← Акыда

Акыда · id 117

ابن رجب الحنبلي وأثره في توضيح عقيدة السلف

عبد الله بن سليمان الغفيلي

Полный текст (789 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ (١). يقول ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: شرع ﵎ في بيان وحدانية ألوهيته، بأنه تعالى هو المنعم على عبيده بإخراجهم من العدم إلى الوجود، وإسباغه عليهم النعم الظاهرة والباطنة بأن جعل لهم الأرض فراشًا أي مهدًا كالفراش مقررة موطأة مثبتة بالرواسي الشامخات، والسماء بناءً، وهو السقف كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾ (٢). ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ والمراد به السحاب ههنا في وقته عند احتياجهم إليه، فأخرج به من أنواع الزروع والثمار ما هو مشاهد رزقًا لهم، ولأنعامهم كما قرر هذا في غير موضع من القرآن، ومن أشبه آية بهذه آية قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤)﴾ (٣) ومضمونه أنه الخالق الرزاق مالك الدار وساكنيها، ورازقهم، فبهذا يستحق أن يعبد وحده، ولا يشرك به غيره، ولهذا قال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وفي الصحيحين (٤) عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك. . . " الحديث (٥).

стр. 142

وقد أوضح ابن رجب رحمه الله تعالى هذا المعنى حيث قال: . . . فإن من تفرد بخلق العبد وبهدايته وبرزقه وإحيائه وإماتته في الدنيا، وبمغفرة ذنوبه في الآخرة، مستحق أن يفرد بالألوهية والعبادة والسؤال والتضرع والاستكانة. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)﴾ (١). . . (٢). وقال أيضًا رحمه الله تعالى: . . . وتحقيق هذا يقتضي انقطاع العبد عن التعلق بالخلق وعن سؤالهم واستعانتهم ورجائهم بجلب نفع أو دفع ضر، وخوفهم من إيصال ضر أو منع نفع، وذلك يستلزم إفراد الله سبحانه بالطاعة والعبادة أيضًا. . . وأن تقدم طاعته على طاعة الخلق كلهم جميعا. . . (٣). وقال أيضًا رحمه الله تعالى: . . . فإذا تحقق العبد تفرد الله وحده بالنفع والضر وبالعطاء والمنع أوجب ذلك إفراده بالطاعة والعبادة ويقدم طاعته على طاعة الخلق كلهم جميعا، كما يوجب ذلك أيضًا إفراده سبحانه بالاستعانة به، والطلب منه. . . . (٤). فمن أقر بتوحيد الربوبية ولم يقر بتوحيد الألوهية، فإن ذلك لا ينفعه شيئًا، لأن المشركين كانوا مقرين بهذا النوع من التوحيد كما ذكر الله ﵎ ذلك في القرآن الكريم في آيات كثيرة. منها قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ

стр. 143

وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ (١). ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ (٢) وغيرها من الآيات ومع هذا لم ينفعه هذا الاعتراف، لأنهم لم يوحدوا الله ﵎ بالعبادة كما قال : ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٤). إذًا من اعترف بتوحيد الربوبية يلزمه أن يخلص العبادة لله وحده دون سواه، ومن لم يفعل ذلك فإن إقراره بتوحيد الربوبية لا ينفعه شيئًا كما لم ينفع المشركين من قبل. وأما توحيد الألوهية الذي يسمى توحيد العبادة، ويسمى أيضًا بتوحيد القصد والطلب، فإنه متضمن لتوحيد الربوبية، ومعنى كونه متضمنًا له أن توحيد الربوبية داخل في ضمن توحيد الألوهية لأن من عبد الله وحده لا شريك له، وأخلص العبادة له لابد أن يكون قد اعتقد بأن الله رب كل شيء ومليكه، وأنه لا رب سواه ولا مالك غيره، فهو يعبده لأنه يعلم أنه مستحق للعبادة دون سواه.

стр. 144

ولذلك نجد الآيات الكثيرة تبين أن الآلهة التي عبدها المشركون من دون الله ليس بيدها شيء، وأنها لا تجلب نفعًا ولا تدفع ضرًا فهي لا تملك ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا. ومن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣)﴾ (٢). فهذه الآيات تبين للمشركين أن آلهتهم التي يعبدون من دون الله غير مستحقة للعبادة، لأن الذي يستحق للعبادة هو من بيده الخلق والرزق والإحياء والإماتة، والضر، والنفع، وهو الله وحده. فتوحيد الألوهية لا يصح بدون توحيد الربوبية لأن من عبد الله وحده ولم يشرك به شيئًا في عبادته لكنه مع ذلك اعتقد أن لغير الله تأثير في شيء من دفع ضر أو جلب نفع أو تصرف فعبادته لا تغني عنه شيئًا. يقول ابن أبي العز (٣) رحمه الله تعالى: التوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب هو توحيد الألوهية المتضمن توحيد الربوبية (٤).

стр. 145

وأما توحيد الأسماء والصفات فإنه مستلزم للنوعين الماضيين لأن من اعترف بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى وأنه لا نظير ولا شبيه ولا مثيل له في ذلك، يلزمه أن يعترف بأنه رب واحد لا شريك له ويلزمه أيضًا أن يخلص العبادة له وحده دون سواه. كما أن توحيد الألوهية يتضمن توحيد الأسماء والصفات، لأن من أخلص العبادة لله وحده يعتقد أن الله واحد في أسمائه وصفاته مع عدم المثيل والنظير والشبيه له في ذلك، وإلا فلا معنى لعبادته بدون ذلك. وبهذا يتبين أن التوحيد الصحيح هو الإتيان بأنواع التوحيد كلها لأنها مرتبطة بعضها ببعض، ولا يتحقق التوحيد الصحيح إلا بها جميعًا. وهو ما جاءت به الآيات الكثيرة في كتاب الله ﵎ وجاءت به السنة النبوية. وهذا ما قرره علماء السلف رحمهم الله تعالى. يقول الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى: وملاك السعادة والنجاة والفوز بتحقيق التوحيدين اللذين عليهما مدار كتاب الله تعالى، وبتحقيقهما بعث الله رسوله ﷺ ، وإليهما دعت الرسل صلوات الله وسلامه عليهم من أولهم إلى آخرهم. . . (١). ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀ في معرض كلامه من أنواع التوحيد: . . . وهي متلازمة، كل نوع منها لا ينفك عن الآخر، فمن أتى بنوع منها ولم يأت بالآخر، فما ذاك إلا أنه لم يأت به على وجه الكمال المطلوب. . . (٢).

стр. 146

الفصل الثاني توحيد الربوبية ويشتمل على المباحث الآتية: المبحث الأول: تعريفه لغة. المبحث الثاني: تعريفه شرعًا. المبحث الثالث: دلائل توحيد الربوبية: ١ - دلالة الفطرة. ٢ - دلالة النعم. ٣ - دلالة خلق السموات والأرض. ٤ - دلالة خلق النبات.

стр. 147

المبحث الأول تعريف توحيد الربوبية لغة الربوبية مصدر من رب يرب ربابة وربوبية. قال الراغب الأصفهاني: الربوبية مصدر يقال في الله ، والربابة تقال في غيره (١). قال الجوهري: رب كل شيء: مالكه. والرب: اسم من أسماء الله ، ولا يقال في غيره إلا بالإضافة وقد قالوه في الجاهلية للملك. قال الحارث بن حلزة (٢): وهو الرب والشهيد على يو ... م الحيارين والبلاء بلاء والرباني: المتأله العارف بالله تعالى، وقد قال سبحانه: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ (٣) ورببت القوم: سستهم، أي كنت فوقهم. قال أبو نصر: وهو من الربوبية، ومنه قول صفوان: لأن يربني

стр. 148

رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن. ورب الضيعة، أي أصلحها وأتمها. ورب فلان ولده يربه ربًا، وترببه، بمعنى أي رباه (١). وقال الراغب الأصفهاني أيضًا: الرب في الأصل التربية وهو إنشاء الشيء حالًا فحالًا إلى حد التمام، ويقال: ربه ورباه ورببه .... ولا يقال: الرب مطلقًا إلا لله تعالى المتكفل بمصلحة الموجودات نحو قوله تعالى: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ (٢) وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ (٣) وبالإضافة يقال له ولغيره نحو قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤) و ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٥). ويقال: رب الدار ورب الفرس لصاحبهما ... (٦). وقال ابن منظور (٧): رب كل شيء مالكه ومستحقه. وقيل: صاحبه.

стр. 149

ويقال: فلان رب هذا الشيء أي ملكه له. وكل من ملك شيئًا، فهو ربه، يقال هو رب الدابة، ورب الدار وفلان رب البيت ... (١). ويطلق الرب في اللغة على معان عدة، قال ابن الأثير: الرب يطلق في اللغة على المالك، والسيد، والمدبر، والمربي، والقيم، والمنعم، ولا يطلق غير مضاف إلا على الله تعالى، وإذا أطلق على غيره أضيف فيقال: رب كذا، وقد جاء في الشعر مطلقًا على غير الله تعالى، وليس بالكثير (٢). وقد ورد في الحديث لفظ الرب مضافًا إلى غير الله تعالى كما في صحيح مسلم عن رافع بن خديج أن النبي ﷺ أمر رب الأرض أن يزرعها أو يزرعها (٣). وأما قوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (٤) فكما قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: " ... فإنه خاطبه على المتعارف عندهم، وعلى ما كانوا يسمونهم به، ومثله قول موسى ﵇ للسامري ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ (٥) أي الذي اتخذته إلهًا. فأما الحديث في ضالة الإبل: (حتى يلقاها ربها) (٦) فإن البهائم غير

стр. 150

متعبدة ولا مخاطبة، فهى بمنزلة الأموال التى يجوز إضافة مالكيها إليها وجعلهم أربابًا لها" (١). وخلاصة القول: أن الله هو مالكنا، وهو سيدنا ومصلحنا وهو المطاع ، والعباد كلهم له مملوكون ﵎. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: فاسم الرب له الجمع الجامع لجميع المخلوقات فهو رب كل شيء وخالقه، والقادر عليه، لا يخرج شيء عن ربوبيته وكل من في السموات والأرض عبد له في قبضته، وتحت قهره (٢).

стр. 151

المبحث الثاني تعريف توحيد الربوبية شرعًا يقصد بتوحيد الربوبية الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى وحده هو رب كل شيء ومليكه، وهو الخالق الرزاق المحيي المميت الضار النافع المعطي المانع المتصرف في هذا الكون بمشيئته المطلقة، وليس له شريك في شيء من تلك الخصائص والصفات. وربوبية الله على خلقه تعني تفرده سبحانه في خلقهم وملكهم، وتدبير شؤونهم، فلا شريك له في الخلق، ولا شريك له في تصريف الأمور ولا يتم شيء في هذا الوجود صغير أو كبير إلا بإذنه تعالى وبمشيئته. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ... فتوحيد الربوبية أنه لا خالق إلا الله فلا يستقل شيء سواه بإحداث أمر من الأمور بل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن (١). وقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذا المعنى فقال في معرض شرحه لحديث (٢) وصية ابن عباس: ... ثم ذكر بعد هذا كله

стр. 152

الأصل الجامع الذي يبنى عليه هذه المطالب، وهو تفرد الله بالضر والنفع، والعطاء والمنع، وأنه لا يصيب العبد من ذلك كله إلا ما سبق تقديره وقضاءه له، وأن الخلق كلهم عاجزون عن إيصال نفع أو دفع ضر غير مقدر في الكتاب السابق، وتحقيق هذا يقتضي انقطاع العبد عن التعلق بالخلق، وعن سؤالهم واستعانتهم ورجائهم بجلب نفع أو دفع ضر، وخوفهم من إيصال ضر أو منع نفع، وذلك يستلزم إفراد الله سبحانه بالطاعة والعبادة ... (١). وقال رحمه الله تعالى أيضًا: فإنه إذا علم العبد أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير أو شر أو نفع أو ضر، وإن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد شيئًا البتة علم حينئذ أن الله تعالى وحده هو الضار النافع والمعطي والمانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه ، وإفراده بالاستعانة والسؤال والتضرع والابتهال وإفراده أيضًا بالعبادة والطاعة لأن المعبود إنما يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار ولهذا ذم الله سبحانه من يعبد ما لا ينفع ولا يضر ولا يغني عن عابده شيئًا. وأيضًا فكثير ممن لا يحقق الإيمان في قلبه يقدم طاعة مخلوق على طاعة الله رجاء نفعه أو دفعًا لضره، فإذا تحقق العبد تفرد الله وحده بالنفع والضر وبالعطاء والمنع أوجب ذلك إفراده بالطاعة والعبادة ويقدم طاعته على طاعة الخلق كلهم جميعًا كما يوجب ذلك أيضًا إفراده سبحانه بالاستعانة به، والطلب منه ... (٢). وقال رحمه الله تعالى عند قوله ﷺ : "ما شئت كان وما لم تشأ لم

стр. 153

يكن ولا حول ولا قوة إلا بك، إنك على كل شيء قدير" (١). قال: فتبرأ من حوله وقوته ومشيئته بدون مشيئة الله وحوله وقوته وإقراره بقدرته على كل شيء، فإن العبد عاجز عن كل شيء إلا ما قواه عليه ربه، ففي هذا الكلام إفراد الرب بالحول والقوة والقدرة والمشيئة، فإن العبد غير قادر على ذلك كله إلا ما يقدره عليه مولاه وهذا نهاية توحيد الربوبية (٢). وقال رحمه الله تعالى أيضًا وهو يتكلم عن معنى لا حول ولا قوة إلا بالله: ... فإن تحقيق هذه الكلمة يقتضي تفويض الأمور إلى الله، وأنه لا يكون إلا ما شاء، والإيمان بذلك يذهب الهم والغم ... (٣). وقد أوضح الله ﵎ هذا النوع من التوحيد أوضح بيان، ولا تكاد تخلو سورة من سور القرآن من ذكره أو الإشارة إليه. قال ابن رجب رحمه الله تعالى: وقد دل القرآن على هذا الأصل وهو تفرد الله سبحانه بالعطاء والمنع في مواضع كثيرة جدًا كقوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ ... ﴾ الآية (٥). وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ

стр. 154

هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (١). وقوله تعالى حاكيًا عن نبيه نوح ﵇ لقومه: ﴿إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ (٢). وقوله تعالى حاكيًا عن نبيه هود ﵇: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ... ﴾ (٣) (٤). ومن الآيات التي دلت على هذا النوع من التوحيد مما لم يذكره ابن رجب رحمه الله تعالى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ (٥). وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا

стр. 155

يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾ (١). وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ (٣). وهكذا نجد الآيات الكثيرة التي تبين تفرد الرب ﵎ بتوحيد الربوبية، سواء كان على وجه الإجمال أو على وجه التفصيل فكلها تبين أن الأمور كلها بيد الله ، وأن كل ما يحدث في الكون من صغير وكبير إنما هو بقدرته ومشيئته . وهذا يقتضي من العبد التعرف على ربه وخشيته ومحبته وخوفه ورجائه إذ لا صلاح له ولا سعادة إلا بذلك لأن معرفة العبد ربه من أهم المهمات وأعظم الواجبات التي يجب على العبد معرفتها، ولا تنفع الطاعة ما لم تكن معها معرفة وتقوى. وقد أوضح ابن رجب رحمه الله تعالى هذا المعنى فقال: فلا صلاح للقلوب حتى يستقر فيها معرفة الله وعظمته ومحبته وخشيته ومهابته ورجاؤه والتوكل عليه (٤). كما بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أنه لا سبيل إلى معرفة الله تعالى إلا بالعلم النافع وهو ما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب من

стр. 156

عند الله ﵎ فقال: ... فلا طريق إلى معرفة الله وإلى الوصول إلى رضوانه والفوز بقربه ومجاورته في الآخرة، إلا بالعلم النافع الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه، فهو الدليل عليه، وبه يهتدى في ظلمات الجهل والشبه والشكوك، ولهذا سمى الله كتابه نورا يهتدى به في الظلمات. قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ (١) ... (٢). كما بين أيضًا رحمه الله تعالى أن معرفة الله ﵎ وخشيته ومحبته والأنس به جنة معجلة في الدنيا، وهذه الجنة لا تحصل إلا لمن دله علمه عليها وهو العلم النافع الذي تكون نهايته دخول الجنة، وأما من لم يتعلم العلم النافع الذي هو معرفة الله وخشيته فإنه يحرم جنة الدنيا المعجلة ونهايته في الآخرة والعياذ بالله العذاب الأليم وما ذلك إلا بسبب عدم الانتفاع بالعلم الذي تعلمه فقال رحمه الله تعالى: اعلم أن في الدنيا جنة معجلة وهي معرفة الله ومحبته والأنس به والشوق إلى لقائه وخشيته وطاعته، والعلم النافع يدل على ذلك، فمن دله علمه على دخول الجنة المعجلة في الدنيا دخل الجنة في الآخرة، ومن لم يشم رائحتها لم يشم رائحة الجنة في الآخرة، ولهذا كان أشد الناس عذابًا في الآخرة عالم لم ينفعه الله بعلمه، وهو من أشد الناس حسرة يوم القيامة، حيث كان معه آلة يتوصل بها إلى أعلى الدرجات وأرفع المقامات، فلم يستعملها إلا في التوصل إلى أخس الأمور وأدناها وأحقرها فهو كمن معه جواهر نفيسة لها قيمة فباعها ببعرة أو شيء

стр. 157

مستقذر، ولا ينتفع به، فهذا حال من يطلب الدنيا بعلمه بل أقبح ... (١). وقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى في حديث وصية ابن عباس عن معرفة العبد لربه، وذكر أن معرفة العبد لربه على نوعين حيث قال رحمه الله تعالى: ... فمعرفة العبد لربه نوعان: أحدهما: المعرفة العامة، وهي معرفة الإقرار به، والتصديق والإيمان، وهي عامة للمؤمنين. والثاني: معرفة خاصة تقتضي ميل القلب إلى الله بالكلية والانقطاع إليه، والأنس به والطمأنينة بذكره والحياء منه، والهيبة له، وهذه المعرفة الخاصة هي التي يدور حولها العارفون كما قال بعضهم: مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها، وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل له: وما هو؟ قال: "معرفة الله " (٢). كما ذكر رحمه الله تعالى أن معرفة الله لعبده نوعان فقال: ومعرفة الله أيضًا لعبده نوعان: معرفة عامة: وهي علمه تعالى بعباده، واطلاعه على ما أسروه وما أعلنوه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ (٤).

стр. 158

والثاني: معرفة خاصة: وهي تقتضي محبته لعبده وتقريبه إليه وإجابة دعائه، وإنجاءه من الشدائد، وهي المشار إليها بقوله ﷺ فيما يحكي عن ربه: " ... ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه" (١) إلى أن قال: "وفي الجملة فمن عامل الله بالتقوى والطاعة في حال رخائه عامله الله باللطف والإعانة في حال شدته" (٢). وقال أيضًا رحمه الله تعالى عند قوله ﷺ : "تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة". يعني أن العبد إذا اتقى الله وحفظ حدوده وراعى حقوقه في حال رخائه، فقد تعرف بذلك إلى الله، وصار بينه وبين ربه معرفة خاصة، فعرفه ربه في الشدة، ورعى له تعرفه إليه في الرخاء، فنجاه من الشدائد بهذه المعرفة، وهذه المعرفة خاصة تقتضي قرب العبد من ربه ومحبته له وإجابته لدعائه (٣). وقد بيّن الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى مراتب معرفة الله تعالى فقال: من الناس من يعرف الله بالجود والإفضال والإحسان، ومنهم من يعرفه بالعفو والحلم والتجاوز، ومنهم من يعرفه بالبطش والانتقام، ومنهم من يعرفه بالعلم والحكمة، ومنهم من يعرفه بالعزة والكبرياء، ومنهم من يعرفه بالرحمة والبر واللطف، ومنهم من يعرفه بالقهر والملك، ومنهم من يعرفه بإجابة دعوته، وإغاثة لهفته وقضاء حاجته.

стр. 159

وأعم هؤلاء معرفة من عرفه من كلامه، فإنه يعرف ربًا قد اجتمعت له صفات الكمال، ونعوت الجلال، منزّه عن المثال، بريء من النقائص والعيوب له كل اسم حسن وكل وصف كمال، فعال لما يريد، فوق كل شيء، ومع كل شيء، وقادر على كل شيء، ومقيم لكل شيء، آمر، ناه، متكلم بكلماته الدينية والكونية، أكبر من كل شيء، وأجمل من كل شيء، أرحم الراحمين وأقدر القادرين وأحكم الحاكمين، فالقرآن أنزل لتعريف عباده به وبصراطه الموصل إليه، وبحال السالكين بعد الوصول إليه (١). وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى أن أفضل العلم وأحسنه هو العلم بالله وبأسمائه وصفاته التي تجعل العبد يزداد خشية ومحبة وإجلالًا لله ، فقال: ... فأفضل العلم العلم بالله وهو العلم بأسمائه وصفاته وأفعاله التي توجب لصاحبها معرفة الله وخشيته ومحبته وهيبته وإجلاله وعظمته والتبتل إليه والتوكل عليه والصبر والرضا عنه والاشتغال به دون خلقه. وتبع ذلك العلم بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتفاصيل ذلك والعلم بأوامر الله ونواهيه وشرائعه وأحكامه، وما يحبه من عباده من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. ومن جمع هذه العلوم فهو من العلماء الربانيين، العلماء بالله العلماء بأمره وهم أكمل ممن قصر علمه على العلم بالله دون العلم بأمره، وبالعكس (٢).

стр. 160

المبحث الثالث دلائل توحيد الربوبية ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى أن كل ما في الكون من مخلوقات دليل على تفرد الرب ﵎ بالربوبية على خلقه أجمعين حيث قال: كل ما في الدنيا يدل على صانعه، ويذكر به، ويدل على صفاته، فما فيها من نعيم وراحة يدل على كرم خالقه، وفضله وإحسانه، وجوده، ولطفه. وما فيها من نقمة وشدة وعذاب يدل على شدة بأسه وبطشه وقهره وانتقامه. واختلاف أحوال الدنيا من حر وبرد وليل ونهار وغير ذلك يدل على انقضائها، وزوالها ... (١). وقال أيضًا رحمه الله تعالى: وفي القرآن شىء كثير من التذكير بآيات الله الدالة على عظمته، وقدرته، وجلاله، وكماله، وكبريائه، ورأفته، ورحمته وبطشه، وقهره، وانتقامه إلى غير ذلك من صفاته العلى وأسمائه الحسنى، والندب إلى التفكر في مصنوعاته الدالة على كماله، فإن القلوب مفطورة على محبة الكمال، ولا كمال في الحقيقة إلا له (٢).

стр. 161

فالتفكر والتأمل في الكون الكبير بسماواته وأرضه وإنسانه وحيوانه ونباته وجماده بكل ما فيها من عجائب فيه دلالة تهدي الإنسان إلى ربه وتسوقه إلى الحق والخير ولذلك يقول القائل: وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد (١) والقرآن الكريم مليء بالآيات التي تحث على النظر والتدبر والتأمل في آيات الله ﵎ المحسوسة المشاهدة التي يراها كل أحد صغيرًا وكبيرًا وذكرًا أو أنثى بل جميع الناس على مختلف مستوياتهم لتكون دليلًا لهم على وحدانية الله ﵎ وأنه هو الإله الحق الذي يستحق العبادة دون سواه. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: وإذا تأملت ما دعا الله سبحانه في كتابه عباده إلى التفكر فيه أوقعك على العلم به، وبوحدانيته وصفات كماله ونعوت جلاله من عموم قدرته وعلمه، وكمال حكمته ورحمته وإحسانه وبره ولطفه، وعدله ورضاه، وغضبه وعقابه فبهذا تعرف إلى عباده وندبهم إلى التفكر في آياته (٢). ومن تلك الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ (٣). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ (٤) وغيرها من الآيات التي ترشد

стр. 162

وتلفت الأنظار إلى التفكر إلى هذا الكون وما فيه من مخلوقات عظيمة تدل على عظم خالقها، وأنه المستحق للعبادة دون سواه. والأدلة والبراهين الدالة على عظمة الله ﵎ لا تعد ولا تحصى ولذلك يقول الله ﵎: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ (١). وسأقتصر على بيان وإيضاح بعض الدلائل التي تدل على توحيد الربوبية وهي الدلائل التي تعرض لها وذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى في مؤلفاته وهي الدلائل الآتية: ١ - دلالة الفطرة. ٢ - دلالة النعم. ٣ - دلالة خلق السموات والأرض. ٤ - دلالة خلق النبات. ١ - دلالة الفطرة: فطر الله ﵎ الخلق على توحيده وعبادته، فما من مولود يولد وإلا ويولد على توحيد الله كما جاءت بذلك النصوص الكثيرة في كتاب الله ﵎ وسنة رسوله ﷺ . وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذه الدلالة فقال عند شرحه لحديث: "البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك" (٢).

стр. 163

قال: ... وهذا يدل على أن الله فطر عباده على معرفة الحق والسكون إليه وقبوله، وركز في الطباع محبة ذلك، والنفور من ضده ويدخل هذا في قوله في حديث عياض بن حمار: "إني خلقت عبادي حنفاء مسلمين فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، فحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا" (١). وقوله: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء قال أبو هريرة ﵁: اقرأوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (٢) ... " (٣). ولهذا سمى الله ما أمر به معروفًا، وما نهى عنه منكرًا، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ (٤). وقال تعالى في صفة الرسول ﷺ : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٥). وأخبر أن قلوب المؤمنين تطمئن بذكره، فالقلب الذي دخله نور الإيمان وانشرح به وانفسح سكن للحق، واطمأن به، ويقبله وينفر من الباطل ويكرهه ولا يقبله (٦).

стр. 164

وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى أهمية التربية والتعليم، فبيّن أن الله فطر خلقه على معرفته والإيمان به، ولكن البيئة التي يعيش الإنسان فيها، والتربية التي يتربى عليها والتعليم الذي يتعلمه، كلها لها دور كبير في استمرار المولود على ما فطر عليه وهو دين الإسلام أو الانحراف عنه لأن شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض في تزيين الشبهات والشهوات التي تبعد العبد عن هذه الفطرة السليمة. قال ابن رجب رحمه الله تعالى عند شرحه للحديث القدسي: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ... " (١) وقوله: "كلكم ضال إلا من هديته" قد ظن بعضهم أنه معارض لحديث عياض بن حمار عن النبي ﷺ يقول الله : (خلقت عبادي حنفاء) وفي رواية: "مسلمين فاجتالتهم الشياطين" (٢) وليس كذلك، فإن الله خلق بني آدم وفطرهم على قبول الإسلام، والميل إليه دون غيره، والتهيؤ لذلك، والاستعداد له بالقوة، ولكن لابد للعبد من تعليم الإسلام بالفعل، فإنه قبل التعلم جاهل لا يعلم شيئًا كما قال : ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (٣). وقال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾ (٤) والمراد وجدك غير عالم بما علمك من الكتاب والحكمة كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي﴾ (٥).

стр. 165

فالإنسان يولد مفطورًا على قبول الحق، فإن هداه الله تعالى سبب له من يعلمه الهدى، فصار مهديًا بالفعل بعد أن كان بالقوة، وإن خذله الله قيض له من يعلمه ما يغير فطرته كما قال ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه (١) ... " (٢). وقال رحمه الله تعالى أيضًا عند قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ (٣) قال: "فأمره بإقامة وجهه وهو إخلاص قصده وعزمه وهمِّه للدين الحنيف وهو الدين القيم وهو فطرة الله التي فطر العباد عليها، فإن الله ركب في قلوب عباده كلهم قبول توحيده والإخلاص له، وإنما يغيرهم عن ذلك تعليم من علمهم الخروج عنه" (٤). ٢ - دلالة نعم الله ﵎: أنعم الله ﵎ على عباده بنعم كثيرة ظاهرة وباطنه لا تعد ولا تحصى منها نعمة السمع والبصر، ونعمة الخلق والإيجاد وغيرها من النعم كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ (٦). ومن نعم الله ﵎ علينا إنزال الأمطار من السماء لتنبت

стр. 166

الأشجار وتخرج الثمار كما قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ (١). فالنعم الكثيرة التي أنعم الله بها علينا ﵎ تدل على تفرده بالخلق والرزق والإحياء والإماتة والضر والنفع، وأنه هو المستحق للعبادة دون سواه. قال ابن رجب رحمه الله تعالى وهو يتحدث عن حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كل سلامى من الناس عليه صدقة ... " (٢) الحديث. قال: ومعنى الحديث أن تركب هذه العظام، وسلامتها من أعظم نعم الله على عبده فيحتاج كل عظم منها إلى صدقة يتصدق ابن آدم عنه ليكون ذلك شكرًا لهذه النعمة. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ (٣). وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣)﴾ (٤). وقال: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ

стр. 167

السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ (١). وقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩)﴾ (٢). قال مجاهد (٣): هذه نعم من الله متظاهرة يقررك بها كيما تشكر (٤) إلى أن قال رحمه الله تعالى: والمقصود أن الله تعالى أنعم على عباده بما لا يحصونه كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (٥) وطلب منهم الشكر، والرضا به منهم (٦). وقال رحمه الله تعالى أيضًا: فإذا وفّق الله عبده للشكر على نعمه الدنيوية بالحمد أو غيره من أنواع الشكر، كانت هذه النعمة خيرًا من تلك النعم وأحبّ إلى الله ، فإن الله يحب المحامد، ويرضى عن عبده أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها، والثناء بالنعم والحمد عليها وشكرها عند أهل الجود والكرم أحبّ إليهم من أموالهم فهم يبذلونها طلبًا للثناء، والله أكرم الأكرمين وأجود الأجودين فهو يبذل نعمه لعباده ويطلب منهم الثناء بها، وذكرها منهم، والحمد عليها ويرضى منهم بذلك شكرا عليها، وإن كان ذلك كله من فضله عليهم، وهو غير محتاج إلى شكرهم، لكنه يحب ذلك من عباده حيث كان صلاح العبد وفلاحه، وكماله فيه، ومن فضله سبحانه أنه نسب

стр. 168

الحمد والشكر إليهم، وإن كان من أعظم نعمه عليهم، وهذا كما أنه أعطاهم ما أعطاهم من الأموال، واستقرض منهم بعضه، ومدحهم بإعطائه، والكل ملكه، ومن فضله ولكن كرمه اقتضى ذلك (١). ٣ - دلالة خلق السموات والأرض: قال ابن رجب رحمه الله تعالى: وإنما يعبد الله سبحانه بعد العلم به ومعرفته، ولذلك خلق السموات والأرض، وما فيها للاستدلال بهما على توحيده وعظمته كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ (٢) (٣). وقال رحمه الله تعالى أيضًا: ... وأخبر أنه إنما خلق السموات والأرض، ونزل الأمر لنعلم بذلك قدرته وعلمه فيكون دليلا على معرفته، ومعرفة صفاته كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ (٢) (٤). فخلق السموات والأرض من أعظم الآيات الواضحة الدالة على ربوبية الله ﵎، لأن السموات جعلها الله سقفًا محفوظًا تتألف من سبع سموات، وفيها من مخلوقات الله العجيبة ما لا يعلمه إلا الله، فهي تسير بنظام دقيق بلا اختلاف، ولا خلل لأن الله ﵎ هو الذي يسيرها بقدرته وحكمته كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا

стр. 169

مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾ (١). كما أن الذي أقامها وأمسكها بلا عمد نراها وهي بعيدة المدى إنما هو الخالق القادر على كل شيء المستحق للعبادة وحده دون سواه يقول المولى ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ (٢). ويقول : ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (٣). ولهذا لفت الله عباده إلى النظر في السموات والتفكر في خلقها فقال : ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨)﴾ (٤). وخلق الأرض وما فيها من جبال وأحجار وأشجار وأنهار وبحار وغيرها من مخلوقات الله تعالى الظاهرة والباطنة التي ينتفع بها الإنسان في حياته، فإنها لأدلة واضحة على عظم خلق الله وإبداع صنعه وقد نبه الله ﵎ عباده على ذلك فقال : ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠)﴾ (٥). فخلق السموات والأرض من أعظم دلائل الربوبية كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا

стр. 170

يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ (١) وقال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢). وقد ذم الله المعرضين عن التفكر في خلق السموات والأرض وما أودعه فيهما من مخلوقات فقال : ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾ (٣). وقال : ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥)﴾ (٤). يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره عند هذه الآية: يخبر الله تعالى عن غفلة أكثر الناس عن التفكر في آيات الله ودلائل توحيده بما خلقه الله في السموات والأرض من كواكب زاهرات ثوابت، وسيارات وأفلاك دائرات، والجميع مسخرات، وكم في الأرض من قطع متجاورات، وحدائق، وجنات وجبال راسيات، وبحار زاخرات، وأمواج متلاطمات، وقفار شاسعات وكم من أحياء وأموات، وحيوان ونبات وثمرات متشابهة ومختلفات في الطعوم والروائح والألوان والصفات فسبحان الواحد الأحد خالق أنواع المخلوقات المتفرد بالدوام والبقاء، والصمدية للأسماء والصفات وغير ذلك (٥). وقال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى مبينًا عظم خلق السموات والأرض وما فيهما من مخلوقات عظيمة عجيبة تدل دلالة واضحة على عظم خالقها ومبدعها وهو الله ﵎ الذي أحكم وأحسن كل شيء خلقه .

стр. 171

فقال عن السماء: "فتأمل خلق السماء وارجع البصر فيها كرة بعد كرة كيف تراها من أعظم الآيات في علوها وارتفاعها وسعتها وقرارها بحيث لا تصعد علوًا كالنار، ولا تهبط نازلة كالأجسام الثقيلة ولا عمد تحتها ولا علاقة فوقها، بل هي ممسوكة بقدرة الله الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا، ثم تأمل استواءها واعتدالها فلا صدع فيها، ولا فطر ولا شق ولا أمت ولا عوج ثم تأمل ما وضعت عليه من هذا اللون الذي هو أحسن الألوان وأشدها موافقة للبصر وتقوية له" (١). وقال عن الأرض: "وإذا نظرت إلى الأرض وكيف خلقت، رأيتها من أعظم آيات فاطرها وبديعها، خلقها سبحانه فراشًا ومهادًا وذللها لعباده وجعل فيها أرزاقهم وأقواتهم ومعايشهم وجعل فيها السبل لينتقلوا فيها في حوائجهم وتصرفاتهم، وأرساها بالجبال، فجعلها أوتادًا تحفظها لئلا تميد بهم، ووسع أكنافها ودحاها فمدها وبسطها، وطحاها فوسعها من جوانبها وجعلها كفاتًا للأحياء تضمهم على ظهرها ما داموا أحياء، وكفاتًا للأموات تضمهم في بطنها إذا ماتوا، فظهرها وطن للأحياء، وبطنها وطن للأموات، وقد أكثر تعالى من ذكر الأرض في كتابه ودعا عباده إلى النظر إليها والتفكر في خلقها ... " (٢). ٤ - دلالة خلق النبات: قال ابن رجب رحمه الله تعالى: تدقيق النظر والفكر في حال النبات يستدل به المؤمن على عظمة خالقه وكمال قدرته ورحمته فتزداد القلوب هيمانًا في محبته، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ

стр. 172

حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾ (١). زمان الربيع كله واعظ يذكر بعظمة موجده وكمال قدرته ويشوق إلى طيب مجاورته في دار كرامته ... سبحان من سبحت المخلوقات بحمده، فملأ الأكوان تحميده وأفصحت الكائنات، والشهادة بوحدانيته، فوضح توحيده يسبحه النبات جمعه وفريده، والشجر عتيقه وجديده ... (٢). فلو نظر الإنسان إلى عالم النبات وما فيه من عجائب مخلوقات الله لأدرك عظمة الخالق ﵎، ولقاده ذلك إلى إفراده بالعبادة دون سواه. فلو نظرنا إلى الحبة تكون في باطن الأرض فتنمو ويخرج ساقها شاقًا لنفسه طريقًا بين التراب ثم تكبر شيئًا فشيئًا حتى تكون شجرة ثم تخرج الثمرة تؤتي أكلها في حينها بإذن الله . ولو نظرنا إلى البساتين، وما تخرجه بإذن الله تعالى من ثمار مختلفة لرأينا العجب العجاب في صنع الله فتبارك الله أحسن الخالقين. وقد أشار الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى إلى ذلك وأوضحه وبيّنه، فقال: هذا عود شجر الكرم يكون يابسًا طول الشتاء ثم إذا جاء الربيع دب فمه الماء واخضرّ ... ، ثم يخرج الحصرم (٣) فينتفع الناس به

стр. 173

حامضًا، ويتناولون منه طبخًا واعتصارًا ثم ينقلب حلوًا فينتفع الناس به حلوًا رطبًا ويابسًا، ويستخرجون منه ما ينتفعون بحلاوته طول العام، وما يأتدمون بحمضه، وهو نعم الإدام. فهذه التنقلات توجب للعاقل الدهش والتعجب من صنع صانعه وقدرة خالقه، فينبغي أن يفرغ عقله للتفكر في هذه النعم والشكر عليها. وأما الجاهل فيأخذ العنب فيجعله خمرًا فيغطي به العقل الذي ينبغي أن يستعمل في الفكر والشكر حتى ينسى خالقه المنعم عليه بهذه النعم كلها، فلا يستطيع بعد الشكر أن يذكره ويشكره بل ينسى من خلقه ورزقه، فلا يعرفه في شكره بالكلية، وهذه نهاية كفران النعم (١). فالنبات وما فيه من عجائب من الآيات الكبيرة والدلائل العظيمة على عظم خالقه وموجده وأنه المستحق للعبادة دون سواه وقد ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة تدل على أن المقصود الأول من هذه النباتات إنما هو للدلالة على معرفة عظمة خالقه وكمال قدرة موجده. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)﴾ (٢). ومنها قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾ (٣).

стр. 174

ومنها قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣)﴾ (١). وقد بيّن الله في القرآن الكريم أن اختلاف النباتات في الطعم رغم الاتحاد في التربة والماء من العلامات الكبرى لمن تأمل وعقل وتدبر، قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ (٢). قال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: الأرض الواحدة يكون فيها الخوخ والكمثرى، والعنب الأبيض والأسود، بعضها حلو، وبعضها حامض، وبعضها أفضل من بعض مع اجتماعها على شراب واحد ... (٣). وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١)﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ (٥). قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وقوله ﷻ : ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي يظهر قدرته لخلقه بما يشاهدونه في خلقه العلوي والسفلي

стр. 175

من الآيات العظيمة الدالة على كمال خالقها ومبدعها ومنشئها ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ وهو المطر الذي يخرج به من الزروع والثمار ما هو مشاهد بالحس من اختلاف ألوانه وطعومه وروائحه وأشكاله وألوانه وهو ماء واحد، فبالقدرة العظيمة فاوت بين هذه الأشياء ﴿وَمَا يَتَذَكَّر﴾ أي يعتبر ويتفكر في هذه الأشياء ويستدل بها على عظمة خالقها ﴿إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ أي من هو بصير منيب إلى الله ﵎ (١). وقال محمد الأمين الشنقيطي (٢) رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: "ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه جل وعلا هو الذي يري خلقه آياته، أي الكونية القدرية ليجعلها علامات لهم على ربوبيته، واستحقاقه العبادة وحده، ومن تلك الآيات الليل والنهار والشمس والقمر كما قال تعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (٣) الآية. ومنها السموات والأرض، وما فيها، والنجوم، والرياح، والسحاب والبحار والأنهار، والعيون والجبال والأشجار، وآثار قوم هلكوا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ

стр. 176

بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ (١). وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾ (٤). وما ذكره جل وعلا في آية المؤمن، من أنه هو الذي يري خلقه آياته بينة وزاده إيضاحًا في غير هذا الموضع، فبيّن أنه يريهم آياته في الآفاق وفي أنفسهم، وأن مراده بذلك البيان أن يتبين لهم أن ما جاء به محمد ﷺ حق، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (٥) " (٦). والذي نخلص إليه مما تقدم أن هذه الدلالات والآيات دليل واضح على أن لهذا الكون إلهًا قادرًا حكيمًا يتصرف فيه كيف شاء بيده الخلق والأمر وهو الله المستحق للعبادة دون سواه.

стр. 177

الفصل الثالث توحيد الأسماء والصفات ويشتمل على المباحث الآتية: المبحث الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات. المبحث الثاني: مذهب السلف في أسماء الله وصفاته وترجيح ابن رجب له. المبحث الثالث: أدلة توحيد الأسماء والصفات. المبحث الرابع: بيانه أن السلف أعلم ومذهبهم أسلم وأحكم. المبحث الخامس: بيانه أن سورة الإخلاص فيها صفة الرحمن. المبحث السادس: بيانه أن الاشتراك في الاسم لا يقتضي الاشتراك في المسمى. المبحث السابع: ذكر جملة من الصفات التي ذكرها ابن رجب ﵀ نعالى.

стр. 178

١ - صفة العلم. ٢ - صفة الغنى. ٣ - صفة المعية. ٤ - صفة المجيء والإتيان. ٥ - صفة النزول. المبحث الثامن: شبه حول صفة النزول والرد عليها. المبحث التاسع: رده على المخالفين لمذهب السلف من المعطلة والمشبهة. المبحث العاشر: تنزيه الله من نسبة الولد إليه. المبحث الحادي عشر: علم الكلام وكلام ابن رجب عليه.

стр. 179

المبحث الأول تعريف توحيد الأسماء والصفات هو إفراد الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى التي وردت في الكتاب والسنة وذلك بإثبات ما أثبته سبحانه لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات من غير تحريف (١) لألفاظها أو معانيها ولا تعطيلها (٢) بنفيها أو نفي بعضها عن الله ، ولا تكييفها (٣) بتحديد كنهها أو إثبات كيفية معينة لها ولا تمثيلها (٤) أو تشبيهها (٥) بصفات المخلوقين وإنما إثبات يليق بجلاله وعظمته وكبريائه

стр. 180

كما قال ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١). وقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى هذا المعنى في مواضع مختلفة من مؤلفاته من ذلك قوله رحمه الله تعالى: "واعلم أن التسبيح والتحميد فيه إثبات صفات الكمال، ونفي النقائص والعيوب" (٢). وقال رحمه الله تعالى أيضًا في شرحه لحديث اختصام الملأ الأعلى (٣): " ... وأما وصف النبي ﷺ لربه بما وصفه به فكل ما وصف النبي ﷺ ربه به فهو حق وصدق، ويجب الإيمان والتصديق به، كما وصف الله به نفسه مع نفي التمثيل عنه ... " (٤). وقال رحمه الله تعالى أيضًا في تفسيره لسورة الإخلاص: ... وحقيقة الكفؤ هو المساوي والمقاوم، فلا كفوء له تعالى في ذاته، ولا
следующие страницы →