← Акыда

Акыда · id 117

ابن رجب الحنبلي وأثره في توضيح عقيدة السلف

عبد الله بن سليمان الغفيلي

Полный текст (789 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

المبحث السابع بيان المراد بالورود في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى الخلاف في المراد بالورود في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ (١) وعقد له فصلًا في كتاب التخويف من النار بعنوان "الباب السابع والعشرون في ذكر ورود النار" قال فيه: اختلف الصحابة ومن بعدهم في تفسير الورود ثم ذكر بعد ذلك أقوال العلماء في ذلك على النحو التالي: ١ - قول الذين قالوا إن المراد بالورود المرور على الصراط، قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "قالت طائفة: الورود هو المرور على الصراط وهذا قول ابن مسعود وجابر والحسن وقتادة وغيرهم .. ". ٢ - القول الثاني: قول ابن عباس ﵄ ومن وافقه من الصحابة وغيرهم في أن المقصود من الورود في الآية هو الدخول في النار، قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "وقالت طائفة: الورود هو الدخول، وهذا هو المعروف عن ابن عباس، روي عنه من غير وجه، وكان يستدل لذلك بقول الله تعالى في فرعون ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ (٢) وبقوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ (٣)

стр. 702

وكذلك قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ (١) ... " (٢). ٣ - القول الثالث: قول الذين قالوا إن المراد بالورود هو ما يصيب المؤمن في الدنيا من حمى ومرض، قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "وقد فسر بعضهم الورود بالحمى في الدنيا"، روي عن مجاهد وعثمان بن الأسود (٣)، وفيه حديث مرفوع: "الحمى حظ المؤمن من النار" (٤) وإسناده ضعيف. ٤ - القول الرابع: قول الذين قالوا إن الورود ليس عامًا وإنما هو

стр. 703

خاص بالمحضرين حول جهنم، قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "وقالت طائفة: الورود ليس عامًا وإنما هو خاص بالمحضرين حول جهنم المذكورين في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (١) كأنه يقال لهؤلاء الموصوفين: "وإن منكم إلا واردها" روى هذا التأويل عن زيد بن أسلم (٢) وهو بعيد جدًا" (٣). ويبدو لي أن ابن رجب رحمه الله تعالى يرجح القول الأول الذي يقول أن المراد بالورود هو المرور على الصراط، ويدل على ذلك ما يأتي: ١ - عند ذكره للقول الأول قال: "ومما يستدل به على أن الورود ليس هو الدخول ما خرّجه مسلم من حديث جابر قال: أخبرتني أم بشر أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها" قالت: بلى يا رسول الله فانتهرها، فقالت حفصة: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (٤) فقال النبي ﷺ : قد قال الله : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ (٥) ...... (٦) " (٧). فهذا يشعر برده للقول الثاني ...

стр. 704

٢ - أنه بعد أن ذكر بعض الآثار التي تدل على القول الثاني رد عليها بقوله: "ولكن هذا والذي قبله قد يدلان على أن الورود هو المرور على الصراط كالقول الأول" (١). ٣ - أنه صدر به الأقوال. والقول بأن الورود في هذه الآية هو المرور على الصراط ذهب إليه كثير من المفسرين والعلماء. قال ابن أبي العز رحمه الله تعالى: "اختلف المفسرون في المراد بالورود المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (٢) ما هو؟ والأظهر الأقوى أنه المرور على الصراط" (٣). وقال الشوكاني: "وقد توقف كثير من العلماء عن تحقيق هذا الورود وحمله على ظاهره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١). . .﴾ (٤) ولا يخفى أن القول بأن الورود هو المرور على الصراط ... فيه جمع بين الأدلة من الكتاب والسنة فينبغي حمل الآية على ذلك" (٥).

стр. 705

المبحث الثامن الشفاعة قال ابن الأثير: تكرر ذكر الشفاعة في الحديث فيما يتعلق بأمور الدنيا والآخرة، وهي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم بينهم، يقال: "شفع يشفع شفاعة فهو شافع وشفيع، والمشفِّع الذي يقبل الشفاعة، والمشفَّع الذي تقبل شفاعته" (١). وقال الراغب الأصفهاني: "الشفاعة الانضمام إلى آخر ناصرًا له وسائلًا عنه، وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى من هو أدنى ... " (٢). وقال الحافظ ابن حجر: الاستشفاع طلب الشفاعة وهي انضمام الأدنى إلى الأعلى ليستعين به على ما يرومه (٣). فالشفاعة هي طلب وسؤال الخير للغير. ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يؤمنون بكل ما جاءهم عن الله وعن رسوله ﷺ في الشفاعة، ويثبتون جميع الشفاعات التي وردت الأدلة في الكتاب والسنة بإثباتها كشفاعته ﷺ لأهل الموقف وأهل الكبائر من أمته وغير ذلك من أنواع شفاعاته ﷺ التي ستأتي،

стр. 706

وشفاعات غيره من الأنبياء والملائكة والمؤمنين، وينفون الشفاعة التي نفتها الأدلة من الكتاب والسنة. والشفاعة ملك لله وحده لا يشفع أحد لأحد إلا بعد إذنه للشافع أن يشفع ورضاه عن المأذون بالشفاعة فيه قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾ (٣) وغير ذلك من الآيات الواردة في الشفاعة. ومن الأدلة الواردة في السنة في الشفاعة حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ قال: "لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا" (٤). ومنها حديثه الآخر ﵁ وهو حديث طويل وفيه ذكر الشفاعة العظمى حيث يقول الرسول ﷺ : "أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون بمَ ذاك؟ يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفدهم البصر، وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون وما لا يحتملون فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم

стр. 707

إلى ربكم ... " فذكر في الحديث أنهم يأتون آدم ونوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام وكلهم يتبرأ ويقول: اذهبوا إلى غيري حتى يأتوا النبي ﷺ كما جاء في الحديث: "فيأتوني فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فانطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدًا لربي ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه لأحد قبلي ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، سل تعطه، اشفع تشفع ... " (١) الحديث. ومنها حديث جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: "إن الله يخرج قومًا من النار بالشفاعة" (٢). ومنها حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أول الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثر الأنبياء تبعًا" (٣). فالشفاعة حق، وهي ثابتة للرسول ﷺ ولمن يأذن الله له من النبيين والملائكة والمؤمنين، والشفاعات (٤) الثابتة على سبيل البسط ثمانية أنواع هي: ١ - الشفاعة العظمى وهي شفاعته ﷺ في الخلائق كلهم ليخلصوا

стр. 708

من هول الموقف يوم القيامة، وليعجل الله حسابهم بعد طول الموقف، ويقضي بينهم في اليوم الذي تقف فيه الخلائق خاضعين أمام خالقهم لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابًا حيث تنتهي إليه ﷺ بعد مراجعتهم الأنبياء للقيام بها، فيقول ﵊: "أنا لها" وقد سبق ذكر دليل هذا النوع (١). ٢ - شفاعته ﷺ لأهل الجنة في دخولها بعد الفراغ من حسابهم. وقد تقدم دليل هذا النوع (٢). ٣ - شفاعته ﷺ في عمه أبي طالب في تخفيف العذاب عنه لأنه كان يحميه من أذى كفار قريش فيخفف عنه العذاب فيجعل في ضحضاح (٣) من النار بشفاعة النبي ﷺ لا بعمله الذي عمله لأن الله أخبر أن الكافرين لا تنفعهم شفاعة الشافعين، وإنما الشفاعة لأهل التوحيد خاصة، ولكن شفاعته لعمه أبي طالب خاصة به، وخاصة لأبي طالب، ويدل على هذا النوع حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ ذكر عنده عمه أبو طالب فقال: "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه" (٤). وهذه الأنواع الثلاثة السابقة من أنواع الشفاعة خاصة بنبينا محمد ﷺ . ٤ - شفاعته ﷺ لقوم من عصاة الموحدين استحقوا دخول النار أن

стр. 709

لا يدخلوها، وقد استدل ابن حجر (١) رحمه الله تعالى لهذا النوع بقوله ﷺ : "ونبيكم قائم على الصراط يقول رب سلم سلم حتى تعجز أعمال العباد" (٢). ٥ - شفاعته ﷺ في العصاة من أهل التوحيد الذين دخلوا النار بذنوبهم أن يخرجوا منها، وقد تقدم دليل هذا النوع (٣). ٦ - شفاعته ﷺ في رفع درجات بعض أهل الجنة فوق ما كان يقتضيه ثواب أعمالهم يدل على ذلك حديث أم سلمة أن رسول الله ﷺ دعا لأبي سلمة بعدما توفي فقال: "اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين ... " (٤). وحديث أبي موسى الأشعري أنه لما أصيب عمه أبو عامر في غزوة أوطاس دعا له النبي ﷺ فقال: "اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك أو من الناس" (٥). ٧ - شفاعته ﷺ في قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم أن يدخلوا الجنة، وقد استدل ابن حجر رحمه الله تعالى لهذا النوع بما أخرجه الطبراني عن ابن عباس قال: السابق يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد برحمة الله، والظالم لنفسه، وأصحاب الأعراف يدخلونها بشفاعة النبي ﷺ ثم ذكر الحافظ ابن حجر أن أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم (٦).

стр. 710

٨ - شفاعته ﷺ في دخول بعض المؤمنين الجنة بغير حساب ولا عذاب كشفاعته ﷺ في عكاشة بن محصن ﵁ حيث دعا له النبي ﷺ أن يكون من السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفًا بغير حساب، فقال رجل: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: اللهم اجعله منهم، ثم قام آخر فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: سبقك بها عكاشة" (١). وهذه الأنواع الخمسة الأخيرة يشارك النبي ﷺ فيها غيره من الأنبياء والملائكة والصديقين والشهداء. وأهل السنة والجماعة يؤمنون بهذه الشفاعات كلها ويثبتونها لثبوتها في الكتاب والسنة مع إيمانهم أن هذه الشفاعات لا تتحقق إلا بعد تمام شروطها وهي: ١ - إذن الله للشافع أن يشفع، فإنه لا يشفع أحد حتى يأذن الله له كما قال : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ (٤) وأمثال ذلك من الآيات التي تدل بوضوح على انتفاء الشفاعة قبل الإذن من المولى . ٢ - رضي الله عن المشفوع له كما قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ

стр. 711

لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ (١)، وقال : ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (٢). ففي هاتين الآيتين قيد الله الشفاعة برضاه عن المشفوع له وهو لا يرضى إلا لأهل التوحيد الخاص. وقد خالفت الجهميةُ، والمعتزلةُ والخوارجُ أهلَ السنة والجماعة في الشفاعة فأنكروا (٣) بعض أنواع الشفاعات السابقة كشفاعته ﷺ وشفاعة غيره في أهل الكبائر واحتجوا على ذلك بالآيات التي فيها نفي الشفاعة كقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ (٦). وأمثال ذلك من الآيات التي تتضمن نفي الشفاعة. والحقيقة أن هذا استدلال غير صحيح لأن الشفاعة المنفية هنا هي الشفاعة في أهل الشرك، فهم الذين لا تنفعهم شفاعة الشافعين، وأما المؤمنون فهم الذين تنفعهم الشفاعة بشروطها لثبوت الأدلة عليها من الكتاب والسنة، وهي التي وفّق الله أهل السنة والجماعة إلى القول بها، ولا عبرة بمخالفة أهل الزيغ والضلال. وقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى عن الشفاعة وبين أنواعها فقد

стр. 712

ذكر في كتاب التخويف من النار في باب ضرب الصراط على متن جهنم الشفاعة العظمى الخاصة بنبينا محمد ﷺ من بين سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فقال: أخرج مسلم من حديث أبي هريرة وحذيفة كلاهما عن النبي ﷺ فذكر حديث الشفاعة وفيه قال: "فيأتون محمدًا ﷺ فيقوم ويؤذن له ... " (١) الحديث. وفي الباب الثامن والعشرين في ذكر حال الموحدين وخروجهم منها برحمة أرحم الراحمين وشفاعة الشافعين ذكر نوعا آخر من أنواع الشفاعة وهي شفاعته ﷺ في أهل الكبائر من أمته ممن يدخلون النار ويخرجون منها فيقول: وفي الصحيحين ... عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يجمع الله الناس يوم القيامة" فذكر الحديث بطوله، وفيه ذكر جواز الناس على الصراط ثم قال: "حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل الكبائر من النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن دخل النار يعرفون بأثر السجود، تأكل النار ما من ابن آدم إلا أثر السجود، حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود فيخرجون من النار قد امتحشوا (٢) فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون منه كما تنبت الحِبَّة (٣) في حَمِيل السيل ... " (٤) وذكر

стр. 713

بقية الحديث (١). وخرج مسلم من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ قال: "إن قومًا يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارات (٢) وجوههم حتى يدخلوا الجنة (٣). وخرج أيضًا .. عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: "أما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم -أو قال بخطاياهم- فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحمًا أذن في الشفاعة فجيء بهم ضَبائِر (٤) ضبائِر فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل لأهل الجنة: أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحِبَّة في حَمِيل السيل" (٥) ... (٦). وقال رحمه الله تعالى عند قوله ﷺ : "حلت له شفاعتي" (٧) معناه

стр. 714

نالته وحصلت له ووجبت، وليس المراد بهذه الشفاعة الشفاعة في فصل القضاء فإن تلك عامة لكل أحد ولا الشفاعة في الخروج من النار ولابد، فإنه قد يقول ذلك ممن لا يدخل النار، وإنما المراد والله أعلم أنه يصير في عناية رسول الله ﷺ بحيث تتحتم له شفاعته، فإن كان ممن يدخل النار بذنوبه شفع له بإخراجه منها أو في منعه من دخولها وإن لم يكن من أهل النار فيشفع له في دخوله الجنة بغير حساب أو في رفع درجته في الجنة" (١). وقال رحمه الله تعالى أيضًا: " ... وأما الشفاعة التي اختص بها النبي ﷺ من بين الأنبياء فليست هي الشفاعة في خروج العصاة من النار، فإن هذه الشفاعة شاركه فيها الأنبياء والمؤمنون أيضًا كما تواترت بذلك النصوص، إنما الشفاعة التي يختص بها دون الأنبياء أربعة أنواع: ١ - أحدها: شفاعته للخلق في فصل القضاء بينهم. ٢ - والثاني: شفاعته لأهل الجنة في دخول الجنة. ٣ - الثالث: شفاعته في أهل الكبائر من أهل النار، فقد قيل إن هذه يختص هو بها. ٤ - الرابع: كثرة من يشفع له من أمته، فإنه وفر شفاعته وأدخرها إلى يوم القيامة، وقد ورد التصريح بهذه الشفاعة. وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لكل نبي دعوة يدعو بها، فأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة" (٢). وفي صحيح مسلم عن جابر عن النبي ﷺ قال: "لكل نبي دعوة

стр. 715

قد دعا بها في أمته، وخبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة" ... (١). وعن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: "إن الله تعالى أيقظني فقال: يا محمد إني لم أبعث نبيًا ولا رسولًا إلا وقد سألني مسألة أعطيتها إياه فاسأل يا محمد تعط، فقلت: مسألتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فقال أبو بكر: يا رسول الله، وما الشفاعة؟ قال: أقول يا رب شفاعتي التي اختبأت عندك، فيقول الرب ﵎: نعم فيخرج ربي ﵎ بقية أمتي من النار فينبذهم في الجنة" (٢). والمراد من هذه الأحاديث والله أعلم أن كل نبي أعطي دعوة عامة شاملة لأمته فمنهم من دعا على أمته المكذبين له فهلكوا، ومنهم من سأل في الدنيا ملكًا له كسليمان ﵇، واختص النبي ﷺ بأن أدخر تلك الدعوة العامة الشاملة لأمته شفاعة لهم يوم القيامة. وقد ذكر بعضهم شفاعة خامسة خاصة بالنبي ﷺ وهي شفاعته في تخفيف عذاب بعض المشركين كما شفع لعمه أبي طالب، وجعل هذا من الشفاعة المختص بها ﷺ . وزاد بعضهم شفاعة سادسة خاصة بالنبي ﷺ وهي شفاعته في سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ... (٣). كما بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أن هناك أعمالًا تشفع لصاحبها يوم القيامة ومنها الصيام وقراءة القرآن فقال: "الصيام يشفع لمن منعه الطعام والشهوات المحرمة كلها سواء كان تحريمها يختص بالصيام كشهوة الطعام والشراب والنكاح ومقدماتها، أو لا يختص به كشهوة فضول

стр. 716

الكلام المحرم والسماع المحرم والنظر المحرم والكسب المحرم، فإذا منعه الصيام من هذه المحرمات كلها، فإنه يشفع له عند الله يوم القيامة، ويقول: يا رب منعته شهواته فشفعني فيه، فهذا لمن حفظ صيامه، ومنعه من شهواته، فأما من ضيع صيامه، ولم يمنعه عما حرمه الله عليه، فإنه جدير أن يضرب به وجه صاحبه، ويقول له: ضيعك الله كما ضيعتني ... وكذلك القرآن إنما يشفع لمن منعه من النوم بالليل فإن من قرأ القرآن وقام به فقد قام بحقه فيشفع له ... كما في المسند عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان" (١) ... (٢).

стр. 717

المبحث التاسع الجنة ونعيمها الجنة هي دار النعيم التي أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين المتقين الأبرار المشتملة على أصناف النعيم والبهجة والسرور، والحور، والقصور، وكل ما لذ وطاب. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧)﴾ (١). وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨)﴾ (٣). ولقد رغب الله في الجنة وحث المؤمنين على العمل

стр. 718

من أجلها فقال : ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ (٢). وأما الأحاديث الدالة على نعيم الجنة وما فيها من الفضل العظيم فكثيرة جدًا منها: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يقول الله تعالى: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) (٣) قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ (٤). ومنها حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يأكل أهل الجنة فيها، ويشربون ولا يتغوطون، ولا يتمخطون، ولا يبولون، ولكن طعامهم ذاك جشاء كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتكبير كما يلهمون النفس" (٥). وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى الجنة وما أعد الله فيها

стр. 719

لأوليائه وذكر كثيرًا من الأحاديث الدالة على أوصاف نعيمها ومنها قوله: "وفي صحيح مسلم عن المغيرة بن شعبة يرفعه سأل موسى ربه قال: يا رب ما أدنى أهل الجنة منزلة قال: هو رجل يجيء بعدما أدخل أهل الجنة الجنة فيقال له: أدخل الجنة فيقول: يا رب كيف، وقد أخذ الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم، فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل مُلْك مَلِك من ملوك الدنيا، فيقول: رضيت يا رب فيقول لك ذلك ومثله ومثله ومثله فقال في الخامسة: رضيت يا رب فيقال: هذا لك وعشرة أمثاله ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك، فيقول: رضيت رب، قال: رب فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها فلم ترَ عين، ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر" (١) ... (٢). وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "ومن عرف الآخرة وعظمتها رغب فيها، عباد الله هلموا إلى دار لا يموت سكانها ولا يخرب بنيانها ولا يهرم شبابها ولا يتغير حسنها وأحسانها هواؤها النسيم وماؤها التسنيم يتقلب أهلها في رحمة أرحم الراحمين ويتمتعون بالنظر إلى وجهه كل حين (دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) (٣) ... " (٤). وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥)، الجنة ضيافة الله أعدها

стр. 720

للمؤمنين نزلًا، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فبعث رسول الله ﷺ يدعو إليها بالإيمان والإسلام والإحسان، فمن أجابه دخل الجنة، وأكل من تلك الضيافة ومن لم يجب حرم" (١). نسأل الله العظيم أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه وأن يجعلنا من أهل الجنة الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وقد حث ابن رجب رحمه تعالى على سلوك الصراط المستقيم والاجتهاد في الأعمال والأسباب الموصلة إلى الجنة ونعيمها وإلى مرضاة الله ومغفرته ورحمته فقال: "يتعين على العبد المؤمن الطالب للنجاة من النار ولدخول الجنة، وللقرب من مولاه والنظر إليه في دار كرامته أن يطلب ذلك بالأسباب الموصلة إلى رحمة الله وعفوه ومغفرته ورضاه ومحبته، فبها ينال ما عند الله من الكرامة، إذ الله قد جعل للوصول إلى ذلك أسبابًا من الأعمال التي جعلها موصلة إليه، وليس ذلك موجودًا إلا فيما شرعه الله لعباده على لسان رسوله، وأخبر عنه رسوله أنه يقرب إلى الله، ويوجب رضوانه ومغفرته، وأنه مما يحبه الله، أو أنه من أحب الأعمال إلى الله فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ (٣)، فالواجب على العبد البحث عن خصال التقوى وخصال الإحسان التي شرعها الله في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ، والتقرب بذلك إلى الله ، فإنه لا طريق للعبد يوصله إلى رضى مولاه وقربه ورحمته وعفوه ومغفرته سوى ذلك (٤).

стр. 721

كما بيّن رحمه الله تعالى بعض أوصاف أهل الجنة فقال رحمه الله تعالى: "وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار أن النبي ﷺ قال في خطبته: "وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى، ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال ... " (١) ففي هذا الحديث جعل النبي ﷺ أهل الجنة ثلاثة أصناف: أحدهم: ذو السلطان المقسط المتصدق، وهو من كان له سلطان على الناس فسار في سلطانه بالعدل، ثم ارتقى درجة الفضل. والثاني: الرحيم الرقيق القلب الذي لا يخص برحمته قرابته، بل يرحم المسلمين عمومًا، فتبين أن القسمين أهل الفضل والإحسان. والثالث: العفيف المتعفف ذو العيال، وهو من يحتاج إلى ما عند الناس فيتعفف عنهم، وهذا أحد نوعي الجود، أعني العفة عما في أيدي الناس لاسيما مع الحاجة. وقد وصف الله في كتابه أهل الجنة ببذل الندى وكف الأذى ولو كان الأذى بحق فقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ (٢). فهذا حال معاملتهم للخلق، ثم وصف قيامهم بحق الحق فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾ (٣).

стр. 722

فوصفهم الله عند الذنوب بالاستغفار، وعدم الإصرار وهو حقيقة التوبة النصوح. وقريب من هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨)﴾ (١). والعقبة قد فسرها ابن عباس بالنار، وفسرها ابن عمر بعقبة في النار، فأخبر سبحانه أن اقتحامها وهو قطعها ومجاوزتها يحصل بالإحسان إلى الخلق إما بعتق الرقبة وإما بالإطعام في المجاعة، والمطعم إما يتيم من ذوي القربى أو مسكين قد لصق بالتراب فلم يبق له شيء، ولابد مع الإحسان أن يكون من أهل الإيمان، والأمر لغيره بالعدل والإحسان وهو التواصي بالصبر والتواصي بالرحمة، وأخبر سبحانه أن هذه الأوصاف أوصاف أصحاب الميمنة" (٢).

стр. 723

المبحث العاشر رؤية الله في الجنة إن رؤية المؤمنين لربهم بأبصارهم يوم القيامة ثابتة بالكتاب والسنة المتواترة، واتفق على القول بها جميع الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام على تتابع القرون (١). ورؤيته يوم القيامة هي أعلى مراتب نعيم الجنة وغاية مطلوبهم. وقد قرر ابن رجب رحمه الله تعالى هذه المسألة واستدل لها بعدة أدلة من الكتاب والسنة فقال رحمه الله تعالى عند شرحه لحديث: "أنكم سترون ربكم ... " (٢) هذا الحديث نص في ثبوت رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (٣)، ومفهوم قوله في حق الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ (٤) قال الشافعي وغيره: لما حجب أعداءه بالسخط دل على أن أولياءه يرونه في الرضا. والأحاديث في ذلك كثيرة جدًا، وقد ذكر البخاري بعضها في أواخر الصحيح في كتاب التوحيد.

стр. 724

وقد أجمع على ذلك السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان من الأئمة واتباعهم (١). وقال رحمه الله تعالى أيضًا: " ... واتفق السلف الصالح على تلقي هذا الحديث بالقبول والتصديق قال يزيد بن هارون (٢): من كذَّب بهذا الحديث فهو بريء من الله ورسوله". وقال وكيع: "من رد هذا الحديث فاحسبوه من الجهمية ... " (٣). وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وأعظم عذاب أهل النار حجابهم عن الله وإبعادهم عنه وإعراضه عنهم وسخطه عليهم كما أن رضوان الله على أهل الجنة أفضل من كل نعيم الجنة، وتجليه لهم ورؤيتهم إياه أعظم من جميع أنواع نعيم الجنة قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾ (٤) فذكر الله تعالى ثلاثة أنواع من العذاب حجابهم عنه، ثم صليهم الجحيم، ثم توبيخه بتكذيبهم به في الدنيا، ووصفهم بالران على قلوبهم، وهو صدأ الذنوب الذي سود قلوبهم فلم يصل إليها بعد ذلك في الدنيا، من معرفة الله ولا من إجلاله ومهابته وخشيته ومحبته فكما حجبت قلوبهم في الدنيا عن الله

стр. 725

حجبوا في الآخرة عن رؤيته، وهذا بخلاف حال أهل الجنة قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)﴾ (١) والذين أحسنوا هم أهل الإحسان، والإحسان أن يعبد العبد ربه كأنه يراه كما فسره النبي ﷺ لما سأله جبريل ﵇، فجعل جزاء الإحسان الحسنى وهو الجنة والزيادة وهي النظر إلى وجه الله كما فسره بذلك رسول الله ﷺ في حديث صهيب وغيره" (٢). وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله تعالى في الجنة وهذا مناسب لجعله جزاء لأهل الإحسان، لأن الإحسان هو أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة، كأنه يراه بقلبه وينظر إليه في حال عبادته، فكان جزاء ذلك النظر إلى وجه الله عيانًا في الآخرة، وعكس هذا ما أخبر الله تعالى به عن جزاء الله للكفار في الآخرة: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ (٣)، وجعل ذلك جزاء لحالهم في الدنيا وهو تراكم الران على قلوبهم حتى حجبت عن معرفته ومراقبته في الدنيا فكان جزاؤهم على ذلك أن حجبوا عن رؤيته في الآخرة" (٤). كما أوضح ابن رجب رحمه الله تعالى أن أهل الجنة كلهم يشتركون في رؤية الله ﵎ إلا أنهم يتفاوتون في أوقات الرؤية ومقدارها حيث قال: "كل أهل الجنة يشتركون في الرؤية لكن يتفاوتون في القرب في حال الرؤية، وفي أوقات الرؤية، عموم أهل الجنة يرون يوم المزيد

стр. 726

وهو يوم الجمعة، وخواصهم ينظرون إلى وجه الله في كل يوم مرتين بكرة وعشيًا" (١). وقال رحمه الله تعالى أيضًا: " ... أما المقصود الثاني فحاصل لأهل الجنة على أكمل الوجوه وأتمها، ولا نسبة لما حصل لقلوبهم في الدنيا من لطائف القرب، والأنس والاتصال إلى ما يشاهدونه في الآخرة عيانًا، فتنعم قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم بقرب الله ورؤيته وسماع كلامه، لاسيما في أوقات الصلاة في الدنيا كالجمع والأعياد، والمقربون منهم يحصل ذلك لهم كل يوم مرتين بكرة وعشيًا في وقت صلاة الصبح، وصلاة العصر، ولهذا لما ذكر النبي ﷺ أن أهل الجنة يرون ربهم، حض عقب ذلك على المحافظة على صلاة العصر، وصلاة الفجر لأن وقت هاتين الصلاتين وقت لرؤية خواص أهل الجنة ربهم وزيارتهم له ... " (٢). كما أوضح ابن رجب رحمه الله تعالى أن رؤية الله ﵎ هو أعظم نعيم أهل الجنة، وأنهم يحقرون كل نعيم أمام نعيم رؤية ربهم وخالقهم حيث قال: "إن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة واستدعاهم الرب سبحانه إلى زيارته ومشاهدته ومحاضرته يوم المزيد، فإنهم ينسون عند ذلك كل نعيم عاينوه في الجنة قبل ذلك، ولا يلتفتون إلى شيء مما هم فيه من نعيم الجنة حتى يحتجب عنهم سبحانه، ويحقرون كل نعيم في الجنة حين ينظرون إلى وجهه ﷻ كما جاء في أحاديث يوم المزيد" (٣).

стр. 727

فقد أوضح ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق أن رؤية المؤمنين لربهم عيانًا بأبصارهم يوم القيامة حق لا مرية فيه، وهو ما عليه سلف هذه الأمة وأئمتها رحمهم الله تعالى. وقد ذكر ابن رجب ﵀ في معرض كلامه السابق بعض الأدلة التي استدل بها أهل السنة والجماعة على ثبوت رؤية الله ﵎ يوم القيامة. وهناك أدلة أخرى تدل على ثبوت الرؤية لم يتعرض لها ابن رجب رحمه الله تعالى. منها قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ (٢). قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "أجمع أهل اللسان على أن اللقاء متى نسب إلى الحي السليم من العمى والمانع، اقتضى المعاينة والرؤية" (٣). أما الأحاديث الدالة على رؤية الله ﵎ ولقائه فهي كثيرة جدًا تصل إلى حد التواتر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ثبت بالسنة المتواترة واتفاق سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة أهل الإسلام الذين ائتموا بهم في دينهم أن الله يري في الدار الآخرة بالأبصار عيانًا، وقد دل على ذلك القرآن في مواضع كما ذلك مذكور في مواضعه، والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة متواترة في

стр. 728

الصحاح والسنن والمسانيد (١). ومنها حديث أبي سعيد الخدري قال: قلنا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون (٢) في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحوًا؟ قلنا: لا، قال: فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ، إلا كما تضارون في رؤيتهما" (٣) متفق عليه. ومنها حديث أبي هريرة ﵁: أن ناسًا قالوا لرسول الله ﷺ : يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : "هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ " قالوا: لا يا رسول الله، قال: "هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ " قالوا: لا يا رسول الله، قال: "فإنكم ترونه كذلك ... " الحديث (٤). والمراد من التشبيه في الأحاديث السابقة كما فسره علماء السلف رحمهم الله تعالى هو تشبيه الرؤية بالرؤية من حيث الوضوح والحقيقة

стр. 729

وعدم التكلف والتزاحم حال الرؤية، لا تشبيه المرئى بالمرئي لأن الله ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١). ومنها حديث صهيب بن سنان ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتُنَجِّنَا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم " (٢). هذه الآيات والأحاديث التي ذكرتها وغيرها مما لم أذكره فيها دلالة لما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من ثبوت رؤية الله تعالى حقيقة يوم القيامة. ولا عبرة بمن خالف ذلك من الفرق الأخرى ممن حادوا عن الصواب وخالفوا نصوص الكتاب والسنة. قال ابن رجب رحمه الله تعالى في معرض الرد على المخالفين: "وإنما خالف فيه طوائف من أهل البدع من الجهمية والمعتزلة ونحوهم ممن يرد النصوص الصحيحة لخيالات فاسدة، وشبهات باطلة، يخيلها لهم الشيطان فيسرعون إلى قبولها منه، ويوهمهم أن هذه النصوص الصحيحة تستلزم باطلًا، وتسميته تشبيهًا أو تجسيمًا فينفرون منه، كما خيل إلى المشركين قبلهم أن عبادة الأوثان ونحوها تعظيم لجناب الرب وإنه لا يتوصل إليه من غير وسائط تعبد فتقرب إليه زلفًا وأن ذلك أبلغ في التعظيم والاحترام، وقاسه لهم على ملوك بنى آدم فاستجابوا لذلك وقبلوه منه.

стр. 730

وإنما بعث الله الرسل وأنزل الكتب لإبطال ذلك كله، فمن اتبع ما جاءوا به فقد اهتدى، ومن أعرض عنه أو عن شيء منه واعترض فقد ضل ... وقد ظن المريسي ونحوه ممن ضل وافترى على الله أن هذا الحديث يرد لما يتضمن من التشبيه فضل وأضل" (١). والحقيقة أن المتأمل لكلام النفاة للرؤية واستدلالاتهم يجد أن ذلك منهم مبني على التعسف وتحريف الكلم عن مواضعه، لأنه لا يشهد لمذهبهم سمع ولا عقل بل كل ذلك يرد عليهم. وسأذكر أشهر أدلتهم التي استدلوا بها من القرآن والرد عليها: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (٢). قالوا: إن الله مدح نفسه بأنه لا يرى بالأبصار، وما كان نفيه تمدحًا راجعًا إلى ذاته كان إثباته نقصًا، والنقائص غير جائزة على الله تعالى في حال من الأحوال (٣). والجواب عن ذلك أن يقال: إن الآية تدل على كمال عظمة الله تعالى وأنه أكبر من كل شيء وأنه لكمال عظمته لا يدرك، وهذا ما مدح الله به نفسه ولم يذكر أنه لا يرى، والإدراك هو الإحاطة بالشيء وهو قدر زائد على الرؤية، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾ (٤) فلم ينف موسى ﵇ الرؤية، وإنما نفى الإدراك ولا

стр. 731

يمكن أن يقال إن موسى ﵇ نفى الرؤية لأن الله تعالى صرح بإثبات الرؤية بقوله: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾. فالرؤية والإدراك كل منهما، يوجد مع الآخر وبدونه، والرب ﵎ يرى ولا يدرك كما يعلم ولا يحاط به علمًا، وهذا هو الذي فهمه الصحابة والأئمة من هذه الآية (١). ومما يدل على أن الإدراك قدر زائد على الرؤية أن هذه الشمس وهذه السماء المخلوقتان يتمكن كل إنسان من رؤيتهما ولا يتمكن أن يدركهما على ما هما عليه (٢). الدليل الثاني: استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ الآية (٣). قالوا: إن "لن" كلمة تدل على التأبيد فقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ نفى فيه أن يكون مرئيًا البتة، وهذا يدل على استحالة الرؤية عليه (٤). والجواب عن ذلك: أن هذه الآية كالآية السابقة لا حجة لهم بها، وادعاؤهم بأن لن تفيد النفي المؤبد غير صحيح لأن غاية ما تدل عليه "لن" النفي في المستقبل، ولا تفيد التأبيد حتى ولو قيدت بالتأبيد فكيف إذا أطلقت. والدليل قوله تعالى عن الكفار: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ (٥) ومع ذلك أخبر أنهم يتمنونه يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ (٦).

стр. 732

ولأنها لو كانت للتأبيد المطلق لما جاز تحديد الفعل بعدها، وقد جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ (١). ولأنها لو كانت للتأبيد لم يقيد منفيها باليوم في قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ (٢). فثبت أن لن لا تقتضي النفي المؤبد (٣). إضافة إلى أن أئمة هذا الشأن وهم النحاة قالوا إن (لن) لا تفيد النفي المؤبد، قال ابن مالك (٤) في الكافية: ومن رأى النفي بـ (لن) مؤبدًا ... فقوله أردد وخلافه أعضدا ثم يقول في الشرح: ثم أشرت إلى ضعف قول من رأى تأبيد النفي بلن وهو الزمخشري في "أنموذجه" وحامله على ذلك اعتقاد أن الله تعالى لا يرى، وهو اعتقاد باطل بصحة ذلك عن رسول الله ﷺ أعني ثبوت الرؤية -جعلنا الله من أهلها وأعاذنا من عدم الإيمان بها" (٥). وما ذهب إليه أهل السنة والجماعة ووافقهم عليه ابن رجب رحمه الله تعالى في رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة عيانًا بأبصارهم كما أخبر الله ورسوله ﷺ عنها هو الحق الذي لا يجوز اعتقاد غيره لوضوح الأدلة عليه من الكتاب والسنة، وإجماع السلف عليه.

стр. 733

المبحث الحادي عشر النار وعذابها النار دار أعدها الله لأعدائه ولمن عصاه وخالف أمره، وهي دار العقوبة في الآخرة، ودار الذل والهوان والعذاب، دار أهلها أهل البؤس والشقاء، شرابهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود، ومأكلهم الزقوم كالمهل يغلي في البطون. والآيات والأحاديث الواردة في النار ووصفها ووصف عذابها وصفات أهلها أكثر من أن تحصى، أعاذنا الله من النار ومن عذابها. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾ (٣).

стр. 734

وقال تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧)﴾ (١). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤتى بجهنم لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها" (٢). وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءًا من حر جهنم قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله، قال: فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا كلها مثل حرها" (٣). وعنه ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران، وأذنان تسمعان ولسان ينطق يقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهًا آخر، وبالمصورين" (٤). وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاث" (٥).

стр. 735

وقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى كلامًا كثيرًا عن النار وأهلها ووصف عذابها في كتاب التخويف من النار، وساق في هذا الكتاب أبوابًا عديدة يذكر في كل باب كثيرًا من الآيات والأحاديث المتعلقة بها. قال في مقدمته: "وقد استخرت الله تعالى في جمع كتاب أذكر فيه صفة النار، وما أعد الله فيها لأعدائه من الخزي والنكال والبوار، ليكون بمشيئة الله قامعًا للنفوس عن غيها وفسادها، وباعثًا لها على المسارعة إلى فلاحها ورشادها ... " (١). وقال في الباب السادس عشر في ذكر حجارة النار: ومن جملة أنواع عذاب أهل النار فيها تلاعنهم وتباغضهم، وتبرأ بعضهم من بعض، ودعاء بعضهم على بعض بمضاعفة العذاب كما قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ (٢). وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا. . .﴾ (٣) الآية. وقال الله تعالى: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾ (٤)، وحينئذ فلا يبعد أن يقرن كل كافر بشيطانه الذي أضله وبصورة من عبده من دون الله من الحجارة (٥). وفي الباب الثامن عشر في ذكر طعام أهل النار وشرابهم فيها قال:

стр. 736

"قال الله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦)﴾ (١) ... ثم قال: وقد دل القرآن على أنهم يأكلون منها حتى تمتلئ منها بطونهم فتغلي في بطونهم كما يغلي الحميم وهو الماء الذي قد انتهى حره ثم بعد أكلهم منها يشربون عليه من الحميم شرب الهيم" (٢). وفي الباب الحادي والعشرين في ذكر أنواع عذاب أهل النار وتفاوتهم في العذاب بحسب أعمالهم قال: "واعلم أن تفاوت أهل النار في العذاب هو بحسب تفاوت أعمالهم التي دخلوا بها النار كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾ (٤) قال ابن عباس: "وافق أعمالهم" (٥). فليس عقاب من تغلظ كفره وأفسد في الأرض ودعا إلى الكفر كمن ليس كذلك قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾ (٦). وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ (٧).

стр. 737

وكذلك تفاوت عذاب عصاة الموحدين في النار بحسب أعمالهم، فليس عقوبة أهل الكبائر كعقوبة أصحاب الصغائر، وقد يخفف عن بعضهم العذاب بحسنات أخر له أو بما شاء الله من الأسباب. . . " (١). وقال في هذا الباب أيضًا عن أنواع عذابهم: "ومن أنواع عذابهم الصهر قال الله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١)﴾ ... (٢). ومن أنواع عذابهم سحبهم في النار على وجوههم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨)﴾. . . (٣). ومنهم من يعذب بالصعود إلى أعلى النار ثم يهوي فيها كذلك أبدًا، ومنهم من يكلف صعود جبل في النار والتردي منه. . . ومنهم من يدور في النار ويجر أمعاءه معه، وقد رأى النبي ﷺ عمرو بن لحي يجر قُصْبَه (٤) في النار. . . (٥).

стр. 738

ومنهم من يلقى في مكان ضيق لا يتمكن فيه من الحركة الضيقة قال الله : ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣)﴾ (١). وربما يبتلى أهل النار بأنواع من الأمراض الحادثة عليهم ... ومن أهل النار من يتأذى أهل النار بعذابه إما من نتن ريحه أو غيره ... (٢). كما بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أن أعظم عذاب أهل النار هو حجابهم عن الله وعدم تمكنهم من رؤيته ﵎ فقال: "وأعظم عذاب أهل النار حجابهم عن الله وإبعادهم عنه وإعراضه عنهم وسخطه عليهم كما أن رضوان الله على أهل الجنة أفضل من كل نعيم الجنة، وتجليه لهم ورؤيتهم إياه أعظم من جميع أنواع نعيم الجنة" قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾ (٣). فذكر الله تعالى لهم ثلاثة أنواع من العذاب: حجابهم عنه، ثم صليهم الجحيم، ثم توبيخهم بتكذيبهم به في الدنيا، ووصفهم بالران على قلوبهم، وهو صدأ الذنوب الذي سوّد قلوبهم، فلم يصل إليها بعد ذلك في الدنيا شيء من معرفة الله ولا من إجلاله ومهابته وخشيته ومحبته، فكما حجبت قلوبهم في الدنيا عن الله حجبوا في الآخرة عن رؤيته" (٤). كما بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى بعض أهل النار الذين يدخلونها

стр. 739

فقال: "وفي صحيح مسلم (١) عن عياض بن حمار أن النبي ﷺ قال في خطبته: " ... وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زَبْرَ له (٢) الذين هم فيكم تبعًا لا يبغون أهلًا ولا مالًا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك" وذكر البخل أو الكذب والشِّنْظِير (٣): الفحاش ... أهل النار ... قسمهم النبي ﷺ في هذا الحديث إلى خمسة أصناف: الصنف الأول: الضعيف الذي لا زبر له، ويعني بالزبر القوة والحرص على ما ينتفع به صاحبه في الآخرة من التقوى والعمل الصالح ولما حدث مطرف بن عبد الله (٤) بحديث عياض بن حمار هذا وبلغ قوله: "الضعيف الذي لا زبر له" فقيل له: أوَ يكون هذا؟ قال: نعم، والله لقد أدركتهم في الجاهلية، وإن الرجل ليرعى على الحي ما به إلا وليدتهم يطؤها. وهذا القسم شر أقسام الناس ونفوسهم ساقطة لأنهم ليس لهم همم في طلب الدنيا ولا الآخرة، وإنما همة أحدهم شهوة بطنه وفرجه كيف

стр. 740

اتفق له، وهو تبع للناس خادم لهم أو طواف عليهم سائل لهم. والصنف الثاني: الخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه أي يعني لا يقدر على خيانة ولو كانت حقيرة يسيرة إلا بادر إليها واغتنمها، ويدخل في ذلك التطفيف في المكيال والميزان، وكذلك الخيانة في الأمانات القليلة كالودائع وأموال اليتامى وغير ذلك، وهو خصلة من خصال النفاق وربما يدخل الخيانة من خان الله ورسوله في ارتكاب المحارم سرًا مع إظهار اجتنابها. الصنف الثالث: المخادع الذي دأبه صباحًا ومساءً مخادعة الناس على أهليهم وأموالهم، والخداع من أوصاف المنافقين كما وصفهم الله تعالى بذلك، والخداع معناه إظهار الخير وإضمار الشر لقصد التوصل إلى أموال الناس وأهاليهم والانتفاع بذلك، وهو من جملة المكر والحيل المحرمة. الصنف الرابع: الكذب والبخل ... والكذب والبخل كلاهما ينشأ عن الشح كما جاء ذلك في الأحاديث، والشح هو شدة حرص الإنسان على ما ليس له من الوجوه المحرمة، وينشأ عنه البخل، وهو إمساك الإنسان ما في يده والامتناع من إخراجه في وجوهه التي أمر بها، فالمخادع الذي سبق ذكره هو الصحيح، وهذا الصنف هو البخيل، فالشحيح أخذ المال بغير حقه، والبخيل منعه من حقه. وينشأ عن الشح أيضًا الكذب والمخادعة والتحيل على ما لا يستحقه الإنسان بالطرق الباطلة المحرمة، وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: "إن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار" (١).
следующие страницы →