← Акыда

Акыда · id 117

ابن رجب الحنبلي وأثره في توضيح عقيدة السلف

عبد الله بن سليمان الغفيلي

Полный текст (789 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ابن مسعود أيضًا: "إنكم في زمان كثير علماؤه، قليل خطباؤه، وسيأتي بعدكم زمان قليل علماؤه، كثير خطباؤه" (١). فمن كثر علمه وقلّ قوله فهو ممدوح، ومن كان بالعكس فهو مذموم (٢). وقال أيضًا رحمه الله تعالى: ... فمن عرف قدر السلف عرف أن سكوتهم عما سكتوا عنه من ضروب الكلام، وكثرة الجدال، والخصام، والزيادة والبيان، على مقدار الحاجة، لم يكن عيًا ولا جهلًا، ولا قصورًا، وإنما كان ورعا وخشية لله، واشتغالًا عما لا ينفع بما ينفع. وسواء في ذلك كلامهم في أصول الدين، وفروعه، وفي تفسير القرآن والحديث، وفي الزهد، والرقائق، والحكم، والمواعظ، وغير ذلك مما تكلموا فيه. فمن سلك سبيلهم، فقد اهتدى، ومن سلك غير سبيلهم، ودخل في كثرة السؤال، والبحث، والجدال، والقيل والقال، فإن اعترف لهم بالفضل، وعلى نفسه بالنقص، كان حاله قريبًا ... وإن ادَّعَى لنفسه الفضل، ولمن سبقه النقص والجهل، فقد ضلّ ضلالًا مبينًا، وخسر خسرانًا عظيمًا ... (٣). فقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق أن السلف ﵃ كانوا أهل نظر ودراية، وأنهم كانوا أسلم وأحكم وأعلم في أصول الدين وفروعه بل في كل قضية من قضايا هذا الدين الحنيف.

стр. 212

وهو بهذا يرد رحمه الله تعالى على قول بعض المتأخرين الذين يقولون: أن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم. يقول البيجوري (١): وطريقة الخلف أعلم وأحكم، لما فيها من مزيد الإيضاح والرد على الخصوم، وهي الأرجح، وطريقة السلف أسلم لما فيها من السلامة من تعيين معنى قد يكون غير مراد له تعالى (٢). ولا شك أن هذا فهم سقيم من هؤلاء المتكلمين لأنهم ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بالألفاظ في القرآن والحديث من غير فقه لذلك. وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات، فجمع هذا القائل بقوله هذا بين الجهل بطريقة السلف، وتنقيصهم، وبين تفضيل طريقة الخلف ورفع مكانتهم. والحقيقة أن الأمر ليس كما حكاه البيجوري وغيره لأن السلف رحمهم الله تعالى في غاية المعرفة بما يليق بالله تعالى، وفي غاية التعظيم له، والخضوع والتسليم لأمره، وهم أعلم الأمة بنصوص الكتاب والسنة وأبلغهم في فهم معانيها على حسب مراد الله ورسوله ﷺ . فكيف يكون الخلف أعلم وأحكم بأسماء الله وصفاته من هؤلاء الذين هم ورثة الأنبياء والمرسلين، وهم أعلام الهدى، ومصابيح الدجى، الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء فضلًا عن بقية الأمم الذين لم يكن لهم كتاب.

стр. 213

فالحق ما ساروا عليه، والعلم ما بينوه وأوضحوه، وما عدا ذلك فهو علم لا منفعة فيه، وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذا فقال: فأفضل العلوم في تفسير القرآن ومعاني الحديث، والكلام في الحلال والحرام ما كان مأثورًا عن الصحابة والتابعين وتابيعهم، إلى أن ينتهي إلى زمن أئمة الإسلام المشهورين المقتدى بهم، فضبط ما روي عنهم في ذلك أفضل العلم، مع تفهمه وتعقله والتفقه فيه، وما حدث بعدهم من التوسع لا خير في كثير منه إلا أن يكون شرحًا بكلام يتعلق بكلامهم. وأما ما كان مخالفًا لكلامهم فأكثره باطل أو لا منفعة فيه وفي كلامهم في ذلك كفاية وزيادة، فلا يوجد في كلام من بعدهم من حق إلا وهو في كلامهم موجود بأوجز لفظ وأخصر عبارة، ولا يوجد في كلام من بعدهم من باطل إلا وفي كلامهم ما يبين بطلانه لمن فهمه وتأمله. ويوجد في كلامهم من المعاني البديعة، والمآخذ الدقيقة ما لا يهتدي إليه من بعدهم، ولا يلم به. فمن لم يأخذ العلم من كلامهم فإنه ذلك الخير كله، مع ما يقع في كثير من الباطل متابعة لمن تأخر عنهم (١). وبهذا يتبين لنا صحة الموقف الذي اتخذه ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان حال السلف وصحة منهجهم في أمور الدين كلها.

стр. 214

المبحث الخامس بيانه أن سورة الإخلاص فيها صفة الرحمن يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: فهذه السورة هي نسب الرحمن وصفته، وهي التي أنزلها الله في نفي ما أضاف إليه المبطلون من تمثيل، وتجسيم، وإثبات أصل وفرع، فدخل فيها ما يقوله من يقوله من المشركين، والصابئة (١) وأهل الكتاب ومن دخل فيهم من منافقي هذه الأمة من تولد الملائكة أو العقول، أو النفوس أو بعض الأنبياء، أو غير الأنبياء ودخل فيها ما يقوله من يقوله من المشركين وأهل الكتاب من تولده عن غيره كالذين قالوا في المسيح أنه الله، والذين يقولون في الدجال: أنه الله، والذين يقولون ذلك في علي وغيره. ودخل ما يقوله من يقول من المشركين وأهل الكتاب من إثبات كفو له في شيء من الأشياء، مثل من يجعل له بتشبيهه، أو تجسيمه كفوًا له، أو يجعل له بعبادة غيره كفوًا، أو يجعل له بإضافة بعض خلقه إلى غيره

стр. 215

كفوًا، فلا كفو له في شيء من صفاته، ولا في ربوبيته ولا في آلهيته. فتضمنت هذه السورة تنزيهه، وتقدسيه، عن الأصول والفروع، والنظراء، والأمثال (١). ويقول أيضًا رحمه الله تعالى: فقد تضمنت هذه السورة العظيمة إثبات صفات الكمال، ونفي النقائص، والعيوب من خصائص المخلوقين من التولد والمماثلة (٢). ويقول أيضًا رحمه الله تعالى: فهذه السورة تتضمن انفراده ووحدانيته وأنه منقطع النظير، وأنه إنما نزه عن أن يكون من أجناس المخلوقات، لأن أفراد كل جنس من هذه الأجناس متكافئة متماثلة، فالذهب يكافىء الذهب والإنسان يكافىء الإنسان ويزاوجه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ (٣). فما من مخلوق إلا وله كفو، هو زوجه، ونظيره، وعدله، ومثيله فلو كان الحق من جنس شيء من هذه الأجناس، لكان له كفو وعدل، وقد علم انتفاؤه بالشرع والعقل (٤). وقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى معنى قوله ﷺ : "قل هو الله أحد" تعدل ثلث القرآن لمن صلى بها (٥) فقال: ويستدل به على أن المراد بكونها تعدل ثلث القرآن أجره وثوابه، كما يستدل بحديث أبي الدرداء (٦)

стр. 216

على أنها جزء التوحيد من القرآن، وأنه ثلاثة أجزاء: توحيد وتشريع وقصص (١). فهذه السورة العظيمة هي صفة الرحمن وكل سور القرآن هي صفة الرحمن لأنها كلامه ، وكلامه من صفاته ﵎ ولكن هذه السورة تميزت بأنها خالصة لذكر أوصاف الرحمن ﷻ (٢). وقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى فضائل هذه السورة العظيمة فقال: أما فضائلها فكثيرة جدًا: منها: أنها صفة الرحمن، وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث عائشة أن النبي ﷺ بعث رجلًا على سرية فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـ (قل هو الله أحد) فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: "سلوه: لأي شيء يصنع ذلك؟ فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي ﷺ : أخبروه أن الله يحبه" (٣). ومنها: أن حبها يوجب محبة الله، لهذا الحديث المذكور آنفًا، ومنه قول ابن مسعود: "من كان يحب القرآن فهو يحب الله" (٤).

стр. 217

ومنها: أن حبها يوجب دخول الجنة ... روى مالك عن عبيد الله بن عبد الرحمن (١) عن عبيد بن حنين (٢) قال: سمعت أبا هريرة يقول: أقبلت مع النبي ﷺ ، فسمع رجلًا يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقال رسول الله ﷺ : "وجبت، قلت: وما وجبت؟ قال: الجنة". وأخرجه النسائي والترمذي وقال: حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث مالك (٣). ومنها: أنها تعدل ثلث القرآن ففي صحيح البخاري من حديث أبي سعيد أن رجلًا سمع رجلًا يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي ﷺ فذكر ذلك له -وكأن الرجل يتقالها فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن" (٤). وفي صحيح مسلم ... عن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قال: "أيعجز أحدكم أن يقرأ كل يوم ثلث القرآن؟ قالوا: نعم، قال: إن الله جزأ

стр. 218

القرآن ثلاثة أجزاء. فقل هو الله أحد ثلث القرآن" (١). ومنها: أن قراءتها تكفي من الشر، وتمنعه، وقد ثبت في صحيح البخاري عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قرأها مع المعوذتين، ومسح ما استطاع من جسده (٢). وروى أبو داود (٣) والترمذي (٤) والنسائي (٥) من طريق معاذ بن عبد الله بن خبيب (٦) عن أبيه (٧) عن النبي ﷺ قال له: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين حين تمسى وحين تصبح ثلاثًا تكفيك كل يوم" وصححه الترمذي ... ومنها: أن الدعاء بها مستجاب، ففي السنن الأربعة عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن النبي ﷺ سمع رجلًا يصلي يدعو ويقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم

стр. 219

يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، قال: "والذي نفسي بيده لقد سأله باسمه الأعظم، الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب" (١) (٢). هذه بعض فضائل هذه السورة العظيمة، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على عظم هذه السورة وعظم ما اشتملت عليه، فهي سورة خالصة لذكر أوصاف الرحمن ﵎.

стр. 220

المبحث السادس بيانه أن الاشتراك في الاسم لا يقتضي الاشتراك في المسمى قال ابن رجب رحمه الله تعالى: " ... وحرم التسمي بأسمائه المختصة به كالله والرحمن والرب". وإنما يجوز التسمية به مضافًا إلى غير من يعقل، وكذلك الجبار والمتكبر والقهار، ونحو ذلك كالخلاق والرزاق والدائم، ومنه ملك الملوك. وقد جعل ابن عقيل التسمية بهذا مكروهة. قال ابن عقيل: "كل ما انفرد به الله كالله والرحمن والخالق لا يجوز التسمي به، وكلما وجد معناه في الآدمي، فإن كان يوجد تكبرًا، كالملك العظيم والأعظم، وملك الملوك والجبار فمكروه". والصواب الجزم بتحريمه، فأما ما يتسمى به المخلوقون من أسمائه كالسميع والبصير والقدير والعليم والرحيم، فإن الإضافة قاطعة الشركة، وكذلك الوصفية، فقولنا: زيد سميع بصير لا يفيد إلا صفة المخلوق. وقولنا: الله سميع بصير يفيد صفته اللائقة به، فانقطعت المشابهة بوجه من الوجوه. ولهذا قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (١) وفيه قولان:

стр. 221

أحدهما: نفي التسمية. والثاني: نفي المساواة، وقد نفى سبحانه عن نفسه المثلية بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١) ونفى عنه العدل والتسوية بقوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (٢) وقوله: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ (٣) ونفى عنه الند بقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤) وقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ (٥). وفي الحديث: "أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك" (٦). وقال للذي قال له: "ما شاء الله وشئت": "أجعلتني لله ندًا"؟ وفي رواية "أجعلتني لله عدلًا؟ " (٧) (٨). فقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق أن الاتفاق في الاسم لا يلزم منه المشابهة والاتفاق في المسمى لأن لله أسماء تليق بجلاله وكماله، وللعبد منها ما يناسب ضعفه وعجزه وذلك

стр. 222

مثل الحياة والعلم والقدرة والسمع، والبصر والكلام وغيرها والإضافة توضح المقصود وتبينه. فإذا قلنا: حياة الله، وقدرة الله وكلام الله ونحو ذلك فهذا كله يوصف به الله ﵎ كما يليق بجلاله وكماله، ولا يماثل صفات المخلوقين. وإذا قلنا: علم العبد، وقدرة العبد، وكلام العبد، فهذا كله مخلوق يناسب ضعف العبد وعجزه. وهذا كله قد أوضحه ابن رجب رحمه الله تعالى وبينه في كلامه السابق، وهو ما عليه سلف هذه الأمة وأئمتها رحمهم الله تعالى. يقول الإمام البغوي رحمه الله تعالى مبينًا ذلك: وأسماء الله تعالى لا تشبه أسماء العباد، لأن أفعال الله تعالى مشتقة من أسمائه، وأسماء العباد مشتقة من أفعالهم، قال النبي ﷺ : "يقول الله : أنا الرحمن، خلقت الرحم واشتققت لها من اسمي" (١). فبيّن أن أفعاله مشتقة من أسمائه، فلا يجوز أن يحدث له اسم بحدوث فعله، ولا يعتقد في صفات الله تعالى أنها هو ولا غيره، بل هي صفات له أزلية، لم يزل جلّ ذكره، ولا يزال موصوفًا بما وصف به نفسه، ولا يبلغ الواصفون كنه عظمته، هو الأول والآخر، والظاهر، والباطن، وهو بكل شيء عليم (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وإذا كان من

стр. 223

المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب لنفسه، وما هو محدث ممكن يقبل الوجود والعدم، فمعلوم أن هذا موجود وهذا موجود، ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا، بل وجود هذا يخصه، ووجود هذا يخصه، واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الإضافة والتخصيص، والتقييد ولا في غيره فلا يقول عاقل إذا قيل أن العرش شيء موجود، وأن البعوض شيء موجود أن هذا مثل هذا، لاتفاقهما في مسمى الشيء والوجود، لأنه ليس في الخارج شيء موجود غيرهما يشتركان فيه بل الذهن يأخذ معنى مشتركًا كليًا هو مسمى الاسم المطلق، وإذا قيل: هذا موجود، وهذا موجود، فوجود كل منهما يخصه لا يشركه فيه غيره، مع أن الاسم حقيقة في كل منهما. ولهذا سمى الله نفسه بأسماء، وسمى صفاته بأسماء، وكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره وسمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص ولم يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مسماهما واتحاده -عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص، اتفاقهما، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص، فضلًا عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص وقد سمى الله نفسه حيًا فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١). وسمى بعض عباده حيًا فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ (٢) وليس هذا الحي مثل هذا الحي، لأن قوله: "الحي" اسم لله مختص به، وقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ اسم للحي المخلوق

стр. 224

مختص به، وإنما يتفقان إذا أطلقا وجردا عن التخصيص ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج، ولكن العقل يفهم من المطلق قدرًا مشتركًا بين المسميين، وعند الاختصاص يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق، والمخلوق عن الخالق، ولابدّ من هذا في جميع أسماء الله وصفاته، يفهم منها ما دلّ عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق، وما دلّ عليه بالإضافة والاختصاص المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه (١).

стр. 225

المبحث السابع ذكر جملة من الصفات التي ذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى صفات الله ﵎ التي ورد ذكرها في القرآن الكريم وسنة المصطفى ﷺ كثيرة، ولكن سأقتصر على ذكر جملة من الصفات التي ذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى وتعرض لها في مؤلفاته، لأن في بيان البعض إيضاحًا للمقصود إذ هي تعتبر بمثابة الأمثلة ويقاس عليها غيرها من الصفات من حيث إثباتها على الوجه اللائق بالله . وقد نهج ابن رجب رحمه الله تعالى وسار في إثبات الصفات على منهج السلف الصالح عليهم رحمة الله تعالى، لأن منهجهم هو المنهج القويم والصراط المستقيم والطريق السليم. وقبل أن أبين الصفات التي تكلم عنها ابن رجب ﵀ في مؤلفاته أرى من المناسب أن أذكر المنهج الذي سار عليه السلف في تقسيم صفات الله تعالى وهو أنهم يقسمون الصفات التي وردت في الكتاب والسنة إلى قسمين: صفات ذاتية، وصفات فعلية. فأما الصفات الذاتية: وهي الصفات المتعلقة بذاته التي لم يزل ولا يزال متصفًا بها، وهي لا تنفك عنه سبحانه بل هي لازمة لذاته أزلًا وأبدًا كالعلم والقدرة والحياة والسمع والبصر، وهي لا تتعلق بها مشيئته وقدرته. وأما الصفات الفعلية: فهي الصفات المتعلقة بمشيئته وقدرته إن شاء

стр. 226

فعلها وإن شاء لم يفعلها كالاستواء على العرش والمجيء والإتيان والنزول والضحك، والرضى والعجب والسخط ... وقد تكون الصفة ذاتية فعلية باعتبارين كصفة الكلام، فإنه باعتبار أصل الصفة صفة ذاتية لأنه ﵎ لم يزل ولا يزال متكلمًا. وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية، لأن الكلام متعلق بمشيئته يتكلم متى شاء بما شاء كيف شاء كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ (١). يقول العلامة الأستاذ محمد خليل هراس رحمه الله تعالى بعد أن ذكر جملة من النصوص المشتملة على هذين القسمين. قال: "دلت هذه النصوص القرآنية على أن صفات الباري قسمان": أ - صفات ذاتية لا تنفك عن الذات، بل هي لازمة لها أزلًا وأبدًا ولا تتعلق بها مشيئته تعالى وقدرته، وذلك كصفات الحياة، والعلم والقدرة، والقوة، والعزة، والملك، والعظمة، والكبرياء، والمجد، والجلال .... الخ. ب - صفات فعلية تتعلق بها مشيئته وقدرته كل وقت وآن وتحدث بمشيئته وقدرته، آحاد تلك الصفات من الأفعال وإن كان هو لم يزل موصوفًا بها بمعنى أن نوعها قديم وأفرادها حادثة، فهو سبحانه لم يزل فعالًا لما يريد ولم يزل ولا يزال يقول ويتكلم ويخلق ويدبر الأمور وأفعاله تقع شيئًا فشيئًا تبعًا لحكمته وإرادته، فعلى المؤمن الإيمان بكل ما نسبه الله لنفسه من الأفعال المتعلقة بذاته كالاستواء على العرش والمجيء والإتيان والنزول إلى السماء الدنيا، والضحك والرضى والغضب والكراهية

стр. 227

والمحبة المتعلقة بخلقه كالخلق والرزق والإحياء والإماتة وأنواع التدبير المختلفة (١). وفيما يلي سأذكر جملة من صفات الله مع ذكر كلام ابن رجب رحمه الله تعالى عليها: أولًا: صفة العلم: وهي صفة من صفات الله الذاتية، قال ابن رجب رحمه الله تعالى: لا ريب أن علم الله قديم أزلي، لم يزل عالمًا بما يحدثه من مخلوقاته (٢). فالعلم صفة من صفات ذاته تعالى فهو عالم بعلم قائم بذاته قديم أزلي لازم لنفسه المقدسة، وهو سبحانه العليم المحيط بكل شيء، يعلم الكليات والجزئيات ولا تخفى عليه خافية، يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون. ومن الأدلة على اتصافه تعالى بالعلم قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ (٤).

стр. 228

وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤)﴾ (١). وقوله تعالى ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ (٤). والآيات الواردة في كتاب الله الدالة على أن الله ﵎ متصف بصفة العلم مما لا يكاد أن يحصى إلا بعد جهد لكثرتها. كما دلّ على إثبات هذه الصفة لله ﵎ أحاديث المصطفى ﷺ . منهما: ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها، قالوا: يا رسول الله أفرأيت من يموت منهم وهو صغير. قال: الله أعلم بما كانوا عاملين" (٥).

стр. 229

ومعنى الحديث كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: الله أعلم بما كانوا عاملين لو عاشوا (١). ومنها: ما رواه البخاري ومسلم في قصة الخضر مع موسى ﵇ التي ورد فيها قول الخضر: يا موسى إنك على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه وأنا على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه إلى أن قال: "فركبا في السفينة قال: ووقع عصفور على حرف السفينة فغمس منقاره في البحر فقال الخضر لموسى: ما علمك وعلمي وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره" (٢). ومنها: حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم ما تفيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، وما تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله" (٣). إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي تدل على إثبات صفة العلم لله ، وأنه ﵎ قد علم في الأزل جميع ما هو خالق كما علم جميع أحوال خلقه وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم وشقاوتهم وسعادتهم، ومن هو منهم من أهل الجنة ومن هم منهم من أهل النار، وعلم عدد أنفاسهم وجميع حركاتهم وسكناتهم أين تقع،

стр. 230

ومتى تقع وكيف تقع كل ذلك بعلمه ﵎ الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، فله العلم المطلق بجميع الأشياء جملة وتفصيلًا، سبحانه عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. ثانيًا: صفة الغنى: صفة الغنى من صفات الله تعالى الذاتية، قال ابن رجب رحمه الله تعالى: وقوله: "يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ... " (١) يعني أن العباد لا يقدرون أن يوصلوا إلى الله نفعًا ولا ضرًا، فإن الله تعالى في نفسه غني حميد، لا حاجة له بطاعة العباد، ولا يعود نفعها إليه، إنما هم ينتفعون بها، ولا يتضرر بمعاصيهم، وإنما هم يتضررون بها. قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ (٣). وكان النبي ﷺ يقول في خطبته: "ومن يعص الله ورسوله فقد غوى ولا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئًا" (٤). وقال الله : ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١)﴾ (٥).

стр. 231

وقال تعالى حاكيًا عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)﴾ (١). وقال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ (٢). وقال: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (٣). والمعنى أنه تعالى يحب من عباده أن يتقوه ويطيعوه كما أنه يكره منهم أن يعصوه، ولهذا يفرح بتوبة التائبين ... هذا كله مع غناه عن طاعات عباده وتوباتهم إليه، وأنه إنما يعود نفعها إليهم دونه، ولكن هذا من كمال جوده وإحسانه إلى عباده ومحبته لنفعهم، ودفع الضر عنهم، فهو يحب من عباده أن يعرفوه ويحبوه ويخافوه ويتقوه ويطيعوه ويتقربوا إليه، ويحب أن يعلموا أنه لا يغفر الذنوب غيره وأنه قادر على مغفرة ذنوب عباده (٤). وقال رحمه الله تعالى أيضًا عند قوله ﷺ : "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وأنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، ولو كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا" (٥). قال: هو إشارة إلى أن ملكه لا يزيد بطاعة الخلق، ولو كانوا كلهم بررة أتقياء، قلوبهم على قلب أتقى رجل منهم، ولا ينقص ملكه بمعصية

стр. 232

العاصين، ولو كان الجن والإنس كلهم عصاة فجرة قلوبهم على قلب أفجر رجل منهم. فإنه سبحانه الغني بذاته عمن سواه، وله الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله فملكه ملك كامل، لا نقص فيه بوجه من الوجوه على أي وجه كان ... إلى أن قال: "إن جميع الخلق لو كانوا على صفة أكمل خلقه من البر والتقوى لم يزد ذلك في ملكه شيئًا، ولا قدر جناح بعوضة، ولو كانوا على صفة أنقص خلقه من الفجور لم ينقص ذلك من ملكه شيئًا. فدل على أن ملكه كامل على أي وجه كان، لا يزاد ولا يكمل بالطاعة ولا ينقص بالمعاصي ولا تؤثر فيه شيئًا" (١). فقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق أن من صفات الله ﵎ صفة الغنى المطلق من جميع الوجوه، وأنه هو الغني الحميد الذي بيده خزائن السموات والأرض وأنه سبحانه هو الذي يغني جميع خلقه لأنهم جميعًا مفتقرون إليه في كل شيء في وجودهم وقيامهم وقعودهم وحركاتهم، وسكناتهم، وفي كل شأن من شؤون حياتهم. كما أوضح رحمه الله تعالى أن الله ﵎ قيوم السموات والأرض بيده كل شيء، وهو على كل شيء قدير، فلا تزيده طاعة مطيع، ولا تنقصه معصية عاص لأنه غني عن خلقه أجمعين، فهو له الغنى المطلق الكامل، وهو متصف بصفة الغنى المطلق من جميع الوجوه فلا يتطرق إليه نقص بوجه من الوجوه، لأن غناه ﵎ من لوازم ذاته فلا يحتاج إلى أحد بحال من الأحوال، بل العباد كلهم محتاجون إليه مفتقرون إليه ليس لهم غنا عنه بأية حال من الأحوال.

стр. 233

وهذا كله مما دلت عليه الآيات في كتاب الله تعالى ومما جاءت به الأحاديث في سنة المصطفى ﷺ . وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى في معرض كلامه بعضًا من الآيات الدالة على ذلك. ومن الآيات التي تدل على إثبات هذه الصفة لله تعالى مما لم يذكره ابن رجب رحمه الله تعالى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ (١). قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: يخبر تعالى بغناه عما سواه، وبافتقار المخلوقات كلها إليه وتذللها بين يديه فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ أي: هم محتاجون إليه في جميع الحركات والسكنات، وهو تعالى الغني عنهم بالذات، ولهذا قال : ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أي: "هو المنفرد بالغنى وحده لا شريك له، وهو الحميد في جميع ما يفعله ويقوله ويقدره ويشرعه" (٢). وأما الأحاديث الدالة على هذه الصفة فكثيرة جدًا: منها ما ذكره ابن رجب رحمه الله تعالى في معرض كلامه السابق. ومنها حديث عائشة ﵂ قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، فقالت عائشة: فخرج رسول الله ﷺ حين بدأ حاجب الشمس، فقعد على المنبر فكبّر ﷺ وحمد الله ، ثم قال: "إنكم شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن إبان (٣) زمانه

стр. 234

عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم قال: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم ملك يوم الدين لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغًا إلى حين" (١). ثالثًا: صفة المعية: معية الله تعالى لخلقه ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف وهي معية تليق بالله تعالى ولا تشبه معية أي مخلوق لمخلوق لقوله تعالى عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢) وهي تنقسم إلى قسمين: ١ - معية عامة: وهي معية تقتضي علمه بجميع خلقه وإحاطته بهم مؤمنهم وفاجرهم، فلا تخفى عليه منهم خافية في الأرض ولا في السماء، لأنه ﵎ قد أحاط بكل شيء علمًا. ومن الأدلة التي تدل على هذا قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٣). قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: أي رقيب عليكم شهيد على أعمالكم حيث كنتم وأين كنتم من بر أو بحر في ليل أو نهار في البيوت أو في القفار (٤) الجميع في علمه على السواء وتحت

стр. 235

بصره وسمعه فيسمع كلامكم ويرى مكانكم ويعلم سركم ونجواكم (١). ومن نصوص الكتاب أيضًا التي تدل على هذا النوع من المعية قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٢). ومنها: قوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ .... ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿ ......... وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ (٤). إلى غير ذلك من الآيات الدالة على قربه من عباده وأنه على كل شيء شهيد وبكل شيء محيط. ٢ - المعية الخاصة: وهي المعية التي تقتضي النصر والتوفيق والتأييد والحفظ من الله لعباده المؤمنين المتقين وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم. ومن النصوص الدالة على هذا النوع قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ (٥). ومنها: قوله تعالى في قصة نبينا محمد ﷺ مع الصديق ﵁: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٦).

стр. 236

ومنها: قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (١) إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على أنه مع عباده المتقين الطائعين يحفظهم وينصرهم ويدافع عنهم. كما دلّ على هذا النوع أحاديث المصطفى ﷺ : منها: حديث أبي موسى قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير فقال النبي ﷺ : "أيها الناس أربعوا على أنفسكم إنكم ليس تدعون أصم ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم" وفي لفظ: "والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلة أحدكم" (٢). وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى صفة المعية وأقسامها، وعرف كل قسم منها وذكر ما يدل عليه من نصوص الكتاب والسنة. ومن ذلك قوله رحمه الله تعالى: وقوله ﷺ : "احفظ الله تجده أمامك" (٣) معناه أن من حفظ حدود الله وراعى حقوقه وجد الله معه في جميع الأحوال يحوطه وينصره ويحفظه ويوفقه ويؤيده ويسدده، فإنه قائم على كل نفس بما كسبت، وهو تعالى مع الذين اتقوا، والذين هم محسنون ... وهذه هي المعية الخاصة بالمتقين غير المعية العامة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ......... ﴾ (٤). فإن المعية الخاصة تقتضي النصر والتأييد والحفظ والإعانة ...

стр. 237

وكان ﷺ قد قال لأبي بكر وهما في تلك الحال: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما" (١). فهذا غير المعنى المذكور في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٢) فإن ذلك عام: لكل جماعة. ومن هذا المعنى الخاص الحديث الإلهي وقوله فيه: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي به" (٣). إلى غير ذلك من نصوص الكتاب والسنة الدالة على قرب الرب سبحانه ممن أطاعه واتقاه، وحفظ حدوده وراعاه (٤). وقال رحمه الله تعالى أيضًا وهو يتكلم عن المعية في مرتبة الإحسان "وقد دل القرآن على هذا المعنى في مواضع متعددة كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٥) وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ (٦) إلى أن قال رحمه الله تعالى: "ومن فهم شيئًا من هذه النصوص تشبيهًا أو حلولًا أو اتحادًا فإنما أتى من جهله وسوء فهمه عن الله وعن رسوله، والله ورسوله بريئان من ذلك كله، فسبحان من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" (٧).

стр. 238

وقال رحمه الله تعالى أيضا بعد أن ذكر بعض النصوص التي تدل على المعية "فهذا كله يدل على أن قرب الله من خلقه شامل لهم، وقربه من أهل طاعته فيه مزيد خصوصية كما أن معيته مع عباده عامة حتى ممن عصاه قال تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ (١). ومعيته مع أهل طاعته خاصة فهو سبحانه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ... فالمعية العامة تقتضي التحذير من علمه واطلاعه وقدرته وبطشه وانتقامه. والمعية الخاصة تقتضي حسن الظن بإجابته ورضاه وحفظه وصيانته فكذلك القرب، وليس هذا القرب تقرب الخلق المعهود منهم كما ظنه من ظنه من أهل الضلال، وإنما هو قرب ليس يشبه قرب المخلوقين كما أن الموصوف به ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ... (٢). فقد بيّن رحمه الله تعالى في كلامه السابق أن نصوص المعية بنوعيها لا تفيد مخالطة ولا ممازجة ولا حلولًا ولا تشبيهًا، بل هي معية اطلاع وعلم وإحاطة في المعية العامة وتزيد المعية الخاصة بأنها معية نصر وموالاة وحفظ وتأييد وتسديد. ومن فهم من هذه النصوص معاني أخرى لا تليق بكمال الله وجلاله فإنما ذلك بسبب جهله وسوء فهمه لأن معية الله وقربه ليست كقرب الأجسام بعضها ببعض، فهو ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

стр. 239

وقد ردّ ابن رجب رحمه الله تعالى على الذين فسروا المعية بتفسير لا يليق بالله وهم الذين يقولون: إن الله بذاته في كل مكان، وهم الحلولية (١) من الجهمية ومن نحا نحوهم. فقال رحمه الله تعالى: ولم يكن أصحاب النبي ﷺ يفهمون من هذه النصوص غير المعنى الصحيح المراد بها يستفيدون بذلك معرفة عظمة الله وجلاله واطلاعه على عباده وإحاطته بهم وقربه من عابديه وإجابته لدعائهم فيزدادون به خشية لله وتعظيمًا وإجلالًا ومهابة ومراقبة واستحياء ويعبدونه كأنهم يرونه، ثم حدث بعدهم من قل ورعه وانتكس فهمه وقصده، وضعفت عظمة الله وهيبته في صدره وأراد أن يرى الناس امتيازه عليهم بدقة الفهم وقوة النظر فزعم أن هذه النصوص تدل على أن الله بذاته في كل مكان كما يحكى ذلك طوائف من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم، تعالى الله عما يقولون علوًا كبير. وهذا شيء ما خطر لمن كان قبلهم من الصحابة ﵃ وهؤلاء ممن يتبع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وقد حذر النبي ﷺ منهم في حديث عائشة (٢) المتفق عليه.

стр. 240

وتعلقوا أيضًا بما فهموه بفهمهم القاصر مع قصدهم الفاسد بآيات في كتاب الله تعالى مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١) وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٢). فقال من قال من علماء السلف حينئذ إنما أراد أنه معهم بعلمه وقصدوا بذلك إبطال ما قال أولئك مما لم يكن أحد قبلهم قاله ولا فهمه من القرآن ... وحكى ابن عبد البر (٣) وغيره إجماع العلماء من الصحابة والتابعين في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١) أن المراد علمه، وكل هذا قصدوا به رد قول من قال أنه تعالى بذاته في كل مكان. وزعم بعض من تحذلق (٤) أن ما قاله هؤلاء الأئمة خطأ لأن علم الله صفة لا تفارق ذاته، وهذا سوء ظن منه بأئمة الإسلام، فإنهم لم يريدوا ما ظنه بهم، وإنما أرادوا أن علم الله متعلق بما في الأمكنة كلها،

стр. 241

ففيها معلوماته لا صفة ذاته كما وقعت الإشارة في القرآن إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (١) وقوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ (٢) وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ... ﴾ (٣) ... (٤). فقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أن معية الله تعالى لا تقتضي المخالطة والممازجة كما يزعم أهل الضلال لأن السلف رحمهم الله تعالى أجمعوا على أن المراد هو معهم بعلمه، وهذا هو المأثور عن الصحابة والتابعين وهو ما جاءت به نصوص الكتاب والسنة. وبهذا يتبين أن موقف ابن رجب رحمه الله تعالى من إثبات معية الله تعالى موافق لما جاءت به نصوص الكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها. ومعية الله لا تنافي ما ثبت لله تعالى من علوه على خلقه واستوائه على عرشه لأن الله تعالى قد ثبت له العلو المطلق. صفة العلو وأدلة ثبوتها من السمع والعقل والفطرة: فالعلو صفة من صفات الله تعالى الذاتية التي لا تنفك عنه، وقد دل على ثبوتها: السمع والعقل والفطرة. وقد تواترت الأدلة من الكتاب والسنة على أن الله تعالى عال على كل شيء.

стр. 242

أما من الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦)﴾ (٤) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على علو الله تعالى. وأما الأحاديث فكثيرة أيضًا وقد بلغت مبلغ التواتر (٥) ومنها: حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة العصر، وصلاة الفجر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم فيقول كيف تركتم عبادي؟ فيقولون تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون" (٦). ومنها حديث أبي موسى ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات فقال: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام،

стр. 243

يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (١). ومنها حديث الجارية التي سألها رسول الله ﷺ : "أين الله"؟ قالت: في السماء، قال من أنا؟ قالت: رسول الله قال: "أعتقها، فإنها مؤمنة" (٢). ومنها: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ في قسمة الذهب الذي بعث به علي بن أبي طالب من اليمن إلى المدينة قال النبي ﷺ : "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءًا" (٣). فهذه الأحاديث وغيرها مما هو بمعناها تدل دلالة واضحة على علو الله . وأما من الإجماع: فقد أجمع سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان على أن الله تعالى فوق سمواته على عرشه. وقد ذكر هذا الإجماع غير واحد منهم. من ذلك ما قاله أبو عمرو الطلمنكي (٤) رحمه الله تعالى "وأجمع

стр. 244

المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١) ونحو ذلك من القرآن بأن ذلك علمه وان الله فوق السموات بذاته مستو على عرشه كيف شاء" (٢). وأما من العقل: فإن كل عقل صحيح صريح يدل على علو الله على خلقه، لأن العلو صفة كمال، والسفل صفة نقص، والله تعالى موصوف بالكمال المطلق من جميع الوجوه، ومنزه عن جميع صفات النقص، فدلّ العقل على اتصاف الله بصفة العلو من وجوه: ١ - العلم البديهي القاطع بأن كل موجودين، إما أن يكون أحدهما ساريًا في الآخر قائمًا به كالصفات، وإما أن يكون قائمًا بنفسه بائنًا من الآخر. ٢ - أنه لما خلق العالم، فإما أن يكون خلقه في ذاته أو خارجًا عن ذاته والأول باطل. أما أولًا: فبالاتفاق. وأما ثانيًا: فلأنه يلزم أن يكون محلًا للخسائس والقاذورات، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. والثاني يقتضي كون العالم واقعًا خارج ذاته، فيكون منفصلًا فتعينت المباينة، لأن القول بأنه غير متصل بالعالم، وغير منفصل عنه غير معقول.

стр. 245

٣ - أن كونه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه يقتضي نفي وجوده بالكلية لأنه غير معقول، فيكون موجودًا إما داخله وإما خارجه، والأول باطل فتعين الثاني فلزمت المباينة (١). وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى ثلاثين دليلًا عقليًا على إثبات صفة العلو لله (٢). وأما ثبوته بالفطرة: فإن الله تعالى فطر الخلق كلهم على الإيمان به وعلى علوه لأنه ما من داع يدعو ربه إلا ويجد في نفسه ضرورة بالإتجاه إلى العلو من غير تعليم معلم. ولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطرة إلا من اجتالته الشياطين والأهواء يقول ابن عبد البر رحمه الله تعالى: "ومن الحجة في أنه على العرش فوق السموات السبع أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء ونصبوا أيديهم رافعين مشيرين بها إلى السماء يستغيثون الله ربهم ﵎، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته لأنه اضطراري لم يخالفهم فيه أحد ولا أنكره عليهم مسلم" (٣). وهناك حكاية مشهورة تبين الاستدلال بالفطرة على علو الله على خلقه وهي أن الشيخ أبا جعفر الهمداني (٤) حضر مجلس أبي المعالي

стр. 246

الجويني (١) فذكر العرش وقال: كان الله ولا عرش ونحو ذلك، وقام إليه الشيخ أبو جعفر فقال: يا شيخ دعنا من ذكر العرش -يعني لأن ذلك إنما جاء في السمع- وأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، فإنه ما قال عارف قط يا الله إلا وجد من قلبه ضرورة لطلب العلو لا يتلفت يمنة ولا يسرة، قال: فضرب أبو المعالي على رأسه وقال: حيرني الهمداني، حيرني الهمداني. فأخبر هذا الشيخ عن كل من عرف الله تعالى أنه يجد في قلبه حركة ضرورية إلى العلو إذا قال يا الله. وهذا يقتضي أن في فطرتهم وخلقتهم العلم بأن الله فوق (٢). هذه بعض الأدلة (٣) التي تدل على إثبات هذه الصفة العظيمة لله ﵎ وهي صفة العلو ذكرتها بمناسبة الجمع بين صفة المعية

стр. 247

وصفة العلو وأنه لا تناقض ولا تنافي بين علو الله تعالى واستوائه على عرشه وبين معيته للوجوه التالية: ١ - أن الله تعالى قد جمع بينهما لنفسه في كتابه العظيم في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)﴾ (١). فدلّ ذلك على عدم التناقض بينهما إذ لو كانا متناقضين لم يجمع القرآن بينهما لأنه منزه عن التناقض. ٢ - أن اجتماع المعية والعلو ممكن في حق المخلوق الضعيف كما يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا. ومن المعلوم أن المخلوق في الأرض والقمر في السماء ولا يعد ذلك تناقضًا، فإذا أمكن اجتماع ذلك في حق المخلوق ففي حق الخالق المحيط بكل شيء أولى. ٣ - أنه لو فرض أن اجتماع العلو والمعية ممتنع في حق المخلوق فإن ذلك لا يلزم في حق الخالق العظيم لأنه ليس كمثله شيء في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله. وبهذا يتضح أن الله ﵎ عال على خلقه مستو على عرشه وهو مع ذلك مع عباده وقريب منهم لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه (٢).

стр. 248

رابعًا: صفة المجيء والإتيان: يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: ومن جملة صفات الله التي نؤمن بها وتمر كما جاءت عندهم قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ (١) ونحو ذلك مما دلّ على إتيانه ومجيئه يوم القيامة، وقد نص على ذلك أحمد وإسحاق وغيرهما، وعندهما أن ذلك من أفعال الله الاختيارية التي يفعلها بمشيئته واختياره ... وقد ذكر حرب الكرماني (٢) أنه أدرك على هذا كل من أخذ عنه العلم في البلدان، وسمى منهم أحمد وإسحاق والحميدي (٣) وسعيد بن منصور (٤) وكذلك ذكره أبو الحسن الأشعري في كتابه المسمى بالإبانة (٥)، وهو من أجل كتبه، وعليه يعتمد العلماء وينقلون منه كالبيهقي (٦) وأبي عثمان الصابوني وأبي القاسم ابن

стр. 249

عساكر (١) وغيرهم ... (٢). وقال رحمه الله تعالى أيضًا في شرحه لحديث الرؤية الذي فيه يقول الرسول ﷺ : "فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم ... " الحديث (٣). يقول: وقد دلّ القرآن على ما دلّ عليه الحديث في مواضع كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ (٤). وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ (٥) وقال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ (٦) ولم يتأول الصحابة ولا التابعون شيئًا من ذلك ولا أخرجوه من مدلوله، بل روى عنهم ما يدل على تقريره والإيمان به وإمراره كما جاء. وقد روي عن الإمام أنه قال في مجيئه: هو مجئ أمره، وهذا مما تفرد به حنبل (٧) عنه، فمن أصحابنا من قال: وهم حنبل فيما روى، وهو خلاف مذهبه المعروف والمتواتر عنه، وكان أبو بكر الخلال (٨)

стр. 250

وصاحبه لا يثبتان ما تفرد به عن أحمد رواية. ومن متأخريهم من قال: هو رواية عنه بتأويل كل ما كان من جنس المجيء والإتيان ونحوهما، ومنهم من قال: إنما قال ذلك إلزامًا لمن ناظره في القرآن، فإنهم استدلوا على خلقه بمجيء القرآن فقال: إنما يجئ ثوابه لقوله: (وجاء ربك) أي كما تقولون أنتم في مجيء الله أنه مجئ أمره، وهذا أصح المسالك في هذا المروي، وأصحابنا في هذا على ثلاث فرق: فمنهم من يثبت المجىء والإتيان ويصرح بلوازم ذلك في المخلوقات، وربما ذكروه عن أحمد من وجوه لا تصح أسانيدها عنه، ومنهم من يتأول ذلك على مجيء أمره، ومنهم من يقر ذلك ويمره كما جاء ولا يفسره ويقول هو مجيء وإتيان يليق بجلال الله وعظمته سبحانه، وهذا هو الصحيح عن أحمد ومن قبله من السلف وهو قول إسحاق وغيره من الأئمة، وكان السلف ينسبون تأويل هذه الآيات والأحاديث الصحيحة إلى الجهمية، لأن جهمًا وأصحابه أول من اشتهر عنهم أن الله منزه عما دلت عليه هذه النصوص بأدلة العقول التي سموها أدلة قطعية هي المحكمات وجعلوا ألفاظ الكتاب والسنة هي المتشابهات، فعرضوا ما فيها على تلك الخيالات، فقبلوا ما دلّت على ثبوته بزعمهم، وردوا ما دلّت على نفيه بزعمهم، ووافقهم على ذلك سائر طوائف أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم، وزعموا أن ظاهر ما يدل عليه الكتاب والسنة تشبيه وتجسيم وضلال، واشتقوا من ذلك لمن آمن بما أنزل الله على رسوله أسماء ما أنزل الله بها من سلطان، بل هي افتراء على الله ينفرون بها عن الإيمان بالله ورسوله، وزعموا أن ما ورد في الكتاب والسنة من ذلك مع كثرته وانتشاره من باب التوسع والتجوز وأنه يحمل على مجازات اللغة المستبعدة، وهذا من أعظم أبواب القدح في الشريعة المحكمة المطهرة وهو من جنس حمل
следующие страницы →