← Акыда

Акыда · id 117

ابن رجب الحنبلي وأثره في توضيح عقيدة السلف

عبد الله بن سليمان الغفيلي

Полный текст (789 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

المطلب الخامس شروط الانتفاع بـ (لا إله إلا الله) رأيت من المناسب أن أذكر في هذا المبحث الشروط (١) التي ذكرها العلماء ﵏ للانتفاع بقول لا إله إلا الله، والحصول على ثوابها والفضل الذي ورد فيها والتي تبين أن هذا الفضل لا يحصل بمجرد اللفظ بهذه الكلمة بدون هذه الشروط التي استنبطها العلماء رحمهم الله تعالى من الكتاب والسنة وهي: ١ - العلم بمعنى هذه الكلمة المراد منها نفيًا وإثباتًا، المنافي للجهل كما قال الله ﵎: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ (٣). وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة" (٤).

стр. 317

٢ - اليقين المنافي للشك أي باستيقان القلب بمدلول هذه الكلمة يقينًا جازمًا، وانتفاء الشك المعارض له، لأن الإيمان لابد أن يكون عن علم يقين لا علم الظن كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ (٢) فاشترط في صدق إيمانهم بالله ورسوله كونهم لم يشكوا كما أخرج مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة" (٣). وقال رسول الله ﷺ لأبي هريرة: "من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة" (٤) فمن نطق بالشهادة موقنًا بأنه لا يستحق العبادة سوى الله وأن محمدًا ﷺ رسول من عند الله إلى الناس كافة، وأن ما جاء به حق لا شك فيه، كان من أهل الجنة عاجلًا أو آجلا. ثالثًا: القبول لما اقتضته هذه الكلمة (لا إله إلا الله) من إفراد الله بالعبادة، ونفيها عمن سواه، فلا يرد شيئا مما دلت عليه لميل في نفسه أو مجاملة لغيره، وقد ذكر الله ﵎ لنا من أنباء ما قد سبق من انجائه لمن قبلها، وانتقامه ممن ردها وأباها كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا

стр. 318

مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ (١). وقال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ (٢). وعن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا فكان منها نقية، قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" (٣). الرابع: الانقياد لما تضمنته هذه الكلمة ظاهرًا وباطنًا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (٥). قال ابن كثير ﵀ في تفسيره لهذه الآية: يقسم الله تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول ﷺ في

стр. 319

جميع الأمور فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنًا وظاهرًا، ولهذا قال: "ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا" أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجًا مما حكمت به، ويناقدون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليمًا كليًا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة كما ورد في الحديث: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به" (١) (٢). فتمام الانقياد وغايته أن تكون رغبة العبد وفق ما تضمنته كلمة (لا إله إلا الله) وتبعا لما جاء به رسول الله ﷺ . خامسًا: الصدق بقولها وبما دلت عليه، صدقًا ينبع من قلب منافيا للكذب، قال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ (٣). جاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ أي: يقول: من جاء بـ لا إله إلا الله وصدق به" يعني رسوله (٤).

стр. 320

وقال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية كل من دعا إلى توحيد الله، وتصديق رسله، والعمل بما ابتعث به رسوله ﷺ من بين رسل الله وأتباعه والمؤمنين به، وأن يقال الصدق: هو القرآن وشهادة أن لا إله إلا الله، والمصدق به: المؤمنون بالقرآن، من جميع خلق الله كائنًا من كان من نبي الله وأتباعه (١). فمن شهد أن لا إله إلا الله صادقًا من قلبه فقد أبعد نفسه عن النار كما جاء عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله صدقًا من قلبه إلا حرمه الله على النار" (٢). قال ابن رجب رحمه الله تعالى وهو يتكلم عن المؤمنين فهم الذين حققوا قول: لا إله إلا الله وأخلصوا في قولها، وصدقوا قولهم بفعلهم فلم يلتفتوا إلى غير الله محبة ورجاء وخشية وطاعة وتوكلًا، وهم الذين صدقوا في قول: لا إله إلا الله، وهم عباد الله حقًا، فأما من قال: (لا إله إلا الله) بلسانه، ثم أطاع الشيطان وهواه في معصية الله ومخالفته فقد كذب فعله قوله، ونقص من كمال توحيده بقدر معصية الله في طاعة الشيطان والهوى ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (٣). ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٤) (٥) ....

стр. 321

سادسًا: الإخلاص لله تعالى في قولها، والسلامة مما ينافي مضمونها من الشرك وغيره قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة، قال رسول الله ﷺ : " ... أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نفسه" (٣). وعن عتبان بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله " (٤). فالإخلاص أساس في الأعمال والأقوال فعلية كانت أو تركية لأن له أثر كبير في عاجل أمر المؤمن وآجله. يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: والإخلاص هو أساس الأعمال التي لا تثبت الأعمال إلا عليه (٥). سابعًا: المحبة لهذه الكلمة وما دلت عليه واقتضته محبة سالمة من المعارضة، ومن لوازم ذلك محبة أهلها العاملين بها، وبغض ومعاداة من لم يكن من أهلها من المشركين وغيرهم والبراءة منهم قال تعالى:

стр. 322

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ... الآية (٢). وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار (٣). وعن أنس رضى الله عنه قال: قال النبي ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" (٤). قال ابن رجب رحمه الله تعالى: فلا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يقدم محبة الرسول على محبة جميع الخلق، ومحبة الرسول تابعة لمحبة مرسله والمحبة الصحيحة تقتضي المتابعة والموافقة في حب المحبوبات، وبغض المكروهات (٥). فمن حقق معنى لا إله إلا الله بهذه الشروط السابقة فقد نجا وسلك الطريق المستقيم واستحق ثوابها وما ورد فيها من فضل.

стр. 323

وقد نظم حافظ الحكمي (١) رحمه الله تعالى هذه الشروط في أبيات فقال: ولشروط سبعة قد قيدت ... وفي نصوص الوحي حقا وردت فإنه لم ينتفع قائلها ... بالنطق إلا حيث يستكملها العلم واليقين والقبول ... والانقياد قادر ما أقول والصدق والإخلاص والمحبة ... وفقك الله لما أحبه (٢)

стр. 324

المبحث الثالث ذكر بعض أنواع العبادة تنوعت عبارات السلف رحمهم الله تعالى في تعريف العبادة ولكن أشمل تعريف لها هو تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حيث قال: "العبادة اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة والزكاة والصيام والحج، وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين، والمملوك من الآدميين، والبهائم، والدعاء والذكر، والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة، وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف لعذابه، وأمثال ذلك هي من العبادات لله" (١). ومن هذا التعريف الجامع لمعنى العبادة التي هي حق الله على عباده يتبين لنا أن جميع الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة التي يحبها الله ويرضاها داخلة في مسمى العبادة، وفي هذا رد على الفهم الخاطىء الذي يتصوره بعض الناس من أن العبادة محصورة في أركان الإسلام الخمسة مما جعلهم يذكرون الله تعالى، ويعرفونه في الصلوات

стр. 325

الخمس وبقية أركان الإسلام، وينسونه فيما عدا ذلك من شؤون حياتهم الأمر الذي جعلهم يصرفون كثيرا من أنواع العبادة لغيره، ويتهاونون بأمره ونهيه. ولا شك أن هذا فهم خاطىء مخالف لما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة من أن كل أمر يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة فهو داخل تحت مسمى العبادة التي يجب إخلاصها لله وحده دون سواه كما هو واضح في تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية السابق رحمه الله تعالى. ولكثرة أنواع العبادة فإني سأقتصر على ذكر جملة من أنواع العبادة. وكلام ابن رجب رحمه الله تعالى عليها. وسأبدأ بذكر الدعاء لأن الدعاء هو العبادة (١) كما قال ذلك رسول الله ﷺ . ١ - من أنواع العبادة: الدعاء: يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: "ومن أنواع العبادات التي يظهر فيها الذل والخضوع لله الدعاء قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا

стр. 326

وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (١) (٢). فالدعاء نوع من أنواع العبادة بل هو أعظمها ولبها ومخها. وقد وردت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة تحث على الدعاء وتأمر به وترغب فيه: منها قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ (٣). ومنها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ (٤). ومنها قوله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٦] (٥) إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على أهمية الدعاء وتجعله من أعظم أنواع العبادات. وقد حذر الله ﵎ من دعاء غيره فقال : ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ (٦). وقال : ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ (٧). وأما الأحاديث التي تحث على الدعاء وترغب فيه فمنها حديث أبي

стр. 327

هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ثم يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له ... " الحديث (١). ومنها حديثه الآخر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء" (٢). إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث التي تحث على الدعاء وتأمر به وترغب فيه. والدعاء الذي أمر الله به عباده في كتابه الكريم نوعان، وكل أمر في القرآن والسنة بالدعاء لا يخرج عن هذين النوعين وهما: ١ - دعاء العبادة: وهو التقرب إلى الله تعالى بأنواع العبادات من صلاة وزكاة وصيام وحج ونذر وذبح وغيرها من أنواع العبادات وذلك طمعًا في رحمته وخوفًا من عقابه . ٢ - دعاء المسألة: وهو طلب الداعي من الله حصول ما ينفعه ودفع ما يضره، ومن يملك الضر والنفع هو المعبود حقًا وهو الله لأنه بيده الضر والنفع وهو على كل شيء قدير ولذلك يقول الله ﵎: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ (٣).

стр. 328

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ (١) هاتان الآيتان مشتملتان على آداب نوعي الدعاء: دعاء العبادة، ودعاء المسألة، فإن الدعاء في القرآن يراد به هذا تارة وهذا تارة، ويراد به مجموعهما، وهما متلازمان: فإن دعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي، وطلب كشف ما يضره ودفعه، وكل من يملك الضر والنفع فإنه هو المعبود لابد أن يكون مالكًا للنفع والضر. ولهذا أنكر تعالى على من عبد من دونه ما لا يملك ضرًا ولا نفعًا وذلك كثير في القرآن كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ (٢) وقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ (٣) فنفى سبحانه عن هؤلاء المعبودين الضر والنفع القاصر والمتعدي، فلا يملكون لأنفسهم ولا لعابديهم وهذا كثير في القرآن يبين تعالى أن المعبود لابد أن يكون مالكًا للنفع والضر فهو يدعى للنفع والضر دعاء المسألة، ويدعى خوفًا ورجاء دعاء العبادة، فاعلم أن النوعين متلازمان، فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة. وعلى هذا فقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٤) يتناول نوعي الدعاء، وبكل منهما فسرت الآية قيل: أعطيه إذا سألني. وقيل: أثيبه إذا عبدني.

стр. 329

والقولان متلازمان، وليس هذا من استعمال اللفظ المشترك في معنييه كليهما، أو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، بل هذا استعماله في حقيقته المتضمنة للأمرين جميعًا، فتأمله فإنه موضوع عظيم النفع، وقل من يفطن له، وأكثر آيات القرآن دالة على معنيين فصاعدًا، فهي من هذا القبيل" (١). فالدعاء هو روح العبادة ومخها كما ورد بذلك قول المصطفى ﷺ : "الدعاء هو العبادة" (٢). وهو أعظم أنواع العبادة وأجلها ولذلك كان أقوى وسائل القرب إلى الله تعالى، وأفضل ما يتقرب به العبد إلى مولاه. يقول ابن رجب رحمه الله تعالى مبينا ذلك: "واعلم أن سؤال الله دون خلقه هو المتعين، لأن السؤال فيه إظهار الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعتراف بقدرة المسؤول على رفع هذا الضر ونيل المطلوب وجلب المنافع ودرء المضار، ولا يصلح الذل والافتقار إلا لله وحده لأنه حقيقة العبادة" (٣). وقال رحمه الله تعالى أيضا: "وقوله ﷺ "إذا سألت فاسأل الله" (٤) أمر بإفراد الله بالسؤال ونهى عن سؤال غيره من الخلق، وقد أمر الله تعالى بسؤاله فقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ... (٥).

стр. 330

واعلم أن سؤال الله تعالى دون خلقه هو المتعين عقلًا وشرعًا، وذلك من وجوه متعددة: منها: أن السؤال فيه بذل لماء الوجه وذلة للسائل، وذلك لا يصلح إلا لله وحده، فلا يصلح الذل إلا له بالعبادة والمسألة، وذلك من علامات المحبة الصادقة ... وهذا الذل وهذه المحبة لا تصلح إلا لله وحده، وهذا هو حقيقة العبادة التي يختص بها الإله الحق ... ولهذا المعنى كان عقوبة من أكثر المسألة بغير حاجة أن يأتي يوم القيامة وليس على وجهه مزعة لحم، كما ثبت ذلك في الصحيحين (١) لأنه أذهب عز وجهه وصيانته وماءه في الدنيا فأذهب الله من وجهه في الآخرة جماله وبهاءه الحسي فيصير عظمًا بغير لحم، ويذهب جماله وبهاؤه المعنوي فلا يبقى له عند الله وجاهه. ومنها: أن في سؤال الله عبودية عظيمة لأنها إظهار للافتقار إليه، واعتراف بقدرته على قضاء الحوائج، وفي سؤال المخلوق ظلم، لأن المخلوق عاجز عن جلب النفع لنفسه، ودفع الضر عنها، فكيف يقدر على ذلك لغيره، وسؤاله إقامة له مقام من يقدر، وليس هو بقادر ويشهد بهذا المعنى الحديث الذي في صحيح مسلم عن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: "قال الله تعالى: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وأنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص من ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر .. .) (٢).

стр. 331

فكيف يسأل الفقير العاجز ويترك الغني القادر؟ إن هذا لأعجب العجب. ومنها أن الله يحب أن يسأل ويغضب على من لا يسأله فإنه يريد من عباده أن يرغبوا إليه ويسألوه ويدعوه ويفتقروا إليه، ويحب الملحين في الدعاء، والمخلوق غالبًا يكره أن يسأل لفقره وعجزه ... ومنها: أن الله تعالى يستدعي من عباده سؤاله، وينادي كل ليلة: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ (١) وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾. (٢) فأي وقت دعاه العبد وجده سميعًا قريبًا مجيبًا ليس بينه وبينه حجاب ولا بواب، وأما المخلوق فإنه يمتنع بالحجاب والأبواب ويعسر الوصول إليه في أغلب الأوقات (٣) ... فقد بين ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق أن الالتجاء إلى الله ﵎ وسؤاله وحده لا شريك له هو المتعين على كل إنسان لأنه هو الضار النافع الذي بيده كل شيء وهو على كل شيء قدير. أما المخلوق الضعيف فإنه محتاج إلى من يسأله ويعينه فكيف يسأل ويطلب مما يدل دلالة واضحة على أن الدعاء عبادة لا يجوز صرفها لغير الله كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ (٤).

стр. 332

فالله يدعو عباده إلى ما فيه صلاحهم في الدنيا والآخرة وهو أن يدعوه وحده دون سواه ووعدهم بأن يستجيب لهم كما توعد من استكبر عن دعائه وسؤاله بأن يكون من أهل العذاب الذين سيدخلون جهنم لهم ذليلون حقيرون. قال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية يقول تعالى ذكره: ويقول ربكم أيها الناس لكم ادعوني، يقول: اعبدوني وأخلصوا لي العبادة دون من تعبدون من دوني من الأوثان والأصنام وغير ذلك" استجب لكم، يقول: أجب دعاءكم فأعفو عنكم وأرحمكم. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ يقول: إن الذين يتعظمون عن إفرادي بالعبادة وإفراد الألوهية لي (سيدخلون جهنم داخرين) بمعنى: صاغرين (١). فالله يحب من عباده أن يدعوه ويتقوه ويطيعوه وقد فتح بابه للطالبين، وحث على دعائه في كتابه المبين كما في الآية السابقة وكما في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ (٢) لأن دعاء العبد لربه من مقتضيات العبودية لما في الدعاء من الذل والافتقار الذي لا ينبغي أن يكون إلا لله تعالى. وقد بين ابن رجب رحمه الله تعالى أن ما يطلبه العبد من ربه من الحاجات على نوعين: فقال رحمه الله تعالى: "اعلم أن الحاجات التي يطلبها العبد من الله نوعان:

стр. 333

أحدهما: ما علم أنه خير محض كسؤاله خشيته من الله وطاعته وتقواه وسؤاله الخير والاستعاذة به من النار فهذا يطلب من الله تعالى بغير تردد، ولا تعليق بالعلم والمصلحة لأنه خير محض، ومصلحة حاصلة فلا وجه لتعليقه بشرط وهو معلوم الحصول، وكذلك لا يعلق بمشيئة الله لأن الله يفعل ما يشاء ولا مكره له ولا فائدة لتعليقه بمشيئته ولكن يجزم المسألة كما قال النبي ﷺ : "لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت ولكن ليعزم المسألة فإن الله لا مكره له" أخرجاه (١) من حديث أنس وأبي هريرة بمعناه. وفي رواية مسلم "ولكن ليعزم المسألة وليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء" (٢). وفي رواية للبخاري: "إن الله لا يتعاظمه شيء ويفعل ما يشاء ولا مكره له" (٣). النوع الثاني: ما لا يعلم أنه خيرة للعبد أم لا كالموت والحياة والغنى والفقر والولد والأجل وكسائر حوائج الدنيا التي تجهل عواقبها فهذه لا ينبغي أن يسأل الله منها إلا ما يعلم منه الخيرة للعبد، فإن العبد جاهل بعواقب الأمور وهو مع هذا عاجز عن تحصيل مصالحه ودفع مضاره، فينبغي له أن يسأل حوائجه ممن هو عالم قادر، ولهذا شرعت الاستخارة في الأمور الدنيوية كلها وشرع أن يقول الداعي في استخارته: "اللهم أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم

стр. 334

فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب ثم يقول: اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر ويسميه خير لي في ديني ودنياي ... " (١). وكذلك في هذا الدعاء يسأل الله بعلمه الغيب وقدرته على الخلق ومما يعلم الخيرة من موت أو حياة. وقد تضمن الدعاء الذي في هذا الحديث (٢) النوعين معًا فإنه لما سأل الموت والحياة قيد ذلك بما يعلم الله أن فيه الخيرة لعبده، ولما سأل الخشية وما بعدها مما هو خير صرف جزم به ولم يقيده بشيء (٣). وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى أن للدعاء آدابًا يجب على العبد أن يتحلى به لأنها سبب في استجابة الدعاء فقال: "وقوله" ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك" (٤) قال:

стр. 335

"هذا الكلام أشار فيه ﷺ إلى آداب الدعاء وإلى الأسباب التي تقتضي الإجابة وما يمنع الإجابة (١) ... وقد ذكر أسباب إجابة الدعاء ومنها: ١ - حضور القلب وإخلاصه لله يقول ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان ذلك: "ومن أعظم شرائطه حضور القلب ورجاء الإجابة من الله تعالى كما خرجه الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، وإن الله تعالى لا يقبل دعاء من قلب غافل لاهي" (٢) (٣). ٢ - رفع اليدين إلى السماء قال رحمه الله تعالى في بيان ذلك قوله: "يمد يديه إلى السماء" وهو من آداب الدعاء التي يرجى بسببها إجابته. وفي حديث سلمان ﵁ عن النبي ﷺ : "إن الله تعالى حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين" خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه (٤) ...

стр. 336

وكان النبي ﷺ يرفع يديه في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه (١) ورفع يديه يوم بدر يستنصر الله على المشركين حتى سقط رداؤه عن منكبيه (٢) (٣) ... ٣ - الإلحاح في الدعاء يقول ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان ذلك: "الإلحاح على الله بتكرير ذكر ربوبيته، وهو من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء (٤). كما ذكر رحمه الله تعالى موانع إجابة الدعاء فقال: "أما ما يمنع إجابة الدعاء، فقد أشار ﷺ إلى أنه التوسع في الحرام أكلًا وشربًا ولبسًا وتغذية وقد سبق حديث ابن عباس ... أن النبي ﷺ قال لسعد: "أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة" (٥) فأكل الحرام وشربه ولبسه والتغذي به سبب موجب لعدم إجابة الدعاء.

стр. 337

وقد يكون ارتكاب المحرمات الفعلية مانعًا من الإجابة أيضًا وكذلك ترك الواجبات (١). وكذلك من الموانع ترك الدعاء استبطاء للإجابة لأنه مخالف للرجاء وحسن الظن بالله لما في ذلك من قطع الرجاء في الله واليأس من إجابته للدعاء، وهذا خلاف المأمور به من حسن الظن بالله وبسعة رحمته وجوده وقد دل على هذا ما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما من مؤمن ينصب وجهه لله، يسأله مسألة إلا أعطاه إياها إما عجلها له في الدنيا، وإما ادخرها له في الآخرة، ما لم يعجل بقول قد دعوت، ودعوت فلا يستجاب لي" (٢). يقول ابن رجب ﵀ في بيان هذا: ولهذا نهي العبد أن يقول في دعائه: اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له، ونهى أن يستعجل، ويترك الدعاء لاستبطاء الإجابة، وجعل ذلك من موانع الإجابة حتى لا يقطع العبد رجاءه من إجابة الدعاء -ولو طالت المدة- فإنه سبحانه يحب الملحين في الدعاء (٣). وهناك آداب وموانع أخرى سبب في إجابة الدعاء ولكني اقتصرت على ما ذكره ابن رجب رحمه الله تعالى خشية الإطالة ولذلك يجب على الداعي أن يستكمل آداب الدعاء ويبتعد عن موانعه فإنه أحرى أن يستجاب له. يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: والدعاء سبب مقتض للإجابة مع استكمال شرائطه وانتفاء موانعه.

стр. 338

وقد تتخلف الإجابة لانتفاء بعض شروطه أو وجود بعض موانعه (١). والدعاء له فوائد عظيمة على العبد منها أنه يدفع البلاء كما ثبت ذلك بالأدلة الصحيحة. قال ابن رجب: فالصدقة تمنع وقوع البلاء بعد انعقاد أسبابه، وكذلك الدعاء، وفي الحديث "إن البلاء والدعاء يلتقيان بين السماء والأرض فيعتلجان إلى يوم القيامة" خرّجه البزار والحاكم (٢). وخرج الترمذي من حديث سلمان مرفوعًا: "لا يرد القضاء إلا الدعاء" (٣). وقال ابن عباس: "لا ينفع الحذر من القدر ولكن الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر". وعنه قال: الدعاء يدفع القدر وهو إذا دفع القدر فهو من القدر، وهذا كقول النبي ﷺ لما سئل عن الأدوية والرقى هل ترد من قدر الله شيئًا قال: "هي من قدر الله تعالى" (٤).

стр. 339

وكذلك قال عمر ﵁ لما رجع من الطاعون فقال له أبو عبيدة أفرارًا من قدر الله فقال عمر: نفر من قدر الله إلى قدر الله تعالى" (١). فإن الله تعالى قدر المقادير ويقدر ما يدفع بعضها قبل وقوعه، وكذلك الأذكار المشروعة تدفع البلاء. وفي حديث عثمان ﵁ عن النبي ﷺ : "من قال حين يصبح ويمسي بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم لم يصبه بلاء" (٢) (٣) ... فدعاء العبد المؤمن إن كان وفق الآداب السابقة لا يرد إن شاء الله تعالى، وقد يحصل للداعي تأخيرًا للإجابة، وقد يعوض بما هو خير. قال ابن رجب رحمه الله تعالى: ومن رحمة الله تعالى بعبده أن العبد يدعوه بحاجة من الدنيا، فيصرفها عنه يعوضه خيرًا منها، إما أن يصرف عنه بذلك سوءًا أو يدخرها له في الآخرة، أو يغفر له بها ذنبًا كما في المسند والترمذي من حديث جابر عن النبي ﷺ قال: "ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل أو كف عنه من السوء مثله، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم" (٤).

стр. 340

وفي المسند وصحيح الحاكم (١) عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: "ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم أو قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة وإما أن يكشف عنه من السوء مثلها، قالوا إذًا نكثر، قال: الله أكثر" (٢). فالعبد إذا دعا الله ولم يكن في دعوته اعتداء حصل له المطلوب أو مثله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فالدعوة التي ليس فيها اعتداء، يحصل بها المطلوب أو مثله، وهذا غاية الإجابة، فإن المطلوب بعينه قد يكون ممتنعًا، أو مفسدا للداعي أو لغيره، والداعي جاهل لا يعلم ما فيه من المفسدة عليه والرب قريب مجيب، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، والكريم الرحيم إذا سئل شيئًا بعينه وعلم أنه لا يصلح للعبد أعطاه نظيره كما يصنع الوالد بولده إذا طلب منه ما ليس له، فإنه يعطيه من ماله نظيره، ولله المثل الأعلى" (٣). والذي نخلص إليه مما سبق أن دعاء الله والالتجاء إليه من أعظم أنواع العبادة، فلا يجوز أن يصرف لغيره لأنه حق من حقوق الله ﵎ على عباده، لأنه بالدعاء يظهر ذل العبودية ويعرف العبد به ربه، وهذا هو المقصود من جميع العبادات، وذلك أن العبد حينما يدعو ربه فإنه يدعوه وهو يعلم من نفسه

стр. 341

أنه محتاج إلى ما يطلبه من ربه ، ويعلم من نفسه أنه لا يحصل على مراده إلا بعون الله ﵎ له على ذلك، لأن الله يسمع دعاءه، ويعلم حاجته وهو القادر ﵎ على تحقيق حاجته فهو الرب الرحيم الذي طلب من عباده أن يدعوه ووعدهم بالإجابة، ومن هنا كان المقصود من جميع التكاليف الشرعية معرفة ذل العبودية وعزة الربوبية والدعاء يتحقق فيه الأمران. ولهذا لا يجوز أن يدعى غيره من المخلوقين أيا من أنواع الدعاء، ومن فعل ذلك فهو مشرك بالله العظيم. ٢ - الخوف الخوف عبادة لا يستحقها إلا الله ﵎ لأنه وحده القادر على جلب النفع للعبد، ودفع الضر عنه، وقد تعبد الله به جميع عباده من الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين وسائر عباده المؤمنين كما ورد ذلك في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ (٣). فالخوف عبادة من أجل العبادات لا يجوز صرفها إلا لله تبارك

стр. 342

وتعالى وقد أمر الله ﵎ بإخلاصه له في آيات كثيرة قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ (١). وقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ (٣). وكما دل القرآن على أن الخوف عبادة يجب إخلاصها لله تعالى كذلك دلت السنة على أن الخوف لا يكون إلا من الله، ولا يصرف لأحد سواه، فلا خوف ولا خشية إلا منه جل وعلا ومن تلك الأحاديث حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: صنع النبي ﷺ شيئًا فرخص فيه فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي ﷺ فخطب فحمد الله ثم قال: ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه، فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية (٤). وفي رواية أخرى عنها ﵂ النبي ﷺ أنه قال: "والله أني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أَتَّقي" (٥). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه ذكر رجلًا

стр. 343

فيمن سلف، أو قبلكم آتاه الله مالًا وولدًا -يعني أعطاه- قال: فلما حضر قال لبنيه: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب قال: فإنه لم يبتئر (١) عند الله خيرًا -فسرها قتادة لم يدخر- وإن يقدم على الله يعذبه فانظروا فإذا مت فأحرقوني حتى إذا صرت فحمًا فاسحقوني، أو قال: فاسهكوني، ثم إذا كان ريح عاصف فأذروني فيها فأخذ مواثيقهم على ذلك وربى ففعلوا فقال الله كن فإذا رجل قائم، ثم قال أي عبدي ما حملك على ما فعلت؟ قال: مخافتك أو فرق (٢) منك، فما تلافاه أن ﵀ (٣). وعن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ (٤) أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق، قال: لا يا ابنة الصديق ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه (٥) إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على أن الخوف عبادة جليلة لا يستحقها إلا الله . وقد تناول ابن رجب رحمه الله تعالى هذا النوع من العبادة وأشار إلى بعض جوانبه فقال رحمه الله تعالى في بيان القدر المطلوب من

стр. 344

الخوف بحيث يكون باعثًا على الالتزام بالأوامر والانتهاء عن النواهي مقترنًا بالرجاء وحسن الظن بالله تعالى: القدر الواجب من الخوف ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم، فإن زاد على ذلك بحيث صار باعثًا للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات والانكفاف عن دقائق المكروهات، والتبسط في فضول المباحات، كان ذلك فضلًا محمودًا، فإن تزايد على ذلك بأن أورث مرضًا أو موتًا أو هما لازمًا بحيث يقطع عن السعي في اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة لله لم يكن محمودًا، ولهذا كان السلف يخافون على عطاء السليمي (١) من شدة خوفه الذي أنساه القرآن، وصار صاحب فراش وهذا لأن الخوف ليس مقصودًا لذاته، إنما هو سوط يساق به المتواني عن الطاعة إليها، ومن هنا كانت النار من جملة نعم الله على عباده الذين خافوه واتقوه. ولهذا المعنى عدها الله سبحانه من جملة آلائه على الثقلين في سورة الرحمن. وقال سفيان بن عيينة: "خلق الله النار رحمة يخوف بها عباده لينتهوا" أخرجه أبو نعيم (٢). والمقصود الأصلي هو طاعة الله وفعل مراضيه ومحبوباته، وترك مناهيه ومكروهاته.

стр. 345

ولا ننكر أن خشية الله وهيبته وعظمته في الصدور وإجلاله مقصود أيضًا، ولكن القدر النافع من ذلك ما كان عونًا على التقرب إلى الله بفعل ما يحبه وترك ما يكرهه، ومتى صار الخوف مانعًا من ذلك وقاطعًا عنه فقد انعكس المقصود منه، ولكن إذا حصل ذلك عن رغبة كان صاحبه معذورًا" (١). وقال رحمه الله تعالى مبينًا أسباب قوة خوف الله تعالى وخشيته: "والموجب لخشية الله أمور: ١ - منها قوة الإيمان بوعده ووعيده على المعاصي. ٢ - ومنها النظر في شدة بطشه وانتقامه وسطوته وقهره وذلك يوجب للعبد ترك التعرض لمخالفته كما قال الحسن: ابن آدم هل لك طاقة بمحاربة الله، فإن من عصاه فقد حاربه (٢) وقال بعضهم: عجبت من ضعيف يعصي قويًا. ٣ - ومنها قوة المراقبة له والعلم بأنه شاهد رقيب على قلوب عباده وأعمالهم وأنه مع عباده حيث كانوا كما دل القرآن على ذلك كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ﴾ (٤) (٥) ... وينبغي للمؤمن أن يكون خائفًا راجيًا، ويكون خوفه ورجاؤه سواء

стр. 346

فإنه إذا رجح الخوف حمله على القنوط من رحمة الله، وإذا رجح الرجاء حمله على الأمن من مكر الله، وكلاهما مخالف للصواب. يقول ابن رجب رحمه الله تعالى ذلك: "فأما الخوف والرجاء فأكثر السلف على أنهما يستويان، لا يرجح أحدهما على الآخر" (١). ويقول أيضًا: كان بعض السلف يقول: "من عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف والرجاء والمحبة فهو موحد مؤمن". وسبب هذا أنه يجب على المؤمن أن يعبد الله بهذه الوجوه الثلاثة المحبة والخوف والرجاء، ولابد له من جميعها، ومن أخل ببعضها فقد أخل ببعض واجبات الإيمان (٢). فالخوف من الله يجب أن لا يصل إلى حد القنوط لأن القنوط يجعل العبد يقنط من رحمة الله ومن عفوه ومغفرته بل لابد من الخوف من الله مع رجاء ثوابه والطمع فيما عنده وقد جمع الله بينهما في غير ما آية وجعل ذلك من صفات المؤمنين فقال : ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣). وقال جل وعلا: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (٤) فالخوف والرجاء لابد أن يكونا في قلب المؤمن فهما متفقان لا ينفك

стр. 347

أحدهما عن الآخر، لأن انفراد الخوف يخاف منه القنوط واليأس، وانفراد الرجاء قد يؤدي إلى الجرأة على اقتراف المعاصي وترك الفرائض ولذلك يقول النبي ﷺ : "لو يعلم المؤمن بما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد" (١). والواجب على المسلم الذي يريد النجاة وسلوك الطريق المستقيم أن يكون بين الخوف والرجاء، لأن خوفه من الله يمنعه من معصيته ورجائه من الله يورث الطمأنينة في قلبه، فهو يرجو رحمة ربه ويخاف عذابه، ولا يفرط في الرجاء فيكون حاله مثل حال المرجئة الذين يقولون لا يضر مع الإيمان معصية، ولا يغلو في الخوف فيقنط من رحمة الله ومغفرته وعفوه حاله مثل حال الخوارج والمعتزلة الذين يقولون أن صاحب الكبيرة خالد مخلد في نار جهنم إذا مات ولم يتب، وخير الأمور الوسط وهو ما دلت عليه النصوص الكثيرة على حد قوله تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ (٢). ٣ - التوكل التوكل على الله ﵎ عبادة عظيمة تعبد الله به عباده وأمرهم بأن يعتمدوا عليه وحده دون سواه، لأنه من أفضل العبادات ومن أجل مقامات الدين، ولا يوفق للقيام به على وجه الكمال إلا أولياء الله وحزبه المؤمنين وقد فرضه الله على عباده حيث أمر به في مواضع كثيرة من كتابه المنزل على رسوله ﷺ فقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٣).

стр. 348

وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨)﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ (٤). كما دلت أحاديث المصطفى ﷺ على فضل التوكل وأنه من العبادات التي يجب إخلاصها لله وحده لا شريك له عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بلا حساب ولا عذاب فقيل: من هم يا رسول الله؟ قال: هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون" (٥). وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لو أنكم تتوكلون على الله تعالى حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا، وتروح بطانًا" (٦). فهذه النصوص من الكتاب والسنة تدل على فضل التوكل على الله ووجوب إخلاصه له وحده لا شريك له.

стр. 349

وقد اهتم ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان هذه العبادة العظيمة فقال رحمه الله تعالى في بيان حقيقة التوكل: وحقيقة التوكل هو صدق اعتماد القلب على الله في استجلاب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة كلها ووكلت الأمور كلها إليه، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه (١). وقال رحمه الله تعالى أيضًا: والتوكل من أعظم الأسباب التي تطلب بها الحوائج، فإن الله يكفي من توكل عليه كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٢) (٣) ... وقال رحمه الله تعالى أيضًا: ... فمن حقق التوكل على الله لم يكله إلى غيره، وتولاه بنفسه وحقيقة التوكل: مكيلة الأمور كلها إلى من هي بيده، فمن توكل على الله في هدايته وحراسته وتوفيقه وتأييده ونصره ورزقه وغير ذلك من مصالح دينه ودنياه تولى الله مصالحه كلها، فإن الله تعالى هو ولي الذين آمنوا، وهذا هو حقيقة الوثوق برحمة الله فمن وثق برحمة ربه ولم يثق بغير رحمته فقد حقق التوكل على ربه في توفيقه، وتسديده، فهو جدير أن يتكفل الله بحفظه ولا يكله إلى نفسه (٤) ... وقال رحمه الله تعالى أيضًا: " ... وإنما المتوكل حقيقة من يعلم أن الله قد ضمن لعبده برزقه، وكفايته، فيصدق الله فيما ضمنه وثيق بقلبه ويحقق الاعتماد عليه فيما ضمنه من الرزق، من غير أن يخرج التوكل مخرج الأسباب في استجلاب الرزق به والرزق مقسوم لكل أحد، من بر

стр. 350

وفاجر، ومؤمن وكافر كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (١) هذا مع ضعف كثير من الدواب، وعجزها عن السعي في طلب الرزق قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ (٢) فمادام العبد حيًا، فرزقه على الله وقد ييسره الله له بكسب وبغير كسب فمن توكل على الله لطلب الرزق، فقد جعل التوكل سببًا وكسبًا، ومن توكل عليه لثقته بضمانه فقد توكل عليه ثقة به وتصديقًا بوعده" (٣). وقال رحمه الله تعالى في بيان ثمرة التوكل على الله "واعلم أن ثمرة التوكل: الرضا بالقضاء، فمن وكل أموره إلى الله، ورضي بما يقضيه له ويختاره، فقد حقق التوكل" (٤). كما بين رحمه الله تعالى أن مباشرة الأسباب والأخذ بها لا تنافي التوكل بل لا يصح التوكل إلا مع القيام بها وإلا فهو بطالة وتوكل فاسد يقول ﵀ في بيان هذا: "واعلم أن تحقيق التوكل لا ينافي السعي في الأسباب التي قدر الله المقدورات بها، وجرت سنته في خلقه بذلك، فإن الله تعالى أمر بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل، فالسعي في الأسباب بالجوارح طاعة له، والتوكل بالقلب عليه إيمان به قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ (٦).

стр. 351

وقال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (١). وقال سهل التستري: (٢) من طعن في الحركة "يعني في السعي والكسب"، فقد طعن في السنة، ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان، فالتوكل حال النبي ﵌، والكسب سنته، من عمل على حاله فلا يتركن سنته. ثم إن الأعمال التي يعملها العبد ثلاثة أقسام: أحدهما: الطاعات التي أمر الله عباده بها، وجعلها سببًا للنجاة من النار ودخول الجنة، فهذا لابد من فعله مع التوكل على الله فيه، والاستعانة به عليه، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فمن قصر في شيء مما وجب عليه من ذلك، استحق العقوبة في الدنيا والآخرة، شرعًا وقدرًا" (٣). وقال أيضًا رحمه الله تعالى: " ... وكذلك من ضيع بتركه الأسباب حقًا له، ولم يكن راضيًا بفوات حقه، فإن هذا عاجز مفرط، وفي مثل هذا جاء قول النبي ﷺ : "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك شيء، فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان ... " (٤).

стр. 352

وخرج الترمذي من حديث أنس قال: قال رجل: يا رسول الله أعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ قال: اعقلها وتوكل" (١). وهذا كله إشارة إلى أن التوكل لا ينافي الإتيان بالأسباب بل قد يكون جمعهما أفضل" (٢). فقد بين ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق أن التوكل على الله لا يقتضي ترك الأخذ بالأسباب لأن التوكل من أعظم الأسباب التي يحصل بها جلب المنافع، ودفع المضار، ولكن من تمام التوكل عدم الركون إلى الأسباب، وتعلق القلوب بها، والاعتماد عليها، لأن ذلك نقص في التوحيد يفضي بالعبد إلى الشرك، كما أن ترك الأسباب وعدم الأخذ بها وتعطيلها نقص في التوحيد وضعف في التوكل كما يدعيه الجهلة من المتصوفة وغيرهم من أن الأخذ بالأسباب ينافي التوكل، وأن حقيقة التوكل هي القعود وترك العمل. هذا في الحقيقة عجز وتواكل لا توكل لأنه ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه ودفع ما يضره في دينه ودنياه. فمن ترك العمل وقعد عن البحث عن مصادر الرزق التي أحلها الله بحجة التوكل فقد جهل معنى التوكل بل جهل جانبًا من مفهوم

стр. 353

هذا الدين العظيم، فالعجز والتواكل والتكاسل له آثار خطيرة على الفرد والمجتمع، ومن بعض هذه الآثار تفشي الفقر والبطالة في المجتمعات الإسلامية، وهذا يناقض أهداف الإسلام. فترك العمل سبيل للتخلف والضعف والهوان، والإسلام دين العزة والمنعة. ٤ - الاستعانة الاستعانة: طلب العون على قضاء الحاجات، ودفع المكروهات، وهي نوع من أنواع العبادة التي لا تصح إلا لله . وقد تعبد الله بها عباده، وأرشدهم إلى الاستعانة به وحده دون سواه كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ (١). قال ابن رجب رحمه الله تعالى بعد ذكره لهذه الآية: "هذه الكلمة تجمع سر الكتب المنزلة من السماء كلها لأن الخلق إنما خلقوا ليؤمروا بالعبادة ... وإنما أرسلت الرسل وأنزلت الكتب لذلك، فالعبادة حق الله على عباده، ولا قدرة للعباد عليها بدون إعانة الله لهم، فلذلك كانت هذه الكلمة بين الله وبين عبده لأن العبادة حق الله على عبده والإعانة من الله فضل من الله على عبده (٢). وأوصى نبينا محمد ﷺ عبد الله بن عباس ﵄ بها في قوله في الحديث " ... وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله ... " (٣).

стр. 354

وهذه العبادة من العبادات التي تناولها ابن رجب رحمه الله تعالى وبين معناها وأدلتها. فقال رحمه الله تعالى: "وأما الاستعانة بالله دون غيره من الخلق، فلأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله ، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول، وهذا تحقيق معنى قول: (لا حول ولا قوة إلا بالله) فإن المعنى لا تحول للعبد من حال إلى حال ولا قوة له على ذلك إلا بالله وهذه كلمة عظيمة، وهي كنز من كنوز الجنة، فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات وترك المحظورات، والصبر على المقدورات كلها في الدنيا وعند الموت وبعده من أهوال البررخ يوم القيامة، ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله ، فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه. وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز" (١) ومن ترك الاستعانة بالله واستعان بغيره وكله الله إلى ما استعان به، فصار مخذولًا (٢). وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "العبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات وترك المحظورات، وفي الصبر على المقدورات كما قال يعقوب ﵇ لنبيه: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (٣) ولهذا قالت عائشة هذه الكلمة لما قال أهل الإفك ما قالوا فبرأها الله مما قالوه.

стр. 355

وقال موسى لقومه: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ (١). وقال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾ (٢). ولما بشر عثمان بالجنة على بلوى تصيبه قال: "الله المستعان" (٣) ... فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في مصالح دينه، وفي مصالح دنياه (٤) ... وقال رحمه الله تعالى أيضًا في بيان أهمية الاستعانة بالله: "وفي الاستعانة بالله وحده فائدتان: إحداهما: أن العبد عاجز عن الاستقلال بنفسه في عمل الطاعات. والثانية: أنه لا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله الله فهو المخذول. وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز" (٥) وكان النبي ﷺ يقول في خطبته ويعلم أصحابه أن يقولوا: "الحمد لله نستعينه ونستهديه" (٦). وأمر معاذ بن جبل أن لا يدع في دبر كل صلاة أن يقول: "اللهم
следующие страницы →