قوله: "بِمَحَارِيبِ المسلمين" المحاريب: واحدها محراب، قال الفراء: المحاريب صدور المجالس، ومنه سمي، محراب المسجد، والمِحْرَابُ: الغرفة، نقله عن الجوهري.
قوله: "وأثبتها القطب" حكى ابن سيده في "المحكم" في القطب "ضَمُّ القاف وفَتْحُها وَكَسْرُها".
قال المصنف ﵀ في "المغني"، وآكدها القطب الشمالي، وهو نجم خفي حوله أنجم دائرة، كفراشة الرحا في أحد طرفيها الفرقدان، وفي الآخر الجدي، وبين ذلك أنجم صغار، متقوسة ثلاثة من فوق وثلاثة من أسفل، تدور هذه الفراشة حول القطب دوران فراشة الرحا حول سفودها في كل يوم وليلة دورة، في الليل نصفها، وفي النهار نصفها، والقطب لا يبرح مكانه، في جميع الزمان.
وقيل: إنه يتغير تغيرًا يسيرًا لا يتبين ولا يؤثر، وهو نجم خفي يراه حديد النظر إذا لم يكن القمر طالعا.
قوله: "ومنازلهما"، أي: منازل الشمس والقمر، وهي ثمانية وعشرون منزلا، وهي، الشرطان١، والبطين والثريا، والدبران،
стр. 107
والهَقْعَة، ُ والهَنْعَة، والذراع، والنَّثْرَةَ، والطَّرْفُ، والجبهة، والزُّبْزَةُ، "بضم الزَّاي"، ويقال لها: الخَرَتَانُ أيضا، والصرفة، والعواء "مشددا ممدودا ومقصورا" والسماك والغَفْرُ والزُبَانا: بضم الزاي مقصور، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذَّابِحُ وسعد بلع وسعد السعود، وسعد الأخبية، والفرغ المقدم، والفرغ المؤخر "بالغين المعجمة فيهما" وبطن الحوت، ويقال له: الرشاء، فهذه ينزل القمر كل ليلة منزلا منها، والشمس تنزل في كل منزل منها ثلاثة عشر يوما، فيكون عودها إلى المنزل الذي نزلت به عند تمام حول كامل من أحوال السنة الشمسية.
فهذه المنازل يكون فيما بين غروب الشمس وطلوعها أربعة عشر منزلا، ومن طلوعها إلى غروبها مثل ذلك، ووقت الفجر منها منزلَان، وقت المغرب منزل، وهو نصف سدس سواد الليل، وسواد الليل اثنا عشر منزلًا، هكذا ذكره المصنف في "المغني".
قوله: "الجَنُوُب" "بفتح الجيم وضمها" يقال: جنبت الريح وأجنبت إذا هَبَّتْ جُنُوبا "بضم الجيم" والاسم الجنوب "بفتح الجيم".
قوله: "والشمال" مقابلتها والشمال فيه سبع لغات مشهورة، قد نظمها شيخنا الإمام أبو عبد الله بن مالك رحمه الله تعالى في هذا البيت، وهو: "من البسيط"
ريح الشمال شمول شيمل وكذا ... شمل شَمْأَلُ أيضا شَامَلٌ شَمَلُ
وزاد صاحب "الواعي" شمالا ككتاب، وشميلا كعليم، فصارت تسعا، يقال: شملت الريح وأشملت إذا هبت شمالا.
والدبور "بفتح الدال وبضم الباء مخففة" والصبا مقصور كعصا، يقال: صبت الريح وأصبت، إذا هبت صبًا، ويجوز كتابة الصبا بالألف والياء، لقولهم، صبوان وصبيان.
قوله: "شطر وجه المصلي الأيمن". الشطر: الناحية، والأيمن منصوب نعتا لشطر وجه.
قوله: "ويتبع الجاهل" المراد بالجاهل، الجاهل بأدلة القبلة، وإن كان مجتهدًا في غيرها.
قوله: "يقلده" التقليد: لغة وضع الشيء في العنق مع الإحاطة به، ويسمى ذلك قلادة، وهو في عرف الفقهاء: قبول قول غيره من غير حجة، أخذًا من هذا المعنى، ولا يسمى الآخذ بالكتاب والسنة والإجماع: مقلدًا.
стр. 108
باب النِّيَّة
النية، مشددة، وحكي فيها التخفيف، يقال: نويت نِيَّةً ونواة، وأنويت، كنويت حكاها الزجاج في فعل وأفعل، وانْتَوَيْتُ كذلك، حكاها الجوهري، وهي في اللغة القصد، وهو عزم القلب على الشيء وفي الشرع: العزم على فعل الشيء تقربا إلى الله تعالى.
قوله: "ينوي الصلاة بعينها" يعني: ظهرا أو عصرا ونحو ذلك.
стр. 109
باب صفة الصلاة
قوله: "ثم يقول الله أكبر" "يقول" بالرفع على الاستئناف؛ لأنه لو نصب لكان معطوفا على المسنون، والتكبير: ركن، ويجوز النصب على أن المجموع على هذه الصفة مسنون، كما قال: السنة في التيمم أن ينوي، ويسمي ويضرب، أي: التيمم على هذه الصفة مسنون.
قوله: "الله أكبر" قال ابن سيده: حمله سيبويه على الحذف، أي أكبر من كل شيء، وقيل: أكبر من أن ينسب إليه ما لا يليق بوحدانيته.
стр. 110
وقال الأزهري: قيل: أكبر كبيرٍ، كقولك: هو، أعز عزيز ومنه، قول الفرزدق١: "من الكامل"
إن الذي سمك السماء بني لنا ... بيتا دعائمه أعزُ، وأطولُ
أراد دعائمه أعز عزيز، وأطول طويل. آخر كلامه.
و"أكبر" أفعل تفضيل، وهو لا يستعمل مجردًا من الألف واللام إلا مضافًا، أو موصولًا بمن لفظا أو تقديرًا، فلا يجزئ أن يقال: الله الأكبر؛ لأن الألف واللام لا تجامع الإضافة ولا "من".
قوله: "منكبيه" واحدهما، منكب، قال الجوهري: المنكب مجمع عظم العضد والكتف.
قوله: "إلى فروع أذنيه" جمع فرع: وهو أعلى الأذن، قال الجوهري: فرع كل شيء أعلاه، وجمعه فروع.
قوله: "ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك" سبحان اسم مصدر من قولهم، سبحت الله تسبيحًا، أي: نزهته من النقائص وما لا يليق بجلاله، وهو منصوب بفعل مقدر، لا يجوز إظهاره ولا يستعمل إلا مضافا، وقد جاء غير مضاف في الضرورة، وأما الواو في "وبحمدك" فقال المازني: المعنى سبحتك اللهم بجميع آلائك وبحمدك سبحتك، لا بحولي وقوتي.
وسئل أبو العباس ثعلب عن قوله "وبحمدك" فقال: أراد: سبحتك بحمدك، قال أبو عمر: كأنه يذهب إلى أن الواو صلة.
قوله: "تبارك اسمك" "تبارك" فعل لا يتصرف، فلا يستعمل منه
стр. 111
غير الماضي، ومعناه، دام ودام خيره، قال العزيزي١: في "غريب القرآن": تبارك: تفاعل من البركة، وهي الزيادة والنماء والكثرة والاتساع، أي: البركة تكتسب وتنال بذكرك، ويقال: تبارك، تقدس، والقُدس الطهارة، ويقال: تبارك تعاظم. آخر كلامه.
قوله:"وتعالى جدُّكَ" جَدُّك "بفتح الجيم" قال ابن الأنباري في كتاب "الزاهر" له: أي: علا جلالك وارتفعت عظمك، وأنشد: "من المتقارب"
ترفع جدك إني امرؤ ... سقتني الأعادي إليك السجالا٢
وقال الخطابي قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ ٣ معناه، الجلال والعظمة، وسيذكر في دعاء القنوت، إن شاء الله تعالى:
قوله: "ولا إله غيرك" قال ابن الأنباري في "الزاهر" أيضا: في إعرابه أربعة أوجه:
ولا إلهُ غيرُك برفعهما.
وبناء الأول على الفتح مع نصب الثاني ورفعه.
والرابع: رفع "إلهُ" ونصب "غَيْرِك" لوقوعه موقع أداة الاستثناء.٤
стр. 112
قوله: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم": أعوذ بالله أي: الجأ إليه واعتصم به، قال أبو عثمان في الأفعال: عاذ بالله عوذًا، وأعاذ: لجأ إليه.
"والشيطان": قال الواحدي: هو كل متمردٍ عاتٍ من الجن والإنس، قال الله تعالى ﴿شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِن﴾ ١.
قال الليث: الشيطان من شطن، أي: بعد لبعده من الخير وقيل: مشتق من شاط يشيط إذا هلك واحترق.
"والرجيم" قال أبو البقاء في "إعرابه"٢: الرَّجيمُ فعيلٌ بمعنى مفعول، أي مرجوم بالطرد واللعن، وقيل: هو فعيل بمعنى فاعل، أي: يرجم غيره بالإغواء.
قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم" فالباء متعلق بمحذوف، تقديره أبدأ باسم الله، أو أَتَبَرَّكُ، وأسقطت الألف من الاسم طلبا للخفة لكثرة الاستعمال، وقيل: لما اسقطوا الألف، ردوا طولها على الباء ليكون دالا على سقوط الألف. وذكر أبو البقاء في الاسم خمس لغات٣: إسم، وأسم "بكسر الهموة وضمها"، وسِمٌ وسُمٌ "بكسر السين وضمها" وسُمًى كهدًى، وفي معناه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه بمعنى: التسمية.
والثاني: أن في الكلام حذف مضاف، تقديره: بإسم مسمى الله.
стр. 113
والثالث: أن "إسم" زيادة، ومن ذلك قولهم: "من الطويل"
إلى الحول ثُمَّ اسمُ السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر١
أي السلام عليكما.
و"الرحمن الرحيم". قال أبو البقاء:٢ يجوز نصبهما على إضمار "أعني". ورفعهما على تقدير: هو. واختلفوا فيهما، فقيل: هما بمعنى واحد، كندمان ونديم، ذكر أحدهما بعد الآخر تطميعا لقلوب الراغبين، وقيل: هما بمعنيين، فالرحمن، بمعنى الرزاق٣ للخلق في الدنيا على العموم، والرحيم بمعنى العافي عنهم في الآخرة، وهو خاص
стр. 114
بالمؤمنين، ولذلك قيل: يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، ولذلك يدعى غير الله رحيما، ولا يدعى رحمانا، فالرحمن عام المعنى خاص اللفظ، والرحيم عام اللفظ خاص المعنى١.
قوله: "ولا يجهر بشيء من ذلك": ويجهر "بفتح الياء"، ويجوز ضمها، يقال: جهر بالقراءة وأجهر بها إذا أعلنها،
قوله: , "وليست من الفاتحة"، والفاتحة لها ثلاثة أسماء مشهورة، فاتحة الكتاب، وأم القرآن، والسبع المثاني:
سميت فاتحة الكتاب، لافتتاح الكتاب بها.
وأم القرآن؛ لأنها منها بدئ بالقرآن، ويقال لمكة: أم القرى؛ لأن الأرض دحيت من تحتها، وقيل: لأنها مقدمة وإمام لما يتلوها من السور، ويبدأ بكتابتها في المصاحف، ويقرأ بها في الصلاة.
والسبع المثاني؛ لأنها تثنى في الصلاة، فيقرأ بها في كل ركعة، وقال مجاهد: لأن الله تعالى ثناها لهذه الأمة فذخرها لهم، وهي مكية عند الأكثرين، وقال مجاهد: مدنية وقيل: نزلت مرتين: مرة بمكة، ومرة بالمدية، والصحيح الأول؛ لأن الله تعالى من على رسول ﷺ بقوله: ﴿ولَقَدْءَاتَينَاكَ سَبْعًا مِّنَ المَثَانِي﴾ ٢ وسورة "الحجْر" مكية، فلم يكن يمن عليه قبل نزولها.
قوله: "استئنافها" أي: ابتداؤها.
قوله: "آمين" فيه لغتان مشهورتان، قصر الألف ومدها، وحكي عن
стр. 115
حَمْزَة١ والكسائي، المد والإمالة، وحكى القاضي عياض وغيره، لغة رابع: تشديد الميم مع المد، قال أصحابنا: ولا يجوز التشديد؛ لأنه يخل بمعناه فيجعله: بمعنى قاصدين، كما قال تعالى: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ ٢، وقال أبو العباس ثعلب: ولا تشدد الميم فإنه خطأ.
وأما معناه فقال ابن عباس: كذلك يكون وروي عن الليث ومجاهد أنه اسم من أسماء الله تعالى، وقال الزجاج: معناه اللهم استجب.
قوله: "من طوال المُفَصَّل" طوال "بكسر الطاء لاغير": جمع طويل وطوال "بضم الطاء" الرجل الطويل، وطوال "بفتحها": المُدَّةُ: ذكره أبو عبد الله بن مالك في مثلثه، وذكره غيره، و"المفصل" للعلماء في أوله أربعة أقوال:
أحدهما: أنه من أول "ق".
والثاني: أنه من أول الحجرات.
والثالث: من أول الفتح.
والرابع: من أول القتال، والصحيح الأول، لما روى أبو داود في سننه عن أوس بن حذيفة، قال: سألت أصحاب رسول الله ﷺ ، كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: ثلاث وخمس وسبع وتسع واحدى عشرة وثلاث عشرة: حزب المفضل من "ق" حتى تختم٣.
стр. 116
وفي تسميته بالمفصل للعلماء، أربعة أقوال: أحدها: لفصل بعضه عن بعض، والثاني: لكثرة الفصل بينها ببسم الله الرحمن الرحيم، والثالث: لإحكامه. والرابع: لقلة المنسوخ فيه.
وقوله: "وفي المغرب من قِصَارِهِ" "بكسر القاف" جمع قصير ككريم وكرام.
قوله: "وفي الباقي من أوساطه". أوساط: جمع وسَط "بتحريك السين" بين القصار والطوال، قال الجوهري: شيء وسط، بين الجيد والرديء، وقال الواحدي: الوسط: اسم لما بين طرفي الشيء.
قوله: "ويركَعُ مكبرا" قال ابن الأنباري: الركوع: في اللغة: الانحناء، يقال: ركع الشيخ إذا انحنى من الكِبَر. قال لبيد: "من الطويل"
أليس ورائي أن تراخت منيتي ... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع
أخبر أخبار القرون التي مضت ... أدب كأني كلما قمت راكع١
قوله: "حيال ظهره" أي بإزائه٢ وقبالته.
قوله: "ويجافي مرفقيه عن جنبيه" أي: يباعدهما، وهو من الجفاء، وهو البعد عن الشيء ويقال: جفاه: إذا بعد عنه، وأجفاه: إذا أبعده، وكذلك المجافاة في السجود، مباعدة العضدين عن الجنبين، والبطن عن الفخذين.
قوله: "وهو أدنى الكمال" قال الجوهري: الكمال: التمام، وقال الإمام أحمد في رسالته: جاء عن الحسن البصري أنه قال: التسبيح التام
стр. 117
سبع، والوسط خمس، وأدناه ثلاث، وقال القاضي الكامل إن كان منفردا: ما لا يخرجه إلى السهو، وإن كان إماما، لا يشق على المأمومين، ويحتمل أن يكون الكامل عشر تسبيحات، وقال أبو عبد الله السامري: ولا حد لأكثر الكمال ما لم يخف السهو بالإطالة أو يشق على المأمومين.
قوله: "سمع الله لمن حمده" لفظه خبر، ومعناه: دعاء بالاستجابة: قال الخطابي: معنى سمع: استجاب، وقال: قد يحتمل أن يكون دعاء من الإمام للمأمومين؛ لأنهم يقولون: ربنا ولك الحمد وعلى مذهب أكثر العلماء في جمع الإمام والمأموم بين الكلمتين، فتشيع الدعوة من كلا الطائفتين لنفسه ولأصحابه. آخر كلامه.
قوله: "ربنا ولك الحمد" صحت الرواية بغثبات الواو ودونها، فكلاهما مجزئ، إلا أن الأفضل بالواو، وقال القاضي عياض: بإثبات الواو يجمع بين الدعاء والاعتراف، أي: ربنا استجب لنا، ولك الحمد على هدايتك إيانا، ويوافق قول من قال: سمع الله لمن حمده، بمعنى الدعاء، وعلى حذف الواو يكون بالحمد مجردا، ويوافق قول من قال: سمع الله لمن حمده خبر.
قوله: "ملء السماء وملء الأرض" قال الخطابي: هذا كلام تمثيل وتقريب، والكلام لا يقدر بالمكاييل ولا تحشى به الظروف، ولا تسعه الأدعية، وإنما المراد: تكثير العدد حتى لو قدر أن تكون تلك الكلمات أجساما تملأ الأماكن لبلغت من كثرتها ما يملأ السموات والأرضين، قال ويحتمل أيضا١ أن يكون المراد به أجرها وثوابها، قال: ويحتمل أن يراد به التعظيم لها والتفخيم لشأنها، كما يقول القائل: تكلم فلان اليوم بكلمة
стр. 118
كأنها جبل، وحلف بيمين كالسموات والأرضين، كما يقال: هذه الكلمة تملأ طباق الأرض، أي: أنها تسير وتنتشر في الأرض كما قالوا: كلمة تملأ الفم وتملأ السمع ونحوها من الكلام، والملء "بكسر الميم" الاسم وبفتحها المصدر من قولك، ملأت الإناء أملؤه ملأ. آخر كلام الخطابي.
والمشهور في الرواية "ملءَ" بالنصب ووجهه أنه صفة لمصدر محذوف، كأنه قال: لك الحمد حمدًا ملء السماء، ويجوز الرفع بحيث قال بعض المتأخرين: لا يجوز غيره، ووجهه: أنه صفة للحمد أي: لك الحمد المالىء؛ لأن ملء وإن كان جامدا، فبمعنى المشتق، ويجوز أن يكون عطف بيان.
قوله: "وَيَخِر ساجدا" قال ابن الأنباري: السجود يرد بمعان.
منها: الانحناء والميل من قولهم: سجدت الدابة وأسجدت: إذا خفضت رأسها لتركب. ومنها الخشوع والتواضع. ومنها التحية.
وقال الجوهري: سجد: خضع، ومنه سجود الصلاة.
قوله: "يفرش رجله" "بفتح الياء" والمشهور فيه ضم الراء، وذكر القاضي عياض في "المشارق" كسر الراء، ولم يحك الضم.
قوله: "معتمدًا على صدور قدميه" قال الجوهري: صدر كل شيء أوله، والقدمان ليس لهما سوى صدرين، لكنه جيء به بلفظ الجمع؛ لأن كل مثنى معنى مضاف إلى متضمنه، يختار فيه لفظ الجمع على لفظ الإفراد، ولفظ الإفراد على لفظ التثنية، مثال الأول، قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوْبُكُمَا﴾ ١ ومثال الثاني قول الشاعر: "من الطويل"
حمامة بطن الواد يين ترنمي ... سقاك من الغر الغوادي مطيرها٢
стр. 119
ومثال الثالث قول الآخر: "من الرجز"
وَمَهْمَهَيْنِ قذفين مرَّتَيْنِ ... ظهراهما مثل ظهور التُّرْسَيْن١
المَهْمَهُ: المغازة البعيدة، والقَذَف: البعيد، والمرت، الذي لا نبات فيه.
قوله: "فيعتَمِدُ" بضم الدال على الاستئناف٢.
قوله: "جَلْسة الاستراحة" "بفتح الجيم": لأنها مرة من الجلوس، ويجوز كسر الجيم بتقدير إرادة الهيئة؛ لأن فيها قدرا زائدا على الجلسة، وذلك هو الهيئة.
قوله: "على قدميه وأَلْيَتَيْهِ" القدم مؤنثه وهي معروفة، وقال الجوهري: الألية "بالفتح" أَلْيَةُ الشاة، ولا تَقُلْ: إلية ولا لية، وإذا ثنيت قلت أَلْيَان، فلا يلحقه التاء غالبا٣، وقال الراجز:
ترتج ألياه ارتجاج الوطب٤.
وقال القاضي عياض في "المشارق" من حديث الملاعنة:
стр. 120
سابغ الأَلْيَتَين١ "بفتح الهمزة وسكون اللام" وهما اللحمتان المؤخرتان اللاتان تكتنفان مخرج الحيوان، وهما من ابن آدم المقعدتان، وجمعها أَلَيَاتٌ "بفتح اللام".
قوله: "إلَّا في تكبيرة الإِحْرَام والاستفتاح" تكبيرة الإحرام: التكبيرة التي يدخل بها في الصلاة، سميت بذلك؛ لأنه يحرم عليه بها ما كان حلالًا من مفسدات الصلاة كالأكل والكلام ونحو ذلك، قال الجوهري: وأحرم الرجل: إذا دخل في حرمة لا تهتك.
والاستفتاح: مصدر استفتح، والمراد به هنا: الذكر قبل الاستعاذة من "سُبْحَانَك اللهُمَّ" ونحوه.
قوله: "على فَخِذه اليُمْنَى" الفخذ مؤنثة "وهي بفتح الفاء، وكسر الخاء" ويجوز فيها كسر الفاء كإبل ويجوز إسكان الخاء مع فتح الفاء وكسرها.
قال ابن سيده وغيره من أهل اللغة: وهذه اللغات الأربع جارية في كل اسم أو فعل ثلاثي عينه حرف حلق مكسور كشهد، وحروف الحلق ستة: العين، والحاء، والفاء، والخاء، والغين، والهمزة، ولا تجوز اللغات الأربع فيما لامه حرف حلق، كبلغ، وسمع ونحوهما.
قوله: "يَقْبِضُ منها الخِنْصَر والبِنْصَر ويحلق الإبهام مع الوسطى ويشير بالسَّبَّابَةِ" الخنصر "بكسر الخاء والصاد" الإصبع الصغرى وجمعها خناصر، والبنصر، بكسر الباء والصاد: الإصبع التي تلي الخنصر
стр. 121
وجمعها بَنَاصِرُ، قال الجوهري: الإبهام: الإصبع "العُظْمى"١ وهي مؤنثة وجمعها أباهيم، ويحلق الإبهام مع الوسطى، قال القاضي عياض: أي: جمع بين طرفيهما فحكى بهما الحلقة.
قوله: "ويُشِيرُ بالسَّبَّابَةِ" قال القاضي: السبابة، الإصبع التي تلي الإبهام، وهي المسبِّحَةُ أيضا قبل: سميت السبابة؛ لأنهم كانوا يشيرون بها إلى السب والمخاصمة.
قوله: "التحياتُ لله" التحيات جمع تحية، روي عن ابن عباس ﵄: التحية: العظمة وقال أبو عمرو: التحية: المُلْكُ، وقال ابن الأنباري: التحيات: السلام، وقال بعض أهل اللغة: البقاء.
وحكى الأربعة المصنف ﵀ في "المغني" وقيل: السلامة من الآفات.
قال أبو السعادات٢: وإنما جمع التحية؛ لأن ملوك الأرض يحيون بتحيات مختلفة، فيقال لبعضهم: أبيت اللعن، ولبعضهم: أنعم صباحا، ولبعضهم: أسلم كثيرا، ولبعضهم: عش ألف سنة، فقيل للمسلمين: قولها: التحيات لله، أي: الألفاظ التي تدل على السلام والملك والبقاء، هي لله .
قوله: "والصلوات" هي الصلوات الخمس، عن ابن عباس، وقال عياض في" المشارق" والصلوات لله قيل: الرحمة له ومنه، أي: هو المتفضل بها، وقيل: الصلوات المعلومة في الشرع، أي: هو المعبود بها.
وقال الأزهري: هي العبادات كلها، وقيل: هي الأدعية.
стр. 122
قوله: "والطَّيِّبَاتُ": هي الأعمال الصالحة عن ابن عباس، وقال ابن الأنباري: الطيبات من الكلام، حكاهما في "المغني".
قوله: "السلام عليك" قال الأزهري: فيه قولان، أحدهما: اسم السلام، ومعناه: اسم الله عليكما ومنه قول لبيد: "من الطويل"
إلى الحول ثم اسم السَّلام عَلَيْكُمَا ... ومن يبك حولًا كاملًا فقد اعْتَذَرْ١
والثاني: أن معناه: سلم الله عليك تسليما وسلاما ومن سلم الله تعالى عليه، سلم من الآفات كلها.
قوله: "أَيُّها النَّبِيُّ" قال القاضي عياض: النبي يهمز ولا يهمز، من جعله من "النبأ" همزه؛ لأنه ينبئ الناس، أو لأنه ينبأ هو بالوحي، ومن لم يهمز، إما سهله وإما أخذه من النبة، وهي الارتفاع لرفعة منازلهم على الخلق، وقيل: هو مأخوذ من النبي٢ الذي هو الطريق؛ لأنهم "هم"٣ الطرق إلى الله تعالى.
قوله: "وبركاته" جمع بركة، قال الجوهري: البَرَكَةُ: النماء والزيادة، وكذا نقله القاضي عياض وغيره.
قوله: "وعلى عباد الله الصالحين" عباد، جمع عبد، وله أحد عشر جمعا٤، جمعها شيخنا أبو عبد الله بن مالك ﵀ في هذين البيتين: "من الطويل"
عباد عبيد جمع عبد وأعبد ... أعابد معبوداء معبدة عبد
كذلك عبدان وعبدان أثبتا ... كذاك العبدى وامدد إن شئت أن تمد
стр. 123
قال أبو علي الدقاق: ليس شيء أشرف، ولا اسمٌ أَتَمَّ للمؤمن من الوصف بها.
و"الصالحين" جمع صالح، قال صاحب "المشارق" وغيره: الصالح: هو القائم بما ٨ عليه من حقوق الله تعالى وحقوق العباد.
قوله: "أشهد أن لا إله إلا الله" قال الجوهري: الشهادة خبر قاطع، والمشاهدة: المعاينة، يقول الموحد: "أشهد أن لا إله إلا الله" بمعنى: أخبر بأني قاطع بالوحدانية، فالقطع من فعل القلب واللسان مخبر عن ذلك. و"الله" مرفوع على البدل من موضع "لا إله"؛ لأن موضع "لا" مع اسمها، رفع بالابتداء، ولا يجوز نصبه حملا على إبداله من اسم "لا" المنصوب؛ لأن "لا" لا تعمل النصب إلا في نكرة منفية و"الله" معرف مثبت.
وهذه الكلمة وإن كان ابتداؤها نفيا، فالمراد بها غاية الإثبات، ونهاية التحقيق، فإن قول القائل: لا أخ لي سواك، ولا معين لي غيرك، آكد من قولهم: أنت أخي، وأنت معيني، ومن خواصها أن حروفها كلها مهملة ليس فيها حرف معجم تنبيها على التجرد من كل معبود سوى الله، ومن خواصها، أن جميع حروفها جوفية، ليس فيها شيء من الشفهية، وقد روي عن النبي ﷺ ، أنه قال: "أفضل الذكر لا إله إلا الله" ١.
قوله "هذا التشهد الأول" سمي التشهد تشهدا؛ لأن فيه شهادة أن لا إله إلا الله وهو تفعل من الشهادة.
قوله "ثم يقول: اللهم صل" قد تقدم معنى الصلاة والآل في الخطبة
стр. 124
فلا يعاد، و"اللهم" أصله: يا ألله، حذف حرف النداء، وعوض عنه بالميم.
"قوله: "وعلى آل إبراهيم": إبراهيم فيه ست لغات: إبراهيم وإبراها، وإبراهوم، وإبَرِاهم، وأبْرُهْم، وقد نظمها أبو عبد الله ابن مالك فقال: "من البسيط"
تثليثهم هاء إبراهيم صح بمد
أو بقصر ووجها الضم قد عرفا ... وجمعه: أَبَارِهُ وبَرَاهِمُ وبَرَاهِمَةٌ
قال الماوردي١: معناه بالسريانية: أبٌ رحيم.
قال الجوهري: وتصغيره: أبيره؛ لأن الألف أصل غير زائدة، وكذلك إسماعيل وإسرافيل وهذا قول المبرد، وبعضهم يتوهم أن الهمزة زائدة وإذا كان الاسم أعجميًّا لا يعلم اشتقاقه فيصغره على: بريهم وسميعل وسريفل وهذا قول سيبويه وهو حسن، والأول قياس، ومنهم من يقول: بريه بطرح الهمزة والميم.٢
قوله: "إنك حميد مجيد" قال الخطابي: الحميد: هو المحمود الذي استحق الحمد بفعاله، وهو فعيل بمعنى: مفعول، وهو الذي يحمد في السراء والضراء، والشدة والرخاء؛ لأنه حكيم لا يجري في أفعاله غلط ولا يعترضه الخطأ، فهو محمود على كل حال.
стр. 125
وقال الخطَّابي أيضا: المجيد، هو الواسع الكريم، وأصل "المَجْدِ" في كلامهم: السعة، يقال: رجل ماجد إذا كان سخيا واسع العطاء وقيل في تفسير قوله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ ١: معناه: الكريم.
وقيل: الشريف. وقال القاضي عياض: المجيد: العظيم، وقيل: المقتدر على الإنعام والفضل.
قوله "مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ" "جهنم" لا تنصرف للمعرفة والتأنيث، قال الجوهري: وقال: هي من أسماء النار التي يعذب الله بها عِبَاْدَهُ، ويقال: هو فارسي معرب، وقال ابن الجواليقي: وقيل إنه عربي.
قوله "ومن فِتْنَةِ المَحْيَا والمَمَاتِ" أصل الفتنة: الاختبار، ثم استعملت فيما أخرجه الإختبار إلى المكروه، ثم استعملت في المكروه، فجاءت:
بمعنى الكفر في قوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْ﴾ ٢.
وبمعنى الإثم كقوله تعالى: ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ ٣.
وبمعنى الإحراق، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ ٤ ومنه: "أعوذ بك من فتنة النار"٥.
وبمعنى الإزالة والصرف، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَك﴾ ٦.
стр. 126
والمَحْيا والمَمَاتِ: مَفْعَلٌ، من الحياة والموت، يقع على المصدر والزمان والمكان، وفتنة المحيا كثيرة وفتنة الممات: فتنة القبر، وقيل: عند الاحتضار، والجمع بين فتنة المحيا والممات، وفتنة الدجال وعذاب القبر، من باب ذكر الخاص مع العام ونظائره كثيرة.
قوله: "ومن فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّال" المسيح أثنان: نبي الله عيسى بن مريم ﵇، والدجال، ولم يختلف في ضبط المسيح عيسى على ما هو في القرآن، وإنما اختلف في معناه:
فقيل: سمي مسيحا لمسحه الأرض، فعيل بمعنى فاعل. وقيل: لأنه كان إذا مسح ذا عاهة برىء من دائه. وقيل: لأنه كان ممسوح القدم لا أخمص له، وقيل: لأن الله تعالى مسحه، أي: خلقه خلقا حسنا، والمسحة: الجمال والحسن، وقيل: لأن زكريا مسحه عند ولادته. وقيل: لأنه خرج ممسوحا بالذهن، وقيل: بل المسيح بمعنى: الصديق.
وأما الدجال فهو مثل المسيح عيسى في اللفظ عند عامة أهل المعرفة والرواية، عن أبي مروان بن سراج١ وغيره: كسر الميم مع تشديد السين، وأنكره الهروي، وجعله تصحيفا، وقال بعضهم: كسرت الميم للتفرقة بينه وبين عيسى ﵇، وقال الحربي: بعضهم يكسرها في الدجال ويفتحها وكل سواء، وقال أبو الهيثم: والمسيح بالحاء المهملة: ضد المسيخ "بالخاء المعجمة": مسحه الله إذ خلقه خَلْقًا حسنا، ومسخ
стр. 127
الدجال إذ خلقه ملعونًا، وقال أبو عبيد: المسيح: الممسوح العين، وبه سمي الدجال، وقال: يمسحه الأرض فهو بمعنى فاعل، وقيل: المسيح الأعور، وبه سمي الدجال، وقيل: أصله مشيخ فيهما فعرب، وعلى هذا اللفظ ينطق به العبرانيون.
والدجال سمي دجالا من الدجل، وهو طلي البعير بالقطران، فسمي بذلك لتمويهه بباطله، وقيل: من التغطية، ويقال: الدجال في اللغة: الكذاب، وقيل: سمي بذلك بضربه نواحي الأرض وقطعه لها، ودجل ودجل، إذا فعل ذلك، كل ذلك عن القاضي عياض ﵀.
قوله: "وَإِنْ دَعَا بِمَا وَرَدَ في الأَخْبَارِ فَلَا بَأْس" الأخبار: جمع خبر.
قال المصنف ﵀ في "المغني": وقول الخرقي: بما ذكر في الأخبار، يعني: أخبار النبي ﷺ وأصحابه والسلف.
قوله: "السلام عليكم ورحمة الله" تقدم ذكر السلام في التشهد١.
فإن قال: سلام عليكم، منكرًا أجزأه في أحد الوجهين فإن نكسه فقال: عليكم السلام لم يجزئه، وقال القاضي: فيه وجه أنه يجزئه.
قوله: "وعن يَسَارِهِ" "بفتح الياء" ويجوز كسرها والأول أفصح.
قال العزيزي في آخر "غريب القرآن" له: قيل ليس في كلام العرب كلمة أولها ياء مكسورة إلا يسار لليد، ويقال: يعار، من قولهم: يعر الجدي: إذا صاح.
قوله: "أو رُبَاعِيَّة" أي: أربع ركعات، وهي الظهر والعصر والعشاء "بتشديد الياء نسبة إلى رباع المعدول عن أربعة" كثلاث، تقول في المذكر: رباعي وفي المؤنث رباعية.
قوله: "مُتَوَرِّكًا" هو متفعل من الورك، قال الجوهري: والتورك على اليمني: وضع الورك في الصلاة على الرجل اليمني، والورك ما فوق
стр. 128
الفخذ، وهي مؤنثة، وقد تخفف، مثل فَخْذٍ وفَخِذٍ، وزاد القاضي عياض لغة ثالثة، وهي كسر الواو مع سكون الراء على وزن وزر.
قوله: "وَتَجْلِسُ مُتَرَبِّعَةً" التَّرَبُّعُ: هو الجلوس المعروف، وهو اسم فاعل من تربع، وتربع مطاوع: ربع؛ لأن صاحب هذه الجلسة قد ربع نفسه، كما يربع الشيء إذا جعل أربعا، والأربع هنا: الساقان والفخذان، ربعهما بمعنى أدخل بعضها تحت بعض.
قوله: "أو تَسْدُِلُ رجلَيْها" "بفتح التاء مع ضم الدال وكسرها" و"بضم التاء مع كسر الدال" ثلاث لغات في المضارع، وفي الماضي لغتان: سدل، وأسدل، والأول أكثر وأشهر، كل ذلك عن ابن سيده في "المحكم" ومعناه ترسلهما.
قوله: "وافتراش الذراعين" تثنية ذراع، تقدم في التيمم.
قوله: "والإقْعَاءُ في الجُلُوسِ" الإقعاء: مصدر أقعى يقعي إقعاء، قال الجوهري: أقعى الكلب إذا جلس على أسته مفترشا رجليه وناصبا يديه، وقد جاء النهي عن الإقعاء في الصلاة، وهو أن يضع أليتيه على عقيبه بين السجدتين.
هذا تفسير الفقهاء، فأما أهل اللغة: فالإقعاء عندهم، أن يلصق الرجل أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويتساند إلى ظهره، هذا آخر كلامه.
وقال القاضي عياض في "المَشَارِقِ": وهو أن يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه في الأرض كما يقعي الكلب، قاله: أبو عبيد.
وتفسير الفقهاء: أن يضع أليتيه على صدور عقبه، والقول الأول أولى، وقال المصنف ﵀ في "المغني" هو أن يفرش قدميه ويجلس على عقبيه، بهذا وصفه الإمام أحمد، قال أبو عبيد: هذا قول أهل الحديث، والإقعاء عند العرب: جلوس الرجل على أليتيه ناصبا فخذيه
стр. 129
مثل إقعاء الكلب، والسَّبُع، ولا أعلم أحدًا قال بالاستحباب على هذه الصفة١.
قوله: "وَهُوَ حاقِنٌ" يقال حسن فلان بوله، فهو حاقن، إذا حبسه، ويقال: أحقنه، فهو مُحْقِنٌ، وأنكره الكسائي.
والحَاقِبُ: الذي احتبس غائطه، وفي معناها في الكراهة من به ريح محتبسة.
قوله: "بِحَضرة طعام" قال الجوهري: بحضرة فلان: أي بمشهد منه، وحكى يعقوب في "الإصلاح"٢ فيه ثلاث لغات: فتح الحاء وضمها وكسرها.
قوله: "تتوقُ نفسُه" قال الجوهري: تاقت نفسه إلى الشيء، توقأ، وتقانا، يقال المرء تواق إلى ما لم يَنَلْ.
стр. 130
قوله: "ويكره التَّخصُّرُ" التخصر: وضع يده على خاصرته، نص على ذلك المصنف في "المغني" وغير المصنف١.
قوله: "والتَّرويحُ وفرقَعَةُ الأَصَابِعِ وتَشْبِيْكُها" التَّروُّحُ: تفعل من الريح، والريح: أصله الواو كقولهم: أروح٢ الماء، وجمعها على أرواح، قال الجوهري: يقال: تروحت بالمروحة، والمراد هنا أن يروح المصلي على نفسه بمروحة أو خرقة أو غير ذلك.
وفرقعة الأصابع: قال الجوهري: الفرقعة: تنقيض الأصابع وقد فرقعتها فتفرقعت، قال الحافظ أبو الفرج: ونهى ابن عباس عن التفقيع في الصلاة وهي الفرقعة.
وتشبيك الأصابع: إدخال بعضها في بعض.
قوله: "وعَدُّ الآي" قال الجوهري: جمع الآية: آي وأيات، والآية: العلامة، أصله أوية بالتحريك، قال سيبيوه: موضع العين من الآية واو؛ لأن ما كان موضع العين منه٣ واوًا واللام ياء، أكثر مما موضع العين واللام منه ياءين، قال الفرَّاء: هي من الفعل فاعلة، وإنما ذهبت منه اللام، ولو جاءت تامة لجاءت آيِيَةً، وقال صاحب
" المَشَارِق": وآيات الساعة علامتها، وكذلك آيات القرآن، سميت بذلك؛ لأنها علامة على تمام الكلام، وقيل: لأنها جماعة من كلمات القرآن؛ وقال
стр. 131
الجوهري: ومعنى الآية من كتاب الله تعالى أي: جماعة حروف.
قوله: "وَقَتْلُ الحَيَّةِ والْعَقْرَبِ والقَمْلَةِ":
الحية: تكون للذكر والأنثى وإنما دخلته الهاء؛ لأنه واحد من جنس١، كبطة ودجاجة، على أنه قد روي عن العرب، رأيت حيا على حية، والحَيُّوتُ: ذكر الحيات.
والعقرب: واحدة العقارب، وهو تؤنث، والأنثى عقربة وعقرباء، ممدود غير مصروف، الذكر: عُقْرُبَان، والعقربان أيضا: دابة لها أرجل طوال.
والقَمْلَةُ: واحدة النمل معروفة، والقمل: دويبة من جنس القردان، القردان واحدة قراد إلا أنها أصغر منها، تركب البعير عند الهزال، كله عن الجوهري.
قوله: "تكرار الفاتحة" تكرار "بفتح التاء": مصدر: كرر الشيئ تكرارًا.
قوله: "إذا أُرْتِجَ عليه" هو من أرتجت الباب ورتجته إذا أغلقته، قال الجوهري: وأرتج على القارىء على ما مالم يسم فاعله، إذا لم يقدر على القراءة، كأنه أطبق عليه، كما يرتج الباب، وكذلك أرتج عليه، ولا تقل: ارتج عليه بالتشديد.
قوله: "صَفَحَتْ ببطن كفها" قال الجوهري: التصفيح مثل التصفيق، قال صاحب "المشارق" معناهما متقارب، وقيل: هما سواء، وقيل: التصيح بالحاء: الضرب بظاهر إحداهما على باطن الأخرى، وقيل: بل بإِصْبَعَيْنِ من إحداهما على صفحة الأخرى،
стр. 132
والتصفيق، الضرب بجميع إحدى الصفحتين على الأخرى، كله نقل القاضي عياض.
قوله: "وإن بَدَرَهُ البُصَاقُ" البصاق بالصاد والسين والزاي، حكاها الجوهري وغيره، وهو معروف "وعند بني العنبر السين تقلب صادًا باضطراد وقبل الخاء والغين المعجمتين والطاء المهملة والقاف وقد نظمت ذلك في بيتين: "من البسيط"
السِّيْنُ تُقْلَبُ صادًا عند أربعة ... الخاء والغين ثم القافُ والطاء ُ
إلى بني العنبر المذكور نسبتُهُ ... كالسطل والصدغ تسخيرُ وإسْقَاءُ
قوله: "إلى سُتْرَةٍ مثلُ آخِرةِ الرَّحْلِ" قال الجوهري: السترة، ما يستر به كائنًا ما كان، وكذلك الستارة. وقال: في قادمتي الرحل ست لغات، مقدمة، ومقدم، ومقدم، ومقدمة "بفتح الدال مُشَدَّدَةً" وقادم، وقادمة، وكذلك هذه اللغات كلها في آخرة الرحل، وقال صاحب "المشارق": آخرة الرحل ممدودًا: عود في مؤخره، وهو ضد قادمته وقال الجوهري: الرحل رحل البعير، وهو أصغر من القتب.
قوله: "فإن لم تكن سترة" "تكن" تامة، و"سُتْرَةٌ" بالرفع: فاعله.
قوله: "الأسود البهيم" البَهِيْمُ: الذي لا يخالط لونه لون آخر، ولا يختص بالأسود، عن الجوهري وغيره.
قوله: "أركان الصلاة" الأركان: جمع ركن، قال الجوهري٢:
стр. 133
ركن الشيء: جانبه الأقوى، والمراد هنا وفي الحج، ما يبطل العبادة عَمْدُهُ وسَهْوُهُ.
قوله: "وتكبيرة الإحْرام "سميت بذلك؛ لأن بها حرم على المصلي ما كان مباحا له من مفسدات الصلاة، وستذكر أتم من هذا في أول باب الإحرام إن شاء الله تعالى"١.
قوله: "والاعْتِدَال عنه" الاعتدال: الاستقامة، قال الجوهري: يقال: عَدَّلْتُه فاعتدل أي: قومته فاستقام، وكل مثَقَّفِ مُعْتَدِلٌ.
قوله: "والطُّمَأْنِيْنَة" "هو بضم الطاء وبعدها ميم مفتوحة وبعدها همزة ساكنة" ويجوز تخفيفها بقلبها ألفا، قال الجوهري: اطمأن الرجل اطمئنانًا وطمأنينة: سكن، واطبأن: مثله على الإبدال. وقال المصنف ﵀ في "المغني" ومعنى الطمأنينة: أن يمكث إذا بلغ حد الركوع قليلًا.
قوله: "عمدًا" هو مصدر عمدت للشيء أعمد عمدًا، أي تعمدت، وهو نقيض الخطأ، كله عن الجوهري.
قوله: "بَطَلَتْ صَلَاتُهُ" "بفتح الباء والطاء" أي: فسدت، والباطل والفاسد اسمان لمسمى واحد وهو ما لم يكن صحيحًا، قال المصنف في "الروضة"، فالصحة اعتبار الشرع الشيء في حق حكمه، ويطلق على العبادات مرة، وعلى العقود أخرى، فالصحيح من العبادات ما أجزأ وأسقط القضاء، ومن العقود ما كان سببًا لحكم إذا أفاد حكمه المقصود منه، فهو صحيح وإلَّا فهو باطلٌ.
قوله: "والتَّسميع والتحميد" التسميع: مصدر: سَمَّعَ: إذا قال: سمع الله لمن حمده، والتحميد، مصدر حمد: إذا قال: رَبَّنا وَلَكَ
стр. 134
الحمد، كالتسبيح: مصدر: سَبَّحَ: إذا قال: سبحان الله.
قوله: "الاستفتاح" هو عبارة عن الذكر المشروع بين تكبيرة الإحرام والاستعاذة للقراءة من "سبحانك اللهم" أو"وجهت وجهي" ونحويهما، سمي بذلك؛ لأنه شرع ليستفتح به الصلاة١.
قوله: "والقُنُوت في الوِتْرِ" قال الجوهري: القُنُوتُ: الطاعة، هذا هو الأصل ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَات﴾ ٢ ثم سمي القيام في الصلاة قنوتا، ومنه قنوت الوتر، وقال صاحب "المشارق": القنوت يتصرف، يكون دعاء وقياما، وخشوعا، وصلاة، وسكوتا، وطاعة، والوتر: الفرد "بكسر الواو وفتحها" والمراد به ها هنا وتر صلاة الليل المعروف.
стр. 135
بابُ سجُودِ السَّهْوِ
قال صاحب "المشارق". السهو في الصلاة النسيان فيها، وقيل: هو الغفلة، وقيل: النسيان: عدم ذكر ما قد كان مذكورا، والسهو: ذهول وغفلة عما كان مذكورا وعما لم يكن.
قوله: "وَشَك" قال الجوهري: الشَّكُّ: خلاف اليقين، وفي اصطلاح أصحاب الأصول: الشك: ما استوى طرفاه، فإن ترجح أحدهما، فالراجح عندهم ظن والمرجوح وهم، تقدم في نواقض الوضوء.
قوله: "قَهْقَهَة" قال الجوهري: القَهْقَهَةُ في الضحك معروفة، وهي
стр. 136
أن يقول: قَهْ قَهْ، ويقال فيه: قَهَّ، وقَهْقَهَ بمعنى، وقد جاء في الشعر مخففًا قال: "من الرجز"
وهن في تَهَانُفٍ وفي قَهِ١.
التَّهَانُفُ: ضحك فيه فتور، كضحك المستهزىء.
قوله: "أو انْتَحَبَ" قال الجوهري: النحيب: رفع الصوت بالبكاء، وقد نَحَب يَنْحَب والانتحاب مثله٢.
قوله: "فبان حرفان" يقال: بَانَ الشيء بَيَانًا وتِبْيَانًا، ظهر، وأبان كذلك، ذكره شيخنا٣ في فَعَلَ وأَفْعَلَ.
قوله: "إلا ما كان من خَشْيَة الله تعالى" أي: من خوفه عن الجوهري وغيره، "والخشية: أحد مصادر خشي وهي ستة نظمها شيخنا أبو عبد الله بن مالك في بيت وهو: "من البسيط".
стр. 137
خشيت خشيًا ومخشاةً ومَخْشِيَةً ... وخشية وخشاة ثم خشيانا"١
قوله: "أربَعَ سَجَداتٍ مِن أربع رَكَعَات" هو بفتح جيم سجدات، وكاف ركعات": جمع سجدة وركعة، وكذا بابة، والضابط فيه: أن كل اسم ثلاثي مؤنث بتاء ودونها٢ صحيح العين، فإن كان مفتوح الفاء، حركت عينه بحركتها، كسجدات ونحوها، وإن كان مضموم الفاء أو مكسورها، ففيه ثلاث أوجه، الاتباع، والفتح، والسكون.
قوله: "والإمام على غَالِبِ ظَنِّهِ" يجوز نصب الإمام عَطْفًا على إسم "أَنَّ" ورفعه على الابتداء وكذلك كلما عُطِفَ على اسم إِنَّ بعد الخبر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَة﴾ ٣ بالرفع والنصب.
قوله: "إلَّا أَنْ يَسْهُوَ إمامُه فَيَسْجُدَ" بنصب يسجد عطفًا على يسهو؛ لأن لوجوب السجود على المأموم حتما شرطين: سهو إمامه، سجوده.
стр. 138
باب صلاة التطوع
التطوع: تفعل من طاع يطوع: إذا انْقَادَ.
قوله: "ثم الوِتْر" يجوز فيه الجر عطفًا على الكسوف والاستسقاء، والرفع أجود عطفًا على صلاةٍ.
стр. 139
قوله: "وإِنْ أَوْتَرَ" يقال وتر الصلاة: إذا جعلها وترا، وأوتر أكثر، نقلهما أبو عثمان وغيره.
"سَرَدَ ثَمانيًا" قوله: في الضُّحى "وأكْثَرُها ثمانٍ" وسائر ما ورد عليك في الكتاب، قال الجوهري: ثمانية رجال، وثماني نسوة، وهو في الأصل منسوب إلى الثمن؛ لأنه لجزء الذي صير السبعة ثمانية، فهو ثمنها ثم فتحوا أوله وحذفوا منه إحدى ياءي النسب، وعوضوا منها الألف، كما قالوا في المنسوب إلى اليمن، فتثبت ياؤه عند الإضافة والنصب، كما تثبت ياء القاضي، وتسقط مع التنوين عند الرفع والجر، وما جاء في الشعر غير مصروف، فعلى توهم أنه جمع١.
قوله: "يقرأ في الأُولى سَبِّح" سَبِّحْ: علم السورة المبدوءة بـ ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ ٢ وذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن معناه قل: سبحان ربي الأعلى.
و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون﴾ ٣ علم على هذه السورة، وكذلك ﴿هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ٤ علم على سورة الإخلاص، وقد يسمى كثير من سور القرآن بأول آية منها، كسورة ﴿يس﴾ ٥ ونحوها.
قوله: "نستعينك ونستهديك ونستغفرك" أي نطلب منك العون والهداية والمغفرة.
قوله: "ونؤمن بك ونتوب إليك" نؤمن أي: نصدق. ونتوب إليك
стр. 140
أي: نفعل التوبة وقد تقدم شرحها في باب الحيض.
قوله: "ونتوكَّلُ عليك" إلى آخر الدعاء، قال الجوهري: التوكل: إظهار العجز والاعتماد على غيرك والاسم التُّكْلَان، واتكلت على فلان في أمري: إذا اعتمدته.
قال أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن١: التوكل محله القلب، والحركة في الظاهر، لا تنافي التوكل بالقلب بعد تحقيق العبد أن التقدير من قبل الله .
وقال ذو النون المصري٢: التوكل: ترك تدبير النفس، والانخلاع من الحول والقوة.
وقال سهل بن عبد الله٣، التوكل: الاسترسال مع الله تعالى على
стр. 141
ما يريد، وعنه قال: التَّوَكُّل: قلب عاش مع الله بلا علاقة. قيل: التوكل: الثقة بما في يد الله، واليأس عما في أيدي الناس. وقيل: غير ذلك، يطول شرحه.
قوله: "ونثني عليك الخير" أي: نمدحك ونصفك بالخير، قال الجوهري: وأثنى عليه خيرًا، والاسم الثناء، والثني مقصورًا مثل الثناء، إلا أنه في الخير والشر، والثناء في الخير خاصة، وقال الإمام أبو عبد الله بن مالك في "مثلثه": الثناء، المدح، فظاهر هذا، أن الثناء مخصوص بالخيرن والنثي، "بتقديم النون"، مشترك بينهما١، وقال أبو عثمان سعيد بن محمد المعافري في "أفعاله"٢، وأثنيت على الرجل: وصفته بخير أو بشر "ونشرك" تقدم ذكر الشكر في أول الكتاب.
"ولا نكفرك" قال صاحب" المشارق": فيها أصل الكفر؛ لأن الكافر جاحد نعمة ربه عليه وساترلها، ومنه يكفرن العشير، يغني الزوج، أي: يجحدان إحسانه، والمراد هنا والله أعلم: كفر النعمة؛ لاقترانه بـ "نَشْكُرك ونَعْبُدُ" قال الواحدي: معنى العبادة: الطاعة مع الخضوع والتذلل، وهو جنس من الخضوع لا يستحقه إلا الله، وهو خضوع ليس فوقه خضوع، وسمي العبد عبدًا، لذلته وانقياده لمولاه.
стр. 142
ويقال: طريق مُعَبَّدٌ: إذا كان مذلَّلًا موطوءًا، بالأقدام.
"ونُسْعَى" قال الجوهري: سعي الرجل سعيَا، أي: عدا، وكذا إذا عمل وكسب، وقال صاحب" المشارق". وقال: بعضهم، والسعي: إذا كان بمعنى الجري والمضي: تعدى بـ"إلى" وإذا كان بمعنى العمل فباللام، قال الله تعالى: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ ١.
"ونحفد" بفتح النون ويجوز ضمها: يقال: حَفَدَ بمعنى أسرع، وأحفد لغة فيه، حكاها شيخنا في فعل وأفعل، وقال أبو السعادات في "نهايته". نسعى ونحفد، أي: نسرع في العمل والخدمة. وقال ابن قتيبة، نحفد، نبادر، وأصل الحفد مداركة الخطو والإسراع.
"إن عذابك الجِدَّ" الجد "بكسر الجيم"، نقيض الهَزْلِ، فكأنه قال: إن عذابك الحق، قال أبو عبد الله ابن مالك في "مُثَلَّثِهِ" الجد يعني بالفتح من النسب معروف، هو أيضا: العظمة، والحظ والقطع، والوكف والرجل العظيم، والجد: يعني بالكسر: الاجتهاد، ونقيض الهزل، وشاطىء النهر، والجد يعني بالضم: الرجل العظيم، والبئر عند الكلأ، وجانب الشيء، وجمع أجد، وهو الضرع اليابس، وجمع جداء وهي الشاة اليابسة الضرع، والمقطوعته، والسنة الجدبة، والناقة المقطوعة الأذن، والمرأة بلا ثدي، والفلاة بلا ماء.
"ومُلْحِق" قال الجوهري: لَحِقَهُ، ولحق به، أدركه، وألحقه به غيره وألحقه أيضا بمعنى لحقه، وفي الدعاء: "إن عذابك بالكافرين مُلْحِقٌ" "بكسر الحاء" أي: لاحق بهم، والفتح صواب، آخر كلامه.
"اللَّهُمَّ اهْدِنا فيمن هديت٢" أصل الهدى: الرشاد والدلالة،
стр. 143
يقال: هداه يهديه، هدى، وهداية، وطلب الهداية من المؤمنين مع كونهم مهتدين بمعنى طلب الثبات على الهداية، أو بمعنى المزيد منها.
"وَعَافِنَا فِيمَنْ عَافَيْتَ": صيغة أمر من عافاه عافية. قال القاضي عياض والعافية من الأسقام والبلايا.
"وَتَوَلَّنَا فِيْمَنْ تَوَلَّيْتَ" قال الجوهري: الولي ضد العدو، يقال: منه تولاه، فهو -والله أعلم- سؤال أن يكون الله وليه لا عدوه.
وقوله: "أعوذُ برضاكَ من سخطك وبعفوك من عقوبتك وَبِكَ مِنْكَ".
قال الخطابي: في هذا معنى لطيف وذلك أنه سأل الله أن يجيره برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، والرضى والسخط ضدان متقابلان، وكذلك المعافاة، والمؤاخذة بالعقوبة، فلما صار إلى ذكر ما لا ضدله، وهو الله تعالى أظهر العجز والانقطاع، وفزع منه إليه، فاستعاذ به منه.
وقال صاحب "المشارق": وفي الحديث "أسالك العفو والعافية والمعافاة" قيل: العفو: محو الذنب، والعافية: من الأسقام والبلايا، والمعافاة: أن يعافيك الله من الناس، ويعافيهم منك.
"قوله:" "لَا نُحْصي ثَنَاءً عَلَيْكَ" أي: لا نطيقه ولا نبلغه ولا تنتهي غايته، ومنه قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ ١ أي: لن تطيقوه.
"قوله:" "أنت كما أَثْنَيْتَ على نفسك" اعتراف بالعجز عن تفصيل الثناء، ورد ذلك إلى المحيط علمه بكل شيء جملة وتفصيلا، فكما أنه تعالى لا نهاية لسلطانه وعظمته فكذلك لا نهاية للثناء عليه؛ لأنه تابع للمثني عليه٢.
стр. 144
قوله: "تَنْزِلُ بالمسلمين نازلةٌ" قال الجوهري: النازلة الشديدة من شدائد الدهر تنزل بالناس.
قوله: "ثم التراويح": قيام شهر رمضان، وهو عشرون ركعة بعشر تسليمات، سميت تروايح؛ لأنهم كانوا يجسون بين كل أربع يستريحون، ذكره المصنف في "الكافي".
قوله: "يقوم بها في رمضان" رمضان: الشهر المعروف، لا ينصرف للعلمية والزيادة١، يقال: إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا لشهر أيام رمض الحر، فسمي بذلك. وفي تسميته بذلك، خمسة أقوال:
أحدها: هذا الوجه المذكور.
والثاني: لحر جوف الصائم فيه ورمضه.
الثالث: أنه كان عندهم أبدًا في الحر، لإنسائهم الشهور، وزيادتهم شهرا في كل أربع سنين حتى لا تنتقل الشهور عن معاني أسمائها.
الرابع: أن الذنوب ترمص بحرارة القلوب.
الخامس: أنه من خيره، كالرَّمَضِ وهو: المطر إذا كان في آخر القيظ وأول الخريف، وسمي بذلك؛ لأنه يدرك سخونة الشمس.
وكان عطاء ومجاهد، يكرهان أن يقال: رمضان، قالا: وإنما يقال كما قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَان﴾ ٢ قالا: لا ندري لعل رمضان اسم من أسماء الله تعالى.
وقال بعضهم: إذا جاء بما لا شك معه أن المراد به الشهر، كقولك:
стр. 145
صمنا رمضان، لم ينكر، وينكر ما يشكل، كقولك: دخل رمضان، وجاء رمضان.
والصحيح: أنه يقال: رمضان مطلقا من غير تفصيل، فقد صح عن رسول الله ﷺ "من صام رمضان" ١ و "لا تقدموا رمضان" ٢. ذكر الجميع الإمام عبد العظيم المنذري في حواشي "مختصر سنن أبي داود".
وجمع رمضان: رمضانات، ورماضين، وأرمضٌ، وأرمضة، على حذف الزوائد. وأراميض، ورماضي، وزاد الجوهري: أرمضاء٣.
قوله: "فَإِنْ كان لَه تَهَجُّدٌ" التهجد: الصلاة بالليل، قال الجوهري: هجد وتهجد، أي: نام ليلا، وهجد وتهجد أي: سَهِرَ، وهو من الأضداد ومنه قيل: لصلاة الليل، التهجد٤.
قوله: "وفي التعقيب" التعقيب: فعل الشيء بعقب الشيء، وقد فسره المصنف ﵀ بذلك وهو راجع إلى معناه في اللغة.