← Акыда

Акыда · id 117

ابن رجب الحنبلي وأثره في توضيح عقيدة السلف

عبد الله بن سليمان الغفيلي

Полный текст (789 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

واحد، بل وجدتها تنتظم مساحة واسعة من العلوم المختلفة. وقد قسمت الكلام على مؤلفات ابن رجب وآثاره العلمية إلى قسمين: القسم الأول: فيه بيان أسماء مؤلفات ابن رجب رحمه الله تعالى التي ذكرها هو في كتبه أو نسبها إليه المترجمون له. القسم الثاني: فيه بيان بأسماء مؤلفات نسبت إلى ابن رجب وهي إما ليست له أو أنها أفردت من بعض كتبه ونسبت إليه ولم يؤلفها هو استقلالًا. القسم الأول: مؤلفات ابن رجب التي ذكرها في كتبه أو نسبها إليه المترجمون له، وقد رتبتها على حروف المعجم مع بيان المطبوع منها والمخطوط (١) والإشارة إلى مكان النسخة الخطية حسب الإمكان لما لم يطبع منها وهي كالتالي: ١ - الأحاديث والآثار المتزائدة في أن طلاق الثلاث واحدة ذكرها ابن عبد الهادي (٢). وقد استفاد من هذا الكتاب ابن عبد الهادي في كتابه: سير الحارث في الطلاق الثلاث، وهو كتاب مطبوع بمطبعة السنة المحمدية بمصر سنة ١٩٥٣ م. ٢ - أحكام الخواتيم وما يتعلق بها. طبع مرتين آخرها طبعة مطابع الرحاب بالمدينة المنورة سنة ١٤٠٧ هـ بتحقيق الدكتور محمد بن حمود الوائلي.

стр. 107

٣ - اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى: طبع مرارًا وآخرها طبعة مكتبة دار الأقصى بالكويت سنة ١٤٠٦ هـ بتحقيق جاسم فهيد الدوسري. ٤ - اختيار الأبرر سيرة أبي بكر وعمر: ويوجد مختصر له مخطوط في برلين برقم ٩٦٩٠. ٥ - إزالة الشنعة عن الصلاة بعد النداء يوم الجمعة: ذكره ابن عبد الهادي (١). ٦ - الاستخراج لأحكام الخراج: طبع عدة طبعات آخرها طبعة مكتبة الرشد بالرياض سنة ١٤٠٩ هـ بتحقيق جندي محمود شلاش الهيتي. ٧ - الاستغناء بالقرآن في تحصيل العلم والإيمان: ذكره ابن رجب رحمه الله تعالى في نزهة الأسماع في السماع (٢) وفي الخشوع في الصلاة (٣). وذكره ابن عبد الهادي (٤) وحاجي خليفة (٥) وصاحب كتاب هدية العارفين (٦) وهو أصل كتاب ابن عبد الهادي "هداية الإنسان إلى الاستغناء بالقرآن" وهو مخطوط، وتوجد له صورة بمكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية برقم ٢٢٠٦. ٨ - استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس: وهو مطبوع بمطبعة الإمام بمصر سنة ١٣٦٣ هـ.

стр. 108

٩ - الاستيطان فيما يعتصم به العبد من الشيطان ذكره ابن حميد (١). ١٠ - إعراب أم الكتاب: ذكره ابن عبد الهادي (٢). ١١ - إعراب البسملة: ذكره ابن عبد الهادي (٣). ١٢ - الإلمام في فضائل بيت الله الحرام: ذكره إسماعيل باشا في إيضاح المكنون (٤). ١٣ - أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور: طبع مرتين آخرها بتحقيق أبو هاجر محمد السعيد زغلول - دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٥ هـ. ١٤ - أهوال القيامة: ذكره ابن العماد (٥) وابن عبد الهادي (٦). ١٥ - الإيضاح والبيان في طلاق الغضبان: ذكره ابن عبد الهادي (٧). ١٦ - البشارة العظمى في أن حظ المؤمن من النار الحمى: مخطوط ويوجد له نسخة في مكتبة جامعة الملك سعود المركزية تحت رقم ١٨١٧/ ٩. ١٧ - التخويف من النار والتعريف بحال أهل البوار: وقد طبع عدة مرات منها طبعة بتحقيق محمد حسن الحمصي - دار الرشيد - دمشق سنة ١٤٠٣ هـ.

стр. 109

١٨ - تسلية نفوس النساء والرجال عند فقد الأطفال: طبع بتحقيق وليد الفريان في مجلة الإفتاء عدد ٢٣ بتاريخ ١٤٠٩ هـ. ١٩ - تعليق الطلاق بالولادة: مخطوط باستانبول برقم ٥٣١٨. ٢٠ - تفسير سورة الإخلاص: طبع مرتين منها طبعة بتحقيق محمد بن ناصر العجمي - الدار السلفية - الكويت سنة ١٤٠٧ هـ. ٢١ - تفسير سورة الفاتحة: ذكره ابن عبد الهادي (١). ٢٢ - تفسير سورة النصر: طبع مرتين آخرها بتحقيق: محمد بن ناصر العجمي - الدار السلفية - الكويت سنة ١٤٠٧ هـ. ٢٣ - جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم: وقد طبع مرارًا، وقد قام الدكتور محمد الأحمدي أبو النور بتحقيقه ولكنه لم يتمه وهو كتاب عظيم النفع جدير بالعناية والاهتمام من قبل الباحثين وطلاب العلم. ٢٤ - الحكم الجديرة بالإذاعة من قول النبي ﷺ : "بعثت بالسيف بين يدي الساعة"، طبع سنة ١٣٤٩ هـ بمطبعة المنار. ٢٥ - حماية الشام بمن فيها من الأعلام: ذكره ابن حميد (٢). ٢٦ - الخشوع في الصلاة: وهو كتاب الذل والإنكسار للعزيز الجبار وقد طبع مرارًا آخرها بتحقيق علي حسن علي عبد الحميد -دار عمّار- وقد وهم بعض من ترجموا لابن رجب حيث جعلوا هذا الكتاب كتابين لاختلاف العنوان وعند التحقيق تبين أنهما كتاب واحد. ٢٧ - ذم الخمر وشاربها: طبع بالمركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب بالرياض سنة ١٤٠٨ هـ بتحقيق الوليد بن عبد الرحمن الفريان.

стр. 110

٢٨ - ذم قسوة القلب: مخطوط، وتوجد نسخة له في مكتبة جامعة الملك سعود المركزية برقم (١٨١٧/ ٨). ٢٩ - الذيل على طبقات الحنابلة: طبع مرارًا منها طبعة دار المعرفة - بيروت - لبنان. ٣٠ - الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة: ذكره ابن عبد الهادي (١). ٣١ - كتاب السليب: ذكره ابن عبد الهادي (٢). ٣٢ - سيرة عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز: طبع بالرياض سنة ١٣٧٨ هـ. ٣٣ - شرح حديث "إن أغبط أوليائي عندي": مخطوط، وتوجد نسخة منه بمكتبة فاتح باستانبول برقم ٥٣١٨. ٣٤ - شرح حديث أبي الدرداء "من سلك طريقا يلتمس فيه علما": طبع مرارًا، منها طبعة مكتبة الخافقين - دمشق سنة ١٤٠٢ هـ، تحقيق محمد الخيمي. ٣٥ - شرح حديث شداد بن أوس "إذا كنز الناس الذهب والفضة" يوجد له نسخة خطية بمكتبة جامعة الملك سعود المركزية بالرياض تحت رقم (١٨١٧/ ٨). ٣٦ - شرح حديث عمّار بن ياسر "اللهم بعلمك الغيب": طبع بتحقيق إبراهيم بن محمد العرف - مكتبة السوادي - جدة، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٨ هـ.

стр. 111

٣٧ - شرح حديث "لبيك اللهم لبيك": طبع بتحقيق الوليد آل فريان مكة المكرمة - دار عالم الفوائد - ١٤١٧ هـ. ٣٨ - شرح حديث "ما ذئبان جائعان" ويسمى أيضًا "ذم الجاه والمال" طبع مرارًا آخرها بالكويت - الدار السلفية - سنة ١٤٠١ هـ، بتحقيق بدر البدر. ٣٩ - شرح حديث "مثل الإسلام": مخطوط، وتوجد نسخة له في المكتبة السليمانية بتركيا برقم ٥٣١٨. ٤٠ - شرح حديث "يتبع الميت ثلاث" طبع بدار طيبة بالرياض سنة ١٤٠٨ هـ بتحقيق سعد بن عبد الرحمن الحمدان. ٤١ - شرح جامع الترمذي: وهو يقع في نحو عشرين مجلدًا كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر (١) وهو من الكتب المهمة ولعله احترق في الفتنة التي وقعت في الشام عندما دخل التتار دمشق سنة (٨٠٣ هـ) وما وقع فيها من الفساد على يد تيمورلنك كما ذكر ذلك ابن قاضي شهبة (٢). ولم يوجد من هذا الكتاب إلا شرح علل الترمذي وقد طبع عدة مرات أحدها بتحقيق نور الدين عتر سنة ١٣٩٨ هـ - دار الملاح دمشق، ويوجد أيضًا عشر ورقات مخطوطة في المكتبة الظاهرية بدمشق وهي من كتاب اللباس. ٤٢ - شرح المحرر: ذكره ابن عبد الهادي (٣). ٤٣ - شرح مولدات ابن الحداد: ذكره حاجي خليفة (٤).

стр. 112

٤٤ - صدقة السر وبيان فضلها: طبع بتحقيق الوليد بن محمد الفريان بمجلة عالم الكتب، المجلد السابع، العدد الأول. ٤٥ - صفة النار وصفة الجنة: ذكره ابن عبد الهادي (١). ٤٦ - غاية النفع في شرح حديث تمثيل المؤمن بخامة الزرع: طبع مرارًا آخرها طبعة مكتبة السوادي - جدة سنة ١٤٠٨ هـ، بتحقيق: إبراهيم بن محمد العرف. ٤٧ - فتح الباري بشرح صحيح البخاري: قال عنه ابن ناصر الدين الدمشقي: "وشرح من أول صحيح البخاري إلى الجنائز شرحًا نفيسًا" (٢). طبع بتحقيق مجموعة من المحققين مكتبة الغرباء المدينة المنورة ١٤١٦ هـ، وطبع عام ١٤١٧ هـ بتحقيق طارق بن عوض الله محمد، دار ابن الجوزي الطبعة الأولى. ٤٨ - الفرق بين النصيحة والتعبير: طبع بتحقيق نجم عبد الرحمن خلف - دار ابن القيم - الدمام. ٤٩ - فضائل الشام: مخطوط، وتوجد نسخة منه في المكتبة البلدية بالإسكندرية برقم ١٠٨ تاريخ، ويقوم الآن بتحقيقه الأخ محمد بن ناصر العجمي كما أفادني بذلك شخصيًا. ٥٠ - فضل علم السلف على علم الخلف: طبع مرارًا منها طبعة الدار السلفية بالكويت سنة ١٤٠٧ هـ بتحقيق محمد بن ناصر العجمي. ويذكره بعض من ترجموا لابن رجب بعنوان "العلم النافع وفضله" ويجعلون هذا كتاب وهذا كتاب وهذا وهم لأنهما في الحقيقة كتاب واحد والاختلاف في العنوان فقط.

стр. 113

٥١ - قاعدة غم هلال ذي الحجة: وقد طبعت هذه الرسالة في سنة ١٣٧٥ هـ بتصحيح الشيخ سليمان الصنيع رحمه الله تعالى. ٥٢ - القواعد الكبرى في الفروع: وهو ما يسمى بالقواعد الفقهية، وهو كتاب عظيم، وقد استكثره عليه من لا يعرف قدره قال ابن عبد الهادي: "وكتاب القواعد الفقهية مجلد كبير، وهو كتاب نافع من عجائب الدهر حتى أنه استكثر عليه، حتى زعم بعضهم أنه وجد قواعد مبددة لشيخ الإسلام ابن تيمية فجمعها، وليس الأمر كذلك، بل كان رحمه الله تعالى فوق ذلك" (١). وقد طبع عدة مرات منها طبعة بالقاهرة سنة ١٣٥٢ هـ - المطبعة الخيرية - ولكن جميع الطبعات لا تخلو من السقط والتحريف والتصحيف، وهو جدير بأن يعنى به ويطبع طبعة علمية محررة ومحققة. ٥٣ - القول الصواب في تزويج أمهات أولاد الغياب: وقد طبع بتحقيق د. عبد الله الطريقي في سنة ١٤١٠ هـ - الطبعة الأولى - مكتبة المعارف بالرياض. ٥٤ - كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة: وهو شرح حديث "بدأ الإسلام غريبًا. . . " طبع مرارًا منها طبعة بتحقيق بدر البدر - دار الأرقم - الكويت سنة ١٤٠٤ هـ. ٥٥ - الكشف والبيان عن حقيقة النذور والأيمان: ذكره ابن رجب (٢) وابن حميد (٣). ٥٦ - كلمة الإخلاص وتحقيق معناها: طبع مرارًا، آخرها في دمشق

стр. 114

سنة ١٣٩٧ هـ بتحقيق زهير الشاويش. ويعرف هذا الكتاب في بعض المكتبات بعنوان "التوحيد" ولذلك غلط بعض من ترجم لابن رجب رحمه الله تعالى في ذلك وجعلوهما كتابين وهما في الحقيقة كتاب واحد والاختلاف في العنوان فقط. ٥٧ - لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف: طبع مرارًا منها طبعة دار الجيل - بيروت. ٥٨ - المحجة في سير الدلجة: طبع بتحقيق يحيى مختار غزاوي دار البشائر الإسلامية - بيروت. ٥٩ - مختصر سيرة عمر بن عبد العزيز: طبع بالرياض سنة ١٣٧٨ هـ. ٦٠ - مختصر فيما روي عن أهل المعرفة والحقائق في معالم الظالم السارق حققه الوليد بن عبد الرحمن الفريان ونشره في مجلة البحوث الإسلامية، العدد السادس عشر. ٦١ - مسألة الصلاة يوم الجمعة بعد الزوال وقبل الصلاة: ذكره ابن حميد (١). ٦٢ - مشيخة ابن رجب: قال ابن حجر: وخرج لنفسه مشيخة مفيدة (٢). ٦٣ - منافع (٣) الإمام أحمد: ذكره ابن عبد الهادي (٤).

стр. 115

٦٤ - نزهة الأسماع في مسألة السماع: طبع مرتين منها طبعة بتحقيق الوليد بن عبد الرحمن الفريان سنة ١٤٧٠ هـ - الناشر: دار طيبة بالرياض. ٦٥ - نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي ﷺ لابن عباس وهو شرح حديث "احفظ الله يحفظك": طبع مرارًا ولكن أحسن الطبعات وأكملها، طبعة مكتبة دار الأقصى بالكويت سنة ١٤٠٦ هـ بتحقيق محمد بن ناصر العجمي. ٦٦ - وجوب إخراج الزكاة على الفور: وقد حققه الأخ عادل الجهني وقدمه موضوعا لمادة البحث في السنة الرابعة من كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية سنة ١٤٠٩ هـ. ٦٧ - وقعة بدر: ذكره ابن حميد (١). القسم الثاني: ويشتمل على الكتب التي تنسب لابن رجب وهي إما ليست له أو هي مأخوذة من بعض كتبه ولم يؤلفها هو استقلالًا. ١ - كتاب مختصر شعب الإيمان: ينسب لابن رجب وممن نسبه لابن رجب، جندي محمود شلاش الهيتي في مقدمة كتاب الاستخراج لابن رجب حينما قام بتحقيقه، والحقيقة أن هذا وهم لأن الكتاب هو مختصر شعب الإيمان للقزويني وقد قارنت بينهما فوجدت أنهما شيء واحد، إضافة إلى أنني لم أجد أحدًا ممن ترجم لابن رجب نسب هذا الكتاب إليه، وهذا الكتاب المنسوب لابن رجب توجد صورة له في مكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية برقم ٦٦٦.

стр. 116

٢ - أسباب المغفرة: وهو مطبوع بتحقيق أشرف بن عبد المقصود وهو مأخوذ من كتاب جامع العلوم والحكم. ٣ - بغية الإنسان في وظائف رمضان: المكتب الإسلامي سنة ١٤٠٥ هـ وهو مأخوذ من كتاب لطائف المعارف. ٤ - مجالس في سيرة النبي ﷺ : دار ابن كثير - دمشق الطبعة الأولى سنة ١٤٠٨ هـ تحقيق ياسين السواس ومحمود الأرناؤوط وهو مأخوذ من كتاب لطائف المعارف.

стр. 117

المبحث السابع عقيدته ومذهبه ١ - عقيدته: تتضح عقيدة ابن رجب رحمه الله تعالى من خلال هذا الموضوع بشكل عام إلا أنني رأيت أن أعطي صورة إجمالية عن عقيدته فهو ﵀ سلفي العقيدة على طريقة أهل الحديث يقول بما قال به الصحابة ﵃ والتابعون والأئمة المشهورون من أئمة السلف الصالح رحمهم الله تعالى الذين كانوا لا يألون جهدًا في نشر عقيدة أهل السنة والجماعة، والذين يؤمنون بأسماء الله وصفاته التي ثبتت بكتاب الله ، وشهد بها له رسوله ﵊ كما جاءت من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تأويل ولا تمثيل. والحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى كباقي أئمة السلف رحمهم الله تعالى لم يشغل نفسه بحشو المتفلسفة والمتكلمين من أمثال الجهمية والمعتزلة والأشاعرة ومن ماثلهم وسار على نهجهم، وإنما كان رحمه الله تعالى حريصًا كل الحرص على اعتماد منهج السلف الصالح في جميع أبواب العقيدة، وكلامه في ثنايا مؤلفاته أكبر شاهد على هذا. ولم يكن ابن رجب رحمه الله تعالى على معتقد السلف فحسب بل كان من الدعاة إليه. وسوف أشير إلى نبذة من أقواله التي تدل على معتقده.

стр. 118

١ - يقول رحمه الله تعالى: . . . والصواب ما عليه السلف الصالح من إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تفسير لها ولا تكييف ولا تمثيل، ولا يصح عن أحد منهم خلاف ذلك البتة (١). ٢ - ويقول رحمه الله تعالى أيضًا في شرحه لحديث اختصام الملأ الأعلى ". . . وأما وصف النبي ﷺ لربه بما وصفه به فكل ما وصف النبي ﷺ به ربه فهو حق وصدق يجب الإيمان والتصديق به كما وصف الله به نفسه مع نفي التمثيل عنه. . . " (٢). ومما يدل على عقيدته السلفية أيضًا نقده لبعض علماء الحنابلة الذين كان لهم شهرة كبيرة ومع ذلك كان عندهم ميل إلى التأويل في بعض كلامهم كابن الجوزي، يقول ابن رجب رحمه الله تعالى وهو يذكر الوجوه التي تؤخذ على ابن الجوزي ومنها -أي من الوجوه التي تؤخذ عليه-: "وهو الذي من أجله نقم جماعة من مشايخ أصحابنا وأئمتهم من ميله إلى التأويل في بعض كلامه، واشتد نكرهم عليه في ذلك. ولا ريب أن كلامه في ذلك مضطرب مختلف، وهو وإن كان متطلعًا على الأحاديث والآثار في هذا الباب، فلم يكن خبيرًا بحل شبهة المتكلمين وبيان فسادها. وكان معظمًا لأبى الوفاء بن عقيل (٣) يتابعه في أكثر ما يجد في

стр. 119

كلامه وإن كان قد رد عليه في بعض المسائل، وكان ابن عقيل بارعًا في الكلام، ولم يكن تام الخبرة بالحديث والآثار، فلهذا يضطرب في هذا الباب وتتلون فيه آراؤه، وأبو الفرج تابع له في هذا التلون" (١). ومراد ابن رجب أن ابن الجوزي يتبع ابن عقيل في آرائه، لأن ابن عقيل ليس هو شيخه المباشر، فابن الجوزي ولد قبل وفاة ابن عقيل بسنة. ٢ - مذهبه: وأما مذهبه فهو على مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى لأن البيئة التي عاش فيها والعلماء الذين تلقى العلم عنهم من علماء الحنابلة. وقد كانت له يد مشكورة في المذهب الحنبلي حيث ألف فيه كتابه "القواعد الفقهية" سلك فيه مسلك أهل الترجيح والاختيار في المذهب وقد كان هذا الكتاب مرجعا لمن جاء بعده من العلماء، إضافة إلى أنه ألف كتابًا ترجم فيه لعلماء الحنابلة وهو ذيل على طبقات الحنابلة الذي ألفه العلامة ابن أبي يعلى (٢) رحمه الله تعالى، ومع ذلك فكون ابن رجب رحمه الله تعالى درس المذهب الحنبلي وتعلم المسائل منه إلا أن ذلك لم يحمله على التعصب المذموم الذي حدا ببعض من ينتسب إلى العلم إلى تقديم المذهب على سنة الرسول ﷺ ، ولم يكن رحمه الله تعالى يندد بغيره على حين أنه حين استوت له المعرفة، وبلغ مرحلة النضج كان

стр. 120

يدعو إلى الاعتصام بالكتاب والسنة اللذين هما أصل الدين وملاكه، وإليهما المرجع في المسائل الشرعية. بل إنه رحمه الله تعالى ذكر في بعض مؤلفاته أن الأصل الجامع والمرجع والحكم هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهما مقدمان على قول كل أحد كائن من كان إذا تبين مخالفة القول لهما، وأقواله الدالة على هذه المعاني كلها كثيرة منها قوله رحمه الله تعالى عند قوله ﷺ : ". . . وإن أفتاك المفتون. . . " (١) يعني أن ما حاك في صدر الإنسان فهو إثم، وإن أفتاه غيره بأنه ليس بإثم فهذه مرتبة ثانية وهو أن يكون الشيء مستنكرًا عند فاعله دون غيره، وقد جعله أيضًا إثمًا وهذا إنما يكون إذا كان صاحبه ممن شرح صدره للإيمان، وكان المفتي يفتي له بمجرد الظن أو ميل إلى هوى من غير دليل شرعي، فأما ما كان مع المفتي به دليل شرعي، فالواجب على المستفتي الرجوع إليه وإن لم ينشرح له صدره وهذا كالرخصة الشرعية مثل الفطر في السفر والمرض وقصر الصلاة في السفر ونحو ذلك مما لا ينشرح به صدور كثير من الجهال، فهذا لا عبرة به. وقد كان النبي ﷺ أحيانًا يأمر أصحابه بما لا تنشرح به صدور بعضهم فيمتنعون من قبوله، فيغضب من ذلك كما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة، فكرهه من كرهه منهم، وكما أمرهم بنحر هديهم والتحلل من عمرة الحديبية فكرهوه، وكرهوا مفاوضته قريشًا على أن يرجع من عامه، وعلى أن من أتاه منهم يرده إليهم.

стр. 121

وفي الجملة فما ورد النص به فليس للمؤمن إلا طاعة الله ورسوله كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (١). وينبغي أن يتلقى ذلك بانشراح الصدر والرضا، فإن ما شرعه الله ورسوله يجب الإيمان والرضا به والتسليم له كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (٢). وأما ما ليس فيه نص من الله ورسوله، ولا عمن يقتدى بقوله من الصحابة وسلف الأمة، فإذا وقع في نفس المؤمن المطمئن قلبه بالإيمان المنشرح صدره بنور المعرفة واليقين منه شيء، وحاك في صدره بشبهة موجودة ولم يجد من يفتي فيه بالرخصة إلا من يخبر عن رأيه، وهو ممن لا يوثق بعلمه وبدينه بل هو معروف باتباع الهوى، فهنا يرجع المؤمن إلى ما حاك في صدره وإن أفتاه هؤلاء المفتون (٣). ويقول رحمه الله تعالى أيضًا مبينا أن المقصود هو إظهار الحق مهما خالف أقوال الرجال، وهذا من النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، يقول: فرد المقالات الضعيفة، وتبيين الحق في خلافها بالأدلة الشرعية، ليس هو مما يكرهه العلماء، بل مما يحبونه ويمدحون فاعله، ويثنون عليه فلا يكون داخلًا في باب الغيبة بالكلية، فلو فرض أن أحدًا يكره إظهار خطئه المخالف للحق، فلا عبرة بكراهته لذلك، فإن كراهة إظهار الحق إذا كان مخالفًا لقول الرجل ليس من الخصال المحمودة، بل الواجب على المسلم أن يحب ظهور الحق

стр. 122

ومعرفة المسلمين له سواء كان ذلك في موافقته أو مخالفته، وهذا من النصيحة لله ولكتابه ورسوله ودينه وأئمة المسلمين وعامتهم، وذلك هو الدين كما أخبر به النبي ﷺ ، وأما بيان خطأ من أخطأ من العلماء قبله إذا تأدب في الخطاب وأحسن الرد والجواب فلا حرج عليه ولا لوم يتوجه إليه. . . وقد بالغ الأئمة الورعون في إنكار مقالات ضعيفة لبعض العلماء وردها أبلغ الرد كما كان الإمام أحمد ينكر على أبي ثور (١) وغيره مقالات ضعيفة تفردوا بها، ويبالغ في ردها عليهم، هذا كله حكم الظاهر، وأما في باطن الأمر، فإن كان مقصوده في ذلك مجرد تبيين الحق، ولئلا يغتر الناس بمقالات من أخطأ في مقالاته، فلا ريب أنه مثاب على قصده، ودخل بفعله هذا بهذه النية في النصح لله ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم. . . وأما مراد الراد بذلك إظهار عيب من رد عليه وتنقصه وتبيين جهله وقصوره في العلم ونحو ذلك كان محرمًا سواء كان رده لذلك في وجه من رد عليه أو في غيبته، وسواء كان في حياته أو بعد موته، وهذا داخل فيما ذمه الله تعالى في كتابه وتوعد عليه في الهمز واللمز ودخل أيضًا في قول النبي ﷺ : "يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه لا تؤذوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته" (٢).

стр. 123

وهذا كله في حق العلماء المقتدى بهم في الدين، فأما أهل البدع والضلالة ومن تشبه بالعلماء، وليس منهم، فيجوز بيان جهلهم وإظهار عيوبهم تحذيرا من الاقتداء بهم، ومن عرف منه أنه أراد برده على العلماء النصيحة لله ورسوله فإنه يجب أن يعامل بالإكرام والاحترام والتعظيم كسائر أئمة المسلمين. . . ومن تبعهم بإحسان، ومن عرف أنه أراد برده عليهم التنقيص والذم، وإظهار العيب، فإنه يستحق أن يقابل بالعقوبة ليرتدع هو ونظراؤه عن هذه الرذائل المحرمة (١). وهذا كله يدل على حرصه رحمه الله تعالى على التمسك بالكتاب والسنة والاعتصام بهما.

стр. 124

المبحث الثامن مكانته العلمية وثناء العلماء عليه لقد أثنى على ابن رجب رحمه الله تعالى كثير من العلماء وأشادوا بفضله ومكانته العلمية، وشهدوا له بالحفظ وسعة العلم والمعرفة والانصراف عن الدنيا والإقبال على العلم وذلك لتمكنه في علوم كثيرة، فاستحق بذلك ثناء العلماء عليه، وتقديرهم له، وأقوال العلماء التي سأذكر تبين مكانته العلمية بين علماء عصره: وصفه تلميذه علاء الدين ابن اللحام فقال: شيخنا الإمام العلامة الأوحد الحافظ شيخ الإسلام، مجلي المشكلات، وموضح المبهمات. . . (١). وقال أيضًا: شيخنا الإمام العالم الحافظ بقية السلف الكرام، وحيد عصره، وفريد دهره شيخ الإسلام زين الدين. . . (٢). وقال ابن حجي: أتقن الفن، وصار أعرف أهل عصره بالعلل، وتتبع الطرق، وكان لا يخالط أحدا ولا يتردد إلى أحد. . . تخرج به غالب أصحابنا الحنابلة بدمشق (٣). وقال ابن فهد المكي: الإمام الحافظ الحجة، والفقيه العمدة، أحد العلماء الزهاد، والأئمة العباد، مفيد المحدثين، واعظ المسلمين. . . وكان رحمه الله تعالى إمامًا ورعًا زاهدًا مالت القلوب بالمحبة إليه،

стр. 125

وأجمعت الفرق عليه، كانت مجالس تذكيره الناس عامة نافعة وللقلوب صادعة (١). وقال ابن ناصر الدين: كان أحد الأئمة الحفاظ الكبار والعلماء الزهاد الأخيار (٢). وقال أيضًا: الشيخ الإمام العلامة الزاهد القدوة البركة الحافظ العمدة الثقة، واعظ المسلمين ومفيد المحدثين. . . (٣). وقال الحافظ ابن حجر: مهر في فنون الحديث أسماءً ورجالًا وعللًا وطرقًا واطلاعًا على معانيه. . . (٤). وقال أيضًا: الشيخ المحدث الحافظ. . . أكثر من المسموع وأكثر من الاشتغال حتى مهر. . . (٥). وقال ابن عبد الهادي: الشيخ الإمام، أوحد الأنام، قدوة الحفاظ جامع الشتات والفضائل. . . الفقيه الزاهد البارع الأصولي المفيد المحدث (٦). وقال برهان الدين بن مفلح: الشيخ العلامة الحافظ الزاهد شيخ الحنابلة (٧). وقال ابن قاضي شهبة: الشيخ الإمام العلامة الحافظ شيخ الحنابلة

стр. 126

وفاضلهم، أوحد المحدثين. . . (١). وقال العليمي: الشيخ الإمام العالم العامل العلامة الزاهد القدوة البركة الحافظ العمدة الثقة الحجة زين الملة والشريعة والدنيا والدين شيخ الإسلام وأحد الأعلام واعظ المسلمين مفيد المحدثين جمال المصنفين كان أحد الأئمة الحفاظ الكبار والعلماء الزهاد الأخيار (٢). وقال السيوطي: الإمام الحافظ المحدث الفقيه الواعظ (٣). وقال النعيمي: الشيخ العلامة الحافظ الزاهد شيخ الحنابلة (٤). وقال ابن العماد الحنبلي: الشيخ الإمام العالم العلامة الزاهد القدوة البركة الحافظ العمدة الثقة الحجة الحنبلي المذهب (٥). وقال مرعي بن يوسف الكرمي: الشيخ الإمام العلامة الزاهد القدوة الحافظ العمدة الثقة الحجة واعظ المسلمين، مفيد المحدثين. . . أحد الأئمة الزهاد والعلماء العباد. . . (٦). ونختم ذلك بقول صاحب الروضة الغناء في تاريخ دمشق الفيحاء: هو الإمام الأصولي المحدث الفقيه الواعظ الشهير كان إمامًا في العلوم له مصنفات كثيرة (٧). وهكذا تظهر لنا هذه الأقوال والتي نقلناها من علماء كبار عاصروا ابن رجب أو تتلمذوا عليه أو قرأوا مؤلفاته، تظهر المنزلة الرفيعة التي تبوأها ابن رجب رحمه الله تعالى بين علماء عصره.

стр. 127

الباب الثاني أثر ابن رجب في توضيح عقيدة السلف في التوحيد وأنواعه ونواقضه ويشتمل على الفصول التالية: الفصل الأول: تعريف التوحيد وبيان أنواعه والعلاقة بينها. الفصل الثاني: توحيد الربوبية. الفصل الثالث: توحيد الأسماء والصفات. الفصل الرابع: توحيد الألوهية. الفصل الخامس: نواقض التوحيد.

стр. 128

الفصل الأول تعريف التوحيد وبيان أنواعه والعلاقة بينها ويشتمل على المباحث الآتية: المبحث الأول: تعريف التوحيد لغة. المبحث الثاني: تعريف التوحيد شرعًا. المبحث الثالث: أنواع التوحيد. المبحث الرابع: العلاقة بين أنواع التوحيد.

стр. 129

المبحث الأول تعريف التوحيد لغة التوحيد مصدر وحد يوحد توحيدًا أي جعله واحدًا، وكلمة التوحيد مصدر الفعل الثلاثي المزيد بتضعيف عينه وهي تعني الوحدة والانفراد. قال ابن فارس (١): الواو والحاء والدال أصل واحد، يدل على الانفراد من ذلك الوحدة، وهو واحد قبيلته، إذا لم يكن فيهم مثله (٢). وقال الجوهري (٣): الوحدة الانفراد، تقول رأيته وحده (٤). وقال الراغب (٥) الأصفهاني: الوحدة الانفراد، والوحدة في الحقيقة هو الشيء الذي لا جزء له البتة، ثم يطلق على كل موجود حتى أنه ما

стр. 130

من عدد إلا ويصح أن يوصف به، فيقال: عشرة واحدة، ومائة واحدة، وألف واحد. وقال: وأحد مطلقًا لا يوصف به غير الله تعالى (١). وقال ابن الأثير (٢): في أسماء الله تعالى: الواحد هو الفرد الذي لم يزل وحده ولم يكن معه آخر (٣). وقال أبو هلال العسكري (٤): . . . والواحد يفيد الانفراد في الذات أو الصفة. . . وتقول: الله واحد تريد أن ذاته منفردة عن المثل والشبه (٥). وقال أيضًا: الفرق بين الواحد والأحد أن الأحد يفيد أنه فارق غيره ممن شاركه في فن من الفنون، ومعنى من المعاني كقولك: فارق فلان أوحد دهره في الجود والعلم تريد أنه فوق أهله في ذلك. وقال أيضًا: . . . والوحدانية تفيد نفي الأشكال والنظراء ولا يستعمل في غير الله. . . (٥). وقال الزجاج (٦): وقال بعض أصحاب المعاني: الفرق بين الواحد

стр. 131

والأحد أن الواحد يفيد وحدة الذات فقط، والأحد: يفيده بالذات والمعاني على هذا جاء في التنزيل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (١). أراد: المنفرد بوحدانيته في ذاته وصفاته تعالى الله علوًا كبيرًا (٢). فالله هو الواحد الأحد الذي انفرد بذاته وصفاته مع عدم المثيل والنظير. وقد أشار الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذا في تفسيره لسورة الإخلاص حيث قال: وأحد اسم من أسماء الله يسمى الله به، ولا يسمى به غيره من الأعيان به، فلا يسمى شيء من الأشياء أحدًا في الإثبات إلا في الأعداد المطلقة، وإنما يسمى به في النفي، وما أشبهه من الاستفهام، والنهي، والشرط، كقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (٣) وقوله: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ (٤) وقوله: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٥) وقوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ (٦) ونحوه. والأحد: هو الواحد في إلهيته وربوبيته (٧). ثم طرح ابن رجب رحمه الله تعالى استفسارًا، وأجاب عليه حيث قال سؤال: قوله: "الله أحد" ولم يقل: الأحد كما قال الصمد؟

стр. 132

جوابه: أن الصمد يسمى به غير الله. . . فأتى فيه بالألف واللام ليدل على أنه سبحانه هو المستحق لكمال الصمدية، فإن الألف واللام تأتي لاستغراق الجنس تارة، ولاستغراق خصائص أخرى كقوله: زيد هو الرجل أي الكامل في صفات الرجولة، فكذلك قوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ (١) أي الكامل في صفات الصمدية، وأما الأحد فلم يتسم به غير الله، فلم يحتج فيه إلى الألف واللام (٢). هذه هي أقوال أهل اللغة التي تبين المعنى اللغوي لكلمة التوحيد ونخلص منها إلى أن المعنى اللغوي لكلمة التوحيد يدور حول شيء واحد ألا وهو الوحدة والانفراد بالشيء، والله واحد في ذاته وصفاته وأفعاله لا شريك ولا مثيل ولا نظير له في ذلك كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (٣).

стр. 133

المبحث الثاني تعريف التوحيد شرعًا مما سبق في التعريف اللغوي يتبين لنا أن الله ﵎ واحد في ذاته، وأسمائه وصفاته، وربوبيته وألوهيته. فعلى هذا فالتوحيد هو: إفراد الله تعالى بالعبادة مع علم العبد واعترافه واعتقاده بتفرد الرب ﵎ بصفات الكمال وأنه لا شريك له واعتقاد أنه هو وحده الخالق المدبر المتصرف في هذا الكون، وله الكمال المطلق، وأنه ذو الألوهية على خلقه أجمعين، فهو المستحق للعبادة دون سواه. قال السفاريني (١) ﵀ في تعريف التوحيد: وهو إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته ذاتًا وصفاتًا وأفعالًا، فلا تقبل ذاته الانقسام بوجه، ولا تشبه صفاته الصفات، ولا تنفك عن الذات، ولا يدخل أفعاله الاشتراك فهو الخالق دون سواه (٢).

стр. 134

وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (١) ﵀: سمي دين الإسلام توحيدًا، لأن مبناه على أن الله واحد في ملكه وأفعاله لا شريك له، وواحد في ذاته وصفاته لا نظير له، وواحد في ألوهيته وعبادته لا ند له (٢). وقد دلت الآيات الكثيرة في كتاب الله على هذه المعاني كلها. فقد دل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ. . .﴾ (٣) الآية، على أن الله هو المتفرد بالخلق والرزق والإماتة والإحياء دون سواه فلا يتوجه إلى أحد سواه في جلب نفع أو دفع ضر لأن من سواه عاجزون عن فعل شيء من ذلك، قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: أي لا يقدر أحد منهم على فعل شيء من ذلك بل الله هو المستقل بالخلق والرزق والإحياء والإماتة ثم يبعث الخلائق يوم القيامة ولهذا قال بعد هذا كله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تعالى وتقدس وتنزه وتعاظم وجل وعز عن أن يكون له شريك أو نظير أو مساو أو ولد أو والد بل هو الأحد الفرد الصمد الذي

стр. 135

لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد (١). ودل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ (٢) على إفراد الله بالعبادة وحده دون سواه فلا يصرف شيء من العبادات لغيره . قال ابن جرير الطبري (٣) رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: "قل يا محمد لأهل الكتاب، وهم أهل التوراة والإنجيل، تعالوا: هلموا إلى كلمة سواء، يعني إلى كلمة عدل بيننا وبينكم، والكلمة العدل: هي أن نوحد الله فلا نعبد غيره، ونبرأ من كل معبود سواه فلا نشرك به شيئًا. . . " (٤). ودل قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا

стр. 136

يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ (١) على تفرد الرب بذاته وأسمائه وصفاته التي لا نظير ولا مثيل له فيها، فذاته لا تشبه ذوات المخلوقين وكذلك أسماؤه وصفاته كما قال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢). والآيات الدالة على هذه المعاني كثيرة جدًا، وسيأتي إن شاء الله تعالى مزيد من إيضاح ذلك في الفصول القادمة.

стр. 137

المبحث الثالث أنواع التوحيد إن المتتبع للقرآن الكريم يجده من أوله إلى آخره يقرر العقيدة الصحيحة ويبينها ويوضحها خير بيان وإيضاح. فسور القرآن الكريم متضمنة لجميع أنواع التوحيد. وعلماء الإسلام رحمهم الله تعالى قسموا التوحيد إلى أقسام، وذلك استنباط منهم من نصوص الكتاب والسنة. وهذه الأقسام منهم من يجعلها قسمين كالحافظ ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى ومنهم من يجعلها ثلاثة أقسام وعلى هذا درج أكثر العلماء، ومنهم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى، ومنهم من يجعلها أربعة أقسام (١). والحقيقة أن نصوص الكتاب الكريم، والسنة الشريفة، لم يرد فيها تصربح بتقسيم التوحيد إلى أقسام، لكن هذه النصوص تضمنت هذا التقسيم الذي قسم العلماء التوحيد إليه، لأن المتتبع لهذه النصوص يجد قسمًا منها يتحدث عن أفعال الله ﵎ من الإحياء والإماتة والخلق والرزق وإنزال المطر وجلب النفع ودفع الضر، وغيرها، وهو ما يسميه العلماء توحيد الربوبية.

стр. 138

وقسم آخر من النصوص يتحدث عن بيان أسماء الله الحسنى وصفاته العلى التي اتصف بها الله ﵎ التي لا مثيل ولا نظير ولا شبيه له فيها وهو ما يسميه العلماء توحيد الأسماء والصفات. وقسم آخر من النصوص يبين وجوب إخلاص العمل لله ، وإفراده بالعبادة دون سواه، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وهو ما يسميه العلماء توحيد الإلهية أو توحيد العبادة. يقول الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى: وغالب سور القرآن، بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة لنوعي التوحيد، بل نقول قولًا كليًا: إن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد، شاهدة به، داعية إليه. فإن القرآن: إما خبر عن الله، وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي، وإلزام بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته، وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده. وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه (١). والخلاصة أن أنواع التوحيد لا تخرج عن هذه الأنواع الثلاثة: ١ - توحيد الله بأفعاله كالرزق والإحياء والإماتة وغيرها من أفعاله ﵎ وهو ما يسمى بتوحيد الربوبية. ٢ - توحيد الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى التي ليس له فيها نظير ولا

стр. 139

شبيه ولا مثيل ، وهو ما يسمى بتوحيد الأسماء والصفات. ٣ - توحيد الله بأفعال العباد وهو صرف جميع أنواع العبادة له وحده دون سواه، وهو ما يسمى بتوحيد الألوهية. والحقيقة أن تقسيم العلماء رحمهم الله تعالى لتوحيد إلى هذه الأقسام إنما هو عبارة عن تفسير وتوضيح وشرح لنصوص كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والخلاف الذي بينهم في تقسيم التوحيد وبيان أنواعه خلاف لفظي، لأنهم جميعا يتفقون على أن أنواع التوحيد لا تخرج عن هذه الأنواع الثلاثة السابقة إلا أن الذين جعلوه نوعين جعلوا توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، نوعًا واحدًا، وسموه توحيد المعرفة والإثبات، وجعلوا توحيد الألوهية نوعًا مستقلًا والذين قسموه إلى أربعة أنواع جعلوا التوحيد في الأسماء نوعًا والتوحيد في الصفات نوعًا منفردًا بالإضافة إلى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية. وهناك من يجعل النوع الرابع: هو توحيد المتابعة (١) للنبي ﷺ بالإضافة إلى أنواع التوحيد الثلاثة المشهورة. وقد تحدث ابن رجب رحمه الله تعالى في مؤلفاته عن أنواع التوحيد وبينها وأوضحها، وهو ما سأتحدث عنه إن شاء الله تعالى في الفصول القادمة لأبين ما لابن رجب رحمه الله تعالى من أثر في توضيح هذه الأنواع.

стр. 140

المبحث الرابع العلاقة بين أنواع التوحيد بعد أن عرفنا فيما سبق حقيقة التوحيد وأنواعه التي هي توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، يحسن بنا أن نعرف العلاقة بين هذه الأنواع، وصلتها ببعضها، وهل هي متلازمة في الوجود بمعنى أن بعضها لا يوجد بدون الآخر؟ أم أنها غير متلازمة، وهل يغني اعتقاد بعضها فقط أم لابد من اعتقاد جميعها. والحقيقة أن بينها علاقة متينة، وصلة قوية. فتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، لأنه من اعترف بأن الله هو الخالق الرازق المدبر المحيي المميت، وأنه رب كل شيء ومليكه يحتم عليه ذلك أن يخلص العبادة له بجميع أنواعها لأنه ﵎ ذو الألوهية المستحق للعبادة وحده دون سواه، لأن جميع الأمور بيده، فلا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا هادي لمن أضل، ولا ضال لمن هدى سواه ، ولهذا نجد الآيات الواردة في القرآن الكريم في توحيد الربوبية تحث وترشد إلى عبادة الله وحده، ونبذ عبادة ما سواه، وعدم صرف أي نوع من أنواع العبادة لغيره ، كما قال : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ

стр. 141

أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ (١). يقول ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: شرع ﵎ في بيان وحدانية ألوهيته، بأنه تعالى هو المنعم على عبيده بإخراجهم من العدم إلى الوجود، وإسباغه عليهم النعم الظاهرة والباطنة بأن جعل لهم الأرض فراشًا أي مهدًا كالفراش مقررة موطأة مثبتة بالرواسي الشامخات، والسماء بناءً، وهو السقف كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾ (٢). ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ والمراد به السحاب ههنا في وقته عند احتياجهم إليه، فأخرج به من أنواع الزروع والثمار ما هو مشاهد رزقًا لهم، ولأنعامهم كما قرر هذا في غير موضع من القرآن، ومن أشبه آية بهذه آية قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤)﴾ (٣) ومضمونه أنه الخالق الرزاق مالك الدار وساكنيها، ورازقهم، فبهذا يستحق أن يعبد وحده، ولا يشرك به غيره، ولهذا قال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وفي الصحيحين (٤) عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك. . . " الحديث (٥).

стр. 142

وقد أوضح ابن رجب رحمه الله تعالى هذا المعنى حيث قال: . . . فإن من تفرد بخلق العبد وبهدايته وبرزقه وإحيائه وإماتته في الدنيا، وبمغفرة ذنوبه في الآخرة، مستحق أن يفرد بالألوهية والعبادة والسؤال والتضرع والاستكانة. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)﴾ (١). . . (٢). وقال أيضًا رحمه الله تعالى: . . . وتحقيق هذا يقتضي انقطاع العبد عن التعلق بالخلق وعن سؤالهم واستعانتهم ورجائهم بجلب نفع أو دفع ضر، وخوفهم من إيصال ضر أو منع نفع، وذلك يستلزم إفراد الله سبحانه بالطاعة والعبادة أيضًا. . . وأن تقدم طاعته على طاعة الخلق كلهم جميعا. . . (٣). وقال أيضًا رحمه الله تعالى: . . . فإذا تحقق العبد تفرد الله وحده بالنفع والضر وبالعطاء والمنع أوجب ذلك إفراده بالطاعة والعبادة ويقدم طاعته على طاعة الخلق كلهم جميعا، كما يوجب ذلك أيضًا إفراده سبحانه بالاستعانة به، والطلب منه. . . . (٤). فمن أقر بتوحيد الربوبية ولم يقر بتوحيد الألوهية، فإن ذلك لا ينفعه شيئًا، لأن المشركين كانوا مقرين بهذا النوع من التوحيد كما ذكر الله ﵎ ذلك في القرآن الكريم في آيات كثيرة. منها قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ

стр. 143

وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ (١). ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ (٢) وغيرها من الآيات ومع هذا لم ينفعه هذا الاعتراف، لأنهم لم يوحدوا الله ﵎ بالعبادة كما قال : ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٤). إذًا من اعترف بتوحيد الربوبية يلزمه أن يخلص العبادة لله وحده دون سواه، ومن لم يفعل ذلك فإن إقراره بتوحيد الربوبية لا ينفعه شيئًا كما لم ينفع المشركين من قبل. وأما توحيد الألوهية الذي يسمى توحيد العبادة، ويسمى أيضًا بتوحيد القصد والطلب، فإنه متضمن لتوحيد الربوبية، ومعنى كونه متضمنًا له أن توحيد الربوبية داخل في ضمن توحيد الألوهية لأن من عبد الله وحده لا شريك له، وأخلص العبادة له لابد أن يكون قد اعتقد بأن الله رب كل شيء ومليكه، وأنه لا رب سواه ولا مالك غيره، فهو يعبده لأنه يعلم أنه مستحق للعبادة دون سواه.

стр. 144

ولذلك نجد الآيات الكثيرة تبين أن الآلهة التي عبدها المشركون من دون الله ليس بيدها شيء، وأنها لا تجلب نفعًا ولا تدفع ضرًا فهي لا تملك ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا. ومن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣)﴾ (٢). فهذه الآيات تبين للمشركين أن آلهتهم التي يعبدون من دون الله غير مستحقة للعبادة، لأن الذي يستحق للعبادة هو من بيده الخلق والرزق والإحياء والإماتة، والضر، والنفع، وهو الله وحده. فتوحيد الألوهية لا يصح بدون توحيد الربوبية لأن من عبد الله وحده ولم يشرك به شيئًا في عبادته لكنه مع ذلك اعتقد أن لغير الله تأثير في شيء من دفع ضر أو جلب نفع أو تصرف فعبادته لا تغني عنه شيئًا. يقول ابن أبي العز (٣) رحمه الله تعالى: التوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب هو توحيد الألوهية المتضمن توحيد الربوبية (٤).

стр. 145

وأما توحيد الأسماء والصفات فإنه مستلزم للنوعين الماضيين لأن من اعترف بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى وأنه لا نظير ولا شبيه ولا مثيل له في ذلك، يلزمه أن يعترف بأنه رب واحد لا شريك له ويلزمه أيضًا أن يخلص العبادة له وحده دون سواه. كما أن توحيد الألوهية يتضمن توحيد الأسماء والصفات، لأن من أخلص العبادة لله وحده يعتقد أن الله واحد في أسمائه وصفاته مع عدم المثيل والنظير والشبيه له في ذلك، وإلا فلا معنى لعبادته بدون ذلك. وبهذا يتبين أن التوحيد الصحيح هو الإتيان بأنواع التوحيد كلها لأنها مرتبطة بعضها ببعض، ولا يتحقق التوحيد الصحيح إلا بها جميعًا. وهو ما جاءت به الآيات الكثيرة في كتاب الله ﵎ وجاءت به السنة النبوية. وهذا ما قرره علماء السلف رحمهم الله تعالى. يقول الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى: وملاك السعادة والنجاة والفوز بتحقيق التوحيدين اللذين عليهما مدار كتاب الله تعالى، وبتحقيقهما بعث الله رسوله ﷺ ، وإليهما دعت الرسل صلوات الله وسلامه عليهم من أولهم إلى آخرهم. . . (١). ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀ في معرض كلامه من أنواع التوحيد: . . . وهي متلازمة، كل نوع منها لا ينفك عن الآخر، فمن أتى بنوع منها ولم يأت بالآخر، فما ذاك إلا أنه لم يأت به على وجه الكمال المطلوب. . . (٢).
следующие страницы →