وقال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (١).
وقال سهل التستري: (٢) من طعن في الحركة "يعني في السعي والكسب"، فقد طعن في السنة، ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان، فالتوكل حال النبي ﵌، والكسب سنته، من عمل على حاله فلا يتركن سنته.
ثم إن الأعمال التي يعملها العبد ثلاثة أقسام:
أحدهما: الطاعات التي أمر الله عباده بها، وجعلها سببًا للنجاة من النار ودخول الجنة، فهذا لابد من فعله مع التوكل على الله فيه، والاستعانة به عليه، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فمن قصر في شيء مما وجب عليه من ذلك، استحق العقوبة في الدنيا والآخرة، شرعًا وقدرًا" (٣).
وقال أيضًا رحمه الله تعالى: " ... وكذلك من ضيع بتركه الأسباب حقًا له، ولم يكن راضيًا بفوات حقه، فإن هذا عاجز مفرط، وفي مثل هذا جاء قول النبي ﷺ : "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك شيء، فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان ... " (٤).
стр. 352
وخرج الترمذي من حديث أنس قال: قال رجل: يا رسول الله أعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ قال: اعقلها وتوكل" (١).
وهذا كله إشارة إلى أن التوكل لا ينافي الإتيان بالأسباب بل قد يكون جمعهما أفضل" (٢).
فقد بين ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق أن التوكل على الله لا يقتضي ترك الأخذ بالأسباب لأن التوكل من أعظم الأسباب التي يحصل بها جلب المنافع، ودفع المضار، ولكن من تمام التوكل عدم الركون إلى الأسباب، وتعلق القلوب بها، والاعتماد عليها، لأن ذلك نقص في التوحيد يفضي بالعبد إلى الشرك، كما أن ترك الأسباب وعدم الأخذ بها وتعطيلها نقص في التوحيد وضعف في التوكل كما يدعيه الجهلة من المتصوفة وغيرهم من أن الأخذ بالأسباب ينافي التوكل، وأن حقيقة التوكل هي القعود وترك العمل.
هذا في الحقيقة عجز وتواكل لا توكل لأنه ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه ودفع ما يضره في دينه ودنياه.
فمن ترك العمل وقعد عن البحث عن مصادر الرزق التي أحلها الله بحجة التوكل فقد جهل معنى التوكل بل جهل جانبًا من مفهوم
стр. 353
هذا الدين العظيم، فالعجز والتواكل والتكاسل له آثار خطيرة على الفرد والمجتمع، ومن بعض هذه الآثار تفشي الفقر والبطالة في المجتمعات الإسلامية، وهذا يناقض أهداف الإسلام.
فترك العمل سبيل للتخلف والضعف والهوان، والإسلام دين العزة والمنعة.
٤ - الاستعانة
الاستعانة: طلب العون على قضاء الحاجات، ودفع المكروهات، وهي نوع من أنواع العبادة التي لا تصح إلا لله .
وقد تعبد الله بها عباده، وأرشدهم إلى الاستعانة به وحده دون سواه كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ (١).
قال ابن رجب رحمه الله تعالى بعد ذكره لهذه الآية: "هذه الكلمة تجمع سر الكتب المنزلة من السماء كلها لأن الخلق إنما خلقوا ليؤمروا بالعبادة ... وإنما أرسلت الرسل وأنزلت الكتب لذلك، فالعبادة حق الله على عباده، ولا قدرة للعباد عليها بدون إعانة الله لهم، فلذلك كانت هذه الكلمة بين الله وبين عبده لأن العبادة حق الله على عبده والإعانة من الله فضل من الله على عبده (٢).
وأوصى نبينا محمد ﷺ عبد الله بن عباس ﵄ بها في قوله في الحديث " ... وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله ... " (٣).
стр. 354
وهذه العبادة من العبادات التي تناولها ابن رجب رحمه الله تعالى وبين معناها وأدلتها.
فقال رحمه الله تعالى: "وأما الاستعانة بالله دون غيره من الخلق، فلأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله ، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول، وهذا تحقيق معنى قول: (لا حول ولا قوة إلا بالله) فإن المعنى لا تحول للعبد من حال إلى حال ولا قوة له على ذلك إلا بالله وهذه كلمة عظيمة، وهي كنز من كنوز الجنة، فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات وترك المحظورات، والصبر على المقدورات كلها في الدنيا وعند الموت وبعده من أهوال البررخ يوم القيامة، ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله ، فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه.
وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز" (١) ومن ترك الاستعانة بالله واستعان بغيره وكله الله إلى ما استعان به، فصار مخذولًا (٢).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "العبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات وترك المحظورات، وفي الصبر على المقدورات كما قال يعقوب ﵇ لنبيه: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (٣) ولهذا قالت عائشة هذه الكلمة لما قال أهل الإفك ما قالوا فبرأها الله مما قالوه.
стр. 355
وقال موسى لقومه: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ (١).
وقال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾ (٢).
ولما بشر عثمان بالجنة على بلوى تصيبه قال: "الله المستعان" (٣) ...
فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في مصالح دينه، وفي مصالح دنياه (٤) ...
وقال رحمه الله تعالى أيضًا في بيان أهمية الاستعانة بالله: "وفي الاستعانة بالله وحده فائدتان:
إحداهما: أن العبد عاجز عن الاستقلال بنفسه في عمل الطاعات.
والثانية: أنه لا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله الله فهو المخذول.
وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز" (٥) وكان النبي ﷺ يقول في خطبته ويعلم أصحابه أن يقولوا: "الحمد لله نستعينه ونستهديه" (٦).
وأمر معاذ بن جبل أن لا يدع في دبر كل صلاة أن يقول: "اللهم
стр. 356
أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" (١) وكان من دعائه ﷺ "يا رب أعني ولا تعن علي (٢)(٣) ... ".
٥ - الخشوع
الخشوع لله هو التذلل والخضوع له .
قال ابن رجب رحمه الله تعالى في تعريف الخشوع: "أصل الخشوع هو لين القلب ورقته أو سكونه وخضوعه وانكساره، فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح والأعضاء، لأنها تابعة له كما قال ﷺ : "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" (٤).
فإذا خشع القلب، خشع السمع والبصر والرأس، والوجه وسائر الأعضاء، وما ينشأ منها حتى الكلام، ولهذا كان النبي ﷺ يقول في ركوعه في الصلاة: "خشع لك سمعي وبصري ومخطي وعظمي" (٥) وفي
стр. 357
رواية "وما استقل به قدمي" (١).
وقد وصف الله تعالى في كتابه الأرض بالخشوع فقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ (٢) فاهتزازها وربوها -وهو ارتفاعها- مزيل لخشوعها، فدل على أن الخشوع الذي كانت عليه هو سكونها وانخفاضها فكذلك القلب إذا، فإنه تسكن خواطره وإراداته الرديئة التي تنشأ من إتباع الهوى وينكسر وينخضع لله، فيزول بذلك ما كان فيه من التعاظم والترفع والتكبر ومتى سكن ذلك في القلب خشعت الأعضاء والجوارح والحركات كلها حتى الصوت، وقد وصف الله تعالى الأصوات بالخشوع في قوله: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ (٣) فخشوع الأصوات هو سكونها وانخفاضها بعد ارتفاعها.
وكذلك وصف وجوه الكفار وأبصارهم يوم القيامة بالخشوع فدل ذلك على دخول الخشوع في هذه الأعضاء كلها (٤).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وأصل الخشوع الحاصل في القلب إنما هو من معرفة الله، ومعرفة عظمته وجلاله. وكماله، فمن كان بالله أعرف فهو له أخشع" (٥).
كما بين رحمه الله تعالى أن الخشوع لله من صفات المؤمنين وأن الله تعبدهم به فقال: "إن الله
стр. 358
مدح في كتابه المخبتين له، والمنكسرين لعظمته، الخاضعين والخاشعين له، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (١).
وقال: ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢).
ووصف المؤمنين بالخشوع له في أشرف عباداتهم التي عليها يحافظون فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ (٣).
ووصف الذين أوتوا العلم بالخشوع حيث يكون كلامه مسموعًا، فقال: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ (٤) ... ووصف الله سبحانه في كتابه العلماء بالخشية كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٥) وقال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٦) ووصف العلماء من أهل الكتاب قبلنا بالخشوع كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ (٧) وقوله تعالى في وصف هؤلاء
стр. 359
الذين أوتوا العلم ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعًا مدح لمن أوجب له سماع كتاب الله الخشوع في قلبه، وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١).
وليس القلوب هو زوال قساوتها لحديث الخشوع، وقد قبح الله من لا يخشع قلبه لسماع كتاب الله وتدبره، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا﴾ ... (٢) الآية.
قال ابن مسعود ﵁: "ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين" خرجه مسلم (٣) وخرجه النسائي (٤) وزاد فيه: "فجعل المؤمنون يعاتب بعضهم بعضًا"
وخرج ابن ماجه (٥) من حديث الزبير ﵁ قال: "لم يكن بين إسلامهم وبين أن نزلت هذه الآية يعاتبهم الله بها إلا أربع سنين ... " (٦).
كما أشار رحمه الله تعالى إلى أن الإنسان إذا تصنع الخشوع وتكلفه فإن ذلك خشوع نفاق وليس خشوعًا لله ﵎، يقول في بيان ذلك: "ومتى تكلف الإنسان تعاطي الخشوع في جوارحه وأطرافه مع فراغ قلبه من الخشوع وخلوه منه كان ذلك خشوع نفاق، وهو الذي كان السلف يستعيذون منه كما قال بعضهم: "استعيذوا بالله من خشوع النفاق،
стр. 360
قالوا: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعًا والقلب ليس بخاشع ... " (١) فمن أظهر خشوعًا غير ما في قلبه فإنما هو نفاق على نفاق" (٢).
فابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق يبين أن خشوع المؤمن خشوع صادر عن قلب مؤمن مخلص ملتزم بأوامر الله مجتنب نواهيه، قلب ملئ بنور الإيمان والتعظيم لله ، والحياء والخوف منه ، قلب خاضع متذلل بين يدي الله ﵎ يرجوه عفوه ويخاف عقابه، بأنه قلب حي بذكر الله وتسبيحه وتحميده، أما خشوع المنافق فهو خشوع صادر عن قلب مظلم لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، قلب يظهر على جوارح صاحبه التصنع والتكلف حتى يستر سواد قلبه، لأنه قلب لم يستضئ بنور الإيمان، ولم يذق حلاوته وطعمه.
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "الفرق بين خشوع الإيمان
стр. 361
وخشوع النفاق أن خشوع الإيمان هو خشوع القلب لله بالتعظيم والإجلال والوقار والمهابة والحياء، فينكسر القلب لله ... أما خشوع النفاق فيبدو على الجوارح تصنعًا وتكلفًا والقلب غير خاشع، فالخاشع لله عبد قد خمدت نيران شهوته وسكن دخانها عن صدره، فانجلى الصدر، وأشرق فيه نور العظمة، فماتت شهوة النفس للخوف والوقار الذي خشي به، وخمدت الجوارح وتوقر القلب وأطمئن إلى الله وذكره بالسكينة التي نزلت عليه من ربه فصار مخبتًا له، وأما التماوت وخشوع النفاق فهو حال عند تكلف إسكان الجوارح تصنعًا ومراءاة ونفسه في الباطن شابة طرية ذات شهوات وإرادات فهو يتخشع في الظاهر وحية الوادي وأسد الغابة رابض بين جنبيه ينتظر الفريسة" (١).
٦ - المحبة
دلت الأدلة الكثيرة في الكتاب والسنة على وجوب محبة الله وتقديم محبته على سائر المحاب.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ (٣).
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث
стр. 362
من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار" (١).
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده، ووالده والناس أجمعين" (٢).
وفيهما أيضًا عنه ﵁ أن رجلًا سأل النبي ﷺ "متى الساعة؟ فقال: ما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله فقال رسول الله ﷺ : "أنت مع من أحببت" (٣).
إلى غير ذلك من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة الدالة على أن المحبة نوع من أنواع العبادة التي يجب إخلاصها لله وحده دون سواه وقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذا النوع من العبادة وبين أهميته وما يتعلق به من المسائل.
فقال رحمه الله تعالى في أهمية هذا النوع من العبادة: "فإذا تحقق القلب بالتوحيد التام، لم يبق فيه محبة لغير ما يحبه الله، ولا كراهة لغير ما يكرهه الله، ومن كان كذلك لم تنبعث جوارحه إلا بطاعة الله، وإنما تنشأ الذنوب من محبة ما يكرهه الله، أو كراهة ما يحبه الله، وذلك ينشأ من تقديم هوى النفس على محبة الله تعالى وخشيته، وذلك يقدح في كمال التوحيد الواجب فيقع العبد بسبب ذلك في التفريط في بعض
стр. 363
الواجبات وارتكاب بعض المحظورات، فإن من تحقق قلبه بتوحيد الله فلا يبقى له هم إلا في الله، وفيما يرضيه به" (١).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "فلا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يقدم محبة الرسول على محبة جميع الخلق، ومحبة الرسول تابعة لمحبة مرسله، والمحبة الصحيحة تقتضي المتابعة والموافقة في حب المحبوبات وبغض المكروهات، فمن أحب الله ورسوله محبة صادقة من قلبه أوجب له ذلك أن يحب بقلبه ما يحبه الله ورسوله، ويكره ما يكرهه الله ورسوله، ويرضى ما يرضي الله ورسوله، ويسخط ما يسخط الله ورسوله، وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض، فإن عمل بجوارحه شيئًا يخالف ذلك بأن ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله أو ترك بعض ما يحبه الله ورسوله مع وجوبه والقدرة عليه، دل ذلك على نقص محبته الواجبة، فعليه أن يتوب من ذلك ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة" (٢).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "فإذا كانت محبة الله ثابتة في قلب العبد، نشأت عنه حركات الجوارح، فكانت تحب ما يحبه الله ويرتضيه، فأحب ما يحبه الله من الأعمال والأقوال كلها (٣).
كما بين رحمه الله تعالى درجات محبة الله فقال: "ومحبة الله تعالى على درجتين:
إحداهما: فرض لازم وهي أن يحب الله سبحانه محبة توجب له محبة ما فرضه الله عليه وبغض ما حرمه عليه، ومحبة لرسوله المبلغ عنه أمره ونهيه وتقديم محبته على النفوس والأهلين ... والرضا بما بلغه
стр. 364
عن الله من الدين، وتلقي ذلك بالرضا والتسليم، ومحبة الأنبياء والرسل والمتبعين لهم بإحسان جملة وعمومًا لله ، وبغض الكفار والفجار جملة وعمومًا لله ، وهذا القدر لابد منه في تمام الإيمان الواجب، ومن أخل بشيء منه فقد نقص من إيمانه الواجب بحسب ذلك، قال الله : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١).
وكذلك ينقص من محبته الواجبة بحسب ما أخل به من ذلك، فإن المحبة الواجبة تقتضي فعل الواجبات وترك المحرمات ...
الدرجة الثانية: درجة السابقين المقربين وهي أن ترتقي المحبة إلى محبة ما يحبه الله من نوافل الطاعات، وكراهة ما يكرهه من دقائق المكروهات وإلى الرضا بما يقدره ويقتضيه مما يؤلم النفوس من المصائب، وهذا فضل ...
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: يقول الله : من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته (٢)(٣) ...
стр. 365
كما أوضح رحمه الله تعالى أن من لوازم محبة الله تعالى محبة أوليائه، ، ومحبة ما يحبه الله من الأقوال والأعمال، فقال في شرح قوله ﷺ في الدعاء "وأسألك حبك وحب من يحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك ... " (١).
قال: "ولما كانت محبة الله لها لوازم، وهي محبة ما يحبه الله من الأشخاص والأعمال، وكراهة ما يكرهه من ذلك، سأل النبي ﷺ الله تعالى مع محبته محبة شيئين آخرين:
إحداهما: محبة من يحب ما يحب الله تعالى، فإن من أحب الله أحب أحباءه فيه، ووالاهم، وأبغض أعداءه وعاداهم، وأعظم من تجب محبته في الله تعالى أنبياؤه ورسله، وأعظمهم نبيه محمد ﷺ الذي افترض الله على الخلق كلهم متابعته، وجعل متابعته علامة لصحة محبته كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٢).
وتوعد من قدم محبة شيء من المخلوقين على محبته ومحبة رسوله ﷺ ، ومحبة الجهاد في سبيله في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ﴾ ... (٣) الآية.
ووصف المحبين له باللين للمؤمنين والرأفة والرحمة والمحبة لهم، والشدة على الكافرين والبغض لهم، والجهاد في سبيله فقال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ﴾ ... (٤) الآية.
стр. 366
والثاني: محبة ما يحبه الله تعالى من الأعمال، وبها تبلغ إلى حبه، وفي هذا إشارة إلى أن درجة المحبة لله تعالى إنما تنال بطاعة الله وبفعل ما يحبه، فإذا امتثل العبد أوامر مولاه وفعل ما يحبه أحبه الله تعالى ورقاه إلى درجة محبته كما في الحديث الإلهي الذي خرجه البخاري (١): "وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ... " (٢).
كما أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى الأعمال التي توصل إلى محبة الله تعالى لعبده فقال: "أفضل ما تستجلب به محبة الله فعل الواجبات وترك المحرمات، ولهذا جعل النبي ﷺ من علامات وجدان حلاوة الإيمان أن يكره أن يرجع إلى الكفر كما يكره أن يلقى في النار ... ثم بعد ذلك الاجتهاد في نوافل الطاعات وترك دقائق المكروهات والمشتبهات ... ومن أعظم ما يحصل به محبة الله تعالى من النوافل تلاوة القرآن خصوصًا مع التدبر ... ولهذا قال النبي ﷺ : "لمن قال: إني أحب سورة (قل هو الله أحد) لأنها صفة الرحمن، فقال: "أخبروه أن الله يحبه ... " (٣).
ومن الأعمال التي توصل إلى محبة الله تعالى -وهي أعظم علامات المحبين كثرة ذكر الله بالقلب واللسان ... ومن علامات المحبين لله وهو ما يحصل به المحبة أيضًا حب الخلوة بمناجات الله تعالى وخصوصًا في ظلمة الليل (٤).
стр. 367
كما أوضح الله تعالى أن المحبة وحدها لا تكفي بل لابد معها من الخوف والرجاء وهذه هي أصول العبادة التي تبنى عليها قال رحمه الله تعالى في بيان ذلك: "إن العبادة إنما تبنى على ثلاثة أصول: الخوف والرجاء والمحبة، وكل منها فرض لازم، والجمع بين الثلاثة حتم واجب، فلهذا كان السلف يذمون من تعبد بواحد منها وأهمل الآخرين، فإن بدع الخوارج، ومن أشبههم إنما حدثت من التشديد في الخوف والإعراض عن المحبة والرجاء، وبدع المرجئة (١) نشأت من التعلق بالرجاء وحده، والإعراض عن الخوف، وبدع كثير من أهل الإباحة والحلول ممن ينسبون إلى التعبد نشأت من إفراد المحبة والإعراض عن الخوف والرجاء (٢).
كما رد رحمه الله تعالى على من انحرف بالمحبة عن معناها الصحيح إلى معان أخرى بعيدة عن دلالات الكتاب والسنة فقال: "وقد كثر في المتأخرين المنتسبين إلى السلوك تجريد الكلام في المحبة وتوسيع القول فيها بما لا يساوي على الحقيقة مثقال حبة إذ هو عار عن الاستدلال بالكتاب والسنة، وخال من ذكر كلام من سلف من سلف الأمة وأعيان الأئمة وإنما هو مجرد دعاوي قد تشرف بأصحابها على مهاوي، وربما أستشهد وبأشعار عشاق الصور، وفي ذلك ما فيه من عظيم
стр. 368
الخطر، وقد يحكمون حكايات العشاق ويشيرون إلى التأدب بما سلكوه من الآداب والأخلاق، وكل هذا ضرر عظيم، وخطره جسيم وقد يكثر ذكر المحبة ويعيدها ويبديها من هو بعيد عن التلبس بمقدماتها ومبادئها (١).
ويقول رحمه الله تعالى: ومن أحبه الله رزقه محبته وطاعته والاشتغال بذكره وخدمته، فأوجب له ذلك القرب منه، والزلفى لديه، والحظ عنده كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢).
ففي هذه الآية إشارة إلى أن من أعرض عن حبنا، وتولى عن قربنا ولم يبال، استبدلنا به عن هو أولى بهذه المنحة منه وأحق فمن أعرض عن الله فما له عن الله بدل، ولله منه أبدال ... ثم ذكر وصف الذين يحبهم الله ويحبونه فقال: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يعني أنهم يعاملون المؤمنين بالذلة واللين وخفض الجناح، ويعاملون الكافرين بالعزة والشدة عليهم والغلظة لهم، فلما أحبوا الله أحبوا أولياءه الذين يحبونه، فعاملوهم بالمحبة والرأفة والرحمة، وبغضوا أعداءه الذين يعادونه، فعاملوهم بالشدة والغلظة كما قال تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٣).
فإن من تمام المحبة مجاهدة أعداء المحبوب (٤).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "حذر طوائف من العلماء ممن يكثر
стр. 369
دعوى الشوق والمحبة لما ظهر منهم من الشطح والدعاوي، بل والإباحة والحلول وغير ذلك من المفاسد ... وكان بعض هؤلاء يقول: إذا لم أجن بك يا حبيبي فبمن؟ ومن هؤلاء من كان يسمى مجنونًا ... ويسمون عقلاء المجانين، وكانت أقوالهم وأفعالهم محفوظة غالبًا، ويصدر منهم من الكلام الحسن شيء كثير، وقد غلط طوائف من المتأخرين في أمرهم فظنوا أن حالهم هو غاية الكمال ... وهذا خطأ قبيح جدًا، ثم أدخلوا في طبقتهم من ليس منهم من المجانين الذين لا حكمة لديهم، ولا ظهر شيء من الأحوال الصحيحة عليهم وإنما يظهر منهم مخالفة الشريعة بالأَعمال والأقوال الشنيعة، ولكن أحسنوا الظن بهم لما يظهر من بعضهم من الأخبار بالمغيبات في بعض الأحيان مما قد أكثر منه من الرهبان والكهان، ونشأ بهذا السبب اعتقاد أن الأولياء لهم طريقة غير طريقة الأنبياء، وأنهم واقفون مع الحقيقة ولا يتقيدون بالشريعة، إلى غير ذلك من أنواع الضلال والبدع الفظيعة (١).
كما بين رحمه الله تعالى أن محبة الرسول ﷺ تابعة لمحبة الله لأن الله أمرنا بمحبته وطاعته وأنه لا تتم محبة الله إلا بمحبة الرسول ﷺ وأتباعه وطاعته فقال: إن محبة الرسول إنما هي تابعة لمحبة الله جل وعلا، فإن الرسول إنما يحب موافقة لمحبة الله له، ولأمر الله بمحبته وطاعته واتباعه ... " (٢).
وقال: "وقد قرن الله بين محبته ومحبة رسوله في قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (٣) وكذلك ورد في السنة في أحاديث كثيرة جدًا ... والمراد
стр. 370
أن الله تعالى لا يوصل إليها إلا عن طريق رسوله ﷺ باتباعه وطاعته ... ومحبة الرسول ﷺ على درجتين:
إحداهما: فرض وهي المحبة التي تقتضي قبول ما جاء به الرسول ﷺ من عند الله وتلقيه بالمحبة والرضا والتعظيم والتسليم وعدم طلب الهدى من غير طريقه بالكلية، ثم حسن الإتباع له فيما بلغه عن ربه من تصديقه في كل ما أخبر به، وطاعته فيما أمر به من الواجبات والانتهاء عما نهى عنه من المحرمات ونصرة دينه والجهاد لمن خالفه بحسب القدرة، فهذا القدر لابد منه ولا يتم الإيمان بدون.
والدرجة الثانية: فضل وهي المحبة التي تقتضي حسن التأسي به وتحقيق الاقتداء بسنته في أخلاقه وآدابه ونوافله وتطوعاته وأكله وشربه ولباسه وحسن معاشرته لأزواجه وغير ذلك من آدابه الكاملة وأخلاقه الطاهرة والاعتناء بمعرفة سيرته وأيامه، وكثرة الصلاة عليه وتعظيمه وتوقيره ومحبة استماع كلامه وإيثاره على كلام غيره من المخلوقين، ومن أعظم ذلك الاقتداء به في زهده في الدنيا والاجتزاء باليسير منها ورغبته في الآخرة" (١).
стр. 371
المبحث الرابع بيانه أن العبادة لا تقبل إلا بشرطين
ذكرت فيما سبق أن عبادة الله وحده لا شريك له هي الغاية التي من أجلها خلق الله الخلق، ولا تعرف العبادة إلا عن طريق الشرع فليس لأحد أن يعبد الله ﵎ إلا بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ مع حسن النية وصلاح القصد في العبادة وبهذا يتبين لنا أنه لابد لصحة أي عمل نريد أن نتقرب به إلى الله من شرطين أساسين مجتمعين، إذا فقد شرط منهما فإن العمل يكون مردودًا على عامله وهذان الشرطان هما:
١ - أن يكون العمل خالصًا لوجه الله وحده دون سواه.
٢ - أن يكون العمل موافقًا لما شرعه الله تعالى في كتابه أو بينه رسولنا ﷺ في سنته.
وقد بين ابن رجب رحمه الله تعالى هذين الشرطين في مواضع مختلفة من مؤلفاته، وبين أهميتها في كل عمل يتقرب به العبد إلى الله .
من ذلك قوله رحمه الله تعالى: "الدين يرجع إلى فعل المأمورات وترك المحظورات والتوقف على الشبهات ... ، وإنما يتم ذلك بأمرين:
أحدهما: أن يكون العمل في ظاهره على موافقة السنة وهذا هو
стр. 372
الذي يتضمنه حديث عائشة: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" (١).
الثاني: أن يكون العمل في باطنه يقصد به وجه الله كما تضمنه حديث عمر "الأعمال بالنيات" (٢).
وقال الفضيل (٣) في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٤) قال: أخلصه وأصوبه، وقال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا، ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا وصوابًا، قال: والخالص إذا كان لله ، والصواب إذا كان على السنة.
وقد دل على هذا الذي قال الفضيل قوله : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ... (٥)(٦).
وقال رحمه الله تعالى: "فكما أن كل عمل لا يراد به الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب، فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله، وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله
стр. 373
ورسوله فليس من الدين في شيء (١).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: وليس الفضائل بكثرة الأعمال البدنية، لكن بكونها خالصة لله ، صوابًا على متابعة السنة وبكثرة معارف القلوب وأعمالها، فمن كان بالله أعلم وبدينه وأحكامه وشرائعه، وله أخوف وأحب وأرجى فهو أفضل ممن ليس كذلك، وإن كان أكثر منه عملًا بالجوارح" (٢).
هذه هي الشروط التي قررها ابن رجب رحمه الله تعالى لقبول العمل، وقد قررها العلماء أيضًا قبل وبعد ابن رجب رحمه الله تعالى وهي شروط استنبطها العلماء رحمهم الله تعالى من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهذان الشرطان هما حقيقة قولنا: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وتخلف هذين الشرطين ينتح عنه إما الشرك بالله وهو الذنب الذي لا يغفره الله إلا التوبة.
وإما الابتداع في دين الله ، والتقرب إليه بما لم يشرعه وفي هذا تنقيص للدين ولمن جاء به وهو رسول الله ﷺ .
وسيأتي الكلام عن الشرك والبدع مفصلًا في الفصل القادم إن شاء الله تعالى.
وينقسم الناس بالنسبة لهذين الشرطين حسب وجودها وعدمها إلى أربعة أقسام هي:
القسم الأول: وهم المخلصون لله ﵎ في جميع أعمالهم
стр. 374
السائرون على هدى المصطفى ﷺ ، فأعمالهم كلها لله وأقوالهم لله، لا يريدون بذلك من الناس جزاء ولا شكورًا، وكذلك جميع أعمالهم وعبادتهم موافقة لما جاء في كتاب الله تعالى وسنة المصطفى ﷺ ، وهؤلاء هم أهل الإخلاص والمتابعة للمعبود.
القسم الثاني: وهم من لا إخلاص لهم ولا متابعة، فأعمالهم ليست خالصة لله وليست موافقة لشرعه، كالذين يزينون أعمالهم للناس بما لم يشرعه الله ورسوله، وهؤلاء شرار الخلق وأمقتهم إلى الله .
القسم الثالث: وهم الذين يخلصون أعمالهم لله ﵎، لكنها على غير موافقة شرع الله ﵎ وهؤلاء كجهال العباد والمنتسبين إلى طريق الزهد والفقر كالذين يرون أن مواصلة صوم النهار بالليل قربة، وأن الخلوة التي يترك فيها الجمعة والجماعة قربة، فهؤلاء أعمالهم خالصة ولكنها غير موافقة لشرع الله، فهي مردودة عليهم لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه وموافقًا لشرعه.
القسم الرابع: وهم الذين أعمالهم موافقة لشرع الله ﵎ لكنها لغيره كالذي يصلي ليقال، وكالذي يقاتل رياء وحمية وشجاعة فهؤلاء أعمالهم ظاهرها أعمال صالحة مأمور بها، لكنها غير صالحة لأنها غير خالصة لوجه الله ﵎ فلا تقبل.
هذه الأقسام الأربعة لخصتها من كتاب مدارج السالكين (١) لابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى.
والخلاصة في هذا كله أن العبادات كلها مدارها على الإخلاص والمتابعة، ومن لم يحقق هذا فليس عابدًا لله على الحقيقة وإن فعل ما فعل وقال ما قال.
стр. 375
الفصل الخامس نواقض التوحيد
ويشتمل على المباحث الآتية:
المبحث الأول: الشرك وكلام ابن رجب عليه. ويشتمل على عدة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الشرك لغة.
المطلب الثاني: تعريف الشرك شرعًا وبيان أقسامه.
أمثلة للشرك الأصغر.
كلامه في حكم عمل المرائي.
حمد الناس العبد على الخير لا يعد من الرياء.
المبحث الثاني: النفاق وكلام ابن رجب عليه. وفيه عدة أمور:
١ - تعريف النفاق.
٢ - أقسام النفاق.
٣ - خوف السلف من النفاق لخطورته وخفائه.
стр. 376
المبحث الثالث: البدع وكلام ابن رجب عليها وفيه عدة مطالب:
المطلب الأول: معنى البدعة في اللغة والشرع والأدلة على التحذير من البدع والبُعد عنها.
المطلب الثاني: أنواع البدع.
المطلب الثالث: الرد على محسني البدع وكلام ابن رجب على ذلك.
المطلب الرابع: نماذج من البدع وكلام ابن رجب عليها.
المطلب الخامس: حكم البدع وأهلها.
المبحث الرابع: الغلو وكلام ابن رجب عليه.
المبحث الخامس: مسائل متفرفة متعلقة بهذا الفصل.
стр. 377
المبحث الأول الشرك وكلام ابن رجب عليه
سوف يكون الحديث في هذا المبحث عن الشرك ومعناه اللغوي والإصطلاحي وبيان أقسامه باختصار مع بيان الأدلة على ذلك، مع ذكر كلام ابن رجب رحمه الله تعالى في هذا الموضوع الذي لا يمكن للإنسان أن يحذر منه ومن الوقوع فيه إلا إذا عرفه وعرف خطره، ولذا يجب على كل مسلم معرفته ليسلم منه وليكون على بينة من أمره حتى لا يقع فيه لأنه إذا لم يعرفه ربما يقع فيه وهو لا يدري ولذلك كان حذيفة ﵁ يسأل رسول الله ﷺ عن الشر مخافة أن يقع فيه كما جاء في الصحيحين عنه ﵁ أنه قال: "كان الصحابة يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني" (١).
وبسبب الجهل بالشرك وأنواعه نرى كثيرًا من المسلمين اليوم قد وقع فيه، فلا تكاد تجد بلدًا من بلاد المسلمين إلا وترى فيها تقديس القبور والنذر لها والذبح عندها والإستغاثة بأهلها وسؤالهم قضاء الحاجات وكشف الكربات إلى غير ذلك من الأمور التي لا يجوز صرفها لغير الله ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أنه لا سلامة للإنسان من عذاب الله تعالى إلا بالبُعد عن الشرك بأنواعه فقال: "فالقلب السليم هو
стр. 378
الذي ليس فيه شيء من محبة ما يكرهه الله، فدخل في ذلك سلامته من الشرك الجلي والخفي ومن الأهواء والبدع، ومن الفسوق والمعاصي كبائرها وصغائرها الظاهرة والباطنة كالرياء والعجب والغل والغش والحقد والحسد وغير ذلك.
وهذا القلب السليم هو الذي لا ينفع يوم القيامة سواه قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ (١) ... (٢).
стр. 379
المطلب الأول تعريف الشرك لغة
جاء في تهذيب اللغة: "الشرك بمعنى الشريك وهو بمعنى النصيب وجمعه أشراك كشبر وأشبار" (١).
وذكر صاحب مقاييس اللغة أن مادة "الشرك" المكونة من حرف "الشين والراء والكاف" لها أصلان:
أحدهما: يدل على مقارنة وخلاف انفراد، والآخر يدل على امتداد واستقامة، فالأول: الشركة وهو أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، ويقال: شاركت فلانًا في الشيء إذا صرت شريكه، وأشركت فلانًا إذا جعلته شريكًا لك قال تعالى: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢)﴾ (٢) ويقال في الدعاء: "اللهم أشركنا في دعاء المؤمنين" أي اجعلنا لهم شركاء في ذلك.
وأما الثاني: فالشرك: لقم الطريق، وهو شراكه أيضًا، وشراك النعل مشبه بهذا، ومنه شراك الصائد سمى ذلك لامتداده (٣).
وقال صاحب اللسان: "الشِّرْكة والشَّرِكة سواء مخالطة الشريكين يقال: اشتركنا بمعنى تشاركنا، وقد اشترك الرجلان وتشاركا وشارك
стр. 380
أحدهما الآخر، والشريك المشارك، والشرك كالشريك، والجمع أشراك وشركاء" (١).
فمدلول كلمة الشرك في اللغة تطلق على النصيب والتسوية والمخالطة والمصاحبة.
стр. 381
المطلب الثاني الشرك في الشرع وبيان أقسامه
الشرك هو أن يجعل الإنسان لله تعالى شريكًا وندًا فيما يجب أن يكون حقًا خالصًا لله تعالى بمعنى أن يصرف شيئًا من خصائص الربوبية والألوهية لغير الله ﵎ وهو ينقسم إلى قسمين: أكبر وأصغر.
وقد تناول ابن رجب رحمه الله تعالى هذه الأقسام فقال: "وأما توحيد الإلهية فالشرك فيه تارة يوجب الكفر والخروج من الملة، والخلود في النار، ومنه ما هو أصغر كالحلف بغير الله والنذر له، وخشية غير الله ورجائه والتوكل عليه والذل له، وقول القائل: ما شاء الله وشئت (١).
وقال رحمه الله تعالى عن الشرك الأكبر: "ظلم النفس وأعظمه الشرك كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) فإن المشرك جعل المخلوق في منزلة الخالق فعبده وتألهه، فهو وضع الأشياء في غير مواضعها وأكثر ما ذكر في القرآن وعيد الظالمين إنما أريد به المشركون كما قال الله : ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٣) ... " (٤).
وقال عن الشرك الأصغر: " ... وإنما زاد عذاب أهل الرياء على
стр. 382
سائر العصاة، لأن الرياء هو الشرك الأصغر، والذنوب المتعلقة بالشرك أعظم من المتعلقة بغيره" (١).
وقال رحمه الله تعالى عن النوعين جميعًا: "فإن جميع النعم من الله وفضله ... فمن أضاف شيئًا من النعم إلى غير الله مع اعتقاد أنه ليس من الله فهو مشرك حقيقة، ومع اعتقاد أنه من الله فهو شرك خفي" (٢).
وقال رحمه الله تعالى في بيان النوعين وأمثلتهما بعد أن تكلم عن أنواع العبادة "فمن أشرك مخلوقًا في شيء من الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك قدحًا في إخلاصه في قول لا إله إلا الله ونقصًا في توحيده، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك، وهذا كله من فروع الشرك، ولهذا ورد إطلاق الكفر والشرك على كثير من المعاصي التي منشأها من طاعة غير الله أو خوفه أو رجائه أو التوكل عليه والعمل لأجله كما ورد إطلاق الشرك على الرياء وعلى الحلف بغير الله والتوكل على غير الله والاعتماد عليه، وعلى من سوى بين الله وبين المخلوق في المشيئة مثل أن يقول: ما شاء الله وشاء فلان، وكذا قوله: مالي إلا الله وأنت، وكذلك ما يقدح في التوحيد وتفرد الله بالنفع والضر كالطيرة، والرقي المكروهة، وإتيان الكهان وتصديقهم بما يقولون، وكدلك اتباع هوى النفس فيما نهى الله عنه، قادح في تمام التوحيد وكماله، ولهذا أطلق الشرك على كثير من الذنوب التي منشأها من هوى النفس أنها كفر وشرك كقتال المسلم، ومن أتى حائضًا أو امرأة في دبرها، ومن شرب الخمرة، وإن كان ذلك لا يخرجه عن الملة بالكلية، ولهذا قال السلف: كفر دون كفر، وشرك دون شرك" (٣).
стр. 383
وخلاصة كلام ابن رجب رحمه الله تعالى أن الشرك ينقسم إلى قسمين:
١ - شرك أكبر:
وهو أن يتخذ العبد ندًا لله تعالى في العبادة يدعوه أو ينذر له أو يذبح له أو يخافه أو يصرف له أي نوع من أنواع العبادة، وهذا النوع من الشرك يخرج من الملة الإسلامية، وقد توعد الله صاحبه بالخلود في النار وحرّم عليه الجنة كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (١) لأن الله لا يغفر لمن مات عليه أبدًا كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ (٢) كما أن الله لا يقبل من مشرك عملًا قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ (٤).
وقد حذر النبي ﷺ من الشرك وبيّن عاقبته السيئة التي تلحق بالمشرك إذا رجع إلى الله تعالى وهو لم يتب منه.
من ذلك قوله ﷺ : "من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار" (٥).
ومنها حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت
стр. 384
رسول الله ﷺ يقول: "من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار" (١).
ومنها حديث جابر ﵁ قال: أتى النبي ﷺ رجل فقال: يا رسول الله، ما الموجبتان؟ فقال: "من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار" (٢).
ومنها حديثه الآخر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به دخل النار" (٣).
فهذه النصوص من الكتاب والسنة تبيّن أن الشرك أكبر الكبائر وأعظم المعاصي، وأظلم الظلم، وأعظم المحرمات وأنه لا يغفر لصاحبه إلا إذا تاب في وقت التوبة وإلا فهو إن مات مصرًا عليه صار من أهل النار.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "إن الشرك لما كان أظلم الظلم، وأقبح القبائح، وأنكر المنكرات كان أبغض الأشياء إلى الله وأكرهها له، وأشد مقتًا لديه، ورتب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على، ذنب سواه وأخبر أنه لا يغفره، وأن أهله نجس ومنعهم من قربان حرمه، وحرّم ذبائحهم ومناكحهم، وقطع الموالاة بينهم وبين المؤمنين، وجعلهم أعداء له ، ولملائكته ورسله وللمؤمنين وأباح لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم ... وهذا لأن الشرك هضم لحق الربوبية،
стр. 385
وتنقص لعظمة الإلهية، وسوء ظن برب العالمين" (١).
٢ - الشرك الأصغر:
وهو كل وسيلة يتوصل بها إلى الشرك ما لم يبلغ درجة العبادة، وهو غير مخرج من الملة إلا إذا بلغ درجة الشرك الأكبر، وهو من أكبر الكبائر، وصاحبه لا يخلد في النار بل هو تحت مشيئة الله تعالى كسائر الذنوب والمعاصي التي دون الشرك الأكبر إن شاء عذبه وإن شاء غفر له لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) وهو معتقد أهل السنة والجماعة.
وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق (٣) أمثلة لهذا النوع من الشرك وهي:
١ - الحلف بغير الله كأن يحلف بالنبي أو الكعبة أو الأمانة أو الحياة أو بولي من الأولياء أو بالشرف أو بغير ذلك من المخلوقات، فكل ذلك من الشرك الذي يدخل في قوله ﷺ : "من حلف بغير الله، فقد كفر أو أشرك" (٤) وذلك لأن الحلف تعظيم، والتعظيم لا يكون إلا لمن يستحقه وهو الله .
٢ - قول: "ما شاء الله وشاء فلان"، وما شابهها من العبارات التي
стр. 386
تكون وسيلة إلى الشرك كقول: "مالي إلا الله وأنت" وقول "هذا من الله ومنك" وغيره، والواجب أن يقول "ما شاء الله ثم شاء فلان" أو "مالي إلا الله ثم أنت" "وهذا من الله ثم منك" وهكذا لأن الواو تقتضي التشريك والتسوية، وثم تفيد الترتيب والتعقيب، وكل هذه الألفاظ داخلة تحت نهيه ﷺ عن ذلك، كما جاء عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان" (١).
وعن عبد الله بن عباس ﵄ أن رجلًا قال للنبي ﷺ : "ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله عدلًا، لا بل ما شاء الله وحده" (٢).
وعن قُتَيْلَة بنت صيفي الأنصارية ﵂: أن يهوديًا أتى النبي ﷺ فقال: "إنكم تشركون تقولون ما شاء الله وشئت، وتقولون والكعبة، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا ما شاء الله ثم شئت" (٣).
وجاء في الأثر عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ (٤) قال: الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل وهو أن يقول: "والله وحياتك يا فلانة وحياتي" ويقول: "لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص ولولا
стр. 387
البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلانًا، هذا كله به شرك" (١).
فقد بيّن ابن عباس ﵄ أن هذه الألفاظ ونحوها من الألفاظ الشركية الخفية التي يجب على كل مسلم أن يبتعد عنها كما دلّت على ذلك الأحاديث السابقة.
٣ - الرياء:
وهو أن يعمل الإنسان عملًا يرائي به الناس فيحسنه ويزيد في تحسينه من أجل أن يراه الناس فيحمدونه عليه ويثنون عليه بالصلاح، وهو من أخطر الذنوب، لأنه من الأعمال القلبية التي لا يطلع عليها إلا الله ، فمن صلى يرائي أو زين صلاته رياء أو صام أو حج يرائي أو تصدق يرائي أو جاهد في سبيل الله يرائي، أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر يرائي أو قال أي قول أو عمل أي عمل يرائي فيه فقد أشرك الشرك الأصغر.
يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: "أول من تسعر به النار من الموحدين العباد المراءون بأعمالهم، أولهم العالم والمجاهد والمتصدق للرياء لأن يسير الرياء شرك" (٢).
وقد حذر النبي ﷺ منه وسماه شركًا أصغر، وخاف على الصحابة ﵃ منه وهم أبر الأمة أعمالًا وأقواها إيمانًا، وأحسنها أخلاقًا، وأصدقها أقوالًا، عن محمود بن لبيد أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 388
"إن اخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء، إن الله يقول يوم يجازي العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤن في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء أو خيرًا" (١).
وعن شداد بن أوس ﵁ قال: "كنا على عهد رسول الله ﷺ نعد الشرك الأصغر الرياء" (٢).
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من سَمَّع سَمَّع الله به، ومن راءى راءى الله به" (٣).
وعن شداد بن أوس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من صلى يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك" (٤).
كلامه في حكم عمل المرائي:
فصل ابن رجب رحمه الله تعالى القول في حكم عمل المرائي وما يترتب على ذلك من قبول للعمل أو رده، وقسم ذلك إلى أقسام هي:
стр. 389
أولًا: إذا كان العمل لله، وشاركه الرياء من أصله فإن هذا العمل باطل ومردود على صاحبه، ودلّت على بطلانه الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة التي تبيّن وجوب إخلاص العمل لله ﵎ وترك الرياء، يقول ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان هذا: وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله، فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه أيضًا وحبوطه، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يقول الله ﵎: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) ... (١).
وخرّج الإمام أحمد عن شداد بن أوس عن النبي ﷺ قال: "من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك ومن تصدق يرائي فقد أشرك، فإن الله يقول: (أنا خير قسيم لمن أشرك بي شيئًا، فإن جدة عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به أنا عنه غني).
وخرّج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد بن أبي فضالة -وكان من الصحابة- قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله فليطلب ثوابه من عند غير الله ، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك" (٢).
وخرّج النسائي بإسناد جيد عن أبي أمامة الباهلي ﵁ أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت رجلًا غزًا يلتمس الأجر
стр. 390
والذكر؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا شيء له" ثم قال: "إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا، وابتغى به وجهه" (١).
وخرّج الحاكم من حديث ابن عباس ﵄، قال: قال رجل يا رسول الله: إني أقف الموقف أريد به وجه الله، وأريد أن يرى موطني، فلم يرد عليه رسول الله ﷺ شيئًا حتى نرلت: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ ... ﴾ (٢)(٣).
وممن يروى عنه هذا المعنى -أن العمل إذا خالطه شيء من الرياء كان باطلًا- طائفة من السلف، منهم: "عبادة بن الصامت" و"أبو الدرداء" و"الحسن" و"سعيد بن المسيب" (٤) وغيرهم ... ولا نعرف عن السلف في هذا خلافًا ... إلى أن قال: "فإن خالط نية الجهاد مثل نية غير الرياء، مثل أخذه أجرة للخدمة، أو أخذ شيء من الغنيمة أو التجارة نقص بذلك أجر جهاده، ولم يبطل بالكلية وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إن الغزاة إذا غنموا غنيمة تعجّلوا ثلثي أجرهم فإن لم يغنموا شيئًا تم لهم أجرهم" (٥).