حضرته الوفاة قال لبنيه: تعلمون أحدًا أعلم بالكلام مني؟ قالوا: لا، قال: فتتهمونني، قالوا: لا، قال: فإني أوصيكم أتقبلون؟ قالوا: نعم، قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث فإني رأيت الحق معهم" (١).
وكان أبو المعالي الجويني إمام الحرمين يقول: "لقد جلت أهل الإسلام جولة وعلومهم وركبت البحر الأعظم وغصت في الذي نهوا عنه كل ذلك في طلب الحق وهربًا من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق عليكم بدين العجائز فإن لم يدركني الحق بلطيف بره فأموت على دين العجائز ويختم عاقبةً أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص فالويل لابن الجويني (٢).
وكان يقول لأصحابه: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به.
وممن اشتهر عنه الرجوع إلى مذهب السلف، وذم علم الكلام أبو الفتح الشهرستاني (٣) حيث أخبر أنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم، وكان ينشد:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعًا كف حائر ... على ذقن أوقار عاسن نادم (٤)
стр. 282
وهؤلاء الذين ذكرت مقالاتهم أتيت بهم للمثال وإلا فهناك غيرهم الكثير والكثير من علماء الكلام الذين تبين لهم أن علم الكلام نهايته الحيرة والاضطراب، وأن الخير كل الخير فيما عليه سلف هذه الأمة عليهم رحمة الله تعالى.
وأخيرًا فإن رجوع هؤلاء الأئمة إلى مذهب السلف الصالح واعترافهم بالحيرة والاضطراب بسبب البعد عن منهج القرآن والسنة لعبرة لطالب الحق، فإن هؤلاء العلماء كلهم قد درسوا علم الكلام، وأفنوا فيه سنوات، وخدعوا ببريقه حينًا من الزمن، ولكنهم رجعوا في النهاية إلى عقيدة السلف الصالح، العقيدة الصافية التي مصدرها كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ .
وفي هذا عبرة وعظة لمن لا يزال يسلك مسلك الخلف وهو مسلك أهل الكلام على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم عله يتوب ويرجع عما هو عليه كما رجع هؤلاء لينال بذلك رضى الله تعالى عليه، وليتختم عمره بالحسنى.
стр. 283
الفصل الرابع توحيد الألوهية
ويشتمل على تمهيد وعدة مباحث:
تمهيد.
المبحث الأول: تعريف توحيد الألوهية.
المبحث الثاني: بيان معنى لا إله إلا الله وفضلها وشروطها، وفيه عدة مطالب.
المطلب الأول: بيان معنى كلمة إله.
المطلب الثاني: معنى لا إله إلا الله.
المطلب الثالث: فضل لا إله إلا الله.
المطلب الرابع: الجمع بين أحاديث تدل على أنه يحرم على النار من قال: لا إله إلا الله وأخرى تدل على أنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله.
المطلب الخامس: شروط الانتفاع بـ (لا إله إلا الله).
стр. 284
المبحث الثالث: ذكر بعض أنواع العبادة.
تعريف العبادة.
من أنواع العبادة:
الدعاء.
الخوف.
التوكل.
الاستعانة.
الخشوع.
المحبة.
المبحث الرابع: بيانه أن العبادة لا تقبل إلا بشرطين.
стр. 285
تمهيد
خلق الله آدم بيده ثم أنزله إلى هذه المعمورة وأسبغ عليه نعمًا كثيرة لا تعد ولا تحصى وزوده بالعقل والسمع والإرادة حتى يتمكن بواسطتها إدراك ما يلقى إليه من أوامر الله ونواهيه، ثم أرسل الله إلى ذريته من بعده رسلًا من جنسهم يبلغون دين الله، وأنزل عليهم كتبًا تعرفهم بخالقهم وموجودهم وبأمره ونهيه ووعده ووعيده، وقد شاء الله بحكمته وإرادته أن تكون أمة محمد ﷺ آخر الأمم ورسولهم خاتم الأنبياء والرسل وهو محمد ﷺ وأنزل عليه كتابًا تبيانًا لكل شيء، وناسخًا لما قبله من الكتب ومهيمنًا عليها وهو القرآن الكريم، وقد ضمنه الله بيان الغاية العظمى والمقصد الأساسي الذي من أجله خلقهم وأوجدهم في هذه الأرض واستخلفهم فيها ألا وهو عبادته وإخلاص العبادة له وحده والبراءة من كل معبود سواه وهو ما يسمى بتوحيد العبادة فهو أول واجب على العباد، وهو أصل الدين وأساس شرائع الإسلام، وهو من الدين بمثابة الروح من الجسد، وهو التوحيد الذي بعث الله به الرسل عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى آخرهم، فكان كل رسول يفتتح دعوته لقومه بتوحيد الألوهية كما قال تعالى: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (١).
стр. 286
وقد وردت أدلة كثيرة في الكتاب والسنة توجب على العباد أن يفردوا الله بتوحيد العبادة، ويخصوه بها وحده دون سواه.
ولهذا اهتم علماء الإسلام من السلف الصالح رحمهم الله تعالى بهذا النوع من التوحيد وبينوه وأوضحوه لما له من أهمية كبيرة وعاقبة حميدة ومنهم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى حيث اعتنى بهذا النوع من التوحيد وبينه وأوضحه واهتم به اهتمامًا كبيرًا، وسوف يتبين هذا كله إن شاء الله تعالى في المباحث القادمة التي تشمل على أقواله في ذلك، ولا ريب أن هذا النوع من التوحيد جدير بالعناية والاهتمام بل هو أهم الأمور التي يجب العناية والاهتمام بها.
стр. 287
المبحث الأول تعريف توحيد الألوهية
توحيد الألوهية هو ما يعبر عنه بتوحيد العبادة أو توحيد الطلب والقصد أسماء لمسمى واحد وهو إفراد الله بأفعال عباده التي تعبدهم بها بجميع أنواعها باطنها وظاهرها من الصلاة والزكاة والصيام والحج والنحر والنذر والمحبة والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والدعاء وغير ذلك من أنواع العبادة التي تعبد الله بها خلقه وشرعها لهم.
وبمعنى آخر أي صرف جميع أنواع العبادة لله وحده لا شريك له، فلا يدعى من دونه أحد من خلقه لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فمن صرف شيئًا منها لغير الله فهو كافر مشرك كما قال ﵎: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ (١).
وهذا النوع من التوحيد هو غاية توحيد الربوبية والأسماء والصفات فإنهما وسيلة إليه وهو الذي من أجله خلقت الخليقة وأرسلت الرسل وأنزلت الكتب وحصل الجدال وشرع الجهاد، وبه افترق الناس إلى مؤمنين وكفار، وهو معنى قول لا إله إلا الله.
وقد وردت آيات كثيرة في كتاب الله توجب على
стр. 288
العباد أن يفردوا الله بتوحيد العبادة ويخصوه بها وحده دون سواه.
بل إن الأمر بالعبادة هو أول أمر في كتاب الله وهو قوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ (١).
ومن الآيات الدالة على وجوب عبادة الله تعالى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (٤).
وقال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ (٥).
فهذه الآيات الكريمة تقرر أن الله هو المستحق للعبادة بجميع أنواعها الاعتقادية والقولية والعملية، وليس لأحد سواه كائنًا من كان أي شيء من أنواع العبادة.
стр. 289
وكما جاءت آيات الكتاب الكريم مبينة لهذا النوع من التوحيد وآمرة به كذلك جاءت السنة المشرفة موضحة ومبينة له وآمرة به.
ومن ذلك ما رواه ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: "إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإذا أطاعوا بها، فخذ منهم وتوق كرائم أموالهم" (١).
ومنها حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا. وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا" (٢).
فهذه الأحايث تدل على وجوب إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له.
وقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذا النوع من التوحيد وبين أن الغاية العظمى والمقصد الأساسي الذي من أجله خلق الله الخلق وأوجدهم في هذه الأرض هو عبادته وإخلاص العبادة له وحده والبراءة من كل معبود سواه.
стр. 290
يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: إن الله خلق الخلق ليعبدوه، ويعرفوه ويخشوه ويخافوه، ونصب لهم الأدلة الدالة على عظمته وكبريائه ليهابوه، ويخافوه خوف إجلال، ووصف لهم شدة عذابه ودار عقابه التي أعدها لمن عصاه، ليتقوه بصالح الأعمال، ولهذا كرر في كتابه ذكر النار، وما أعده فيها لأعدائه من العذاب والنكال والأغلال. . . وغير ذلك مما فيها من الأهوال والفظائع والعظائم ودعا عباده بذلك إلى خشيته وتقواه، والمسارعة إلى امتثال ما يأمر به ويحبه ويرضاه، واجتناب ما نهى عنه ويكرهه ويأباه، فمن تأمل الكتاب الكريم وأدار فكره فيه وجد من ذلك العجب العجاب، وكذلك السنة الصحيحة التي هي مفسرة ومبينة لمعاني الكتاب، وكذلك سير السلف الصالح أهل العلم والإيمان من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، من تأملها علم أحوال القوم وما كانوا عليه من الخوف والخشية والإخبات وأن ذلك هو الذي رقاهم إلى تلك الأحوال الشريفة والمقامات السنيات، من شدة الاجتهاد في الطاعات والانكفاف عن دقائق الأعمال المكروهات فضلًا عن المحرمات (١).
ويقول أيضًا رحمه الله تعالى: ""فإن الله تعالى خلق الخلق وأوجدهم لعبادته الجامعة لخشيته ورجائه ومحبته كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (٢)(٣).
ويقول رحمه الله تعالى أيضًا: فإن الله تعالى خلق الخلق كلهم لعبادته كما قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (٢) وأرسل الرسل كلهم للدعوة إلى توحيده وطاعته كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ
стр. 291
قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (١) ولما أهبط آدم وزوجته وأسكنهما في الأرض أخذ عليهما أن من أطاعه من ذريتهما واتبع رسله كان من السعداء، ومن أعرض عن ذلك كان من الأشقياء كما قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ (٣)(٤).
فقد أوضح ابن رجب ﵀ في كلامه السابق أن الحكمة التي من أجلها خلق الله ﵎ الجن والإنس هي عبادته وحده دون سواه.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (٥) قال: إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي لا لاحتياجي إليهم ... ومعنى الآية أنه ﵎ خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب، وأخبر أنه غير محتاج إليهم بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، فهو خالقهم ورازقهم (٦).
стр. 292
المبحث الثاني بيان معنى لا إله إلا الله وفضلها وشروطها
وفيه عدة مطالب:
المطلب الأول بيان معنى كلمة إله
أله في اللغة معناه: عبد.
والإله: هو المعبود.
يقال أله يأله بالفتح فيهما بمعنى عبد يعبد.
قال ابن فارس: الهمزة واللام والهاء أصل واحد وهو التعبد فالإله الله تعالى، وسمي بذلك لأنه معبود، ويقال: تأله الرجل إذا تعبد (١).
وقال الزجاج: معنى قولنا: "إله" إنما هو الذي يستحق العبادة وهو المستحق لها دون سواه (٢).
وقال ابن جرير الطبري: أله بمعنى عبد، والإله مصدره من قول القائل: آله الله فلان إلاهة كما يقال: عبد الله فلان عبادة (٣).
стр. 293
وقال الفيروزأبادي: (١) أله يأله ألهة وتالهًا كعبد يعبد عبادة وتعبدًا (٢).
بهذا يتضح لنا أن لفظة (إله) مأخوذة من التأله وهو التعبد ومعناه المعبود المطاع سواء كان بحق أو بغير حق، فكل ما عبد بأي نوع من أنواع العبادات ولو كان المعبود جمادًا فهو إله عند عابده كما قال تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ (٣).
ولكن هذا اللفظ غلب على المعبود بحق وهو الله يقول الزمخشري (٤): والإله من أسماء الأجناس كالرجل والفرس اسم يقع على كل معبود بحق أو باطل ثم غلب على المعبود بحق ... (٥).
وأما لفظ الجلالة (الله) فلا يطلق إلا على المعبود بحق وهو الله ، فهو مختص به ولا يطلق على غيره (٦).
стр. 294
وقد بين ابن رجب رحمه الله تعالى أن الإله الحق الذي يجب أن يطاع فلا يعصى هو الله فقال: "الإله هو الذي يطاع فلا يعصى هيبة له وإجلالًا، ومحبة وخوفًا ورجاء، وتوكلًا عليه، وسؤالًا منه ودعاءًا له، ولا يصلح ذلك كله إلا الله " (١).
وقال أيضا رحمه الله تعالى: فإن الإله هو المعبود الذي يطاع فلا يعصى خشية وإجلالًا ومهابة ومحبة ورجاء وتوكلًا ودعاء، والمعاصي قادحة كلها في هذا التوحيد، لأنها إجابة لداعي الهوى وهو الشيطان قال الله : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (٢).
كما أشار رحمه الله تعالى إلى أن الإله قد يطلق على الهوى المتبع فقال: وقد ورد إطلاق الإله على الهوى المتبع (٣).
قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (٢) قال: هو الذي لا يهوى شيئًا إلا ركبه.
وقال قتادة (٤): هو الذي كلما هوى شيئًا ركبه، وكلما اشتهى شيئًا أتاه. لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى (٥) ... ويشهد لذلك الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد
стр. 295
القطيفة (١) تعس عبد الخميصة (٢) تعس وانتكس وإذا شيك (٣) فلا انتقش" (٤) فدل هذا على أن كل من أحب شيئًا وأطاعه وكان غاية قصده ومطلوبه، ووالى لأجله، وعادى لأجله، فهو عبده، وكان ذلك الشيء معبوده وإلهه.
ويدل عليه أيضًا أن الله تعالى سمى طاعة الشيطان في معصيته عبادة للشيطان كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ (٥) وقال تعالى حاكيًا عن خليله إبراهيم ﵇ لأبيه: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤)﴾ (٦) فمن لم يتحقق بعبودية الرحمن وطاعته فإنه يعبد الشيطان بطاعته له، ولم يخلص من عبادة الشيطان إلا من أخلص عبودية الرحمن (٧).
فالتفسير الصحيح لكلمة الإله هو المألوه والمعبود المطاع، ولا معبود بحق إلا الله .
وبهذا يتبين لنا خطأ المتكلمين ومن سار على نهجهم الذين يفسرون
стр. 296
الإله بأنه الخالق والقادر على الاختراع، أو شبه ذلك من معاني الربوبية فجعلوا الألوهية بمعنى الربوبية.
وهذا التفسير لا شك أنه تفسير خاطىء مخالف للغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، ويؤدي إلى إغفال حقيقة التوحيد الذي من أجله أرسلت الرسل وأنزلت الكتب وخلق الله الخلق ألا وهو توحيد العبادة الذي ضل فيه كثير من الناس خصوصًا في هذا العصر.
يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى بعد أن ذكر أن معنى الإله هو المعبود المطاع فيقول: وهذا كثير جدًا في كلام العلماء، وهو إجماع منهم أن الإله هو المعبود خلافًا لما يعتقده عباد القبور وأشباههم في معنى الإله أنه الخالق أو القادر على الاختراع أو نحو هذه العبارات، ويظنون أنهم إذا قالوها بهذا المعنى، فقد أتوا من التوحيد بالغاية القصوى، ولو فعلوا ما فعلوا من عبادة غير الله ... وما شعروا أن إخوانهم من كفار العرب يشاركونهم في هذا الإقرار، ويعرفون أن الله هو الخالق القادر على الاختراع، ويعبدونه بأنواع من العبادات ... فإن قيل: فما الجواب عن قول من قال: بأن معنى الإله القادر على الاختراع ونحو هذه العبارة؟ قيل الجواب من وجهين:
أحدهما: أن هذا قول مبتدع لا يعرف أحد قاله من العلماء ولا من أئمة اللغة، وكلام العلماء وأئمة اللغة هو معنى ما ذكرنا كما تقدم فيكون هذا القول باطلًا.
الثاني: على تقدير تسليمه، فهو تفسير باللازم للإله الحق، فإن اللازم له أن يكون خالقا قادرًا على الاختراع، ومتى لم يكن كذلك، فليس بإله حتى وإن سمي إلهًا، وليس مراده أن من عرف أن الإله هو القادر على الاختراع فقد دخل في الإسلام وأتى بتحقيق المرام من مفتاح
стр. 297
دار السلام، فإن هذا لا يقوله أحد، لأنه يستلزم أن يكون كفار العرب مسلمين، ولو قدر أن بعض المتأخرين أراد ذالك فهو مخطىء يرد عليه بالدلائل السمعية والعقلية (١).
стр. 298
المطلب الثاني معنى لا إله إلا الله
بعد ما تبين لنا في المبحث الأول معنى الإله وأن المعنى الحق (للإله) هو المعبود والمطاع اذكر ما قاله ابن رجب ﵀ في معنى لا إله إلا الله حيث قد بين معناها بيانًا شافيًا.
فقال رحمه الله تعالى: معنى لا إله إلا الله لا يؤله غيره حبًا ورجاءً وخوفًا وطاعة، فإذا تحقق القلب بالتوحيد التام لم يبق فيه محبة لغير ما يحبه الله، ولا كراهة لغير ما يكرهه ومن كان كذلك لم تنبعث جوارحه إلا بطاعة الله (١).
وقال أيضًا رحمه الله تعالى: فإن تحقق القلب بمعنى لا إله إلا الله وصدقه فيها وإخلاصه بها، يقتضي أن يرسخ فيه تأله الله وحده إجلالًا وهيبة ومخافة ومحبة ورجاء وتعظيمًا وتوكلًا ويمتلئ بذلك، وينتفي عنه تأله ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك لم يبق فيه محبة ولا إرادة ولا طلب لغير ما يريد الله ويحبه ويطلبه، وينتفى بذلك من القلب جميع أهواء النفوس وإراداتها ووسواس الشيطان (٢).
ويقول أيضًا: لا يصح تحقيق معنى قول لا إله إلا الله إلا لمن لم يكن في قلبه إصرار على محبة ما يكرهه الله، ولا على إرادة ما لا
стр. 299
يريده الله، ومتى كان في القلب شيء من ذلك كان ذلك نقصًا في التوحيد (١).
فـ (لا إله إلا الله) تعني إفراد الله بالعبادة وحده لا شريك له، والبراءة من كل معبود سواه، فهي كلمة الإخلاص وعنوان التوحيد ولا يتم إيمان أي عبد بدون تحقيق معناها والعمل بمدلولها.
стр. 300
المطلب الثالث فضل لا إله إلا الله
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: كلمة التوحيد لها فضائل عظيمة لا يمكن هاهنا استقاؤها، فلنذكر بعض ما ورد فيها:
١ - فهي كلمة التقوى كما قال عمر ﵁ من الصحابة، وهي كلمة الإخلاص وشهادة الحق، ودعوة الحق، وبراءة من الشرك. . . ولأجلها خلق الحلق كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (١) ولأجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ (٣).
٢ - . . . وهي ثمن الجنة. . . وجاء مرفوعًا: ومن كانت آخر كلامه دخل الجنة (٤).
٣ - وهي نجاة من النار: سمع النبي ﷺ مؤذنًا يقول: "أشهد أن لا
стр. 301
إله إلا الله" فقال: "خرج من النار" أخرجه مسلم (١).
٤ - وهي توجب المغفرة: وفي المسند عن شداد بن أوس وعبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال لأصحابه يومًا: "ارفعوا أيديكم وقولوا: لا إله إلا الله فرفعنا أيدينا ساعة ثم وضع رسول الله ﷺ يده، ثم قال: الحمد لله اللهم بعثتني بهذه الكلمة، وأمرتني بها، ووعدتني بها الجنة وإنك لا تخلف الميعاد، ثم قال: أبشروا فإن الله قد غفر لكم" (٢).
٥ - وهي أحسن الحسنات: قال أبو ذر: قلت يا رسول الله علمني بعمل يقربني من الجنة، ويباعدني من النار، قال: "إذا عملت سيئة فاعمل حسنة، فإنها عشر أمثالها، قلت يا رسول الله لا إله إلا الله من الحسنات؟ قال: هي أحسن الحسنات" (٣).
٦ - ... وكذلك ترجح بصحائف الذنوب كما في حديث السجلات والبطاقة (٤) وقد خرجه أحمد، والنسائي، والترمذي أيضا من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ .
стр. 302
٧ - وهي التي تخرق الحجب حتى تصل إلى الله : وفي الترمذي ... عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "ما قال عبد لا إله إلا الله مخلصًا إلا فتحت له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش ما اجتنبت الكبائر" (١).
٨ - وهي التي ينظر الله إلى قائلها، ويجيب دعاءه، خرج النسائي (٢) في كتاب "اليوم والليلة" من حديث رجلين من الصحابة عن النبي ﷺ قال: "ما قال عبد قط لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، مخلصا بها روحه مصدقا بها قلبه لسانه، إلا فتق له (أبواب) السماء، حتى ينظر الله إلى قائلها، وحق لعبد نظر الله إليه أن يعطيه سؤاله".
٩ - وهي الكلمة التي يصدق الله قائلها: كما أخرج النسائي
стр. 303
والترمذي وابن حبان من حديث أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي ﷺ قال: "إذا قال العبد: لا إله إلا الله والله أكبر، صدقه ربه، وقال: لا إله إلا أنا وأنا أكبر، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، يقول الله: لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد قال الله: لا إله إلا أنا، لي الملك ولي الحمد، وإذ قال: لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال الله: لا إله إلا أنا، ولا حول ولا قوة إلا بي وكان يقول: "من قالها في مرضه، ثم مات لم تطعمه النار" (١).
١٠ - وهي أفضل ما قاله النبيون كما ورد في دعاء يوم عرفة (٢).
١١ - وهي أفضل الذكر كما في حديث جابر المرفوع: "أفضل الذكر لا إله إلا الله" (٣) ....
стр. 304
١٢ - وهي أفضل الأعمال وأكثرها تضعيفًا، وتعدل عتق الرقاب، وتكون حرزًا من الشيطان: كما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في يوم مئة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتب له مئة حسنة، ومحي عنه مئة سيئة، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك" (١).
وفيهما أيضًا عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من قالها عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل" (٢). . .
١٣ - ومن فضائلها أنها تفتح لقائلها أبواب الجنة، ويدخل من أيها شاء كما في حديث عمر عن النبي ﷺ فيمن أتى بالشهادتين بعد الوضوء، وقد خرجه مسلم (٣).
وفي الصحيحين عن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق، أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء" (٤). . .
стр. 305
١٤ - ومن فضائلها أن أهلها وإن دخلوا النار بتقصيرهم في حقوقها فإنهم لابد أن يخرجوا منها: وفي الصحيحين عن أنس عن النبي ﷺ قال: "يقول الله : وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال: "لا إله إلا الله" (١)(٢) ... وقال رحمه الله تعالى أيضًا: ... فأما كلمة التوحيد فإنها تهدم الذنوب وتمحوها محوًا، ولا تبقي ذنبًا ولا يسبقها عمل وهي تعدل عتق الرقاب الذي يوجب العتق من النار ... ومن قالها مخلصًا من قلبه حرمه الله على النار" (٣).
هذه بعض فضائل لا إله إلا الله التي ذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى، ولو تتبعنا فضائل هذه الكلمة لصارت في مجلد كبير، فهي سند متين ومستمسك قوي لمن جاء يوم القيامة بها مستكملًا لشروطها وعاملًا بمقتضاها.
стр. 306
المطلب الرابع الجمع بين أحاديث تدل على أنه يحرم على النار من قال لا إله إلا الله، وأخرى تدل على أنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله
سبق في المبحث السابق بيان فضائل كلمة التوحيد لا إله إلا الله والتي دلت عليها الأحاديث الكثيرة الواردة عن المصطفى ﷺ إلا أن بعض هذه الأحاديث ظاهرها التعارض في مدلولاتها وهي كما يلي:
١ - أحاديث تدل على أن من أتى بالشهادتين يحرم على النار ومنها حديث عبادة بن الصامت ﵁ أنه قال عند موته: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله حرم الله عليه النار" (١).
فيؤخذ من هذا الحديث وما جاء في معناه من الأحاديث أن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله".
٢ - أحاديث تدل على أنه من قال: لا إله إلا الله يخرج من النار ومنها حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار
стр. 307
من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير ... " (١) الحديث.
فظاهر هذا الحديث وما جاء في معناه من الأحاديث يدل على أن من يقول لا إله إلا الله يدخل النار بسبب ذنوبه ثم يخرج منها ويدخل الجنة وهو يتعارض مع ظاهر أحاديث القسم الأول التي تدل على أن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله.
وقد تناول ابن رجب رحمه الله تعالى هذه المسألة فقال ﵀ بعد أن ذكر جملة من هذه الأحاديث التي ظاهرها التعارض "وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة يطول ذكرها. وأحاديث هذا الباب نوعان:
أحدهما: ما فيه أن من أتى بالشهادتين دخل الجنة ولم يحجب عنها.
الثاني: ما فيه أنه يحرم على النار (٢).
ثم ذكر رحمه الله تعالى بعد ذلك أجوبة (٣) أهل العلم في هذه الأحاديث وهي تتلخص في الأقوال التالية:
١ - منهم من حمل الأحاديث التي فيها أنه يحرم على النار، على أن المراد بالتحريم تحريم الخلود فيها أو على نار يخلد فيها أهلها وهي ما عدا الدرك الأعلى، فإن الدرك الأعلى يدخله خلق كثير من عصاة الموحدين ثم يخرجون بشفاعة الشافعين، ورحمة أرحم الراحمين، وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذا القول بعد أن ذكر النوع الثاني
стр. 308
من أنواع هذه الأحاديث وهو: ما فيه أنه يحرم على النار قال: وهذا قد حمله بعضهم على الخلود فيها، أو على نار يخلد فيها أهلها وهي ما عدا الدرك الأعلى فأما الدرك الأعلى يدخله خلق كثير من عصاة الموحدين بذنوبهم ثم يخرجون بشفاعة الشافعين، وبرحمة أرحم الراحمين وفي الصحيحين أن الله تعالى يقول: وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال: لا إله إلا الله" (١) .... ا. هـ.
٢ - قول الذين قالوا أن هذه الأحاديث وما في معناها، كانت قبل نزول الفرائض والحدود وممن قال بهذا الزهري والثوري وغيرهما وهؤلاء منهم من يقول أن هذه الأحاديث منسوخة، وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذا وبين أنه قول بعيد فقال: "وقد ذهب طائفة إلى أن هذه الأحاديث المذكورة أولًا وما في معناها كانت قبل نزول الفرائض والحدود ومنهم الزهري والثوري وغيرهما، وهذا بعيد جدًا، فإن كثيرًا منها كان بالمدينة بعد نزول الفرائض والحدود، وفي بعضها أنه كان في غزوة تبوك، وهي في آخر حياة النبي ﷺ .
وهؤلاء منهم من يقول في هذه الأحاديث إنها منسوخة ومنهم من يقول: هي محكمة، ولكن ضم إليها شرائط، ويلتفت هذا إلى أن الزيادة على النص: هل هي نسخ أم لا؟ والخلاف في ذلك بين الأصوليين مشهور، وقد صرح الثوري وغيره بأنها منسوخة، وأنه نسخها الفرائض والحدود" ا. هـ.
قلت: وقد ضعف ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى القولين السابقين ووصفها بأنها تأويلات مستكرهة مخالفة لما هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام فقال رحمه الله تعالى بعد أن ذكر بعض الأحاديث الواردة في
стр. 309
الشهادتين: "وما جاء من هذا الضرب من الأحاديث التي أشكلت على كثير من الناس، حتى ظنها بعضهم منسوخة، وظنها بعضهم قيلت قبل ورود الأوامر والنواهي واستقرار الشرع وحملها بعضهم على نار المشركين والكفار وأول بعضهم الدخول بالخلود وقال: المعنى لا يدخلها خالدًا، ونحو ذلك من التأويلات المستكرهة، فإن الشارع صلوات الله وسلامه عليه لم يجعل ذلك حاصلًا بمجرد قول اللسان فقط، فإن هذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، لأن المنافقين يقولونها بألسنتهم وهم تحت الجاحدين لها في الدرك الأسفل من النار" (١) اهـ.
٣ - قول من قال أن ذلك خاص بمن قال: لا إله إلا الله وتاب توبة نصوحًا، فلم يأت بذنوب تنقص توحيده وتذهب بكماله ومات على ذلك فإنه يدخل الجنة ابتداء، ومن كان خلاف ذلك فهو تحت المشيئة وهو قول الإمام البخاري رحمه الله تعالى وجماعة من أهل العلم، فقد قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى بعد أن ذكر حديث أبي ذر (٢): "هذا عند الموت أو قبله إذا تاب وندم وقال: لا إله إلا الله ... ويؤكد ذلك ما قاله في كتاب الجنائز حيث قال: باب في الجنائز ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله (٣) ... قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قيل أشار بهذا -أي البخاري- إلى ما رواه أبو داود والحاكم ... عن معاذ بن جبل
стр. 310
قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" (١)(٢) ....
وقال في موضع آخر: وحاصل ما أشار إليه -أي البخاري- أن الحديث محمول على من وحد ربه ومات على ذلك تائبًا من الذنوب التي أشير إليها في الحديث (٣) فإنه موعود بهذا الحديث بدخول الجنة ابتداء ... وأما من تلبس بالذنوب المذكورة ومات من غير توبة، فظاهر الحديث أنه أيضًا داخل في ذلك، لكن مذهب أهل السنة أنه في مشيئة الله تعالى، ويدل عليه حديث عبادة بن الصامت في كتاب الإيمان فإن فيه: "ومن أتى شيئًا من ذلك فلم يعاقب به فأمره إلى الله تعالى إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه" (٤) وهذا المفسر مقدم على المبهم (٥).
ولم يشر ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذا القول في معرض ذكره لأجوبة أهل العلم في هذه المسألة.
٤ - ومنهم من قال أن الشهادتين سبب لدخول الجنة ولكن لابد من العمل لأن لا إله إلا الله هي المفتاح والأعمال هي الأسنان، ولا فائدة من مفتاح لا أسنان له، وكذلك لا تفيد لا إله إلا الله إلا مع
стр. 311
الأعمال الصالحة، وممن قال بهذا القول الحسن البصري ووهب بن منبه (١) رحمهم الله تعالى.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان هذا القول: "وقالت طائفة من العلماء: المراد من هذه الأحاديث أن لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة والنجاة من النار، ومقتض لذلك، ولكن المقتضى لا يعمل عمله إلا باجتماع شروطه وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه، أو لوجود مانع، وهذا قول الحسن ووهب بن منبه، وهو الأظهر.
قيل للحسن: إن ناسًا يقولون: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة؟ فقال: من قال: لا إله إلا الله، فأدى حقها وفرضها دخل الجنة. وقال وهب بن منبه لمن سأله: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك" ا. هـ (٢).
وقد رجح ابن رجب رحمه الله تعالى هذ القول ويدل على ترجيحه لذلك قوله السابق: "وهو الأظهر" كما يدل على ذلك قوله عقب هذا القول أيضا: "ويدل على صحة هذا القول أن النبي ﷺ رتب دخول الجنة على الأعمال الصالحة في كثير من النصوص كما في الصحيحين عن أبي
стр. 312
أيوب أن رجلًا قال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة فقال: "تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم" (١).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رجلًا قال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال: "تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان"، فقال الرجل: والذي نفسي بيده، لا أزيد على هذا شيئا، ولا أنقص منه، فقال النبي ﷺ : "من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا" (٢).
... فإذا علم أن عقوبة الدنيا لا ترفع عمن أدى الشهادتين مطلقًا، بل يعاقب بإخلاله بحق من حقوق الإسلام، فكذلك عقوبة الآخرة (٣).
٥ - وهو قول الذين قالوا: إن هذه الأحاديث المطلقة قد جاءت مقيدة في أحاديث أخرى والتي تفيد بأن ذلك لمن يقولها بصدق ويقين وإخلاص.
قال ابن رجب ﵀: وقالت طائفة: هذه النصوص المطلقة جاءت مقيدة بأن يقولها بصدق وإخلاص، وإخلاصها وصدقها يمنع الإصرار على معصيته" ا. هـ (٤).
وابن رجب رحمه الله تعالى قد شرح هذا القول مما يدل على أنه
стр. 313
يرجحه أيضًا بل أنه يعتبره قولًا موافقًا للذي قبله حيث يقول: ولعل الحسن أشار بكلامه الذي حكيناه عنه من قبل إلى هنا فإن تحقق القلب بمعنى: لا إله إلا الله، وصدقه فيها، وإخلاصه بها، يقتضي أن يرسخ فيه تأله الله وحده إجلالا وهيبة ومخافة ومحبة ورجاء وتعظيما وتوكلًا. ويمتلىء بذلك وينتفي عنه تأله ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك لم يبق فيه محبة ولا إرادة ولا طلب لغير ما يريد الله ويحبه ويطلبه، وينتفي بذلك من القلب جميع أهواء النفوس، وإرادتها ووسواس الشيطان ... إلى أن قال ﵀: "فتبين بهذا معنى قوله ﷺ : "من شهد أن لا إله إلا الله صادقا من قلبه حرمه الله على النار" (١) وأن من دخل النار من أهل هذه الكلمة فلقلة صدقه في قولها فإن هذه الكلمة إذا صدقت طهرت القلب من كل ما سوى الله، فمن صدق في قول: لا إله إلا الله لم يجب سواه، ولم يرج إلا إياه، ولم يخش إلا الله، ولم يتوكل إلا على الله، ولم يبق له بقية من إيثار نفسه وهواه، ومتى بقي في القلب أثر لسوى الله فمن قلة الصدق في قولها" (٢).
والقولان الأخيران هما أحسن ما قيل في معنى هذه الأحاديث وهما في الحقيقة متفقان لا اختلاف بينهما، وهما اللذان مال إليهما ابن رجب ورجحهما لأن من قال: لا إله إلا الله بصدق وإخلاص ويقين يقتضي ذلك منه فعل الطاعات واجتناب المحرمات.
وهذا ما رجحه الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى حيث قال بعد أن ذكر جملة من الأحاديث الواردة في ذلك: "وأحسن ما قيل في معناها ما قاله شيخ
стр. 314
الإسلام وغيره: إن هذه الأحاديث إنما هي فيمن قالها ومات عليها كما جاءت مقيدة، وقالها خالصًا من قلبه مستيقنًا بها قلبه، غير شاك فيها بصدق ويقين. فإن حقيقة التوحيد انجذاب الروح إلى الله جملة، فمن شهد أن لا إله إلا الله خالصًا من قلبه، دخل الجنة، لأن الإخلاص هو انجذاب القلب إلى الله تعالى بأن يتوب من الذنوب توبة نصوحا، فإذا مات على تلك الحال نال ذلك ... وحينئذ فلا منافاة بين الأحاديث، فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين تام لم يكن في هذه الحال مصرًا على ذنب أصلًا، فإن كمال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء، فإذا لا يبقى في قلبه إرادة لما حرم الله ولا كراهية لما أمر الله، وهذا هو الذي يحرم من النار وإن كانت له ذنوب قبل ذلك، فإن هذا الإيمان، وهذه التوبة وهذا الإخلاص، وهذه المحبة وهذا اليقين لا يتركون ذنبًا إلا يمحى كما يمحو الليل النهار، فإذا قالها على وجه الكمال المانع من الشرك الأكبر والأصغر فهذا غير مصر على ذنب أصلا، فيغفر له ويحرم على النار، وإن قالها على وجه خلص به من الشرك الأكبر دون الأصغر، ولم يأت بعدها بما يناقض ذلك، فهذه الحسنة لا يقاومها شيء من السيئات، فيرجع بها ميزان الحسنات كما في حديث البطاقة فيحرم على النار ولكن تنقص درجته في الجنة بقدر ذنوبه، وهذا بخلاف من رجحت سيئاته على حسناته ومات مصرًا على ذلك، فإنه يستوجب النار وإن قال: لا إله إلا الله وخلص بها من الشرك الأكبر، لكنه لم يمت على ذلك، بل أتى بعد ذلك بسيئات رجحت على حسنة توحيده فإنه في حال قولها كان مخلصًا لكنه أتى بذنوب أوهنت التوحيد والإخلاص فأضعفته، وقويت نار الذنوب حتى أحرقت ذلك بخلاف المخلص المستيقن، فإن حسناته لا تكون إلا راجحة على سيئاته، ولا يكون مصرًا على سيئة، فإن مات على ذلك دخل الجنة وإنما يخاف على المخلص أن يأتي بسيئات راجحة تضعف
стр. 315
إيمانه، فلا يقولها بإخلاص ويقين مانع من جميع السيئات (١).
فقول لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة والنجاة من النار ولكن لابد للسبب من وجود شروطه وانتفاء موانعه وهو ما سيتضح في المبحث القادم إن شاء الله تعالى.
стр. 316
المطلب الخامس شروط الانتفاع بـ (لا إله إلا الله)
رأيت من المناسب أن أذكر في هذا المبحث الشروط (١) التي ذكرها العلماء ﵏ للانتفاع بقول لا إله إلا الله، والحصول على ثوابها والفضل الذي ورد فيها والتي تبين أن هذا الفضل لا يحصل بمجرد اللفظ بهذه الكلمة بدون هذه الشروط التي استنبطها العلماء رحمهم الله تعالى من الكتاب والسنة وهي:
١ - العلم بمعنى هذه الكلمة المراد منها نفيًا وإثباتًا، المنافي للجهل كما قال الله ﵎: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ (٣).
وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة" (٤).
стр. 317
٢ - اليقين المنافي للشك أي باستيقان القلب بمدلول هذه الكلمة يقينًا جازمًا، وانتفاء الشك المعارض له، لأن الإيمان لابد أن يكون عن علم يقين لا علم الظن كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ (٢) فاشترط في صدق إيمانهم بالله ورسوله كونهم لم يشكوا كما أخرج مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة" (٣). وقال رسول الله ﷺ لأبي هريرة: "من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة" (٤) فمن نطق بالشهادة موقنًا بأنه لا يستحق العبادة سوى الله وأن محمدًا ﷺ رسول من عند الله إلى الناس كافة، وأن ما جاء به حق لا شك فيه، كان من أهل الجنة عاجلًا أو آجلا.
ثالثًا: القبول لما اقتضته هذه الكلمة (لا إله إلا الله) من إفراد الله بالعبادة، ونفيها عمن سواه، فلا يرد شيئا مما دلت عليه لميل في نفسه أو مجاملة لغيره، وقد ذكر الله ﵎ لنا من أنباء ما قد سبق من انجائه لمن قبلها، وانتقامه ممن ردها وأباها كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا
стр. 318
مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ (٢).
وعن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا فكان منها نقية، قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" (٣).
الرابع: الانقياد لما تضمنته هذه الكلمة ظاهرًا وباطنًا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (٥).
قال ابن كثير ﵀ في تفسيره لهذه الآية: يقسم الله تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول ﷺ في
стр. 319
جميع الأمور فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنًا وظاهرًا، ولهذا قال: "ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا" أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجًا مما حكمت به، ويناقدون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليمًا كليًا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة كما ورد في الحديث: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به" (١)(٢).
فتمام الانقياد وغايته أن تكون رغبة العبد وفق ما تضمنته كلمة (لا إله إلا الله) وتبعا لما جاء به رسول الله ﷺ .
خامسًا: الصدق بقولها وبما دلت عليه، صدقًا ينبع من قلب منافيا للكذب، قال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ (٣).
جاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ أي: يقول: من جاء بـ لا إله إلا الله وصدق به" يعني رسوله (٤).
стр. 320
وقال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية كل من دعا إلى توحيد الله، وتصديق رسله، والعمل بما ابتعث به رسوله ﷺ من بين رسل الله وأتباعه والمؤمنين به، وأن يقال الصدق: هو القرآن وشهادة أن لا إله إلا الله، والمصدق به: المؤمنون بالقرآن، من جميع خلق الله كائنًا من كان من نبي الله وأتباعه (١).
فمن شهد أن لا إله إلا الله صادقًا من قلبه فقد أبعد نفسه عن النار كما جاء عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله صدقًا من قلبه إلا حرمه الله على النار" (٢).
قال ابن رجب رحمه الله تعالى وهو يتكلم عن المؤمنين فهم الذين حققوا قول: لا إله إلا الله وأخلصوا في قولها، وصدقوا قولهم بفعلهم فلم يلتفتوا إلى غير الله محبة ورجاء وخشية وطاعة وتوكلًا، وهم الذين صدقوا في قول: لا إله إلا الله، وهم عباد الله حقًا، فأما من قال: (لا إله إلا الله) بلسانه، ثم أطاع الشيطان وهواه في معصية الله ومخالفته فقد كذب فعله قوله، ونقص من كمال توحيده بقدر معصية الله في طاعة الشيطان والهوى ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (٣).
﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٤)(٥) ....