← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

إليه من النعيم الأكبر. ولصاحب مصر بتشيع هؤلاء مزية يخافه بها أعداؤه لأنه يرسل من هؤلاء إليه من يقتله، ولا يبالي أن يقتل معه، ومن بعثه صاحب مصر إلى عدو له ليقتله فجبن قتله أهله إذا عاد، وإن هرب اتبعوه وقتلوه. ولقد سألت المقدم عليهم والمشار إليه فيهم وهو مبارك بن علوان عن معتقدهم، وجاذبته في هذا الحديث مرات، فظهر لي أن هذه الطائفة ترى أن الأرواح مسجونة في هذه الأجسام المكلفة بطاعة الإمام المظهر على زعمهم، فإذا انتقلت على الطاعة كانت قد تخلصت وانتقلت للأنوار العلوية، وإن انتقلت على العصيان هوت في الظلمات السفلية وعقيدتهم أن عليا ﵁، كان المظهر ثم الانتقال منه، وليس هذا بمكان التطويل فيه (١). (٢) وأكابر المدن المشورة بهذه المملكة قاعدة الملك الكبرى وهي القاهرة، وقد تقدم القول على أنها هي والقلعة والفسطاط ثلاث مدن صارت مدينة واحدة، وقوص والاسكندرية ودمياط، ودمشق وهي قاعدة الملك الثانية ثم بعلبك [¬١] ثم حمص (٣) ثم حماه ثم حلب ثم طرابلس ثم صفد والقدس والكرك [¬٢] وغزة [¬٣]

стр. 982

وتقدم القول على قلة والمدينة المعظمتين، وكيف دخولهما في المملكة على ما بيننا هناك. أما قلعة الجبل فهي على نشز عال يسمى الجبل الأحمر من تقاطيع جبل المقطم (١) بناها قراقوش للملك الناصر صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيوب ﵀، ولم يسكنها حتى ملك أخوه العادل أبو بكر فسكنها، وهي مبنية على ذلك النشز، ترتفع في موضع منه وتنخفض في آخر، يدور بها سور حجر بأبراج وبدنات إلى أن ينتهى إلى القصر الأبلق الناصري المستجد بناؤه، ثم من هناك تتصل بدور الملك، ليست على أوضاع أبراج القلاع، يدخل إلى القلعة من بابين أحدهما؛ (المخطوط ص ٢٣٧) بابها الأعظم مواجه القاهرة، والثاني ينفذ إلى القرافة، وبينهما ساحة فسيحة في جانبيها قبلة بشرق، وشمالا بغرب بيوت وبالقبلى سوق للمأكل، وينتهى من صدر الساحة إلى دركاه [¬١] جليلة يجلس بها (٢) الأمراء حتى يؤذن لهم بالدخول (٣)، وفي وسطها باب القلعة يدخل منه في دهاليز فسيحة إلى ديار وبيوت ومساكن وإلى المسجد الجامع، وقد كان لا مسجد لضيق بنائه، فبناه هذا السلطان بناء متسع الأرجاء، متسع البناء، مفروش الأرض بالرخام، مبطن السقوف بالذهب، وفي وسطه قبة علية تليها المقصورة مستورة هي والرواقات بالشبابيك الحديد المحكمة الصنعة، ويحف صحنه رواقات من جهاته، ويمشي من دهليز باب القلة المقدم ذكره (٤) في مدخل أبواب إلى رحبة فسيحة في صدرها الإيوان الكبير، المعد لجلوس أيام المواكب، وإقامة

стр. 983

دار العدل، وبجانب الرحبة ديار جليلة، وفي محنته ممر إلى باب القصر الأبلق تليه رحبة صغيرة، يجلس هناك خواص الأمراء قبل دخولهم إلى الخدمة الدائمة، ويمشى من باب القصر في دهاليز إلى قصر عظيم البناء شاهق في الهواء بإيوانيين أعظمهما الشمالي يطل منه على الاصطبلات السلطانية ويمتد النظر إلى سوق الخيل والقاهرة وحواضرها إلى بحر النيل وما يليها من بلاد الجيزة وقراها. وفي الإيوان الثاني القبلي باب خاص لخروج السلطان وخواصه منه إلى الإيوان الكبير في أيام المواكب، ويدخل من هذا القصر إلى ثلثه قصور جوانية منها واحد مسامت الأرض هذا القصر الكبير، واثنان مرفوعان يصعد إليهما بدرج في جميعها شبابيك حديد تخترق إلى مثل منظر القصر الكبير، وفي هذه القصور مجاري الماء مرفوعا من النيل بدواليب تديرها الأبقار من مقره إلى أخرى حتى ينتهي إلى القلعة ثم يدخل إلى القصور (المخطوط ص ٢٣٨) السلطانية ودور أكابر الأمراء الخواص المجاورين للسلطان يجرى في دورهم، وتدور به حماماتهم وهو من عجائب الأعمال لرفعته مما يقارب خمسمائة ذراع من مكان إلى مكان، ويدخل من القصور الجوانية إلى حرم الحريم وأبواب الستور السلطانية. وهذه القصور جميعها من ظاهرها بالحجر الأسود والأصفر، مؤزرة من داخلها بالرخام والفص المذهب والمشجر بالصدف والمعجون والطرقات (١) وأنواع الملونات والسقوف المبطنة بالذهب واللازورد يخرق الضوء في جدرانها بطاقات من الزجاج القبرسي الملون كقطع الجوهر المؤلفة في العقود، وجميع الأرض بها مفروشة بالرخام المنقول إليها من أقطار الأرض مما لا يوجد مثله، فأما الأدر السلطانية فعلى ما صح عندي خبرة ذوات بساتين وأشجار وساحات للحيوانات البديعة والأبقار والأغنام والطيور والدواجن (٢) وباقي داخلها يعني

стр. 984

القلعة للمالك السلطانية وخواص الأمراء بنسائهم وحرمهم ومماليكهم ودواوينهم وطشت خاناتهم وفراش خاناتهم وشراب خاناتهم ومطابخهم ووظائفهم. والقلعة بها مساكن لأكابر الأمراء ومن كبر من الطبلخانات والعشرات، ومن خرج عن حكم الخاجكيه إلى طبقة البرانيين، ودار الوزارة ودار كاتب السر وديوان الإنشاء وديوان الجيوش وديوان الأموال والنقباء والزردخاناه والحبوس (١) والأسرى وما يجري في هذا المجرى، مقسمة المساكن، فيها المساجد والحوانيت والأسواق في جهاتها، هذه جملة العمارة. ثم نذكر بقية ما يتعلق بالقصر السلطانية فنقول: أنه ينزل منه في جانب إيوان القصر إلى الإصطبلات السلطانية ثم إلى ميدان ممرج بالنجيل الأخضر فاصل بين الاصطبلات وبين سوق الخيل، في غربيه، فسيح المدى يسافر النظر في أرجائه، يركب السلطان من درج يلي قصره الجواني (المخطوط ص ٢٣٩) وينزل إلى الاصطبل الخاص ثم إليه راكبا وخواص الأمراء في خدمته لعرض الخيول في أوقات طعم الطير، وربما وقف به راكبا، وربما نزل فيه، ولم ينصب عليه خيام وربما نصب عليه الخيام إذا طال مكثه، وكان زمان حر أو برد، وربما مد به السماط ثم يطلع راكبا إلى قصره. وبهذا الميدان أنواع من الوحش المستحسن النظر، وتربى [¬١] به خواص الخيول للتفسح، وفي هذا الميدان يصلى السلطان وخواصه ومن لا يقدر يفارقه من ذوي الخدم، صلاة العيدين، ونزوله إليه وطلوعه، منه من باب خاص من دهليز القصر غير هذا المعتاد النزول منه لما قدمنا ذكره، وللسلطان عدة أبواب سر إلى القرافة وإلى غيرها، لا حاجة لنا إلى ذكرها.

стр. 985

قلت: هذه القصور والأيوان الكبير، والميدان الأخضر، والجامع، وغالب العمائر الضخمة بالقلة، والقلعة عمارة هذا السلطان، وبناؤه مطرزة الطرز فيها بألقابه واسمه، ترد الطرف كليلا بأنوارها، وترف القلوب على ما تفتح من نقوش نوارها، تقر الملوك بها، لعلو هممه وسعة إنفاقه وكرمه، تقف عليها الأبصار ويعرف من رآها أنه هان عليه العدو والدينار (١).

стр. 986

الباب السادس

стр. 987

القاهرة مدينة عظيمة مبنية في وطأة نائية عن ذروة الجبل، أرضها سباخ، ولأجل هذا يعجل إلى مبانيها الفساد. والفسطاط [¬١] المسمى الآن على ألسنة العامة بمصر [¬٢] مدينة مبنية على ضفة النيل الشرقية، وقد بنى قبالتها في الجزيرة المبنى بها المقايس، أبنية كثيرة، صارت كأنها فرقة من مصر، ومجرى النيل بينهما لمنظره بينهما عند امتداد ضوء القمر، أو إيقاد السرج بالليل، منظر يجذب القلوب وكل من مصر والقاهرة وحواضرها الممتدة ذات رباع عليه مبلغ بعضها أربع طبقات، في كل طبقة مساكن كاملة بمنافعها ومترفقها، وسطح مقتطع لها من الأعلى بهندسة محكمة وصناعة (المخطوط ص ٢٤٠) عجيبة مع كوّن البيوت بعضها تحت (١) بعض، لا يرى مثل صناع مصر في هذا الباب، وفي كل من هاتين المدينتين وحواضرهما، القصور الشاهقة والديار العظيمة والمنازل الرحيبة، والأسواق الممتدة، والمدارس والخوانق، والربط والزوايا، والجميع على اتساع رقعة البناء، وفسحة الشوارع مزدحمة بالخلق سكنا وممشى (٢)، قد حشرت إليها الأمم، واختلفت إليها (٣) أنواع الطوائف. وقال لي غير واحد ممن رأى المدن الكبار، والخطط العظام في مشارق الأرض

стр. 988

ومغاربها، وبعيدها ومتقاربها: أنه ما رأى مدينة اجتمع فيها من الناس ما اجتمع في مصر والقاهرة وحواضرهما قال لي الصدر مجد الدين (١) اسماعيل السلامي، وقد سألته عن بغداد وتوريز، وهل يجمعان مثل مصر؛ فقال: في مصر خلق قدر كل من هو في جميع البلاد منها إلى توريز وغالب من فيها من العوام والباعة وأهل المهن والصنائع. كما قال القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني ﵀: أهل (٢) مصر على كثرة عددهم، وما ينسب من وفور المال إلى بلدهم، مساكين يعملون في البحر، ومجاهيد يدانون في البر (٣)، وأحمله على أنه قصد السجعة، إذ كل بلد فيها مجاهيد في أعمالهم، وما زال هذا في خاطري لا زيادة عندي عليه إلى أن أقمت بمصر، وسافرت في صحبة السلطان، غالب بلادها فرأيت خلقا ممن عليهم أرض مسجلة، قد ركب (٤) المنخفص فيها، ولم يركب العالي وهم وقوف كل اثنين على مستنقع ماء، وبأيديهما قفة بخيط في أذنيها، وهما يترفان الماء بها، ضربا باليد إلى ورائهما من نقرة محفورة، يجتمع ما ينزح منها، ثم يصرف في مجاري إلى تلك الأعالي، ثم التي لم يركبها الماء ليسقوها [¬١]، وهم من هذا في جهد جهيد، وأمر شديد، فعلمت أن هؤلاء الذين أراد القاضي الفاضل ﵀ مجاهيد يعملون في البر، فإنه ليس في البلاد أشد جهدا منهم وأنهم (المخطوط ص ٢٤١) ملزمون بدرهم معين، وأردب معين، فإن لم يعملوا هذا

стр. 989

أضنهم الطلب، ولم يجدوا جهة الوفاء. وأما بر الديار المصرية فإنه (١) ريف ممتد بين حاجزين (٢)، وأعقبه رمل مفصل بالقرى، وهي مبنية بالطوب، سود الظواهر يحف بها نخل، وتقل في بعض وتكثر في الأخرى (٣)، كلها على أنموذج واحد، من رأى واحدة [¬١] منها فكأنما رآها كلها. وقوص [¬٢] مدينة على شرقي النيل في أعلى الصعيد، واقعة في الثاني ذات ديار جليلة وفنادق ورباع وحمامات ومدارس، يسكنها جلة من التجار والعلماء وذوي الأموال، وهي أول محط ركاب تجار الهند والحبشة واليمن والحجاز، الواصلون في البحر المالح (٤) من صحراء عيزاب [¬٣]، وبها المكاسب ولها البساتين والحدائق ومنابت البقول والخضروات، لكنها شديدة الحر كثيرة العقارب والسام أبرص، وبها صنف من العقارب القتالات حتى أنه يقال فيها عن الملسوع أكلته العقرب، لأنه لا يرجى له إقامة. قال لي عز الدين حسن بن أبي المجد الصفدي أحد العدول بالقاهرة: أنه عد في يوم صيف على حائط الجامع سبعين سام أبرص على صف واحد، والمستفاد

стр. 990

أن أهل قوص إذا تمشى أحد منهم في مكان أو خرج إلى بيته أو منه يأخذ بيده الواحدة مسرجة وفي الأرض مشك يشك به العقارب. وفي الصعيد بقايا سحر قديم يحكى عنه أشياء، أصح ما سمعت منها ما حكى لي من أثق به عن طغصبا والي قوص؛ قال: أمسكت امرأة ساحرة فقلت لها: أريد أن (١) أبصر شيئا من سحرك؟ فقالت: أجوّد عملي أني أسحر العقرب. فقلت لها تسحري العقرب؟ قالت أسحره على اسم شخص مخصوص فلا تزال ذلك العقرب (٢) تتبع ذلك الشخص حتى يلسعه (٣) فيقتله. فقلت: أريني هذا وأسحري العقرب على اسمي، فأخذت عقربا وسحرته وأرسلته (٤) فبقيت كلما انحنى عنه وهو يتبعني، فجلست على تحت منصوب في بركة ماء، فجاءت العقرب إلى البركة وصارت (المخطوط ص ٢٤٢) تحاول طلوعها إليّ ولا تقدر على اقتحام الماء فذهبت إلى الجدار فصعدت فيه وأنا أنظرها حتى ترقب إلى السقف وجاءت إلى ساحة مكاني ثم رمت بنفسها إلى أن نزلت إلى الأرض وقصدت مكاني، فضربتها بعصى في يدي فقتلتها ثم أمسكت تلك الساحرة فقتلتها لما رأيت من سحرها العظيم. ويحكى كثير من هذا، ليس هذا موضع ذكره، ثم من قوص إلى أسوان ومن أسوان المؤجل إلى بلاد النوبة [¬١] ومن أسوان شعبة إلى الصحراء إلى عيزاب على ساحل البحر، يجاز منه على جده ميناء مكة المعظمة (٥) ومن هذا البحر مسالك

стр. 991

للتجار إلى عدن، ثم إلى ما أرادوا من الهند واليمن والحبشة ولم نذكر قوص دون ما سواها من الصعيد إلا لأنها هي مدينتها الحاضرة وبها يحط مصعدا ومنحدرا زمر الرفاق المسافرة.

стр. 992

الاسكندرية والاسكندرية [¬١] مدينة قديمة جليلة عظيمة وكانت في القديم أكبر مما هي الآن وأعظم في كثرة الأهل والبنيان، بناها الاسكندر ذو القرنين على شاطئ البحر الرومي، وكان بها على ما يقال سرير ملكه ومستقر أمة وجميع بنايتها بالحجر والكلس، مبيضة البيوت باطنا وظاهرا، كأنها الحمامة البيضاء، ذات شوارع مشرعة الأرجاء (١)، كل خط بذاته كأنها رقعة الشطرنج، يستدير بها أسوار ممنعة، وبروج محصنة، عليها الستائر المسترة، والمجانيق المنصوبة، وبها عسكر مستخدم لحفظها، وليس بالديار المصرية مدينة حاكمها مرسوم بنيابة السلطنة سوى الإسكندرية [¬٢]. لا يزال أهلها على يقظة من أمور البحر، ومخالسة العدو، وبها الديار الجليلة، والجوامع والمساجد، والربط والخوانق، والمشاهد [¬٣] والفنادق، والرباع والأسواق الممتدة، ومعامل البز والقماش والطرز الفائق المثل، إليها تهوى ركاب التجار برا وبحرا من كل فج عميق ومكان سحيق، وليس في الدنيا نظير شربها، وطرازها المعمول بها والمحمول إلى أقطار الأرض شرقا وغربا، منها من الحفير المنسوج بالذهب والفضة (المخطوط ص ٢٤٣). والمقصب بالقصب، وطرد الوحش المنوع، والجر والمنقوش، والمنزج والمدفون والديبقى والمساذج، والمفرح والمقاطع، والممرش والشرب الخام والمقصور وبدلات المقانع وأنواع المقصبات

стр. 993

والملون بالذهب والفضة والملاءات [¬١] والغوط من كل ما لا شبيه لرقمه ولا نظير لحسنه، يباع في (١) كل يوم فيها بآلاف مؤلفة من الذهب الأحمر، ولا ينفذ متاعها، ولا يقل موجودها وبالاسكندرية معاملة الدرهم السّواد حقيقة مقصورا عليها لا يخرج من سواها ولا يتعدى حاضرة أسوارها، وهو فيها كل درهمين سوداوين بدرهم واحد من نقد الدرهم المصري، يوجد بها الدراهم السود حقيقة اسم على مسمى. وأما من بقية الديار المصرية فكما قدمنا يوجد اسما لا مسمى كل ثلاثة دراهم سودا بدرهم واحد من الدراهم المصرية. والاسكندرية هي فرصة الغرب والأندلس وجزائر الفرنج وبلاد الروم وإليها ترد سوافنها، وتجلب بضائعها، ومنها تخرج أغراضها. فأما دمياط فهي وإن كانت وسيلتها في هذا الباب، فإنه لا تشبه لها إلى الاسكندرية، وسيأتي ذكرها، والاسكندرية لها بحر خليج من النيل تصل فيه المراكب من مصر إليها، ومنها إلى مصر، وفي أوان زيادة النيل يمتلئ هذا الخليج (٢)، ويمد إلى صهاريج «داخل» المدينة معدة لإختزان الماء بها لشرب أهلها، نافذة من بعض الدور إلى بعض يمكن النازل (٣) إلى صهريج منها الصعود من أي دار اختار، وتحت الصهاريج الآبار النبع بالماء المملوح، فهي طبقات ثلاثة، طبقة الآبار عليها طبقة الصهاريج عليها طبقة البناء ولا يعتني أهل الاسكندرية ببناء الطبقات على أعالي أبنيتهم لقوة الأمطار بها، وتجويف قرارها. وعلى الاسكندرية البساتين الأنيقة والغيطان الفساح وفيها لجلة أهلها القصور الناهدة والجواسق الشاهقة، محصنة جميعها بأحكام البناء، وعلو الجدر

стр. 994

خشية من طرّاق الفرنج ودعّار العرب. وبها من الفواكه المنتجة الثمار وهي تفوق (المخطوط ٢٤٤) مصر بحسن ثمراتها، ورخص الفواكه بها، وليس للاسكندرية من ازدراع القمح والشعير والحبوب إلا ما قل، وغالب أقواتها محمول من أرياف مصر (١). (٢) تنبيه: قد ذكرنا فيما تقدم أن الاسكندر هو الذي بنى الاسكندرية وذلك صحيح بمعنى أنه جددها وجدد بنائها، وأما سبب بنائها القديم فقد ذكره التيفاشي في كتاب سرور النفس بمدارس الحواس الخمس. قال: ذكر أحمد بن مطرف [¬١] في كتاب الترتيب أن الذي بنى الاسكندرية أول أمرها جبير المؤتفكى، وأن الذي دعاه إلى بنائها أنه غزا بعض النساء اللواتي ملكن مصر، وكان اسمها حوريا بنت البرت، وأنه لما طال بينهما الحرب، انفذت إليه، نقول: أني قد رغبت في أن تتزوجني فيصير ملكنا واحدا، ودارنا واحدة، وأصير أنا ومملكتي لك، وذلك خير لك من أن تقيم على الحرب، فينفذ مالك، وتفنى رجالك، فإن ظفرت بي لم يحصل لك طائل، لأن الهزائم تذهب الأموال وتمحقها وإن أنت خذلت ذهبت وذهب جميع مالك، فأعجبه جميع مقالها وأجابها وعقد النكاح على ما كانوا يعتقدونه، والتمس الدخول بها، فقالت: إنه يفتح بي وبك أن نجتمع في غير مدينة تبنيها لهذا الأمر في أحسن موضع، وأجل مكان بحيث لم يكن فيه بناء قط غير ما تبنيه، وإنما كان ذلك منها مكرا به لتنقذ أمواله وتبلغ منه ما تريد في لطف وموادعه، فأجابها وأنفذ المهندسين

стр. 995

إليها، وخيرها المواضع، فاختارت موضع الاسكندرية، وقسمت المدينة وصورها المهندسون، ثم عرفته ذلك، فأجاب إلى كل ما طلبت، وسار بجيشه فنزل على ذلك الموضع، وشرع في البناء، فكان كلما بنى بناء خرجت دواب البحر وعبثت به، وهدمته، فأقام زمانا، ونفذت الأموال، وضاق ذرعا فوفق له أن دل على بعض السحرة، فأحضره وشكا إليه ذلك الأمر، فوضع له طلسمات، وجعلها في آنية زجاج كالتوابيت فكانت في الماء حذاء (المخطوط ٢٤٥) الأبنية، فإذا جاءت دواب البحر فرأت الطلسمات والتوابيت نفرت فثبت البناء، وبنيت المدينة، وتمت بعد زمان طويل، ثم راسلها في المسير، فسارت بجميع قللها وعساكرها حتى نزلت حذاء، عسكره، وراسلته أنى قد أحببت أنى أحمل عنك مؤنة الإنفاق على العسكريين في أطعمة تصلح وأشربة، وقد أعددت لوجود الأمراء والقواد خلعا وتحفا حملا عنك لكرمك في بناء المدينة، فأحب أن تجيبني إلى ذلك، فأجابها، وأمرت بذلك، فعمل وأنفذت إليه: أنا أحب أن أراك وأرى سائر عسكرك في الميدان يلعبون ضروب اللعب، ويكون متصرفكم بعد ذلك إليّ لحضور الطعام والخلع، فأجابها، وتقدم بركوب الجيش وحمل السلاح واللعب، فلما فعل واشتد عرق القوم، انصرفوا إليها جميعا، فتلقاهم أصحابها بالخلع المسمومة؛ فلبسها وجوه العسكر، ولبس الملك جبير خلعته، وكانت أقل سما من غيرها إبقاء عليه لتبقى فيه بقية لخطأ بها، فما أقاموا إلا ساعة بالخلع حتى طفئوا وماتوا: ورأى ذلك بقية العسكر، فعلموا موضع الحيلة، فبادروا مستأمنين فنودى فيهم بالأمان، وبقى الملك بقية من الحياة، فأمرت أنه يحمل إليها فلما رأته في السياق قالت له: إن ملكا أنفق ماله وأفنى زمانه، ونزل ملكه، وجاء شهوة لا يدري أينالها، ولملك سخيف، وكان آخر كلامها بخروج روحه، فمات، ودخلت هي المدينة، وأقامت بها زمانا، وعادت إلى مصر.

стр. 996

ثم ملك الاسكندر فزاد في بنائها، وأطال في منارتها [¬١] وجعل فيها مرآة كان يرى منها مراكب العدو عن بعد، فإذا صارت بإزائها، وصدمها شعاعها أحرقها كما تحرق المهاة في الشمس ما قابلها من الخرق، وإن لم تتصل بها، فسميت الاسكندرية من حينئذ، وكان اسمها قبل ذلك وقوده، وبذلك يعرفها القبط في كتبهم القديمة. وأقامت المرآة على ذلك زمانا، وشق ذلك على الروم، فاحتال حكيم من حكمائهم بأن وافق متملكهم على أن يبعث أموالا مع أصحاب له، فيدفنونها في مواضع متفرقة (المخطوط ٢٤٦) من ثغور الإسلام، ثم عادوا بعد دفنها فصنع كتاب مطالب ذكر فيه المواضع وختمه بأن تحت المرآة التي في منارة الاسكندرية كنزا لا يحصى ما فيه من الأموال، وعتق ذلك الكتاب، ودفعه إلى إنسان ذكي، وأمر أن يسير به إلى بلد بلد، وأن يكون قصده إلى السلطان، كل بلد فيعرفه ما في ذلك البلد، ويخرجه، ويأخذ منه جزءا [¬٢] يسيرا واتصلت الأخبار إلى سائر الثغور بذلك، فكان سلطان كل بلد ينفذ إليه من يتسلمه بعد أن يحضر أخراجه الكنز في البلد الذي هو فيه، فلم يزل إلى أن وصل إلى الاسكندرية، فقال لملكها ما قال في المرآة، وقال له: إذا قلعتها وأخذت الكنز أنا أردها إلى أفضل ما هي عليه الآن، فأجابه، وقلعت المرآة وشرع في هدم ما تحتها وانسل الإنسان ونزل ونزل تلك الأموال التي أخذها من الكنوز المتقدمة ليطمسوا ولا يجدوا في طلبه، وفاتهم، وحفروا فلم يجدوا شيئا، فعلموا أن ذلك كله كان حيلة على قلع المرآة، ولم يقدروا على ردها لأن واضعيها كانوا حكماء قد نصبوها بطالع مختار، واختلف الناس في هذا القول فمنهم من ذكره، ومنهم من ذكر غيره.

стр. 997

قال: غير أني قرأت في بعض كتب التواريخ أن أعاجيب الدنيا أربعة فرس من نحاس بأقصى غرب الأندلس لا يتجاوزه أحد إلا ابتلعه الرمل، وشجرة من نحاس بروميه عليها صورة طائر من نحاس وهو الذي يسمى الزرزور، إذا كان أوان نضج الزيتون، فلا يبقى طائر من جنسه، وهو الطائر المعروف إلا أتى حاملا زيتونة في منقاره وزيتونتين في رجليه، فيلقيه عند الطائر النحاس المذكور، فيعصر أهل رومية من ذلك ما يكفي أدمهم، وسرج عامهم ذلك لأن روميه ليس بها زيتون، ومنارة من نحاس عليها راكب من نحاس بأرض عاد إذا كان في الأشهر الحرم، جرى منها الماء، ولا يجرى من غيرها، ومرآة بمنارة الاسكندرية ترى بها القطائع الحربية إذا تجهزت من القسطنطينية العظمى، فيرى أهل الاسكندرية أهل (المخطوط ٢٤٧) القسطنطينية، وبينهما عرض البحر. قال: وأما مساحة المنارة فهي ثلاثة طبقات، ومساحتها على ما ذكره بعض المحصلين مائتا ذراع وثلاث وثلاثون ذراعا، فالطبقة الأولى مربعة وهي مائة ذراع وإحدى وعشرون ذراعا، والطبقة الثانية مثمنة وهي إحدى وثمانون ذراعا ونصف ذراع، والطبقة الثالثة مستديرة وهي ثلاثون ذراعا ونصف ذراع (١) [¬١]. قلت: وأما ما حكاه (٢) عن منارة اسكندرية (٣)، فقد أصبحت كلها أثرا بعد عين، سقطت أعلامها، ومحيت آثارها، ولم يبق من المنارة، إلا دون العشرين [¬٢] ذراعا، وأمر السلطان لها بالبناء، ولم يصرف إليها وجه الاعتناء وليس الناطور الآن إلا في منارة استحدثت على كوم عال داخل السور يعرف بكوم معلى لا له أساس ثابت ولا جدار معلى [¬٣].

стр. 998

وأما عمود الصواري [¬١] فباق على حاله والطلل باق على هائل (١) ولا طائل، وهو من الاسكندرية على مسافة ونصف يوم من غربها البر الأقفر المتصل ببرقه إلى الغرب الأقصى. والرطل الاسكندري يسمى الجروي وهو رطلان وأوقيتان بالمصري، وأراد بها ثمان ويبات بأردب وثلث بالمصري، وأسعارها أقرب إلى الرخاء، ولولا التهجير زادت رخاؤها، وعظمت أجلابها.

стр. 999

دمياط ودمياط مدينة على ضفة البحر، عند مصب أحد فرقي النيل، بناؤها الآن غير موثق، يطوف بها جسر، يباري (١) النيل إلى مصبه، وهي موضع غرة للعدو من قبل البحر، وقد علقت بها جمة الكفر (٢) زمانا طويلا حتى نصر الله عليهم في أخريات الدولة الأيوبية [¬١]. حدثني من رأى دمياط أنها مدينة لطيفة فيها مدرسة واحدة وأسواق ليست بالكثيرة، ومنها الإفضاء إلى بحيرة تنيس المذكورة في القديم بحسن الأوضاع، وجودة القماش والمتاع، وإنما هي الآن جون من البحر المالح كالجون (٣). وبدمياط وما يليها شجر الموز الكثير، ومنه مدد مصر والقاهرة وبلادهما. (٤) فائدة: قال (المخطوط ص ٢٤٨) التيفاشي في سرور النفس: يقال أن تنيس [¬٢] ودمياط والفرما [¬٣] ثلاثة أخوة ملكوا هذه المدن الثلاثة، وسمى كل واحد منهم مدينته باسم نفسه، وكانت تنيس يقال لها تنيس الإخصاص، ويقال أن المسيح ﵇ دخلها، فأكرمه أهلها، فدعا أن يبارك الله لأهلها فيها، وأن يأتيها الرزق في كل مكان، لما رآها وسط بحيرة، ولم يدخل دمياط. وأما الجفار [¬٤] فهي خمس مدن الفرما والبقارة والورادة

стр. 1000

والعريش [¬١] ورفح [¬٢] والجفار، كله رمل وإنما سمى جفارا لشدة المشي فيه على الناس والدواب، لكثرة رمله وبعد مراحله، والجفار تحفر فيه الأبل وغيرها فتهلك، فاتخذ له هذا الاسم كما قيل للحبل، الذي لهجر به البعير هجار، والذي يحجر به حجار والذي تعقل به عقال، والذي تبطن به بطان، وكذلك خطام وزمام ونحوه. والبقارة من البقر، والواردة من الورود والعريش أخذ من العرش ويذكر أنه نهاية التخوم من الشام وأن إليه كان ينتهي رعاة إبراهيم الخليل ﵇ بمواشيه، وأنه اتخذ به عريشا كان يجلس فيه، ومواشيه تحلب بين يديه، فسمى بذلك، ورفح اسم رجل نسب إليه المكان (١). قلت: هذه جملة الكلام في مدن الديار المصرية الشهيرة وأما برها فيأخذ بخناقة جيلان، تضيقا (٢) في أوله بأعلى الصعيد ثم يأخذ في التقليص [¬٣] إلى الجزيرة، فانفرجا واتسع (٣) مدى ما بينهما حتى انقطع بالبحر الرومي إلى آخر الأعمال، فأوسعه مدى نحو يومين وأضيفه نحو ساعة (نحو يومين نحو ساعة)، [¬٤] وغالبه نحو ساعتين وما بين ذلك، وهذا هو عرض الديار المصرية حقيقة (٤) إلا أن نظرت إلى قفار موحشة تهاب الجن سلوكها، ويخاف الظلام اقتحامها على أن مدى العرض الذي ذكرناه عطل الجانبين عن الحرث والنسل (٥) والزرع والغروس،

стр. 1001

خال من الأنيس الإسار في سبيل أوصال عن طريق، والعامر الآهل من هذا المدى ثلاثة والثلث كثير، لكن ذو ربع رابع، (المخطوط ص ٢٤٩) ومتحصل كثير. وبمصر من أنواع الثعابين والأفاعي والحيات والعقارب والفأر وسائر الحشرات لولا ما يهلكه النيل الفائض على البلاد في كل سنة، وما يفر من النيل فيقف أهل البلاد له على الطرق بأيديهم العمد والعصى لقتل ما يهاجمهم منها، لما سكنت مصر ولا تأهلت لها ديار، ولا استقر بها لأحد قرار. وأما زمان ربيعها وما يبقيه من المقطعات نيلها وما يوشى حللها من نوار البرسيم والكتان، ويحشر في أرضها من الطير على اختلاف ذوات الجناح، فلا يملأ عينيك وسامة وحسنا، ويروقك صورة ومعنى، كأن بناءها زمردة خضراء، ومقطعاتها فيروزجه زرقاء ونوارها لكل فرط منه لؤلؤة بيضاء، عليها للطيور ظلل من الغمام، قد نصبت على فرشها (١) الاستبرق خيام، ولما رأيت منظرها البديع في زمان الربيع، وبين أكنافها المخضرة قرارا بناء كأنها النجوم في السماء: قلت: «لمصر فضل باهر لعيشها الرغد النضر» «في سفح روض (٢) يلتقى ماء الحياة والخضر» ونحن نقول: إن الديار المصرية وجهان؛ قبلي وبحري، جملتها خمس عشرة [¬١] ولاية، فالوجه القبلي أكبرهما، وهي تسعة أعمال وهي عمل قوص، وقوص شرقي النيل (٣)، وهو أجلها، ومنه أسوان، وعرب قموله، وأسوان نهاية حد المملكة من الجنوب، وعمل آخميم وهو شرقي النيل أيضا، وعمل

стр. 1002

سيوط [¬١]، وعمل منفلوط [¬٢]، وعمل الأشمونيين، وبها الطحاوية (١)، وعمل البهنسا [¬٣]، (وعمل العراني وهي عبارة عن غربي المنهى المؤدي [¬٤] إلى الفيوم) (٢)، وعمل الفيوم، وهو منقطع، وعمل أطفيج [¬٥] وهو شرقي النيل، وعمل الجيزة، والوجه البحري وهو ستة أعمال (٣)؛ عمل البحيرة [¬٦] (وهو متصل البر بالاسكندرية، وبرقة [¬٧]، وعمل العزبية جزيرة واحدة، يشتمل على ما بين البحرين (المخطوط ص ٢٥٠) والبحر المار ومسكبه عند دمياط، وهو المسمى بالشرقي، والبحر الثاني ومسكبه عند رشيد، وهو المسمى بالغربي) (٤)، والمنوفية وكانت منف (٥) المنسوبة إليها هذا العمل هي مصر قديما [¬٨]، (ومنها أبيار

стр. 1003

المسماة بجزيرة أبي نصر، وهي جزيرة وتأخذ في وسط البحر الغربي) (١) وعمل قليوب، وقليوب شرقي النيل، وعمل الشرقية وهو متصل البر بين الشام والقلزم والحجاز. وكذلك أشموم [¬١] (ويعرف باشموم طناج) (٢) [¬٢] ومنها الدقهلية [¬٣]، والمرناحية، (وهنا موقع ثغر البرلس [¬٤]، وموقع ثغر رشيد [¬٥]، والمنصورة المبنية زمان حصار دمياط. وفي هذه الوجه الاسكندرية ودمياط وهما مدينتان بندران [¬٦] على البحر لا عمل لهما، وأما الواحات فمنقطعة وراء الوجه القبلي في مغاربيه، ولا تعد في الولايات ولا في الأعمال، ولا يحكم عليها من قبل السلطان وال، وإنما يحكم عليها من قبل مقطعها،) (٣) وبلاد الواحات بين مصر والاسكندرية والصعيد والنوبة والحبشة، بعضها داخل بعض. قال البكري: وهو بلد قائمة بنفسه غير متصل بغيره ولا مفتقر إلى سواه، وفي هذه الأرض شبيه وراجية وعيون حامضة الطعوم تستعمل كاستعمال الخل (٤) مختلفة الطعوم من الحامض والقابض والملح ولكل نوع منها منفعة وخاصية.

стр. 1004

ومما يتعلق بذيل هذه المملكة ذكر برقة قال ابن سعيد: هي سلطنة طويلة وإن لم تكن يمكن بها استقلال، لأنه قد استولت عليها العرب، وكان سريرها في القديم مدينة طبرق [¬١]. قلت: وليس لها سلطان بل ولا سوى أهل العمد [¬٢] سكان، وقربها إلى أفريقية أكثر من قربها إلى مصر، ولكن ما دون العقبة، لصاحب مصر وأمرها إليه. أخبرني الأمير الفاضل ناصر الدين محمد بن المحسني أنها بلاد كثيرة الماء، صحيحة الهواء، وأرضها محاجر وحزوز وعرة في الغالب، وبها المروج والأشجار الكثيرة، وبها المدن المبنية الباقية (المخطوط ص ٢٥١) البناء إلى الآن، وهي خالية من السكان. وبها القصور العليّة، والآثار الدالة على ما كانت عليه من الجلالة، وهي اليوم بيد العرب، وهم أصحاب ماشية ودواب سائمة كثيرة من الإبل والغنم، ومنهم من يزرع في بعض أرضها، فتخصب زروعها، ولكنهم أهل بادية لا عناية لهم بعمارة ولا زرع. وحدثني غير واحد ممن دخلها من العسكر المصري ممن كان جرد إليها، أنها شبيهة بأطراف الشام وجبال نابلس، في منابت أشجارها، وكيفية أرضها، وما كانت عليه، وأنها لو عمرت بالسكان، وتأهلت بالزراع كانت اقليما كبيرا يقارب نصف الشام، وقد كانت برقة مقطعة من مناشير صاحب مصر لابن

стр. 1005

المحسنى، وكان يتوجه إليها، ويأخذ من العربان بهائم أقطعت لأمراء عربان مصر من سليم، وهم الآن يستأذون من عرب برقة العداد. وحدثني الأمير فايد بن مقدم السلمي المقطعة له الآن وأن برقة من أزكى البلاد أرضا للدواب، وأمراها مرعى لها، وأما خيل برقة فهي من أقوى الخيل بناء، وإذا قيل الخيل البرقية كفى، وهم (١) مدورات، ليست بمقرطات العلو، ولكنها عراض مرددات صلبة الحوافر، قد جمعت بين سبق العربيات وقوة صدماتها وكمال تخاطيطها، وصلابة حوافر البراذين وثباتها على الجبال والوعور وإدمان الركوب. وأما صورها فهي بين العراب والبراذين، عليا منها سمات الشبه، وهي إلى محاسن العرّاب أميل، وفحول الخيل البرقية انجب من إناثها، ولجند مصر بها عناية، وتباع بالأثمان الغالية، ولكنها لا تبلغ مبلغ خيل البحرين والحجاز والشام. وطولها بالمسافة مقدار شهرين، وكانت قاعدة برقة مدينة انطابلس [¬١] ومن مدنها طبرق وقد تقدم ذكرها، وطجيشه ولبده وهي ذات رخام كثير عمد وألواح، وبها إلى الآن الرخام قائما ونائما، ومن مدنها المشهورة سرت [¬٢]. وحدثني قاضي الجماعة أبو إسحاق إبراهيم بن أبي سالم عن لبدة أنها مملوءة بالرخام الأبيض الفائق حتى شوارعها وممشى الناس في أسواقها، وأنها (المخطوط ص ٢٥٢) لا يعوزها من العمارة إلا السكان.

стр. 1006

وحدثني الشيخ شرف الدين عيسى الزواوي قال: مررت ببلاد برقة فرأيتها كلها خرابا بيابا (١) مقفرة، ما فيها إلا بادية العرب، وبها القصور المبنية، ليس بها الأغلال مخزونة لهم، وقال لي أن في جبال برقة أشجار مثمرة من الزيتون والفواكه الكثيرة، ولكن ليس بها مدينة معمورة تذكر لها أخبار. وسكان برقة كلهم أهل بادية، لا يتبايعون إلا بالأمتعة، حتى أن منهم من تكون معه دراهم فيعرضها للبيع فيقول من يشتري منى هذه الدراهم، لأنها ليست عندهم نقدا ولا معاملة.

стр. 1007

ذكر المملكة الثانية وهي مملكة الشام وقاعدتها مدينة دمشق، وكانت الشام يقال لها أرض كنعان [¬١] ثم جابر بنو (١) إسرائيل، فقتلوهم بها، ونفوهم عنها، وبقيت الشام لبني إسرائيل إلى أن غلبت عليهم الروم، وانتزوعها منهم. (٢) قال التيفاشي في كتاب سرور النفس: قال الشريف الإدريسي [¬٢] في حدود الشام: إنها من المشرق الجزيرة بينه وبين العراق، وسميت الجزيرة لأنها بين نهر دجلة والفرات، وهي أدنى الأرض التي ذكر اللّه في سورة الروم [¬٣] من بلاد الجزيرة بنينوى مدينة يونس ﵇ [¬٤]، وقاعدتها اليوم الموصل [¬٥]، ومنها الرقة ونصبين [¬٦] وديار ربيعة وبني تغلب وجزيرة هي التخوم الفاصلة بين الشام والعراق، وحدها النهران دجلة والفرات.

стр. 1008

وحدود الشام من الجنوب وادي القرى، ومن الغرب عسقلان والحاجز الذي بين البحرين حيث مدائن لوط ﵇ وطوله أكثر من شهر ونحوه، بعضه في الإقليم الرابع، وبعضه في الثالث، والتوجه في قبلته إلى الميزاب إلى الركن الشامي من جهة الشرق، وأكثر أهل يمن وفيهم معدنه [¬١]. ثم قال: روى الحافظ أبو القسم علي بن الحسن ابن عساكر [¬٢] في تاريخ الشام، بسنده إلى الشعبي قال: لما هبط آدم من الجنة وانتشر ولده، أرخ بنوه من هبوط آدم، وكان (المخطوط ص ٢٥٣). ذلك التاريخ حتى بعث الله نوحا، فأرخوا بمبعث نوح، حتى كان الغرق فهلك من كان على وجه الأرض، فلما هبط نوح وذريته وكل من كان في السفينة إلى الأرض، قسم الأرض بين ولده أثلاثا فجعل لسام وسط الأرض فيها بيت المقدس والنيل والفرات والدجلة وسيحون وجيحون [¬٣]، وذلك ما بين قيسبون إلى نهر النيل، وما بين منحر الريح الجنوب إلى منحر الشمال. وجعل لحام قسمه غربي النيل مما وراءه إلى منحر ريح الدبور، وجعل قسمة يافث في قيسبون فما وراءه إلى منحر ريح الصبا، ثم تفرق بنو نوح من بابل إلى سائر جهات الأرض، فلحقت كل طائفة منهم بجهة. وفي رواية الحافظ من طريق آخر عن هشام بن محمد عن أبيه [¬٤] قال: كان الذين عقد لهم الألوية يعني ولد نوح ﵇، فنزل بنو سام المجدل صرة

стр. 1009

الأرض [¬١]، وهو ما بين ساندما [¬٢] إلى البحر وما بين اليمن إلى الشام، وجعل الله النبوة والكتاب والجمال والأدمة والبياض فيهم. ونزل بنو حام مجرى الجنوب والدبور، ويقال لتلك الناحية الداروم [¬٣] وجعل الله فيهم أدمة وبياضا قليلا، وأغمر بلادهم، ورفع عنهم الطاعون، وجعل في أرضهم الأثل والآراك والعسر والغار [¬٤] والنخل وجرت الشمس والقمر في سمائهم. وبنو [¬٥] يافث القصور [¬٦] مجرى الشمال والصبا، ومنهم الحمرة والسناء، وأخلى الله أرضهم فأشتد بردها، وأجلى سماهم فليس يجرى فوقهم شيء من النجوم السبعة الجارية، لأنهم صدروا تحت نبات نعس والجدي والفرقدين، وابتلوا بالطاعون، ثم لحقت عاد بالشجر، فعليه هلكوا بواد يقال له مغيث، ولحقت عبيل بموضع يثرب، ولحقت العماليق بصنعاء قبل أن تسمى صنعاء، ثم انحدر بعضهم إلى يثرب فأخرجوا منها عبيلا [¬٧] ونزلها موضع الجحفة، واقبل سبل فاجتحفهم، فذهب بهم فسميت الجحفة، ولحقت ثمود بالحجر وما يليه فهلكوا، ثم ولحقت طسم وجديس باليمامة، وإنما سميت اليمامة بامرأة منهم فهلكوا (المخطوط ص ٢٥٤) ولحقت أميم بأرض أبار فهلكوا بها، وهي بين اليمامة والشحر، ولا يصل اليوم إليها أحد، غلبت عليها الجن، وسميت أبار

стр. 1010

بابان بن أميم، ولحقت بنو يقطن بن عابر باليمن فسميت اليمن حين تيامنوا إليها، ولحق قوم من بني كنعان بن حام بالشام فسميت الشام حين تشاءموا إليها [¬١]. وكانت الشام يقال لها أرض كنعان ثم جاء بنو إسرائيل فقتلوهم بها، ونفوهم عنها، وكانت الشام لبني إسرائيل، ووثبت على بني إسرائيل فقتلوهم؛ وأجلوهم إلى العراق إلا قليلا منهم وجاءت العرب فغلبوا على الشام. قال أبو بكر محمد بن القسم الأنباري [¬٢]: الشام فيه وجهان يجوز أن يكون مأخوذا من اليد الشومي وهي اليسرى ويجوز أن يكون فعلى من الشوم، ويقال انجداني نجدا، وأعرق دخل العراق، وأعمن أتى عمانا، وأشأم أي الشام، وبعّر وكوّف، وفي التنزل العزيز وأصحاب المشأمة [¬٣] ورجل شأم من أهل الشام، وسميت اليمن لأنها عن يمين الكعبة، وسميت الشام لأنها عن شمال الكعبة، قيل كان اسم الشام أول الأمر سدريه [¬٤].

стр. 1011

ذكر دمشق وبنائها روى عن كعب الأحبار قال: (أول حائط وضع على وجه الأرض بعد الطوفان حائط حران [¬١] ودمشق ثم بابل، وفي رواية أخرى أن نوحا لما نزل من الجبل، أشرف فرأى تل حران بين نهري جلاب وريصان فأتاه فبنى حائط حران، ثم سار فبنى حائط دمشق ثم رجع إلى بابل فبناها) (١). وفي رواية أخرى أن جيرون بن سعد بن عاد بن عوض نزل دمشق وبنى مدينتها، وسماها جيرون (٢)، وهي ارم ذات العماد [¬٢] وليس أعمدة الحجارة في موضع أكثر منها بدمشق [¬٣]. (٣) قال الحافظ [¬٤]: وجدت في بعض الكتب أن جيرون وبريد كانا أخوين، وهما ابنا سعد بن لقمان بن عاد، وهما اللذان يعرف جيرون وباب البريد بدمشق بهما. وفي رواية عن وهب بن منبه قال: ودمشق بناها العازر غلام إبراهيم الخليل ﵇، وكان حبشيا (المخطوط ص ٢٥٥) وهبه له نمرود بن كنعنان حين خرج إبراهيم من النار، وكان اسم الغلام دمشق، وكان متصرفا في جميع مال إبراهيم [¬٥].

стр. 1012

وروى الحافظ [¬١] إنه وجد في كتاب أبي عبيدة بن المثنى المسمى بفضائل الفرس [¬٢] أن بنو آراسب الملك الكبراني بنى مدينة بابل، ومدينة صور ومدينة دمشق. قال الحافظ [¬٣]: وبلغني من وجه آخر أنه لما رجع ذو القرنين من الشرق، وعمل السد بين أهل خراسان وبين يأجوج ومأجوج وسائر بريد المغرب، فلما بلغ الشام، وصعد على عقبه. دمر حتى عبر هذا الموضع الذي فيه اليوم مدينة دمشق، وكان هذا الوادي الذي فيه نهر دمشق غيضه أرز، قيل أن الأرزة وجدت في سنة ثلاث عشر وثلاثمائة من بقايا تلك الغيضة، فلما نظر ذو القرنين لماء تلك الغيطة وكان هذا الماء الذي هو في هذه الأنهار اليوم مفترق مجتمعا في واد واحد فأخذ ذو القرنين يفكر كيف يبنى فيه مدينة، وكان أكثر فكره فيه وتعجبه منه أنه نظر إلى جبل يدور ذلك الموضع وبالغيضة كلها، وكان له غلام يقال له دمشقش [¬٤] على جميع ملكه، وما نزل ذو القرنين من عقبة ومر سار حتى نزل في موضع القرية المعروفة ببلدا من دمشق على ثلاثة أميال، فأمر ذو القرنين أن يحفر له في ذلك الموضع حفيرة، ففعلوا ذلك، ثم أمر برد التراب الذي أخرج منها، فلما رد التراب لم تمتلأ [¬٥] الحفيرة، فقال لغلامه دمشقش ارحل فإني كنت

стр. 1013

نويت أن أؤسس في هذا الموضع مدينة فلما إذ بان لي هذا فما يصلح أن يكون هاهنا مدينة، فإنها لا يكون زرعها يكفي أهلها، قال: ثم رحل ذو القرنين حتى وصل إلى البثنية وحوران أشرف على تلك السعة، ونظر إلى تلك التربة الحمراء، فأمر أن يناول من ذلك التراب، فلما صار في يده، أعجبه، لأنه نظر إلى تربة كأنها الزعفران، فنزل هناك، وأمر أن تحفر حفرة فحفرت، وأمر برد التراب إلى المكان الذي أخرج منه فملأه [¬١]، وفضل منه تراب كثير، فقال ذو القرنين لغلامه دمشقش: ارجع إلى ذلك الموضع الذي فيه الأرز فأقطع ذلك الشجر وابن على حافة الوادي (المخطوط ص ٢٥٦) مدينة وسمها على اسمك، فهنا يصلح أن يكون مدينة، وهذا الموضع منه قوتها وعليه ميزتها [¬٢]. قال الحافظ [¬٣]: وعلامة صحة ذلك أن أهل غوطة دمشق لا تكفيهم غلاتهم حتى يتكفوا من البثنية وحوران، فرجع دمشقش، وبنى المدينة، وعمل لها حصنا، وهي المدينة الداخلة وعمل لها أربعة أبواب جيرون مع باب البريد مع باب الحديد في سوق الأساكفة مع باب الفراديس الداخلة، هذه كانت المدينة إذا غلقت هذه الأبواب فقد أغلقت المدينة، وخارج هذه الأبواب كان مرعى، فبناها دمشقش، وسكنها ومات فيها، وكان قد بنى الموضع الذي هو الآن مسجدها الجامع كنيسة يعبد الله فيها إلى أن مات [¬٤]. وروى أن باني دمشق بناها على الكواكب السبعة، وأن المشتري كان طالع بنائها، وجعل لها سبعة أبواب، وصور على كل باب أحد الكواكب السبعة،

стр. 1014

وصور على كل باب كيسان صورة زحل، فخربت الصور التي على الأبواب كلها إلا باب كيسان فإن صورة زحل باقية إلى الآن. وروى الحافظ عن أبي القسم تمام بن محمد قال: قرأت في كتاب عتيق باب كيسان لزحل، باب شرقي للشمس، باب توما للزهرة، باب الصغير للمشتري، باب الجابية للمريخ، باب الفراديس لعطارد، باب الفراديس الآخر المسدود للقمر [¬١]. وروى الحافظ عن أبي مسهر قال: إن ملك دمشق بنى حصن دمشق الذي حول المسجد داخل المدينة على مساحة بيت المقدس، وحمل أبواب مسجد بيت المقدس فوضعها على أبوابه، فهذه الأبواب التي على الحصن هي أبواب مسجد بيت المقدس.

стр. 1015

أسماء بعض جهاتها خرّج الحافظ مرفوعا أن اسماعيل بن إبراهيم ﵉ ولد له اثنا عشر ولدا، فسمى منهم دوما وبه سميت دومة الجندل، وفي رواية أخرى أنه كان للوط أربعة بنين وابنتان ماب وعمان وجلان وملكان والبنات زعز (المخطوط ص ٢٥٧) والربة [¬١]، فعمان مدينة البلقاء سميت بعمان وماب من سائر البلقاء سميت بماب، وعين زعز سميت بزعز بنت لوط والربة سميت بالربة. قال الشرقي بن القطامي [¬٢]: وسميت صيدا بصيدون بن صيدنا بن كنعان بن حام بن نوح، وسميت أريحا بأريحا بن مالك ابن ارفخشد بن سام بن نوح، وسميت البلقاء بأبلق عمان بن لوط لأنها ملكها وسكنها. قال: وقيل أن الكسوة سميت بذلك لأن غسان قتلت بها رسل ملك الروم قدموا عليهم في طلب الجزية، فقتلوهم، وأخذوا كسوتهم، هذا آخر ما نقله التيفاشي [¬٣] (١). قلت: وبدمشق مهبط عيسى ﵇، وهي فسطاط المسلمين يوم الملحمة الكبرى، وقد تقدم القول أن الخوارزمي قال: طفت جوانب الأرض (٢) الأربعة فكان فضل غوطة دمشق عليها كفضلها على غيرها، كأنها الجنة صورت على وجه الأرض.

стр. 1016

وأما وصفها فكثير جدا يعجبني منه قول ابن عنين [¬١]. [الطويل] دمشق في شوق إليها مبرح … وإنّ لج واش أو ألح عذول بلاد بها الحصباء در وتربها … عبير وأنفاس الشمال شمول تسلسل فيها ماؤها وهو مطلق … وصح نسيم الروض وهو عليل [¬٢] وقول عرقلة [¬٣]: [البسيط] ما بين شطري ومغربي جنة سرحت … أنهارها في خلال الآس والبان يظل منثورها في الأرض منتثرا … كأنما صيغ من در ومرجان فالطير تصدح في أغصانها سحرا … هذا هو العيش إلا أنه فاني وكذلك قول ابن عنين وقد نفى منها: [الكامل] فسقى دمشق وواديها والحمى … متواصل الإرعاد منفصم العرا حتى ترى وجه الرياض بعارض … أحوى ووجه الدوح أزهر نيّرا وأعاد أياما قطعت حميدة … ما بين حرة عالقين وعكبرا (المخطوط ص ٢٥٨) تلك المنازل لا أعقة عالج … ورمال كاظمة ولا وادي القرى أرض إذا مرت بها ريح الصبا … حملت من الأغصان مسكا أذفرا فارقتها لا عن رضى وهجرتها … لا عن قلى ورحلت لا متخيّرا

стр. 1017

وقول البحتري [¬١]: [البسيط] العيش في ظل [¬٢] داريّا إذا بردا … والرّاح يمزجها [¬٣] بالراح من بردا [¬٤] إذا أردت ملأت العين من بلد … مستحسن، وزمان يشبه البلدا أمّا دمشق فقد أبدت محاسنها … وقد وفى لك مطريها بما وعدا تمشى السّحاب على أجبالها فرقا … ويصبح النّبت في حجراتها بددا [¬٥] ولست تبصر إلاّ واديا خضرا … أو يانعا خضلا أو طائرا غردا [¬٦] كأنّما القيظ ولى بعد جيلته … أو الربيع أتى من بعد ما بعدا [¬٧] ومدامتها على الموصوفة (١) في الآفاق المعروفة في مغارسها بكرم الأعراق، تنشر كاساتها ألوية حمرا، وتوقد في صفحات الخدود جمرا، فمن حمراء كنار تتلهب، ومن صفراء كالزجاج المذهب، ومن بيضاء كأنها نقطة غدير أو فضة طافت بها قوارير أو وردية تتضاحك في الشفاه اللعس (٢) ثغورها المعتبرة، ويخالطها الصفاء كخد أبيض تشرب بحمرة، تضئ في دجى (٣) الليل

стр. 1018

مصباحا، وتهدى إلى الجلساء بريحها تفاحا، وببلاد الشرق بها ما يرق عن الزجاج، ويخف عن مخالطة الامتزاج (١)، فيعلق فوق الماء على الأقداح، وتتعلى حمرته عليه كالشفق على الصباح، يطير عليها الشعاع ويطيب إلى قهقهة قيانها السماع، وصيدنا يا (٢) معدن ذهبها وافق كوكبها وإليها أشار ابن عنين [¬١] بقوله: [الكامل] ومدامة من صيدنا يا نشرها … من عنبر وقميصها من صندل مسكية النفحات يشرف أصلها … عن بابل ويحل عن قطربل (٣) وقد خالف القاضي الفاضل حيث قال بذم دمشق، ودخلت دمشق وأنا (المخطوط ص ٢٥٩) ملتات لتغير مائها وهوائها وأبنيتها وأبنائها وأوديتها، ومن في مصر، فإني أبيع بردا [¬٢] بشربة من مائها، فالطلل هائل ولا طائل، وما سمعناه من تلك الفضائل متضائل. وقال فيها وقد وقع عليها الثلج وأما دمشق فأدرها اليوم للثلج قوالب، وقد أخذ أن يذوب، فالشوارع تحتاج إلى مرالاب [¬٣] (٤)، وبدمشق من كل ما في مصر من الوظائف، وليس هذا في بقية بلاد الشام، مثل (قضاة) القضاة الأربعة

стр. 1019

من المذاهب الأربعة، وقاضي عسكر، وخزانة يخرج منها الانفاقات والخلع وخزائن سلاح وزردخانات [¬١] وبيوت تشتمل على حاشية سلطانية مختصرة، حتى لو حضر السلطان إليها جريدة، وجد بها من كل الوظائف القائمة بدولته، وكل أمير أمر فيها أو في غيرها من الشام أو أولى رب وظيفة وظيفة، من عادة متوليها أن يخلع عليه (١) خلعة أو إنفاقا، ولم يخلع عليه من مصر أو (٢) ينعم عليه من مصر، كان من دمشق خلعة وإنعامه. ومنها يخرج أعلام الإمرة وطلائعهم وشعار الطبلخانات، وفي خزائن السلاح بها معمل المجانيق [¬٢] والسلاح، والزردخانات، وتحمل إلى جميع الشام، وتعمر به البلاد والقلاع، ومن قلعتها يجرد الرجال وأرباب الصنائع إلى جميع قلاع الشام، ويندب في التجاريد والمهمات. وهي مدينة جليلة وقلعتهما مرحلة على الأرض يحيط بها وبالمدينة أسوار عليه، يحيط بها خندق، بطون الماء منه بالقلعة، وإذا دعت الحاجة، أطلق على جميع الخندق المحيط بالمدينة فيعمها، وهي في وطأة مستوية، بارزة عن الوادي المخط عن منتهى ذيل الجبل، مكشوفة الجوانب لممر الهواء إلا من الشمال؛ فإنه محجوب بجبل قاسيون [¬٣]،

стр. 1020

وبهذا تعاب وتنسب إلى الوخامة، ولولا جبلها الغربي الملبس بالثلوج صيفا وشتاء، لكان أمر في هذا أشد، وحال سكانها أشق، ولكنه ترياق [¬١] ذلك السم ودواء ذلك الداء. وهي مدينة حسنة الترتيب جليلة الأبنية، (المخطوط ص ٤٦٠) بالحجر والخشب والآجر، مضبب بين مداميك البناء بالخشب الملبن، وأخشابها من خير أخشاب الأرض، يسمى الحور، ينصب في بساتنيها، ويربي، ويقطع في انتهائه فيعطى اللبان، فإذا انكسر عود منها يبقى في مكانها متماسكا عدة سنين وأكثر ولو أنه متعلق بقدر شعرة واحدة [¬٢]. ولهذه المدينة حواضر (١) فسيحة من جهاتها الأربع، والماء حاكم عليها من جميع نواحيها بإتقان محكم على ما نذكره في صفة نهرها. وهذه المدينة مقسمة على جوانب الجامع [¬٣] بها لا على أنه واسطتها من كل الجهات (٢)، فإن ما بينه وبين نهاية المدينة من القبلة وما بينه وبين نهاية المدينة من الشرق أوسع مدى مما بينه إلى نهاية المدينة من الجانبين الآخرين الشمالي والغربي. وأشرف هذه المدينة ما قرب من جامعها، وبها الديار الجليلة المذهبة السقوف المفروشة بالرخام، ومنها ما هو مرموز (٣) الحيطان بالرخام والنوع المفصل بالصدف والذهب والبرك الماء الجارية، وقد تجري الماء في الدار في أماكن، وبها الطباق الرفيعة والأقنية الوسيعة (٤)، والأسواق المليحة الترتيب، والقياسر (٥) الحصينة،
следующие страницы →