← Акыда

Акыда · id 117

ابن رجب الحنبلي وأثره في توضيح عقيدة السلف

عبد الله بن سليمان الغفيلي

Полный текст (789 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الجويني (١) فذكر العرش وقال: كان الله ولا عرش ونحو ذلك، وقام إليه الشيخ أبو جعفر فقال: يا شيخ دعنا من ذكر العرش -يعني لأن ذلك إنما جاء في السمع- وأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، فإنه ما قال عارف قط يا الله إلا وجد من قلبه ضرورة لطلب العلو لا يتلفت يمنة ولا يسرة، قال: فضرب أبو المعالي على رأسه وقال: حيرني الهمداني، حيرني الهمداني. فأخبر هذا الشيخ عن كل من عرف الله تعالى أنه يجد في قلبه حركة ضرورية إلى العلو إذا قال يا الله. وهذا يقتضي أن في فطرتهم وخلقتهم العلم بأن الله فوق (٢). هذه بعض الأدلة (٣) التي تدل على إثبات هذه الصفة العظيمة لله ﵎ وهي صفة العلو ذكرتها بمناسبة الجمع بين صفة المعية

стр. 247

وصفة العلو وأنه لا تناقض ولا تنافي بين علو الله تعالى واستوائه على عرشه وبين معيته للوجوه التالية: ١ - أن الله تعالى قد جمع بينهما لنفسه في كتابه العظيم في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)﴾ (١). فدلّ ذلك على عدم التناقض بينهما إذ لو كانا متناقضين لم يجمع القرآن بينهما لأنه منزه عن التناقض. ٢ - أن اجتماع المعية والعلو ممكن في حق المخلوق الضعيف كما يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا. ومن المعلوم أن المخلوق في الأرض والقمر في السماء ولا يعد ذلك تناقضًا، فإذا أمكن اجتماع ذلك في حق المخلوق ففي حق الخالق المحيط بكل شيء أولى. ٣ - أنه لو فرض أن اجتماع العلو والمعية ممتنع في حق المخلوق فإن ذلك لا يلزم في حق الخالق العظيم لأنه ليس كمثله شيء في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله. وبهذا يتضح أن الله ﵎ عال على خلقه مستو على عرشه وهو مع ذلك مع عباده وقريب منهم لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه (٢).

стр. 248

رابعًا: صفة المجيء والإتيان: يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: ومن جملة صفات الله التي نؤمن بها وتمر كما جاءت عندهم قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ (١) ونحو ذلك مما دلّ على إتيانه ومجيئه يوم القيامة، وقد نص على ذلك أحمد وإسحاق وغيرهما، وعندهما أن ذلك من أفعال الله الاختيارية التي يفعلها بمشيئته واختياره ... وقد ذكر حرب الكرماني (٢) أنه أدرك على هذا كل من أخذ عنه العلم في البلدان، وسمى منهم أحمد وإسحاق والحميدي (٣) وسعيد بن منصور (٤) وكذلك ذكره أبو الحسن الأشعري في كتابه المسمى بالإبانة (٥)، وهو من أجل كتبه، وعليه يعتمد العلماء وينقلون منه كالبيهقي (٦) وأبي عثمان الصابوني وأبي القاسم ابن

стр. 249

عساكر (١) وغيرهم ... (٢). وقال رحمه الله تعالى أيضًا في شرحه لحديث الرؤية الذي فيه يقول الرسول ﷺ : "فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم ... " الحديث (٣). يقول: وقد دلّ القرآن على ما دلّ عليه الحديث في مواضع كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ (٤). وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ (٥) وقال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ (٦) ولم يتأول الصحابة ولا التابعون شيئًا من ذلك ولا أخرجوه من مدلوله، بل روى عنهم ما يدل على تقريره والإيمان به وإمراره كما جاء. وقد روي عن الإمام أنه قال في مجيئه: هو مجئ أمره، وهذا مما تفرد به حنبل (٧) عنه، فمن أصحابنا من قال: وهم حنبل فيما روى، وهو خلاف مذهبه المعروف والمتواتر عنه، وكان أبو بكر الخلال (٨)

стр. 250

وصاحبه لا يثبتان ما تفرد به عن أحمد رواية. ومن متأخريهم من قال: هو رواية عنه بتأويل كل ما كان من جنس المجيء والإتيان ونحوهما، ومنهم من قال: إنما قال ذلك إلزامًا لمن ناظره في القرآن، فإنهم استدلوا على خلقه بمجيء القرآن فقال: إنما يجئ ثوابه لقوله: (وجاء ربك) أي كما تقولون أنتم في مجيء الله أنه مجئ أمره، وهذا أصح المسالك في هذا المروي، وأصحابنا في هذا على ثلاث فرق: فمنهم من يثبت المجىء والإتيان ويصرح بلوازم ذلك في المخلوقات، وربما ذكروه عن أحمد من وجوه لا تصح أسانيدها عنه، ومنهم من يتأول ذلك على مجيء أمره، ومنهم من يقر ذلك ويمره كما جاء ولا يفسره ويقول هو مجيء وإتيان يليق بجلال الله وعظمته سبحانه، وهذا هو الصحيح عن أحمد ومن قبله من السلف وهو قول إسحاق وغيره من الأئمة، وكان السلف ينسبون تأويل هذه الآيات والأحاديث الصحيحة إلى الجهمية، لأن جهمًا وأصحابه أول من اشتهر عنهم أن الله منزه عما دلت عليه هذه النصوص بأدلة العقول التي سموها أدلة قطعية هي المحكمات وجعلوا ألفاظ الكتاب والسنة هي المتشابهات، فعرضوا ما فيها على تلك الخيالات، فقبلوا ما دلّت على ثبوته بزعمهم، وردوا ما دلّت على نفيه بزعمهم، ووافقهم على ذلك سائر طوائف أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم، وزعموا أن ظاهر ما يدل عليه الكتاب والسنة تشبيه وتجسيم وضلال، واشتقوا من ذلك لمن آمن بما أنزل الله على رسوله أسماء ما أنزل الله بها من سلطان، بل هي افتراء على الله ينفرون بها عن الإيمان بالله ورسوله، وزعموا أن ما ورد في الكتاب والسنة من ذلك مع كثرته وانتشاره من باب التوسع والتجوز وأنه يحمل على مجازات اللغة المستبعدة، وهذا من أعظم أبواب القدح في الشريعة المحكمة المطهرة وهو من جنس حمل

стр. 251

الباطنية (١) نصوص الأخبار من الغيوب كالمعاد والجنة والنار على التوسع والمجاز (٢) دون الحقيقة، وحملهم نصوص الأمر والنهي على مثل ذلك،

стр. 252

وهذا كله مروق عن دين الإسلام، ولم ينه علماء السلف الصالح وأئمة الإسلام كالشافعي وأحمد وغيرهما عن الكلام وحذروا عنه إلا خوفًا من الوقوع في مثل ذلك، ولو علم هؤلاء الأئمة أن حمل النصوص على ظاهرها كفر لوجب عليهم تبيين ذلك، وتحذير الأمة منه، فإن ذلك من تمام نصيحة المسلمين، فكيف ينصحون الأمة فيما يتعلق بالأحكام العملية ويدعون نصيحتهم فيما يتعلق بأصول الاعتقادات، هذا من أبطل الباطل (١). فقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق أن من صفات الله الفعلية صفة المجيء والإتيان، وهي من الصفات التي ثبتت في كتاب الله العزيز وبأحاديث المصطفى ﷺ ودرج علماء السلف على نقلها والإيمان بها وإقرارها وإمرارها كما جاءت من غير تحريف ولا تمثيل ولا تشبيه. وقد ساق ابن رجب رحمه الله تعالى الآيات التي دلّت على هذه الصفة. كما بيّن رحمه الله تعالى أيضًا في كلامه السابق أن تعطيل الصفات

стр. 253

وتشبيهًا بصفات المخلوقين من فعل أهل الضلال والزيغ الذين ضلوا عن الطريق المستقيم، نسأل الله السلامة والعافية. خامسًا: صفة النزول إلى السماء الدنيا: المقصود بصفة النزول هو إثبات أن الله ينزل في كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له، كما ورد ذلك في الأخبار، فالواجب إثبات ذلك على حقيقته من غير تحريف ولا تكييف. قال ابن رجب رحمه الله تعالى وهو يتكلم عن قرب الله من عباده "وليس هذا القرب تقرب الخلق المعهود منهم كما ظنه من ظنه من أهل الضلال، وإنما هو قرب ليس يشبه قرب المخلوقين كما أن الموصوف به ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وهكذا القول في أحاديث النزول إلى سماء الدنيا فإنه نوع من قرب الرب من داعيه وسائليه، ومستغفريه وقد سئل عنه حمّاد بن زيد (١) فقال: هو في مكانه يقرب من خلقه كيف يشاء ومراده أن نزوله ليس هو انتقال من مكان إلى مكان كنزول المخلوقين وقال حنبل: سألت أبا عبد الله ينزل الله إلى سماء الدنيا؟ قال: نعم قلت: نزوله بعلمه أو بماذا؟ قال: اسكت عن هذا مالك ولهذا، امض الحديث على ما روى بلا كيف ولا حدّ إلا ما جاءت به الآثار وجاء به الكتاب قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ (٢) ينزل كيف شاء بقدرته وعلمه وعظمته أحاط بكل شيء

стр. 254

علمًا، لا يبلغ قدره واصف، ولا ينأى عنه هرب هارب . ومراده أن نزوله تعالى ليس كنزول المخلوق بل هو نزول يليق بقدرته وعظمته وعلمه المحيط بكل شيء، والمخلوقون لا يحيطون به علمًا، وإنما ينتهون إلى ما أخبرهم به عن نفسه أو أخبر به عنه رسوله، فلهذا اتفق السلف الصالح على إمرار هذه النصوص كما جاءت من غير زيادة ولا نقص، وما أشكل فهمه منها وقصر العقل عن إدراكه وكل إلى عالمه" (١). فقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى في هذا الكلام أن صفة النزول من الصفات الفعلية المتعلقة بمشيئته وحكمته والتي يجب إثباتها لله ﵎ وأن نزوله نزولًا يليق بجلاله وعظمته من غير تكييف ولا تعطيل كما هو منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى. وقد وردت أحاديث كثيرة في إثبات صفة النزول لله تعالى منها: حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ويقول: (من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له) " رواه البخاري ومسلم (٢). ومنها: حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وأنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول (ما أراد هؤلاء) " رواه مسلم (٣).

стр. 255

قال الآجري (١) رحمه الله تعالى: باب الإيمان والتصديق بأن الله ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة، ثم قال: الإيمان بهذا واجب، ولا يسع المسلم العاقل أن يقول: كيف ينزل؟ ولا يرد هذا إلا المعتزلة وأما أهل الحق فيقولون: الإيمان به واجب بلا كيف لأن الأخبار قد صحت عن رسول الله ﷺ أن الله ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة، والذين نقلوا إلينا هذه الأخبار، هم الذين نقلوا إلينا الأحكام من الحلال والحرام، وعلم الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، وكما قبل العلماء منهم ذلك، كذلك قبلوا منهم هذه السنن، وقالوا: من ردها فهو ضال خبيث يحذرونه ويحذرون منه (٢). وقال ابن خزيمة رحمه الله تعالى عند ذكره لأحاديث النزول نشهد شهادة مقر بلسانه مصدق بقلبه مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الرب من غير أن نصف الكيفية، لأن المصطفى لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى سماء الدنيا وأعلمنا أنه ينزل، والله جلّ وعلّا لم يترك، ولا نبيه ﵇ بيان ما بالمسلمين الحاجة إليه من أمر دينهم، فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول غير متكلفين القول بصفته أو بصفة الكيفية، إذ النبي ﷺ لم يصف كيفية النزول، وفي هذه الأخبار ما بان وثبت وصح أن الله جلّ وعلّا فوق سماء الدنيا الذي أخبرنا نبينا ﷺ أنه ينزل إليه إذ محال في لغة العرب أن يقول: نزل من أسفل إلى أعلى ومفهوم في الخطاب أن النزول من أعلى إلى أسفل (٣).

стр. 256

فالسلف يؤمنون بنزول الرب كل ليلة إلى السماء الدنيا ويثبتونه إثباتًا يليق بجلاله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ويصدقون الأحاديث التي وردت في ذلك، والتي بلغت حدّ التواتر كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: أن نزول الرب ﵎ إلى سماء الدنيا قد تواترت الأخبار به عن رسول الله ﷺ ، رواه عنه نحو ثمانية وعشرين نفسًا من الصحابة، وهذا يدل على أنه كان يبلغه في كل موطن ومجمع، فكيف تكون حقيقته محالًا وباطلًا، وهو ﷺ يتكلم بها دائمًا ويعيدها ويبديها مرة بعد مرة (١). وهنا سؤال: وهو أنه إذا أثبتنا لله تعالى نزوله حقيقة فهل يخلو منه العوش أو لا يخلو؟ . الصواب ما عليه السلف الصالح ﵏ في هذا من أنه لا يزال فوق العرش ولا يخلو منه العرش مع نزوله إلى السماء الدنيا، لأن نزوله ليس كنزول المخلوقين بل هو منزه عن ذلك ﵎. وهذا هو جواب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على هذا السؤال حيث ذكر الأقوال في هذه المسألة ورجح الثالث منها فقال: والقول الثالث -وهو الصواب- وهو المأثور عن سلف الأمة وأئمتها، أنه لا يزال فوق العرش، ولا يخلو العرش منه مع دنوه ونزوله إلى السماء الدنيا ولا يكون العرش فوقه، وكذلك يوم القيامة كما جاء به الكتاب والسنة (٢).

стр. 257

المبحث الثامن شبهة والرد عليها يقول ابن رجب رحمه الله تعالى في معرض كلامه على التنجيم وما يجره على أهله من البلاء والمصائب قال: وقد اعترض بعض من كان يعرف هذا على حديث ثلث الليل الآخر، وقال: ثلث الليل يختلف باختلاف البلدان فلا يمكن أن يكون النزول في وقت معين ومعلوم بالضرورة من دين الإسلام قبح هذا الاعتراض، وأن الرسول ﷺ وخلفاؤه الراشدين لو سمعوا من يعترض به لما ناظروه، بل بادروا إلى عقوبته، وإلحاقه بزمرة المخالفين المنافقين المكذبين ... (١). فابن رجب رحمه الله تعالى بهذا الكلام على الذين يؤولون أحاديث النزول وينكرونها محتجين بشبهة واهية وهي قولهم: إن ثلث الليل يختلف باختلاف البلاد مما يلزم منه أن يكون الله ﵎ دائمًا نازلًا، لأن الثلث مستمر طيلة أربع وعشرين ساعة نظرًا لاختلاف المطالع والمغارب. ولا شك أن هذا الاعتراض اعتراض قبيح يدل على جهل من قال به بنصوص الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى. لأن أهل السنة والجماعة يثبتون لله نزولًا يليق بجلاله وعظمته لا نزولًا كنزول الخلق، لأن الخلق إذا فعلوا ذلك يلزم منه هذا

стр. 258

الاعتراض لأن ذلك من لوازمهم إذا فعلوا شيئًا من ذلك أما الرب ﵎ فهو ممتنع في حقه لأنه منزه عما يكون من صفات المخلوقين الضعفاء، فنزول الله ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا نزولًا حقيقيًا يليق بجلاله وعظمته كما جاءت بذلك الأدلة. ومن أول النزول، وحرف نصوص الكتاب والسنة الواردة في هذه الصفة بمثل هذه الحجة الواهية فقد أخطأ حيث ظن أن أفعال الله ﵎ وصفاته كأفعال الخلق وصفاتهم فشبه الله بخلقه ووقع فيما فر منه وجمع بين التعطيل والتشبيه. وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على هذه الشبهة فقال: "وهذا الذي ذكروه إنما يصح إذا جعل نزوله من جنس نزول أجسام الناس من السطح إلى الأرض، وهو يشبه قول من قال: يخلو العرش منه بحيث يصير بعض المخلوقات فوقه وبعضها تحته" (١). ويقول أيضًا رحمه الله تعالى رادًا على هذه الشبهة: "وهذا إنما قالوه لتخيلهم من نزوله ما يتخيلونه من نزول أحدهم، وهذا عين التمثيل، ثم إنهم بعد ذلك جعلوه كالواحد العاجز منهم الذي لا يمكنه أن يجمع من الأفعال ما يعجز غيره عن جمعه، وقد جاءت الأحاديث بأنه يحاسب خلقه يوم القيامة كل منهم يراه مخليًا به ويناجيه لا يرى أنه متخل لغيره ولا مخاطب لغيره". وقد قال النبي ﷺ : "إذا قال العبد (الحمد لله رب العالمين) يقول الله: حمدني عبدي، وإذا قال: (الرحمن الرحيم) قال الله: أثنى عليّ عبدي" (٢) فكل من الناس يناجيه والله تعالى يقول لكل منهم ذلك، ولا يشغله شأن عن شأن ...

стр. 259

ومن مثل مفعولاته التي خلقها بمفعولات غيره فقد وقع في تمثيل المجوس (١) القدرية فكيف بمن مثل أفعاله بنفسه أو صفاته بفعل غيره وصفته يقال لهؤلاء: أنتم تعلمون أن الشمس جسم واحد، وهي متحركة حركة واحدة متناسبة لا تختلف، ثم إنه بهذه الحركة الواحدة تكون طالعة على قوم وغاربة عن آخرين، وقريبة من قوم وبعيدة من آخرين فيكون

стр. 260

عند قوم عنها ليل، وعند قوم نهار، وعند قوم شتاء، وعند قوم صيف، وعند قوم حر، وعند قوم برد، فإذا كانت حركة واحدة يكون عنها ليل ونهار في وقت واحد لطائفتين، وشتاء وصيف في وقت واحد لطائفتين فكيف يمتنع على خالق كل شيء الواحد القهار أن يكون نزوله إلى عباده ونداه إياهم في ثلث ليلهم وإن كان مختلفا بالنسبة إليهم وهو سبحانه لا يشغله شأن عن شأن، ولا يحتاج أن ينزل على هؤلاء، ثم ينزل على هؤلاء، بل في الوقت الواحد الذي يكون ثلثًا عند هؤلاء وفجرًا عند هؤلاء يكون نزوله إلى سماء هؤلاء الدنيا وصعوده عن سماء هؤلاء الدنيا، فسبحان الله الواحد القهار ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١). وبهذا يتبين بطلان هذه الشبهة وقبحها، وهذا معلوم بالضرورة من دين الإسلام، وأنه لا يصدر إلا من المخالفين المكذبين ومن سار على طريقهم كما بين ذلك ابن رجب رحمه الله تعالى وقبله شيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم من سلف هذه الأمة عليهم رحمة الله تعالى.

стр. 261

المبحث التاسع رده على المخالفين لمذهب السلف من المعطلة والمشبهة بينت فيما سبق مذهب السلف الصالح رحمهم الله تعالى، وهو ما درج عليه الصحابة ﵃ والتابعون من بعدهم إلا أن هناك طوائف وفرقًا نبتت ونشأت على خلاف هذا المنهج القويم والطريق السليم وهو منهج أهل السنة والجماعة، وهذه الفرق منها من أفرط في النفي حتى شبهوه بالعدم وهم المعطلة، والبعض الآخر منها بالغوا في الإثبات حتى شبهوه بالمخلوقات وهم المشبهة. قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: "أتانا من المشرق رأيان خبيثان جهم معطل ومقاتل مشبه" (١). وهذان المذهبان -أعني مذهب المعطلة والمشبهة- كل مذهب منهما يضم فرقًا وطوائف. فأما المعطلة فإنهم انقسموا إلى ثلاثة أقسام: فمنهم من جحد الأسماء وأنكر الصفات وهم الجهمية. ومنهم من أثبت الأسماء وأنكر الصفات، وهم المعتزلة. ومنهم من أثبت الأسماء، وفرق بين الصفات، فأثبت البعض، وأنكر الآخر، وهم الأشاعرة ومن نحا نحوهم.

стр. 262

وكل واحد من هؤلاء يعطلون حقائق مانعت الله به نفسه، ويشتركون في تأويل نصوص الكتاب والسنة، ويجعلون قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١). مستندًا لهم في رد الأحاديث الصحيحة الثابتة، فكلما جاءتهم آية أو حديث تخالف قواعدهم وآراءهم، وما وضعته عقولهم وأفكارهم، فإن كانت هذه النصوص قابلة للتأويل والتحريف أولوها وحرفوها، وإن لم تكن قابلة ردوها وأنكروها ورموها وراء ظهورهم، وهم ما بين مقل ومكثر في التأويل والتعطيل وهم مع ذلك يستدلون على ما ذهبوا إليه بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٢) تلبيسًا منهم وتشكيكًا لمن هو أعمى قلبًا منهم، وتحريفًا لمعنى نصوص الكتاب والسنة عن مواضعه. وقد بنوا مذهبهم على أصل باطل أصلوه من عند أنفسهم فقالوا: إن إثباتها يقتضي التشبيه والتمثيل بالمخلوقين، ولذلك أولوها وحرفوا معانيها زاعمين أن ذلك لأجل التنزيه فوقعوا في شر مما فروا منه وهو تشبيه المولى ﵎ بالمعدومات والجمادات فشبهوا الله في ابتداء آرائهم الفاسدة بخلقه ثم عطلوه من صفات كماله، وشبهوه بالناقصات والجمادات والمعدومات، فهم شبهوا أولًا وعطلوا ثانيًا. وأما المشبهة فهم الذين أثبتوا أسماء الله تعالى وصفاته وغلوا في الإثبات إلى حد أن شبهوه بالمخلوقات وجعلوا صفاته من جنس صفاتهم لأنهم يظنون أن لا حقيقة لها إلا هذا. والشبهة التي أدت بالمشبهة إلى التشبيه والتمثيل هي أنهم يقولون

стр. 263

كما ذكر ذلك ابن القيم الجوزية ﵀ عنه: "محال أن يخاطبنا الله بما لا نعقله، ثم يقول: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١) ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢) ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ (٣) (٤). ويقولون أيضًا أنه لا يوجد شيء معقول في الموجودات سوى الجسم والعرض ويستحيل أن يكون الله عرضًا فيجب أن يكون جسمًا. واحتجوا على قولهم هذا بآيات من كتاب الله تعالى فيها ذكر العين والوجه واليد وغيرها (٥). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: المشبهة الذين يقولون بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي (٦). ومن هؤلاء المشبهة الكرامية (٧) ومن سار على منهجهم من طوائف الرافضة وغيرهم (٨).

стр. 264

وأصحاب هذا المنهج لا شك أنهم منحرفون عن المنهج السليم، وضالون عن الصراط المستقيم، لأنهم جمعوا في قولهم بين التشبيه والتعطيل أما تشبيههم فظاهر وهو تشبيه الخالق بالمخلوق، وأما التعطيل فمن وجوه ثلاثة: ١ - أنه عطل نفس النص الذي أثبت الصفة حيث صرفه عن مقتضى ما يدل عليه، فإن النص دال على إثبات صفة تليق بالله لا على مشابهة الله لخلقه. ٢ - أنه إذا شبه الله بخلقه فقد عطله عن كماله الواجب حيث شبه الرب الكامل من جميع الوجوه بالمخلوق الناقص. ٣ - أنه إذا شبه الله بخلقه فقد عطل كل نص يدل على نفي مشابهة الله لخلقه مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٢) (٣) ... وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذين المذهبين وبين أنهما من البدع التي اتفق السلف على تضليل قائليها فقال: "ومن ذلك أعني محدثات الأمور ما أحدثه المعتزلة، ومن حذا حذوهم من الكلام في ذات الله تعالى وصفاته بأدلة العقول ... وانقسم هؤلاء إلى قسمين: أحدهما: من نفى كثيرًا مما ورد به الكتاب والسنة من ذلك لاستلزامه عنده التشبيه بالمخلوقين كقول المعتزلة: لو رؤي لكان جسمًا، لأنه لا يرى إلا في جهة.

стр. 265

وقولهم: لو كان له كلام يسمع لكان جسمًا، ووافقهم من نفي الاستواء فنفوه لهذه الشبهة، وهذا طريق المعتزلة والجهمية. وقد اتفق السلف على تبديعهم وتضليلهم، وقد سلك سبيلهم في بعض الأمور كثير ممن انتسب إلى السنة والحديث من المتأخرين. والثاني: من رام إثبات ذلك بأدلة العقول التي لم يرد بها الأثر ورد على أولئك كما هي طريقة مقاتل بن سليمان، ومن تبعه كنوح بن أبي مريم (١) وتابعهم طائفة من المحدثين قديمًا وحديثًا، وهو مسلك الكرامية فمنهم من أثبت لإثبات هذه الصفات الجسم إما لفظًا وإما معنى، ومنهم من أثبت لله صفات لم يأت بها الكتاب والسنة كالحركة وغير ذلك مما هي عنده لازم الصفات الثابتة (٢). وقال رحمه الله تعالى في معرض كلامه عن الخوارج وتكفيرهم للأمة واستباحة دمائهم وأموالهم: "وأصعب من ذلك ما حدث من الكلام في ذات الله وصفاته، مما سكت عنه النبي ﷺ والصحابة والتابعون لهم بإحسان: ١ - فقوم نفوا كثيرًا مما أورد في الكتاب والسنة من ذلك، وزعموا أنهم فعلوا تنزيهًا لله عما تقتضيه العقول بتنزيهه عنه، وزعموا أن لازم ذلك لمستحيل على الله . ٢ - وقوم لم يكتفوا بإثباته حتى أثبتوا ما يظن أنه لازم له بالنسبة

стр. 266

إلى المخلوقين، وهذه اللوازم نفيًا وإثباتًا درج صدر الأمة على السكوت عنها" (١). والسلف رحمهم الله تعالى منزهون في اعتقادهم عن التشبيه والتمثيل وقولهم في أسماء الله تعالى وصفاته هو الصحيح من الأقوال لأنه إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل، عمدتهم في ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ومذهب السلف بين التعطيل وبين التمثيل فلا يمثلون صفات الله خلقه، كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله، فيعطلوا أسماءه الحسنى وصفاته العلى، ويحرفون الكلم عن مواضعه، ويلحدوا في أسماء الله وآياته (٣). ويقول ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى: وهدى الله أصحاب سواء السبيل للطريقة المثلى، فلم يتلوثوا بشيء من أوضار هذه الفرق وأدناسها، وأثبتوا لله حقائق الأسماء والصفات، ونفوا عنها مماثلة المخلوقات، وكان مذهبهم مذهبًا بين مذهبين، وهدى بين ضلالين خرج من بين مذاهب المعطلين والمخيلين (٤) والمجهلين والمشبهين .... وقالوا

стр. 267

نصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل، بل طريقتنا إثبات حقائق الأسماء والصفات، ونفي مشابهة المخلوقات (١).

стр. 268

المبحث العاشر تنزيه الله من نسبة الولد إليه قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "وإذا كان منزهًا عن أن يخرج منه مادة الولد التي هي أشرف المواد فلأن ينزه عن خروج مادة غير الولد أولى، فمن أثبت لله ولدًا فقد شتمه، وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يقول الله : كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون على من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوًا أحد" (١). وفي صحيح البخاري أيضًا عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "قال الله : كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي، فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: لي ولد، فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدًا" (٢). وقد رد الله على من زعم أنه لا يعيد الخلق، وعلى من زعم أن له ولدًا كما تضمنه هذا الحديث في قوله: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦)﴾ إلى قوله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩)﴾ (٣).

стр. 269

وفي صحيح البخاري أيضًا عن النبي ﷺ قال: "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم" ... (١) (٢). فنسبة الولد إلى الله فرية عظيمة قال بها اليهود والنصارى والمشركون من العرب، ومن سلك سبيلهم من الفلاسفة وغيرهم فاليهود المغضوب عليهم زعموا أن عزيرًا ابن الله، والنصارى الضالون زعموا أن المسيح ابن الله، ومشركوا العرب زعموا أن الملائكة بنات الله تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. وقد رد الله ﵎ هذه المزاعم كلها في القرآن الكريم، وبيّن بطلانها بنفي الولد وتنزهه عن ذلك ﵎. وقد بين ابن رجب رحمه الله تعالى فى كلامه السابق بطلان هذه الفرية، وذكر بعض الأدلة التي وردت في الرد على هذا الزعم الباطل لأن هذا القول قول عظيم في القبح والبشاعة والنكارة، فالله الواحد الأحد الفرد الصمد المستغني عن جميع خلقه وهم محتاجون إليه، قهر الأشياء كلها فدانت له وذلت وخضعت. وقد أنذر الله ﵎ جميع الطوائف التي تنسب إليه الولد بالوعيد الشديد والتهديد الأكيد قال تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾ (٣).

стр. 270

قال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: "يقول تعالى ذكره ويحذر أيضًا محمد القوم ﴿الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ من مشركي قومه وغيرهم، بأس الله وعاجل نقمته، وآجل عذابه على قيلهم ذلك" (١). ونفي الولد عن الله يجب اعتقاد ثبوت ضده لله على الوجه اللائق بجلاله لأن النفي المحض عدم محض فهو ليس بشيء وليس في النفي المجرد إثبات صفة كمال، ولهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمنًا لإثبات المدح والكمال، والمدح الذي تضمنه نفي الولد عن الله إثبات إنه الأحد سبحانه المنفرد بذاته يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وينبغي أن يعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال لأن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء فهو كما قيل: ليس بشيء فضلًا عن أن يكون مدحًا أو كمالًا، ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال، فلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمنًا لإثبات مدح كقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ إلى قوله ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ (٢) فنفي السنة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيام، فهو مبين لكمال أنه الحي القيوم، وكذلك قوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ أي لا يكرثه ولا يثقله وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها (٣). وأرى من المناسب أن أذكر هنا فائدة لها صلة بهذا المبحث ذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى في تفسيره لسورة الإخلاص حيث قال:

стр. 271

سؤال: نفى سبحانه الولادة قبل التولد، والتولد أسبق وقوعًا من الولادة في حق من هو متولد؟ وجوابه: أن الولادة لم يدعها أحد في حقه سبحانه، وإنما ادعوا أنه ولد، فلذلك قدم نفيه لأن المهم المحتاج إلى نفيه. سؤال آخر: كيف نفى أن يكون مولودا ولم يعتقده أحد؟ جوابه: من وجهين. أحدهما: أنهم سألوا عمن ورث الدنيا. ولمن يورثها، وهذا يشعر بأن منهم من اعتقد ذلك. والثاني: أنه نفى عن نفسه سبحانه خصائص آلهة المشركين فإن منهم من عبد المسيح، ومنهم من عبد العزيز وهما مولودان، ومنهم من عبد الملائكة والعجل وهي متولدات، وقد تقدم أن نفي الولادة تدل على نفي المتولد بطريق الأولى (١).

стр. 272

المبحث الحادي عشر علم الكلام وكلام ابن رجب عليه أنزل الله ﵎ القرآن الكريم هدي وشفاء للناس كما قال تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ (١) وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾ (٣). فبين الله أن هذا الكتاب المنزل على نبينا محمد ﷺ هدى للناس يهتدون به إلى الطريق القويم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٤) ويخرجون به من الظلمات إلى النور كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (٥). فمن تمسك بهذا الكتاب وسنة المصطفى ﷺ المفسرة المبينة له فهو غني عن كل فكر ومنهج، لأن الله قد أكمل الدين كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٦).

стр. 273

وقد علم الصحابة ﵃ قدر هذا الكتاب العظيم فتمسكوا به وانكبوا عليه علمًا وعملًا وتعليمًا، وهكذا التابعون لهم بإحسان ولم يعرف عن أحد منهم أنه تكلم بشيء من الطرق الكلامية ولا المسائل الفلسفية (١). وبعد انتهاء عصر الصحابة ﵃ ظهر ما يسمى بعلم الكلام وهو الجدال في الأمور الاعتقادية بالعقل بسبب الابتعاد عن الكتاب والسنة والتأثر بالأفكار والديانات القديمة، وازداد الأمر سوءًا في عهد المأمون (٢) بعد أن عربت كثير من الكتب اليونانية والرومانية إلى العربية (٣). وقد قام أئمة الدين وأعلام الهدى بذم علم الكلام وبالغوا في ذمه وذم أهله وتضليلهم، ومنعوا من مجالستهم ومحادثتهم ومجادلتهم، وأمروا بهجرهم، والبعد عنهم، وأجمعوا على أنه من العلوم المحدثة المبتدعة التي كان لها أكبر الأثر في تفريق المسلمين وتشتيت وحدتهم. يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: "روى ... ذم الكلام

стр. 274

وأهله عن مالك وأبي حنيفة وأبي يوسف (١) ومحمد وابن مهدي (٢) وأبي عبيد والشافعي والمزني (٣) وابن خزيمة، وذكر ابن خزيمة النهي عنه عن مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأبي حنيفة وصاحبيه وأحمد وإسحاق وابن المبارك ويحيى بن يحيى (٤) ومحمد بن يحيى الذهلي (٥) وروى

стр. 275

السلمي (١) أيضًا النهي عن الكلام وذمه عن الجنيد (٢) وإبراهيم الخواص (٣) فتبين بذلك أن النهي عن الكلام إجماع من أئمة الدين من المتقدمين من الفقهاء وأهل الحديث، والصوفية، وأنه قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم من أئمة المسلمين ... " (٤). كما بين ابن رجب رحمه الله تعالى أن علم الكلام الذي اعتمد عليه المتكلمون من العلوم المذمومة التي فتحت باب شر عظيم على المسلمين في دينهم لأن المتكلمين جاءوا بقضايا منطقية وفلسفية زعموا أنها حجج قطعية وقضايا مسلمة لا تغير ولا تبدل. يقول ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان هذا: " ... فأما الدخول

стр. 276

مع ذلك في كلام المتكلمين أو الفلاسفة فشر محض وقل من دخل في شيء من ذلك إلا وتلطخ ببعض أوضارهم، كما قال أحمد: لا يخلو من نظر في الكلام إلا تجهم. وكان هو وغيره من أئمة السلف يحذرون من أهل الكلام، وإن ذبوا عن السنة. وأما ما يوجد في كلام من أحب الكلام المحدث، واتبع أهله من ذم من لا يتوسع في الخصومات والجدال ونسبته إلى الجهل أو إلى الحشو، وإلى أنه غير عارف بالله أو غير عارف بدينه، فكل ذلك من خطوات الشيطان نعوذ بالله منه (١). كما بين رحمه الله تعالى أن سكوت السلف رحمهم الله تعالى عن الكلام والجدال ليس جهلًا وعجزًا منهم ولكنهم سكتوا عن علم ومعرفة ودراية وتعظيم وخشية لله تعالى. فقال: "فما سكت من سكت عن كثرة الخصام والجدال من سلف الأمة جهلًا ولا عجزًا ولكن سكتوا عن علم وخشية لله وما تكلم من تكلم وتوسع من توسع بعدهم باختصاصه بعلم دونهم، ولكن حبا للكلام وقلة ورع ... إلى أن قال رحمه الله تعالى: "وقد فتن كثير من المتأخرين بهذا، وظنوا أن من كثر كلامه وجداله وخصامه في مسائل الدين فهو أعلم ممن ليس كذلك، وهذا جهل محض. وانظر إلى أكابر الصحابة وعلمائهم كأبي بكر، وعمر، وعلي، ومعاذ، وابن مسعود، زيد بن ثابت كيف كانوا ... وكذلك كلام التابعين أكثر من كلام الصحابة، والصحابة أعلم منهم، فليس العلم بكثرة الرواية

стр. 277

ولا بكثرة المقال، ولكنه نور يقذف في القلب يفهم به العبد الحق، ويميز به بينه وبين الباطل (١). وقد تنوعت عبارات السلف في التحذير عن الكلام وأهله من ذلك قول الإمام مالك رحمه الله تعالى: الكلام في الدين أكرهه، ولم يزل أهل بلدنا يكرهونه وينهون عنه، نحو الكلام في رأي جهم والقدر وكل ما أشبه ذلك، ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل، فأما الكلام في دين الله وفي الله ، فالسكوت أحب إليّ لأني رأيت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في الدين إلا فيما تحته عمل (٢). وقال أيضًا رحمه الله تعالى: "لو كان الكلام علمًا لتكلم فيه الصحابة والتابعون، كما تكلموا في الأحكام والشرائع، ولكنه باطل يدل على باطل (٣). وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "رأيي ومذهبي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد ويجلسوا على الجمال ويطاف بهم في العشائر والقبائل وينادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام (٤). وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء، والله ما توهمته قط، ولأن يبتلى المرء بجميع ما نهى الله عنه خلا الشرك بالله خير من أن يبتليه الله بالكلام" (٥).

стр. 278

وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "إنه لا يفلح صاحب كلام أبدًا ولا تكاد ترى أحدًا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل" (١). وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "لا يفلح صاحب كلام أبدًا علماء الكلام زنادقة" (٢). فهذه بعض أقوال أئمة الإسلام، الذين شهد لهم بالفضل والعلم في علم الكلام، وهم أدرى به من غيرهم لأنهم اطلعوا على حقيقته، وعلموا نتيجته، وعاصروا أصحابه وعرفوهم عن قرب، بل أن السلف لم يكتفوا بالتحذير من علم الكلام وأصحابه بالقول. بل ألفوا فيهم مؤلفات تبين ما هم عليه من الضلال، وتحذرهم منه، وممن ألف في ذلك الخطابي (٣) ألف كتاب الغنية عن الكلام وأهله، وأبو إسماعيل الهروي (٤) ألف كتابه المشهور بذم الكلام (٥).

стр. 279

كما اتبعوا القول بالعمل فقد أمر الحافظ أبو عمرو ابن الصلاح (١) بانتزاع مدرسة معروفة من أبي الحسن الآمدي (٢) وقال: أخذها منه أفضل من أخذ عكا (٣). ولا يفهم من موقف السلف من علم الكلام أنهم ينهون عن الأدلة العقلية فلا يعطونها أي وزن أو قيمة: بل إن من طالع كتبهم ونظر في أقوالهم، تبين له أنهم لم ينكروا الاستدلال بالأدلة العقلية على المطالب الآلهية إذا كانت صحيحة، وإنما نهوا وذموا ما خالف الكتاب والسنة (٤). كما أنهم لم يذموا علم الكلام لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المولدة كلفظ العرض (٥) وغير ذلك، ولكن لأن المعاني التي يعبرون عنها بهذه العبارات فيها من الباطل المذموم في الأدلة والأحكام ما يجب النهي عنه لاشتمال هذه الألفاظ على معان مجملة في النفي والإثبات (٦).

стр. 280

وهكذا كان علماء السلف كلهم ملتزمين بما أنزل الله على نبينا محمد ﷺ يحلون حلاله ويحرمون حرامه ولا يتجاوزونه إلى غيره، ويرون أن فيه الصلاح والهدى والخير والسعادة في الدنيا والآخرة، لأنه ﷺ لم ينتقل إلى ربه حتى كمل هذا الدين، فكل ما تحتاج إليه أمته من أمور الدين قد بينه ﵊ بيانًا شافيًا، ولم يترك لأحد مقالًا فيما للمسلمين إليه حاجة من أمور دينهم، ولم يرو عنه ﷺ في علم الكلام شيء مما يدل دلالة واضحة على أنه بدعة وضلالة. يقول ابن عقيل ﵀: "وقد أفضى الكلام بأهله إلى الشكوك وكثير منهم إلى الإلحاد، تشم رائحة الإلحاد من فلتات كلام المتكلمين" (١). هذا مع أن بطون الكتب حفظت لنا نصوصًا كثيرة في تراجع من اشتغل بعلم الكلام رغم أنهم أمضوا السنوات الطوال بحثًا وتفكيرًا وتأملًا فيه، رغم ذلك عادوا في آخر حياتهم إلى ما عليه السلف، وأوصوا بالبعد عن علم الكلام مما يدل دلالة واضحة على بطلان هذا العلم وما يؤدي إليه من الحيرة والاضطراب، ورجوع من اشتغلوا بعلم الكلام عنه ووصاياهم بالبعد عنه والتمسك بما عليه السلف أمر لا ينكره إلا من هو مكابر ومعاند وغير مريد للحق لأن اعترافاتهم وأقوالهم مسطرة ومنثورة في كتبهم التي ألفوها في آخر حياتهم، وتناقلها العلماء من بعدهم مستدلين بها على صحة منهج السلف وفساد مذهب المتكلمين. أخرج الخطيب البغدادي بسنده أن الوليد بن أبان الكرابيسي (٢) لما

стр. 281

حضرته الوفاة قال لبنيه: تعلمون أحدًا أعلم بالكلام مني؟ قالوا: لا، قال: فتتهمونني، قالوا: لا، قال: فإني أوصيكم أتقبلون؟ قالوا: نعم، قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث فإني رأيت الحق معهم" (١). وكان أبو المعالي الجويني إمام الحرمين يقول: "لقد جلت أهل الإسلام جولة وعلومهم وركبت البحر الأعظم وغصت في الذي نهوا عنه كل ذلك في طلب الحق وهربًا من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق عليكم بدين العجائز فإن لم يدركني الحق بلطيف بره فأموت على دين العجائز ويختم عاقبةً أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص فالويل لابن الجويني (٢). وكان يقول لأصحابه: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به. وممن اشتهر عنه الرجوع إلى مذهب السلف، وذم علم الكلام أبو الفتح الشهرستاني (٣) حيث أخبر أنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم، وكان ينشد: لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعًا كف حائر ... على ذقن أوقار عاسن نادم (٤)

стр. 282

وهؤلاء الذين ذكرت مقالاتهم أتيت بهم للمثال وإلا فهناك غيرهم الكثير والكثير من علماء الكلام الذين تبين لهم أن علم الكلام نهايته الحيرة والاضطراب، وأن الخير كل الخير فيما عليه سلف هذه الأمة عليهم رحمة الله تعالى. وأخيرًا فإن رجوع هؤلاء الأئمة إلى مذهب السلف الصالح واعترافهم بالحيرة والاضطراب بسبب البعد عن منهج القرآن والسنة لعبرة لطالب الحق، فإن هؤلاء العلماء كلهم قد درسوا علم الكلام، وأفنوا فيه سنوات، وخدعوا ببريقه حينًا من الزمن، ولكنهم رجعوا في النهاية إلى عقيدة السلف الصالح، العقيدة الصافية التي مصدرها كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ . وفي هذا عبرة وعظة لمن لا يزال يسلك مسلك الخلف وهو مسلك أهل الكلام على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم عله يتوب ويرجع عما هو عليه كما رجع هؤلاء لينال بذلك رضى الله تعالى عليه، وليتختم عمره بالحسنى.

стр. 283

الفصل الرابع توحيد الألوهية ويشتمل على تمهيد وعدة مباحث: تمهيد. المبحث الأول: تعريف توحيد الألوهية. المبحث الثاني: بيان معنى لا إله إلا الله وفضلها وشروطها، وفيه عدة مطالب. المطلب الأول: بيان معنى كلمة إله. المطلب الثاني: معنى لا إله إلا الله. المطلب الثالث: فضل لا إله إلا الله. المطلب الرابع: الجمع بين أحاديث تدل على أنه يحرم على النار من قال: لا إله إلا الله وأخرى تدل على أنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله. المطلب الخامس: شروط الانتفاع بـ (لا إله إلا الله).

стр. 284

المبحث الثالث: ذكر بعض أنواع العبادة. تعريف العبادة. من أنواع العبادة: الدعاء. الخوف. التوكل. الاستعانة. الخشوع. المحبة. المبحث الرابع: بيانه أن العبادة لا تقبل إلا بشرطين.

стр. 285

تمهيد خلق الله آدم بيده ثم أنزله إلى هذه المعمورة وأسبغ عليه نعمًا كثيرة لا تعد ولا تحصى وزوده بالعقل والسمع والإرادة حتى يتمكن بواسطتها إدراك ما يلقى إليه من أوامر الله ونواهيه، ثم أرسل الله إلى ذريته من بعده رسلًا من جنسهم يبلغون دين الله، وأنزل عليهم كتبًا تعرفهم بخالقهم وموجودهم وبأمره ونهيه ووعده ووعيده، وقد شاء الله بحكمته وإرادته أن تكون أمة محمد ﷺ آخر الأمم ورسولهم خاتم الأنبياء والرسل وهو محمد ﷺ وأنزل عليه كتابًا تبيانًا لكل شيء، وناسخًا لما قبله من الكتب ومهيمنًا عليها وهو القرآن الكريم، وقد ضمنه الله بيان الغاية العظمى والمقصد الأساسي الذي من أجله خلقهم وأوجدهم في هذه الأرض واستخلفهم فيها ألا وهو عبادته وإخلاص العبادة له وحده والبراءة من كل معبود سواه وهو ما يسمى بتوحيد العبادة فهو أول واجب على العباد، وهو أصل الدين وأساس شرائع الإسلام، وهو من الدين بمثابة الروح من الجسد، وهو التوحيد الذي بعث الله به الرسل عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى آخرهم، فكان كل رسول يفتتح دعوته لقومه بتوحيد الألوهية كما قال تعالى: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (١).
следующие страницы →