه سواد مثل الخطيب، خلا الطرحة، وفي يده السيف، فإذا صعد الخطيب المنبر أخذ منه السيف فإذا رقى المنبر وسلم، أذن لابس السواد تحت درج المنبر، وتبعه المؤذنون، ثم ذكر الحديث الوارد؛ (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب أنصت فقد لغوت) [¬١] ثم يبلغ عنه الصلاة والرضا والدعاء للخليفة (المخطوط ص ٢٣٢) والسلطان هو ثم (١) المؤذنون ثم إذا انحط إلى الصلاة أخذ السيف من يده، وهذه الأهبة تصرف من الخزانة، ثم تكون في حواصل الجوامع، لتلبس في ساعات الجمع، فإذا خلعت أعيدت الخلعة في الخزانة، وصرف لهم عوضها.
стр. 975
ذكر العيدين
قد تقدم ذكرنا لهيئة السلطان في ركوبه أيام الأعياد وبقى ما لابد من ذكره هنا، وهو أنه إذا ركب من باب قصره بقلعة الجبل، ونزل إلى منفذه من الإصطبل إلى ميدان العبيد الملاصق له، ينزل به في دهليز قد ضرب له على أكمل ما يكون من الأبهة (١)، فيصلى، ويسمع الخطبة، ثم يركب ويعود إلى الإيوان الكبير المقدم. ذكره، ويمد به السماط، ويخلع على حامل الجتر [¬١] والسلاح واستاذدار، والجاشنكير (٢)، وكثير من أرباب الذين لهم خدمة في مهم العيد كنواب استاذدار [¬٢] وصغار الجاشنكيرية ونقيب النقباء وناظر البيوت، ومثل هؤلاء.
ومن عادة هؤلاء أن يعد له كل عيد خلعه على أنها لملبوسه من نسبة خلع أكابر (٣) المئين، فما يلبسها هو ولكن يخص بها من بعض أكابر أمراء المئين، يخلعها عليه.
ولصاحب مصر في مثل هذه اليد الطولى حتى بقى بابه سوقا ينفق فيه كل مجلوب، ويحضر إليه الناس من كل قطر حتى كاد هذا ينهك المملكة، ويؤدي (٤) بمتحصلاتها عن آخرها، وغالب هذا ربما قدره هذا السلطان، ولقد يتعب من يجيء بعده بكثرة هذا الإحسان.
стр. 976
ولهذا السلطان عادات جميلة كلها من الخلع في أوقات لعبه بالكرة على أناس جرت لهم عنده عوائد بالخلع في ذلك الوقت كالجوكندار (١) [¬١] والولاه، ومن يجري مجراهم ممن له خدمة في ذلك عادة مما ينعم به ويطلقه (المخطوط ص ٢٣٣) وإذا حصل لواحد شيئا مما يصيده في صيوده، خلع عليه، وأما إذا خرج إلى صيد الوحش وصادوا الغزلان والنعام فكل من أحضر له صيدا، خلع عليه قباء مستحبا بما يناسب خلعه مثله للكبير كبير وللصغير صغير كل واحد على قدره.
وكذلك البزداريه [¬٢] وحملة الجوارح ومن يجري مجراهم عند كل صيد انعامات ينعم بها عليهم، ولغلمانه في الطاشتخاناه [¬٣] والشرابخانات [¬٤] والفراشخانات [¬٥]، ومن يجرى مجراهم، عوائد في كل سنة زمان الصيود، كل هذه العوائد (٢) جارية لا تنقطع، ولكل من يتصل بخدمة هذا السلطان بمن يرد عليه أو بها جر من مملكة أخرى أنواع الإدرارات والأرزاق والإنعام، وغايات لا يبلغها قرارته في بلاده، ولا يزين بظله.
وكذلك التجار الذين يصلون إليه ويبيعون عليه، لهم عليه الرواتب الدائمة من الخبز واللحم والتوابل والحلوى والعليق والمسامحات بنظير كل ما يباع عليه من الرقيق المماليك والجواري مع ما يسامحهم به أيضا من حقوق تطلق أخرى.
стр. 977
وكل هؤلاء إذا باعوا عليه ولو رأسا واحدا من الرقيق لهم خلع مكملة، لكل واحد بحسبه خارجا من الثمن، وعما ينعم به على بعضهم أو يستقر به من مال السلطان على سبيل القرض، ليتاجر به.
فأما جلاّبة الخيل من عرب الحجاز والشام والبحرين [¬١] وبرقة وبلاد العرب (١) فإن لهم من ذلك الحظ الوافر والنصيب الراجح، وربما أعطى عن الفرس نظير ثمنها عشر مرات وأكثر، غير الخلع والرواتب والعلوفات والإنزال ورسوم المقامات خارجة عن تثمين الخيول ومسامحات تكتب لهم بالمقررات عن تجارات يتجرون (٢) بها، مما أخذوه من أثمان الخيول.
(٣) (قلت: وبجنده المملكة جميع قبل الملل، أما القبلة الإسلامية فهو بيت مكة المعظمة، وهو بها كما تقدم، وأما اليهود فقبلتهم البيت المقدس (المخطوط ص ٢٣٤) وقد كان القبلة الأولى في الملة الإسلامية، وهو بها، وأما الساحرة وهم فرع من اليهود فقبلتهم طور نابلس وهو بها عندهم أنه طور سيناء، وأما النصارى فلا قبلة لهم وتوجههم إلى الشرق لا لقبلة، وجميع معابدهم التي يعظمونها بها مثل قمامة [¬٢] وهي بالقدس، وإليها حجهم، من أقطار الأرض يأتون إليها من البراري والبحار، وبيت لحم [¬٣] به مولد عيسى المسيح عليه
стр. 978
السلام وكنيسة صيدنايا [¬١] ببر دمشق، وكنيسة صور [¬٢]، ومن ملوكهم من لا يصح تمليكه حتى يصلى عليه فيها، وكنيسة ماري حنا [¬٣] (١) بالاسكندرية وهي معتقد اليعاقبة منهم، وبها بطريرك القبط، وملوك الحبشة [¬٤] لعظم هذا البطريرك، وتشير إليه بالتعظيم، وإذا جاءهم كتابه (٢)، عملوا به، لا خروج لهم عنه، ولا مندوحة لهم عند حكمه، وهو يولى عليهم مطرانا بعد مطران، كلما مات واحد بعث غيره، نائبا له فيهم، وذلك المطران يقوم بالحبشة مقام البطريرك في الأمر والنهي فيهم، وانقيادهم أجمعين إلى طاعته من غير مخالفة له ولا عليه في شيء.
حدثني من أثق به أن بعض التجار بمصر جهز مالا له مع مسفر به (٣) إلى الحبشة، فمات المسفر (٤) وبئس صاحب المال من ماله، وكان مالا كثيرا، فعيل صبره، وشكا إلى السلطنة بمصر حاله، فقيل للبطريرك، فكتب كتابا إلى ملك الحبشة، يأمره بإعادة مال الرجل إليه ثم أن صاحب المال سفر رجلا أعهد عليه فما طال به المكث أتى (٥) بجوابه بالامتثال، وأحضر معه جميع المال بعينه أصله
стр. 979
وربحه.
وحكى عن تعظيم الحبشة لكتاب البطريرك أنه منذ دخل حدود بلاده وحدودهم (١)، وعلموا بالكتاب، تلقاه عمال الأطراف بها ورفعوا الكتاب على رمح وحملوه هو ومحضره ومن حضر معه على أرفه (٢) الدواب، ورتبوا له الإنزال والإقامات (المطوط ص ٢٣٥) يوصله أهل كل عمل إلى الآخر على هذه الصورة حتى انتهى إلى حضرة الملك، فبالغ في إكرامه وإنزاله، وإضافته.
فلما كان يوم الأحد أخذ منه الكتاب وقرأه المطران في الكنيسة على الملك، وهو واقف مكشوف الرأس إلى أن فرغ ثم أمر بإحضار المال وتسليمه إليه، ولم يخرج منه مكانه حتى أوصل إليه المال ثم وصله بصلة جيدة، وإفادة مكرمة والإنزال جار عليه من عمل إلى عمل إلى أن خرج من حدوده.
قلت: ولهذا جميع ملوك النصرانية الملكية واليعاقبة تهادى صاحب مصر، وتراسله لاحتياجها لتمكين المترددين من عندهم من زيارة قمامة، وبقية مزاراتهم، واليعاقبة أكثر حاجاتهم إليه لمقام بطريركهم عنده، فإنهم لا باب لهم بخلاف الملكية فإن لأولئك الباب [¬١] وهو بروميه [¬٢].
قلت: والباب هو طاغيتهم العظمى عندهم أن الحلال ما حلل والحرام ما حرم، ولا لأحد عندهم مندوحة أن يتأخر عن أمره أو يتقدم (٣).
стр. 980
فصل
ومن شيعة هذا السلطان طائفة تعرف بالإسماعيلية [¬١] مساكنهم (١) في مصياف [¬٢]، وما معها من قلاع الدعوة (٢) على مسافة ما بين حمص وحماة، متصلة بالبحر الرومي إلى جانب طرابلس الشام [¬٣]، وهؤلاء هم الذين يسمون في بلاد العجم تارة بالباطنية وتارة بالملاحدة، وملخص معتقدهم التناسخ، وهم يسمون (٣) أصحاب الدعوة الهادية، وهم شيعة الخلفاء الذين كانوا بمصر وتسموا [¬٤] بالفاطميين [¬٥]، وكان قد انتهت رئاسة هذه الطائفة إلى راشد الدين سنان، وكان صاحب سماء (٤)، أراهم بها ما أضل به عقولهم من تخيل أشخاص، فمن مات على طاعة أئمتهم في جنات ونعيم، وأشخاص فمن مات على عصيان أئمتهم في النار والجحيم، وهم يعتقدون أن كل من ملك مصر كان مظهرا لهم، فلهذا تتوالاه هذه الطائفة، وترى ائتلاف نفوسها في طاعته لما ينتقل
стр. 981
إليه من النعيم الأكبر.
ولصاحب مصر بتشيع هؤلاء مزية يخافه بها أعداؤه لأنه يرسل من هؤلاء إليه من يقتله، ولا يبالي أن يقتل معه، ومن بعثه صاحب مصر إلى عدو له ليقتله فجبن قتله أهله إذا عاد، وإن هرب اتبعوه وقتلوه.
ولقد سألت المقدم عليهم والمشار إليه فيهم وهو مبارك بن علوان عن معتقدهم، وجاذبته في هذا الحديث مرات، فظهر لي أن هذه الطائفة ترى أن الأرواح مسجونة في هذه الأجسام المكلفة بطاعة الإمام المظهر على زعمهم، فإذا انتقلت على الطاعة كانت قد تخلصت وانتقلت للأنوار العلوية، وإن انتقلت على العصيان هوت في الظلمات السفلية وعقيدتهم أن عليا ﵁، كان المظهر ثم الانتقال منه، وليس هذا بمكان التطويل فيه (١).
(٢) وأكابر المدن المشورة بهذه المملكة قاعدة الملك الكبرى وهي القاهرة، وقد تقدم القول على أنها هي والقلعة والفسطاط ثلاث مدن صارت مدينة واحدة، وقوص والاسكندرية ودمياط، ودمشق وهي قاعدة الملك الثانية ثم بعلبك [¬١] ثم حمص (٣) ثم حماه ثم حلب ثم طرابلس ثم صفد والقدس والكرك [¬٢] وغزة [¬٣]
стр. 982
وتقدم القول على قلة والمدينة المعظمتين، وكيف دخولهما في المملكة على ما بيننا هناك.
أما قلعة الجبل فهي على نشز عال يسمى الجبل الأحمر من تقاطيع جبل المقطم (١) بناها قراقوش للملك الناصر صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيوب ﵀، ولم يسكنها حتى ملك أخوه العادل أبو بكر فسكنها، وهي مبنية على ذلك النشز، ترتفع في موضع منه وتنخفض في آخر، يدور بها سور حجر بأبراج وبدنات إلى أن ينتهى إلى القصر الأبلق الناصري المستجد بناؤه، ثم من هناك تتصل بدور الملك، ليست على أوضاع أبراج القلاع، يدخل إلى القلعة من بابين أحدهما؛ (المخطوط ص ٢٣٧) بابها الأعظم مواجه القاهرة، والثاني ينفذ إلى القرافة، وبينهما ساحة فسيحة في جانبيها قبلة بشرق، وشمالا بغرب بيوت وبالقبلى سوق للمأكل، وينتهى من صدر الساحة إلى دركاه [¬١] جليلة يجلس بها (٢) الأمراء حتى يؤذن لهم بالدخول (٣)، وفي وسطها باب القلعة يدخل منه في دهاليز فسيحة إلى ديار وبيوت ومساكن وإلى المسجد الجامع، وقد كان لا مسجد لضيق بنائه، فبناه هذا السلطان بناء متسع الأرجاء، متسع البناء، مفروش الأرض بالرخام، مبطن السقوف بالذهب، وفي وسطه قبة علية تليها المقصورة مستورة هي والرواقات بالشبابيك الحديد المحكمة الصنعة، ويحف صحنه رواقات من جهاته، ويمشي من دهليز باب القلة المقدم ذكره (٤) في مدخل أبواب إلى رحبة فسيحة في صدرها الإيوان الكبير، المعد لجلوس أيام المواكب، وإقامة
стр. 983
دار العدل، وبجانب الرحبة ديار جليلة، وفي محنته ممر إلى باب القصر الأبلق تليه رحبة صغيرة، يجلس هناك خواص الأمراء قبل دخولهم إلى الخدمة الدائمة، ويمشى من باب القصر في دهاليز إلى قصر عظيم البناء شاهق في الهواء بإيوانيين أعظمهما الشمالي يطل منه على الاصطبلات السلطانية ويمتد النظر إلى سوق الخيل والقاهرة وحواضرها إلى بحر النيل وما يليها من بلاد الجيزة وقراها.
وفي الإيوان الثاني القبلي باب خاص لخروج السلطان وخواصه منه إلى الإيوان الكبير في أيام المواكب، ويدخل من هذا القصر إلى ثلثه قصور جوانية منها واحد مسامت الأرض هذا القصر الكبير، واثنان مرفوعان يصعد إليهما بدرج في جميعها شبابيك حديد تخترق إلى مثل منظر القصر الكبير، وفي هذه القصور مجاري الماء مرفوعا من النيل بدواليب تديرها الأبقار من مقره إلى أخرى حتى ينتهي إلى القلعة ثم يدخل إلى القصور (المخطوط ص ٢٣٨) السلطانية ودور أكابر الأمراء الخواص المجاورين للسلطان يجرى في دورهم، وتدور به حماماتهم وهو من عجائب الأعمال لرفعته مما يقارب خمسمائة ذراع من مكان إلى مكان، ويدخل من القصور الجوانية إلى حرم الحريم وأبواب الستور السلطانية. وهذه القصور جميعها من ظاهرها بالحجر الأسود والأصفر، مؤزرة من داخلها بالرخام والفص المذهب والمشجر بالصدف والمعجون والطرقات (١) وأنواع الملونات والسقوف المبطنة بالذهب واللازورد يخرق الضوء في جدرانها بطاقات من الزجاج القبرسي الملون كقطع الجوهر المؤلفة في العقود، وجميع الأرض بها مفروشة بالرخام المنقول إليها من أقطار الأرض مما لا يوجد مثله، فأما الأدر السلطانية فعلى ما صح عندي خبرة ذوات بساتين وأشجار وساحات للحيوانات البديعة والأبقار والأغنام والطيور والدواجن (٢) وباقي داخلها يعني
стр. 984
القلعة للمالك السلطانية وخواص الأمراء بنسائهم وحرمهم ومماليكهم ودواوينهم وطشت خاناتهم وفراش خاناتهم وشراب خاناتهم ومطابخهم ووظائفهم.
والقلعة بها مساكن لأكابر الأمراء ومن كبر من الطبلخانات والعشرات، ومن خرج عن حكم الخاجكيه إلى طبقة البرانيين، ودار الوزارة ودار كاتب السر وديوان الإنشاء وديوان الجيوش وديوان الأموال والنقباء والزردخاناه والحبوس (١) والأسرى وما يجري في هذا المجرى، مقسمة المساكن، فيها المساجد والحوانيت والأسواق في جهاتها، هذه جملة العمارة.
ثم نذكر بقية ما يتعلق بالقصر السلطانية فنقول: أنه ينزل منه في جانب إيوان القصر إلى الإصطبلات السلطانية ثم إلى ميدان ممرج بالنجيل الأخضر فاصل بين الاصطبلات وبين سوق الخيل، في غربيه، فسيح المدى يسافر النظر في أرجائه، يركب السلطان من درج يلي قصره الجواني (المخطوط ص ٢٣٩) وينزل إلى الاصطبل الخاص ثم إليه راكبا وخواص الأمراء في خدمته لعرض الخيول في أوقات طعم الطير، وربما وقف به راكبا، وربما نزل فيه، ولم ينصب عليه خيام وربما نصب عليه الخيام إذا طال مكثه، وكان زمان حر أو برد، وربما مد به السماط ثم يطلع راكبا إلى قصره.
وبهذا الميدان أنواع من الوحش المستحسن النظر، وتربى [¬١] به خواص الخيول للتفسح، وفي هذا الميدان يصلى السلطان وخواصه ومن لا يقدر يفارقه من ذوي الخدم، صلاة العيدين، ونزوله إليه وطلوعه، منه من باب خاص من دهليز القصر غير هذا المعتاد النزول منه لما قدمنا ذكره، وللسلطان عدة أبواب سر إلى القرافة وإلى غيرها، لا حاجة لنا إلى ذكرها.
стр. 985
قلت: هذه القصور والأيوان الكبير، والميدان الأخضر، والجامع، وغالب العمائر الضخمة بالقلة، والقلعة عمارة هذا السلطان، وبناؤه مطرزة الطرز فيها بألقابه واسمه، ترد الطرف كليلا بأنوارها، وترف القلوب على ما تفتح من نقوش نوارها، تقر الملوك بها، لعلو هممه وسعة إنفاقه وكرمه، تقف عليها الأبصار ويعرف من رآها أنه هان عليه العدو والدينار (١).