بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾ (٤).
وما ذكره جل وعلا في آية المؤمن، من أنه هو الذي يري خلقه آياته بينة وزاده إيضاحًا في غير هذا الموضع، فبيّن أنه يريهم آياته في الآفاق وفي أنفسهم، وأن مراده بذلك البيان أن يتبين لهم أن ما جاء به محمد ﷺ حق، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (٥) " (٦).
والذي نخلص إليه مما تقدم أن هذه الدلالات والآيات دليل واضح على أن لهذا الكون إلهًا قادرًا حكيمًا يتصرف فيه كيف شاء بيده الخلق والأمر وهو الله المستحق للعبادة دون سواه.
стр. 177
الفصل الثالث توحيد الأسماء والصفات
ويشتمل على المباحث الآتية:
المبحث الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات.
المبحث الثاني: مذهب السلف في أسماء الله وصفاته وترجيح ابن رجب له.
المبحث الثالث: أدلة توحيد الأسماء والصفات.
المبحث الرابع: بيانه أن السلف أعلم ومذهبهم أسلم وأحكم.
المبحث الخامس: بيانه أن سورة الإخلاص فيها صفة الرحمن.
المبحث السادس: بيانه أن الاشتراك في الاسم لا يقتضي الاشتراك في المسمى.
المبحث السابع: ذكر جملة من الصفات التي ذكرها ابن رجب ﵀ نعالى.
стр. 178
١ - صفة العلم.
٢ - صفة الغنى.
٣ - صفة المعية.
٤ - صفة المجيء والإتيان.
٥ - صفة النزول.
المبحث الثامن: شبه حول صفة النزول والرد عليها.
المبحث التاسع: رده على المخالفين لمذهب السلف من المعطلة والمشبهة.
المبحث العاشر: تنزيه الله من نسبة الولد إليه.
المبحث الحادي عشر: علم الكلام وكلام ابن رجب عليه.
стр. 179
المبحث الأول تعريف توحيد الأسماء والصفات
هو إفراد الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى التي وردت في الكتاب والسنة وذلك بإثبات ما أثبته سبحانه لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات من غير تحريف (١) لألفاظها أو معانيها ولا تعطيلها (٢) بنفيها أو نفي بعضها عن الله ، ولا تكييفها (٣) بتحديد كنهها أو إثبات كيفية معينة لها ولا تمثيلها (٤) أو تشبيهها (٥) بصفات المخلوقين وإنما إثبات يليق بجلاله وعظمته وكبريائه
стр. 180
كما قال ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١).
وقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى هذا المعنى في مواضع مختلفة من مؤلفاته من ذلك قوله رحمه الله تعالى: "واعلم أن التسبيح والتحميد فيه إثبات صفات الكمال، ونفي النقائص والعيوب" (٢).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا في شرحه لحديث اختصام الملأ الأعلى (٣): " ... وأما وصف النبي ﷺ لربه بما وصفه به فكل ما وصف النبي ﷺ ربه به فهو حق وصدق، ويجب الإيمان والتصديق به، كما وصف الله به نفسه مع نفي التمثيل عنه ... " (٤).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا في تفسيره لسورة الإخلاص: ... وحقيقة الكفؤ هو المساوي والمقاوم، فلا كفوء له تعالى في ذاته، ولا
стр. 181
في صفاته، ولا في أسمائه، ولا في أفعاله، ولا في ربوبيته ولا في آلهيته (١).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا في تفسيره لسورة الإخلاص: ... فقد تضمنت هذه السورة العظيمة إثبات صفات الكمال، ونفي النقائص والعيوب من خصائص المخلوقين من التولد والمماثلة (٢).
وقال أيضًا: ... وتضمنت إثبات جميع صفات الكمال بإثبات الأحدية فالصمدية تثبت الكمال النافي للنقائص، والأحدية تثبت الانفراد بذلك، فإن الأحدية تقتضي انفراده بصفاته وامتيازه عن خلقه بذاته وصفاته، والصمدية إثبات جميع صفات الكمال ودوامها وقدمها فإن السيد الذي يصمد إليه لا يكون إلا متصفًا بجميع صفات الكمال التي استحق لأجلها أن يكون صمدًا وأنه لم يزل كذلك ولا يزال، فإن صمديته من لوازم ذاته لا تنفك عنه بحال (٣).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "إن الله تعالى هو السلام، لأنه القدوس المبرأ من الآفات والنقائص كلها، وذلك واجب له لذاته، ومنه تطلب السلامة لعباده، فإنهم محتاجون إلى السلامة من عقابه وسخطه وعذابه ... " (٤).
فتوحيد الأسماء والصفات هو إفراد الله تعالى بأسمائه وصفاته دون تشبيه أو تحريف أو تعطيل.
يقول السفاريني رحمه الله تعالى: "توحيد الصفات أن يوصف الله
стр. 182
تعالى بما وصف به نفسه وبما وصفه به نبيه ﷺ نفيا وإثباتًا فيثبت له ما أثبته لنفسه وينفي عنه ما نفاه عن نفسه" (١).
وقال سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: "توحيد الأسماء والصفات وهو الإقرار بأن الله بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير، وأنه الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، له المشيئة النافذة، والحكمة البالغة، وأنه سميع بصير، رؤوف رحيم، على العرش استوى، وعلى الملك احتوى، وأنه الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، العزيز الجبار المتكبر، سبحان الله عما يشركون، إلى غير ذلك من الأسماء الحسنى والصفات العلى" (٢).
стр. 183
المبحث الثاني مذهب السلف في أسماء الله وصفاته وموقف ابن رجب منه
إن مذهب السلف في أسماء الله وصفاته هو مذهب وسط بين الجافية والغالية، بين المعطلة من الجهمية (١) والمعتزلة (٢) ومن سلك مسلكهم من الخوارج (٣)،
стр. 184
والأشاعرة (١) وغيرهم من الذين يلحدون في أسماء الله وصفاته، ويعطلون حقائق ما وصف الله به نفسه ، حتى شبهوه بالعدم والموات، وبين الممثلة من الكرامية وغلاة الرافضة (٢) الذين يضربون لله الأمثال ويشبهونه بالمخلوقات، وكلا المذهبين مجانب للصواب والمذهب الصحيح الذي لا معدل عنه لكل من يريد السير على الصراط المستقيم هو مذهب السلف الذين يؤمنون بأسماء الله وبما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ من صفات الجلال والكمال حقيقة على الوجه الذي يليق بكمال الله تعالى، وجلاله وعزته وعظمته.
وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه ونفاه عنه رسوله ﷺ من صفات لا يجوز ولا يليق أن يوصف بها .
стр. 185
وهم في ذلك يعتمدون على الأدلة الواردة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (٢).
وقد سلك ابن رجب رحمه الله تعالى المنهج الحق منهج أهل السنة والجماعة وأوضحه وبيّنه، ومما قاله في تقرير هذا المسلك قوله: وكلمة السلف وأئمة أهل الحديث متفقة على أن آيات الصفات وأحاديثها الصحيحة كلها تمر كما جاءت من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل، قال أبو هلال (٣): سأل رجل الحسن (٤) عن شيء من صفة الله فقال: أمروها بلا مثال. وقال وكيع (٥): أدركت إسماعيل بن أبي خالد (٦)
стр. 186
وسفيان (١) ومسعر (٢) يحدثون بهذه الأحاديث ولا يفسرون شيئًا. وقال الأوزاعي (٣): سئل مكحول (٤) والزهري (٥) عن تفسير هذه الأحاديث؟ فقالا: أمروها كما جاءت. وقال الوليد بن مسلم (٦): سألت الأوزاعي
стр. 187
ومالكًا وسفيان وليثًا (١) عن هذه الأحاديث التي فيها الصفة والقرآن؟ فقالوا: أمروها بلا كيف. وقال ابن عيينة (٢): ما وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره ليس لأحد أن يفسره إلا الله ، وكلام السلف في مثل هذا كثير جدًا (٣).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وأما السلف وأئمة أهل الحديث فعلى الطريقة الأولى وهي الإيمان بجميع ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو صح عن رسول الله ﷺ أنه أثبته له مع نفي التمثيل والكيفية عنه كما قاله ربيعة (٤) ومالك وغيرهما من أئمة الهدى في الاستواء، وقد روي عن أم سلمة أم المؤمنين (٥) وقال مثل ذلك غيرهم من العلماء في النزول،
стр. 188
وكذلك القول في سائر الصفات، والله الموفق" (١).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: " ... وأما طريقة أئمة أهل الحديث وسلف الأمة فهي إقرار النصوص وإمرارها كما جاءت، ونفي الكيفية عنها والتمثيل ... ومن قال الظاهر منها غير مراد، قيل له: الظاهر ظاهران ظاهر يليق بالمخلوقين ويختص بهم فهو غير مراد، وظاهر يليق بذي الجلال والإكرام فهو مراد، ونفيه تعطيل، ولقد قال بعض أئمة الكلام والفلسفة من شيوخ الصوفية الذين يحسن بهم المتكلمون الظن: إن المتكلمين بالغوا في تنزيه الله عن مشابهة الأجسام فوقعوا في تشبيهه بالمعاني، والمعاني محدثة كالأجسام، فلم يخرجوا عن تشبيهه بالمخلوقات.
وهذا كله إنما أتى من ظن أن تفاصيل معرفة الجائز على الله والمستحيل عليه يوجد من أدلة العقول ولا يوجد مما جاء به الرسول ﷺ ، وأما أهل العلم والإيمان فيعلمون أن ذلك كله متلقى مما جاء به الرسول ﷺ ، وأن ما جاء به من ذلك عن ربه فهو الحق الذي لا مزيد عليه، ولا عدول عنه، وأنه لا سبيل إلى تلقي الهدى إلا منه، وأنه ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ الصحيحة ما ظاهره كفر أو تشبيه أو مستحيل، بل كل ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ فإنه حق وصدق
стр. 189
يجب اعتقاد ثبوته مع نفي التمثيل عنه فكما أن الله ليس كمثله شيء في ذاته، فكذلك في صفاته وما أشكل فهمه من ذلك فإنه يقال فيه ما مدح الله الراسخين من أهل العلم إنهم يقولونه عند المتشابهات: آمنا به كل من عند ربنا، وما أمر به رسول الله ﷺ في متشابه الكتاب أنه يرد إلى عالمه، والله يقول الحق ويهدي السبيل (١).
هكذا كان السلف الصالح ﵃ من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين ومن سلك سبيلهم كانوا متفقين على هذا المنهج، كلمتهم واحدة، لم يقابلوا الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية بالتأويل والتحريف ولم يعارضوها بعقولهم بل تلقوها بالقبول والتسليم، وقابلوها بالإجلال والتعظيم، ولم يتكلم أحد منهم في شيء من أمور الدين إلا تبعًا لما قاله الله ، ولما نطق به رسوله ﷺ .
يقول محمد بن الحسن (٢) رحمه الله تعالى: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب من غير تغيير ولا وصف ولا تشبيه، فمن فسر اليوم شيئًا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي ﷺ ، وفارق الجماعة فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا (٣).
стр. 190
ويقول شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني (١) رحمه الله تعالى مبينًا عقيدة أهل السنة والجماعة في أسماء الله تبارك وصفاته: "أصحاب الحديث حفظ الله أحياءهم ورحم أمواتهم، يشهدون لله بالوحدانية، وللرسول ﵌ بالرسالة والنبوة، ويعرفون ربهم بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله، أو شهد بها رسوله ﷺ على ما وردت الأخبار الصحاح به ونقلته العدول الثقات عنه، ويثبتون لله ﷻ ما أثبت لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ ولا يعتقدون تشبيهًا لصفاته بصفات خلقه، فيقولون: إنه خلق آدم بيده كما نص سبحانه عليه في قوله : ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٢) ولا يحرفون الكلام عن مواضعه بحمل اليدين على النعمتين أو القوتين، تحريف المعتزلة الجهمية، أهلكهم الله، ولا يكيفونهما بكيف أو تشبيههما بأيدي المخلوقين، وقد أعاذ الله أهل السنة من التحريف والتكييف، ومنّ عليهم بالتعريف، والتفهيم حتى سلكوا سبل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واتبعوا قول الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٣).
وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة، والقدرة والعزة والعظمة والإرادة، والمشيئة والقول والكلام، والرضا
стр. 191
والسخط والحياة واليقظة (١) والفرح والضحك وغيرها من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله ﷺ من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه، ولا تكييف له، ولا تشبيه، ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب وتضعه عليه بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى .. " (٢).
وقال حافظ المغرب ابن عبد البر (٣) رحمه الله تعالى: "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج، فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وهم أئمة الجماعة والحمد لله" (٤).
стр. 192
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فأما الأول وهو التوحيد في الصفات، فالأصل في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسله نفيًا وإثباتًا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه، وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد، لا في أسمائه ولا في آياته، فإن الله تعالى ذم الذين يلحدون في أسمائه وآياته كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (٢) الآية .. فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات إثباتًا بلا تشبيه، وتنزيهًا بلا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٣) ففي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد للتشبيه والتمثيل، وفي قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رد للإلحاد والتعطيل (٤).
هذا هو منهج السلف في معرفتهم لربهم عن طريق معرفة أسمائه وصفاته التي اتصف بها كما جاءت به الأدلة في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ .
стр. 193
وقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أن هذا هو المنهج القويم وهو الصواب الذي يجب على كل مسلم اتباعه والأخذ به، ولا يجوز العدول عنه والأخذ بما سواه.
فقال رحمه الله تعالى: والصواب ما عليه السلف الصالح من إمرار آيات الصفات، وأحاديثها، كما جاءت من غير تفسير لها ولا تكييف ولا تمثيل ولا يصح عن أحد منهم خلاف ذلك البتة خصوصًا الإمام أحمد، ولا خوضًا في معانيها، ولا ضرب مثل من الأمثال لها، وإن كان بعض من كان قريبًا من زمن أحمد فيهم من فعل شيئًا من ذلك اتباعًا لطريقة مقاتل (١) فلا يقتدى به في ذلك، إنما الاقتداء بأئمة الإسلام كابن المبارك (٢) ومالك والثوري والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق (٣)
стр. 194
وأبي عبيد (١) ونحوهم (٢) ..
فابن رجب رحمه الله تعالى كما اتضح من قوله هذا يرى أن منهج السلف هو المنهج الذي يجب الأخذ به وعدم العدول عنه لأنه منهج يعتمد على الكتاب والسنة، وهو يتركز على الأسس الآتية:
١ - الإثبات.
٢ - التنزيه.
٣ - عدم إدراك الكيفية.
الأول: الإثبات:
أما الإثبات فإن السلف يعتقدون ما دل عليه صريح الكتاب وصحيح السنة من أسماء الله تعالى وصفاته، ويثبتونها على ما يليق بجلاله مع اعتقادهم أنها دالة على معان ثابتة كاملة في نفس الأمر، من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل.
وقد روي عن كثير من السلف ما يدل على أن مذهبهم هو الإثبات وقد ذكرت جملة من أقوالهم في أول هذا المبحث وهي تدل على أن السلف يؤمنون بكل ما أخبر الله به عن ذاته وأسمائه وصفاته ولا يفرقون بين الذات والصفات كما فعلت الجهمية والمعتزلة، كما أنهم لا يفرقون بينها، فيثبتون البعض، وينكرون الآخر كما فعلت الأشاعرة ومن نحا نحوهم.
стр. 195
وكلامهم في الإثبات يرتكز على أمرين:
١ - القول في الصفات كالقول في الذات، فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في أسمائه وصفاته، ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقية لا تماثل سائر الصفات.
فإن قيل: كيف استوى على عرشه؟
يقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة، كما أجاب ربيعة ومالك وغيرهم رحمهم الله تعالى وإن قيل: كيف ينزل ربنا؟
يقال: كيف هو في ذاته؟
فإذا قال: لا أعلم كيفيته، قيل له: لا نعلم كيفية نزوله، إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له، وتابع له، فكيف تطالبني بالعلم بكيفية سمعه وبصره وتكليمه واستوائه ونزوله وأنت لا تعلم كيفية ذاته.
وإذا كنت تقر بأن له حقيقة ثابتة في نفس الأمر مستوجبة لصفات الكمال، لا يماثلها شيء، فسمعه وبصره وكلامه، ونزوله، واستواءه ثابت في نفس الأمر، وهو متصف بصفات الكمال التي لا يشابههه فيها سمع المخلوقين، وبصرهم، وكلامهم، واستواؤهم ونزولهم.
وهذا كلام لازم لهم في العقليات، وفي تأويل السمعيات، فإن من أثبت شيئًا، ونفى شيئًا بالعقل، ألزم إذًا فيما نفاه من الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة نظير ما يلزمه فيما أثبته.
ولو طولب بالفرق بين المحذور في هذا وهذا لم يجد بينهما فرقًا.
стр. 196
٢ - القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، فإن من أثبت بعض الصفات كالحياة والقدرة، والإرادة، ويجعل ذلك كله حقيقة وينكر المحبة والرضا والغضب ويجعل ذلك مجازًا.
يقال له: ما الفرق بين ما أثبته وما نفيته؟
بل القول في أحدهما كالقول في الآخر.
فإن قال: إن إرادة الله مثل إرادة الخلق قيل: فكذلك رضاؤه ومحبته وهذا هو التمثيل.
وان قال: إن له إرادة تليق به كما أن للمخلوق إرادة تليق به، قيل له: فكذلك له محبة تليق به، وللمخلوق محبة تناسب حاله وكذلك سائر الصفات كالرضا والغضب.
فإن قال: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، يقال له والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة فإن قال: هذه إرادة المخلوق، قيل: هذا غضب المخلوق، وكذلك يلزم القول في بقية الصفات، فيجب أن يؤخذ الكل، أو يقال في الكل بما يقال في البعض (١).
وقد جمع بين هذين الأصلين الإمام أحمد رحمه الله تعالى في قوله: إنما التشبيه أن تقول يد كيد أو وجه كوجه، فأما إثبات يد ليست كالأيدي، ووجه ليس كالوجوه، فهو إثبات ذات ليست كالذوات، وحياة ليست كغيرها من الحياة وسمع وبصر ليس كالأسماع والأبصار، وليس إلا هذا المسلك، أو مسلك التعطيل المحض، أو التناقض الذي لا يثبت لصاحبه قدم في النفي، ولا في الإثبات (٢).
стр. 197
الثاني: التنزيه:
أما التنزيه فإن السلف يعتقدون أن الله لا يشبهه شيء لا في ذاته ولا في أسمائه وصفاته، ولا في أفعاله، فمن شبه الله بخلقه، وألحد في أسمائه وصفاته، وجحد ما وصف الله به نفسه، فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه أو ما وصفه به رسوله ﷺ تشبيهًا أو تمثيلًا كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) كما أنهم ينفون عنه سبحانه -كل ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ اعتقادًا بأن المراد من النفي هو إثبات كمال ضده، وليس النفي المحض، لأن النفي المحض لا يقصد به المدح إلا إذا تضمن إثبات كمال ضد ذلك المنفي، فكل ما أوجب نقصًا أو حدوثًا، فإن الله منزه عنه حقيقة.
قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "لله أسماء وصفات لا يسع أحدًا ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل، لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الرؤية والفكر، فنثبت هذه الصفات، وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (١) " (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن خزيمة (٣) رحمه الله تعالى عند كلامه على صفة الوجه لله : فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة،
стр. 198
واليمن، والعراق والشام ومصر مذهبنا: أنا نثبت لله ما أثبته لنفسه نقر بذلك بألسنتنا، ونصدق ذلك بقلوبنا من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين، عز ربنا عن أن يشبه المخلوقين وجل ربنا عن مقالة المعطلين وعز أن يكون عدمًا كما قاله المبطلون، لأن ما لا صفة له عدم تعالى الله عما يقول الجهميون الذين ينكرون صفات خالقنا الذي وصف بها نفسه في محكم تنزيله، وعلى لسان نبيه محمد ﷺ (١).
وعمدة السلف رحمهم الله تعالى في هذه القاعدة قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ (٢).
وقوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٣).
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ (٤).
وغيرها من الآيات التي أخبر الله فيها بأنه منزه عن الكفء والمثل والند والشبيه، لأنه ﵎ موصوف بصفات الكمال الذي لا نقص فيه منزه عن صفات النقص مطلقًا، ومنزه عن أن يماثله عيره في صفات كماله.
الثالث: قطع الأطماع عن إدراك الكيفية والكنه:
لأن إدراك الكيفية مستحيل وليس في إمكان البشر الإحاطة بذاته لقوله : ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ (٥).
فمعرفة الكيفية لا سبيل بالوقوف عليه، فلابد من اليأس من
стр. 199
إدراكها لأن الله أخبرنا أنهم لا يحيطون به علمًا، لأن هذا أمر غيبي والأمور الغيبية لا تدرك كيفياتها بالعقل.
والواجب الذي كلفنا به وأمرنا باعتقاده هو الالتزام بما جاءت به الأدلة الشرعية، ونهينا عن تجاوز ذلك والخوض فيما لا علم لنا به، ولا يمكننا إدراكه والوقوف على حقيقته وكيفيته، وهذا أصل معروف عند السلف رحمهم الله تعالى، فإنهم يقرون بكل ما جاء في كتاب الله أو على لسان نبيه ﷺ بلا كيف ولا مثيل.
قال ابن قتيبة (١) رحمه الله تعالى: وعدل القول في هذه الأخبار أن نؤمن بما صح منها بنقل الثقات لها، فنؤمن بالرؤية والتجلي، وأنه يعجب وينزل من السماء، وأنه على العرش استوى، وبالنفس واليدين من غير أن نقول بكيفية أو بحد، أو أن نقيس على ما جاء ما لم يأت (٢).
وقال ابن قدامة المقدسي (٣) رحمه الله تعالى: ... وعلى هذا درج
стр. 200
السلف وأئمة الخلف، كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من غير تعرض لتأويله (١).
وقال الخطيب البغدادي (٢) رحمه الله تعالى: أما الكلام في الصفات، فإن ما روي منها في السنن والصحاح مذهب السلف ﵃ إثباتها وإجراؤها على ظاهرها ونفي الكيفية والتشبيه عنها، والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلومًا أن إثبات رب العالمين إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف. . . ونقول إنما وجب إثباتها لأن التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٣) وقوله : ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (٤)(٥) فلا طريق للعلم بذاته وصفاته وأسمائه إلا بالخبر عنه سبحانه لما بلغنا ذلك رسول الهدى ﷺ وعلى ذلك فإننا لا نعلم عن ذاته وأسمائه وصفاته إلا ما جاء به الخبر، فعلينا أن نقف عند الحد الذي جاء به الخبر من غير سؤال عن كيفية ذلك، ولا بحث عن كنهها لأنه ليس بوسعنا ولا من حقنا أن نتكلم فيما لا نعلم، ولذلك أثر عن كثير من السلف أنهم قالوا عندما سئلوا عن كيفية استواء الله
стр. 201
عز وجل: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة (١).
فاتفق هؤلاء السلف على أن الكيف غير معلوم لنا وأن السؤال عنه بدعة.
ولذلك كان اعتقاد السلف في هذا الباب إثباتا بريئًا من التمثيل وتنزيهًا خاليًا من التعطيل على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٢).
والله الهادي إلى سواء السبيل.
стр. 202
المبحث الثالث أدلة توحيد الأسماء والصفات
بينت فيما سبق من مباحث هذا الفصل تعريف توحيد الأسماء والصفات ومنهج السلف الصالح فيه وما قاله ابن رجب رحمه الله تعالى فيه والتي ملخصها: وجوب الإيمان بما ثبت لله من الأسماء الحسنى والصفات العلى إثباتًا يليق بجلاله وعظمته وكبريائه، ونفي جميع النقائص والعيوب عنه .
وقد وردت أدلة كثيرة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ تدل على ذلك كله.
فمن الآيات قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ (١).
ومنها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦)﴾ (٢).
فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ (١).
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: وقوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ لما أثبت تعالى لنفسه الكريمة الأسماء الحسنى نزه نفسه عن النقائص فقال: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ بل هو الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ أي ليس بذليل فيحتاج إلى أن يكون له ولي أو وزير أو مشير بل هو تعالى خالق الأشياء وحده لا شريك له ومدبرها ومقدرها بمشيئته وحده لا شريك له. قال مجاهد في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ لم يحالف أحدًا ولم يبتغ نصر أحد ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ أي عظمه وأجله عما يقول الظالمون المعتدون علوًا كبيرًا (٢).
والآيات في هذا المعنى كثيرة، وكلها دالة على أن الله له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وله الكمال المطلق في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله لا شريك له.
وأما الأحاديث التي وردت في إثبات أسماء الرب الحسنى وصفاته العلى فهي كثيرة جدًا لا تقل عن أحاديث الصلاة والصوم والحج والجهاد وغير ذلك من مسائل الأحكام.
ومنها: حديث ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ يدعو من الليل: اللهم لك الحمد أنت رب السماوات والأرض لك الحمد أنت قيم السماوات والأرض، ومن فيهن، لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض، قولك الحق ووعدك الحق ولقاؤك حق والجنة حق،
стр. 205
والنار حق والساعة حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وأسررت وأعلنت، أنت إلهي لا إله لي غيرك (١).
وحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: يد الله ملأى لا يغيضُها نفقة، سحاء الليل والنهار، وقال: أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغضْ ما في يده، وقال: عرشه على الماء وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع (٢).
وحديث عبد الله بن مسعود أن يهوديًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد إن الله يمسك السماوات على أصبع والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والشجر على أصبع، والخلائق على أصبع، ثم يقول: أنا الملك فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (٣) قال عبد الله: فضحك رسول الله ﷺ تعجبًا وتصديقًا له (٤).
قال البغوي (٥) رحمه الله تعالى: والأصبع المذكورة في الحديث
стр. 206
صفة من صفات الله ، وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل في صفات الله تعالى، كالنفس، والوجه، والعين، واليد، والرجل، والإتيان، والمجيء، والنزول إلى السماء الدنيا، والاستواء على العرش، والضحك والفرح ... فهذه ونظائرها صفات الله تعالى ورد بها السمع يجب الإيمان بها وإمرارها على ظاهرها معرضًا فيها عن التأويل مجتنبًا عن التشبيه، معتقدًا أن الباري لا يشبه شيئًا من صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق، قال الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١)(٢).
وعن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات فقال: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور (وفي رواية أبي بكر: النار) لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (٣).
وعن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة" (٤).
стр. 207
وعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "ينزل الله إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول، فيقول: أنا الملك، أنا الملك من ذا الذي يدعوني فأستجيب له، من ذا الذي يسألني فأعطيه، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر" (١).
وعن جرير قال: كنا مع النبي ﷺ فنظر إلى القمر ليلة -يعني البدر- فقال: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون (٢) في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (٣) ".
قال إسماعيل (٤): افعلوا لا تفوتنكم (٥).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : يقول الله تعالى: (أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وإن تقرب
стр. 208
إليّ بشبر تقربت إليه ذراعًا وإن تقرب إليّ ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) (١).
وقد بين ابن رجب رحمه الله تعالى أن ما جاء في هذه الأحاديث وغيرها من الأحاديث التي تثبت صفات الله ﵎ أنها تثبت من غير تحريف ولا تشبيه ولا تمثيل بل على الوجه الذي يليق بجلال الله وعظمته، ومن فهم من هذه الأحاديث تشبيهًا أو حلولًا فإنما فهمه بسبب جهله وعدم معرفته بربه، والله ورسوله بريئان من ذلك.
قال رحمه الله تعالى بعد أن ذكر بعضًا من هذه الأحاديث التي ذكرتها: ... ومن فهم شيئًا من هذه النصوص تشبيهًا أو حلولًا أو اتحادًا فإنما أتي من جهله، وسوء فهمه عن الله وعن رسوله، والله ورسوله بريئان من ذلك كله، فسبحان من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (٢).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا في شرحه للحديث القدسي: وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ... (٣) " ... فمتى امتلأ القلب بعظمة الله تعالى محا ذلك من القلب كل ما سواه ولم يبق للعبد شيء من نفسه وهواه، ولا إرادة إلا لما يريده منه مولاه، فحينئذ لا ينطق العبد إلا بذكره، ولا يتحرك إلا بأمره، فإن نطق نطق بالله، وإن سمع سمع به، وإن نظر نظر به وإن بطش بطش به، فهذا هو المراد بقوله: (كنت
стр. 209
سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها) ومن أشار إلى غير هذا فإنما يشير إلى الإلحاد من الحلول، والاتحاد، والله ورسوله بريئان منه ... " (١).
стр. 210
المبحث الرابع بيانه أن السلف أعلم وأن مذهبهم أسلم وأحكم
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: ... وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض من توسع في القول من المتأخرين أنه أعلم ممن تقدم، فمنهم من نطق في شخص أنه أعلم من كل من تقدم من الصحابة، ومن بعدهم لكثرة بيانه ومقاله.
ومنهم من يقول هو أعلم من الفقهاء المشهورين المتبوعين، وهذا يلزم منه ما قبله لأن هؤلاء الفقهاء المشهورين المتبوعين أكثر قولًا ممن كان قبلهم، فإذا كان من بعدهم أعلم منهم لاتساع قوله، كان أعلم ممن كان أقل منهم قولًا بطريق الأولى، كالثوري والأوزاعي والليث وابن المبارك وطبقتهم، وممن قبلهم من التابعين والصحابة أيضًا فإن هؤلاء كلهم أقل كلامًا ممن جاء بعدهم.
وهذا تنقص عظيم بالسلف الصالح، وإساءة الظن بهم، ونسبته لهم إلى الجهل وقصور العلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وقد صدق ابن مسعود في قوله في الصحابة ﵃: "أنهم أبر الأمة قلوبًا وأعمقها علومًا وأقلها تكلفًا ... " (١).
وفي هذا إشارة إلى أن من بعدهم أقل علومًا وأكثر تكلفًا. وقال
стр. 211
ابن مسعود أيضًا: "إنكم في زمان كثير علماؤه، قليل خطباؤه، وسيأتي بعدكم زمان قليل علماؤه، كثير خطباؤه" (١).
فمن كثر علمه وقلّ قوله فهو ممدوح، ومن كان بالعكس فهو مذموم (٢).
وقال أيضًا رحمه الله تعالى: ... فمن عرف قدر السلف عرف أن سكوتهم عما سكتوا عنه من ضروب الكلام، وكثرة الجدال، والخصام، والزيادة والبيان، على مقدار الحاجة، لم يكن عيًا ولا جهلًا، ولا قصورًا، وإنما كان ورعا وخشية لله، واشتغالًا عما لا ينفع بما ينفع.
وسواء في ذلك كلامهم في أصول الدين، وفروعه، وفي تفسير القرآن والحديث، وفي الزهد، والرقائق، والحكم، والمواعظ، وغير ذلك مما تكلموا فيه.
فمن سلك سبيلهم، فقد اهتدى، ومن سلك غير سبيلهم، ودخل في كثرة السؤال، والبحث، والجدال، والقيل والقال، فإن اعترف لهم بالفضل، وعلى نفسه بالنقص، كان حاله قريبًا ...
وإن ادَّعَى لنفسه الفضل، ولمن سبقه النقص والجهل، فقد ضلّ ضلالًا مبينًا، وخسر خسرانًا عظيمًا ... (٣).
فقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق أن السلف ﵃ كانوا أهل نظر ودراية، وأنهم كانوا أسلم وأحكم وأعلم في أصول الدين وفروعه بل في كل قضية من قضايا هذا الدين الحنيف.
стр. 212
وهو بهذا يرد رحمه الله تعالى على قول بعض المتأخرين الذين يقولون: أن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم.
يقول البيجوري (١): وطريقة الخلف أعلم وأحكم، لما فيها من مزيد الإيضاح والرد على الخصوم، وهي الأرجح، وطريقة السلف أسلم لما فيها من السلامة من تعيين معنى قد يكون غير مراد له تعالى (٢).
ولا شك أن هذا فهم سقيم من هؤلاء المتكلمين لأنهم ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بالألفاظ في القرآن والحديث من غير فقه لذلك.
وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات، فجمع هذا القائل بقوله هذا بين الجهل بطريقة السلف، وتنقيصهم، وبين تفضيل طريقة الخلف ورفع مكانتهم.
والحقيقة أن الأمر ليس كما حكاه البيجوري وغيره لأن السلف رحمهم الله تعالى في غاية المعرفة بما يليق بالله تعالى، وفي غاية التعظيم له، والخضوع والتسليم لأمره، وهم أعلم الأمة بنصوص الكتاب والسنة وأبلغهم في فهم معانيها على حسب مراد الله ورسوله ﷺ .
فكيف يكون الخلف أعلم وأحكم بأسماء الله وصفاته من هؤلاء الذين هم ورثة الأنبياء والمرسلين، وهم أعلام الهدى، ومصابيح الدجى، الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء فضلًا عن بقية الأمم الذين لم يكن لهم كتاب.
стр. 213
فالحق ما ساروا عليه، والعلم ما بينوه وأوضحوه، وما عدا ذلك فهو علم لا منفعة فيه، وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذا فقال: فأفضل العلوم في تفسير القرآن ومعاني الحديث، والكلام في الحلال والحرام ما كان مأثورًا عن الصحابة والتابعين وتابيعهم، إلى أن ينتهي إلى زمن أئمة الإسلام المشهورين المقتدى بهم، فضبط ما روي عنهم في ذلك أفضل العلم، مع تفهمه وتعقله والتفقه فيه، وما حدث بعدهم من التوسع لا خير في كثير منه إلا أن يكون شرحًا بكلام يتعلق بكلامهم.
وأما ما كان مخالفًا لكلامهم فأكثره باطل أو لا منفعة فيه وفي كلامهم في ذلك كفاية وزيادة، فلا يوجد في كلام من بعدهم من حق إلا وهو في كلامهم موجود بأوجز لفظ وأخصر عبارة، ولا يوجد في كلام من بعدهم من باطل إلا وفي كلامهم ما يبين بطلانه لمن فهمه وتأمله.
ويوجد في كلامهم من المعاني البديعة، والمآخذ الدقيقة ما لا يهتدي إليه من بعدهم، ولا يلم به.
فمن لم يأخذ العلم من كلامهم فإنه ذلك الخير كله، مع ما يقع في كثير من الباطل متابعة لمن تأخر عنهم (١).
وبهذا يتبين لنا صحة الموقف الذي اتخذه ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان حال السلف وصحة منهجهم في أمور الدين كلها.
стр. 214
المبحث الخامس بيانه أن سورة الإخلاص فيها صفة الرحمن
يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: فهذه السورة هي نسب الرحمن وصفته، وهي التي أنزلها الله في نفي ما أضاف إليه المبطلون من تمثيل، وتجسيم، وإثبات أصل وفرع، فدخل فيها ما يقوله من يقوله من المشركين، والصابئة (١) وأهل الكتاب ومن دخل فيهم من منافقي هذه الأمة من تولد الملائكة أو العقول، أو النفوس أو بعض الأنبياء، أو غير الأنبياء ودخل فيها ما يقوله من يقوله من المشركين وأهل الكتاب من تولده عن غيره كالذين قالوا في المسيح أنه الله، والذين يقولون في الدجال: أنه الله، والذين يقولون ذلك في علي وغيره.
ودخل ما يقوله من يقول من المشركين وأهل الكتاب من إثبات كفو له في شيء من الأشياء، مثل من يجعل له بتشبيهه، أو تجسيمه كفوًا له، أو يجعل له بعبادة غيره كفوًا، أو يجعل له بإضافة بعض خلقه إلى غيره
стр. 215
كفوًا، فلا كفو له في شيء من صفاته، ولا في ربوبيته ولا في آلهيته.
فتضمنت هذه السورة تنزيهه، وتقدسيه، عن الأصول والفروع، والنظراء، والأمثال (١).
ويقول أيضًا رحمه الله تعالى: فقد تضمنت هذه السورة العظيمة إثبات صفات الكمال، ونفي النقائص، والعيوب من خصائص المخلوقين من التولد والمماثلة (٢).
ويقول أيضًا رحمه الله تعالى: فهذه السورة تتضمن انفراده ووحدانيته وأنه منقطع النظير، وأنه إنما نزه عن أن يكون من أجناس المخلوقات، لأن أفراد كل جنس من هذه الأجناس متكافئة متماثلة، فالذهب يكافىء الذهب والإنسان يكافىء الإنسان ويزاوجه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ (٣).
فما من مخلوق إلا وله كفو، هو زوجه، ونظيره، وعدله، ومثيله فلو كان الحق من جنس شيء من هذه الأجناس، لكان له كفو وعدل، وقد علم انتفاؤه بالشرع والعقل (٤).
وقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى معنى قوله ﷺ : "قل هو الله أحد" تعدل ثلث القرآن لمن صلى بها (٥) فقال: ويستدل به على أن المراد بكونها تعدل ثلث القرآن أجره وثوابه، كما يستدل بحديث أبي الدرداء (٦)