قوله: "صَائِلًا عَلَيهِ" الصائل: القاصد الوثوب عليه. قال الجوهري: يقال: صال عليه. وثب، صولًا وصوله، والمصاولة: المواثبة، وكذلك الصيال والصيالة.
قوله: "وفي إباحته في الحَرَم" روايتان١: المراد في آبار الحرم ونحوها.
قوله: "ويَضْنَ ُالجرادَ" قال الجوهري: الجراد معروف، الواحد جرادة، تقع على الذكر والأنثى وليس الجراد بذكر للجرادة، وإنما هو اسم جنس، كالبقر، والبقرة ونحوهما. وهل هو من صيد البر أو من صيد البحر على روايتين.
قوله: "ومَن اضْطرَّ" "هو بضم الطاء" مبني للمفعول.
قوله: "إلى التَّنْعِيم". قال صاحب "المطالع": هو من الحل بين مكة وسرف٢، على فرسخين من مكة وقيل: على أربعة أميال، وسميت بذلك؛ لأن جبلًا عن يمينها، يقال له نعيم، وآخر عن شمالها، يقال له: ناعم والوادي نعمان "بفتح النون".
قوله: "بَدَنةٌ" قال كثير من أهل اللغة: البدنة: تطلق على البعير والبقرة وقال الأزهري٣: تكون من الإبل والبقر والغنم، وقال صاحب "المطالع" وغيره: البدة والبدن، هذا الاسم يختص بالإبل لعظم
стр. 247
أجسامِها، وللمفسرين في قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ﴾ ١ ثلاثة أقوالٍ:
أحدها: أنها الإبل وهو قول الجمهور.
والثاني: أنها الإبل والبقر قاله: جابر وعطاء.
والثالث: أنها الإبل والبقر والغنم.
فالبدنة حيث أطلقت في كتب الفقه، فالمراد بها البعير ذكرًا كان أو أنثى، فإن نذر بدنة، وأطلق، فهل تجزئه بقرة، على روايتين، ذكرهما ابن عقيل.
ويشترط في البدنة -في جزاء الصيد ونحوه- أن تكون قد دخلت في السنة السادسة، وأن تكون بصفة ما يجزيء في الأضحية.
قوله: "المباشرة"، قال الجوهري: مباشرة المرأة: ملامستها.
وحكى الحافظ أبو الفرج٢ في "زاد المَسير" في قوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ ٣ قولين:
أحدهما: أنها المجامعة، قال: وهو قول الأكثرين.
والثاني: أنها ما دون الجماع من اللمس والقبل. قاله ابن زيد.
قوله: "ولا تلبَسُ القُفَّازَيْنِ والخَلْخَال" قال الجوهري: القفاز "بالضم والتشديد" شيء يعمل لليدين، يحشى بقطن ويكون له أزرار يزر
стр. 248
على الساعدين من البرد، تلبسه المرأة في يديها وهما قفازان.
وقال صاحب "المطالع": هو غشاء الأصابع مع الكف معروف: يكون من جلد وغيره.
وقال ابن دريد: هو ضرب من الحلي لليدين.
وقال ابن الأنباري: لليدين والرجلين.
وقال الجوهري: الخلخال: واحد خَلَاخِيْل النساء. والخلخل لغة فيه، أو مقصور منه، ولبس الخلخال وسائر الحليّ مباح للمرأة في ظاهر المذهب وإنما عطفه على القفازين؛ لأن لبسه مكروه في الإحرام فبينهما اشتراك في رجحان الترك.
قوله: "ولا تكتَحِلُ بالإِثْمِدِ" الإثمد "بكسر الهمزة والميم": حجر معروف يكتحل به.
قوله: "ويجوز لُبْسُ المُعَصْفَرِ" إلى آخره.
المعصفر: المصبوغ بالعصفر، وهو صبغ معروف قال الجوهري: عصفرت الثوب فتعصفر. والكحليُّ: منسوب إلى الكحل. وهو لون فيه غُبْرَةٌ.
"والمرآة" "بكسر الميم"، نص عليه الجوهري، وبعدها همزة مفتوحةٌ بعدها مدة، قال الجوهري: وثلاث مراء، والكثير مرايا.
стр. 249
بابُ الفِدية
قال الجوهري: فداه، وفاداه: إذا أعطى فداءه، فأَنْقَذَهُ، وفداه بنفسه، وفداه، إذا قال له: جعلت فداك، والفدية، والفدا، كله بمعنى، إذا كسر أوله يمد ويقصر، وإذا فتح أوله قصر، وحكى صاحب "المطالع" عن يعقوبَ: فداء لك ممدودًا مهموزًا، مُثَلَّثُ الفاء.
стр. 250
قوله: "صيامَ أَيَّامِ منى" أيام مِنًى: هي أيام التشريق، أضيفت إلى منى، لإقامة الحاج بها ومنى: قال الجوهري: مقصور: موضع بمكة، وهو مذكر، وقد يصرف وقال صاحب "المطالع": وقد سمي بذلك لما يمنى فيه من الدماء. وقيل: لأن آدم تمنى فيه الجنة وقال ابن فارس: سمي بذلك من قولك: منى الله الشيء: إذا قدره، وقد قدر الله فيه أن جعله مشعرًا من المشاعر.
قوله: "المُحْصَرُ" يذكر في باب الفوات والإحصار.
قوله: "فِدْيَةُ الأَذَى" وهي فدية حلق الرأس وشبهه.
قوله: "ومَنْ رَفَضَ إحرامَهُ" أي: تركه. يقال: رفضه يرفضه ويرفضه "بضم الفاء وكسرها" رفضًا، والله أعلم.
стр. 251
بابُ جزاءِ الصَّيْدِ
جزاء: بالمد والهمز: مصدر جزيته جزاء بما صنع، ثم أوقع موقع المفعول تقول: الكبش جزاء الضبع، قال أبو عثمان في "أفعاله": جزى الشيء عنك وأجزى: إذا قام مقامك، وقد يهمز.
والصيد: يذكر في أول كتاب الصيد.
قوله: "قَضَتْ فيه الصحابة" الصحابة في الأصل، مصدر: قال الجوهري: صحبة "يَصْحَبُهُ"١ صحبة "بالضم" وصحابة "بالفتح، وجمع الصاحب: صَحْبٌ: كراكب وركب وصحبة "بالضم كفاره وفرهة، وصحاب: كجائع وجياع، وصحبان، كشاب وشبَّان، والأصحاب: جمع صحب، والصحابة "بالفتح" الأصحاب، وجمع
стр. 252
الأصحاب، أصاحيب، واختلف في الصحابي، منه، فنقل الخطيب١ بإسناده عن الإمام أحمد ﵁ أنه قال: أصحاب رسول الله ﷺ كل من صحبه سنةً أو شهرًا أو يومًا أو ساعة أو رآه فهو من أصحابه. وهذا مذهب أهل الحديث، نقله عنهم، البخاري وغيره.
وحُكِيَ عن سعيد بن المسيب٢ أنه لا يعد الصحابي إلا من أقام مع رسول الله ﷺ سنة أو سنتين أو غزَا معه غزوة أو غزوتين، وقيل: غير ذلك، والأول الصحيح.
قوله: "ففي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ" النعامة "بفتح النون مخففة" قال الجوهري: النعامة من الطير تذكر وتؤنث، والنعام، اسم جنس، كحماة وحمام.
قوله: "والإِيَّلِ والثَّيْتَلِ والوعل" الإيل: "بكسر الهمزة وتشديد الياء مفتوحة": الذكر من الأوعال، ذكره صاحب "ديوان الأدب" في باب فعل "بكسر الفاء وفتح العين" من المهموز المضاعف. وذكره الجوهري، بضم الهمزة وكسرها في "أول" لافي أيل.
وأما الثَيْتَلُ: فهو الوعل المسن "بفتح الثاء المثلثة، بعدها، ياء مثناة، تحت ساكنة وثالثة، تاء مثناة فوق مفتوحة" ورأيته في "المحكم"
стр. 253
في النسخة المنقولة من خط ابن خلصة المنقولة من أصل المصنف "تَيْثَلَ" بتقديم المثناة على المثلثة وقال: هو الوعل عامة، وقيل: المسنُّ منها، وقيل: ذَكَرُ الأروى١، وجنس من بقر الوحش، ينزل الجبال، واسم جبل. وقال ابن شميل٢: الثياتل تكون صغار القرون وقال أبو خيرة٣: الثيتل من الوعول، لا يبرح الجبل ولقرنيه شعب، حكاه الأزهري فأما الوعل، وهو تيس الجبل، وجمعه، وعول: ففيه ثلاث لغات: فتح أوله وكسر ثانيه وإسكانه، والثالثة: ضم أوله وكسر ثانيه، ولم يجئْ على وزنه إلا رئم لحلقة الدبر ودئل الدويبة٤.
قوله: "وفي الضَّبُعِ كبْشٌ" "الضَّبُعُ: بفتح الضاد وضم الباء ويجوز إسكانها" وهي الأنثى ولا يقال ضبعة، والذكر ضبعان "بكسر الضاد وسكون الباء" وجمع الذكر ضباعين، كَسَراحِين، وجمع الأنثى ضباع.
стр. 254
والْكَبْشُ: فحل الضأن، في أي سن كان وقيل: هو كبش إذا أثنى، وقيل: إذا أربع، والجمع، أكبش وكباش، كله عن ابن سيده.
قوله: "وفي الْغَزَالِ والثَّعْلَبِ عَنْزٌ" الغزال من الظباء: الشادن قبل الإثناء حين يتحرك ويمشي وقيل: هو بعد الطَّلي١: وقيل: هو غزال من حين تلده أمه، إلى أن يبلغ أشد الإحضار، وذلك حين يقرن قوائمه فيضعها معا ويرفعها معا والجمع، غزلة وغزلان، والأنثى بالهاء، وظبية معزل، أي: ذات غزال، نقل ذلك ابن سيده.
والعنز: الماعِزَةُ. وهي الأنثى من المعز وكذا العنز من الظباء، والأوعال، وإذا كان الغزال الصغير من الظباء، فالعنز الواجبة فيه صغيرة مثله. قال الجوهري: الثعلب معروف: قال الكسائي: الأنثى منه ثعلبة، والذكر ثعلبان، وقال الجوهري وغيره: العنز: الأنثى من المعز والذكر تيس.
قوله: "وفي الوَبْرِ والضب جدي" الوَبْرُ: "بسكون الباء" حكى الأزهري عن ابن الأعرابي قال: الوبر والأنثى وبرة وهي في عظم الجُرَذِ، إلا أنها أنبل وأكرم، وهي كحلاء لها أطباء، وجمعها وبار، وهي من جنس بنات عرس، وقال الجوهري: الوبرة "بالتسكين" دويبة أصغر من السنور طحلاء اللون٢ لا ذنب لها، تدجن٣ في البيوت وجمعها، وبر، ووبار.
стр. 255
وأما الضَّبُّ: "بفتح الضاد" فهو حيوان صغير ذو ذنب شبيه بالحِرْذَوْن "بكسر الحاء" وقيل: الحرذون: ذكر الضب، حكاه الجوهري.
وأما الجدي "فبفتح الجيم وسكون الدال" وهو من أولاد المعز ما بلغ ستة أشهر.
قوله: "وفي اليَرْبُوعِ جَفْرةٌ": قال الجوهري: اليربوع واحد اليرابيع، والياء زائدة، وقال ابن سيده: اليربوع دابة، والأنثى بالهاء ولم يفسره واحد منهما بصفته، وقال أبو أبو السعادات: اليربوع: هو الحيوان المعروف، وقيل: هو نوع من الفأر، والياء والواو فيه زائدتان.
وأما الجفرة، فقال أبو زيد: إذا بلغت أولاد المعز أربعة أشهر، وقصلت عن أمهاتها فهي الجفار، الواحد جفر والأنثى جفرة، وقال ابن الأعرابي: الجَفْر: الحمل الصغير، والجدي الصغير بعدما يفطم ابن ستة أشهر: آخر كلامه.
وسمي الجفر بذلك؛ لأنه جفر جنباه، أي: عظما.
قوله: "وفي الأَرْنَبِ عَنَاقٌ، وفي الحمام وهو كل ما عب وهدر شَاةٌ" وقال الكسائي: كل مطوق حمام.
الأرنب حيوان معروف، شهرته تغني عن وصفه، وهو مصروف؛ لأنه ليس بصفة، بل اسم جنس.
وأما العَنَاقُ: فقال الجوهري: العناق: الأنثى من ولد المعز، والجمع أعنق، وعنوق، وقال صاحب "المطالع" وهي الجذعة من ولد المعز التي قاربت الحمل.
وقال الجوهري: العَبُّ: شرب الماء من غير مص. والحمام يشرب الماء عبا كما تعب الدواب.
وهدر، أي: صوت. وقال غيره، هدر، غرد ورجع صوته، كأنه يسجع.
стр. 256
قوله: "إلا الماخِضُ" الماخض: الحامل التي دنا وقتها، ذكره صاحب "المطالع" وغيره.
قوله: "اندَمَلَ غيرَ ممتنع". قال الجوهري: اندمل الجرح: أي: تماثل، وقال غيره: اندمل: إذا صلح، "والله أعلم"١.
стр. 257
باب صيدِ الحرمِ ونباتِهِ
قال الجوهري: الحَرَمَانِ، مكة والمدينة، والحرم قد يكون الحرام، ونظيره، زمن وزمان، وقال الحازمي١: مكة، حرم الله، والمدينة، حرم رسول الله ﷺ .
وحد حرم مكة من طريق المدينة ثلاثة أميال دون التنعيم، عند بيوت نفار، ومن طريق العراق على ثنيته رجل بالمنقطع٢ على تسعة أميال، ومن طريق الجعرانة في شعب ابن خالد على تسعة أميال٣، ومن طريق
стр. 258
الطائف على عُرْنَةَ من بَطْن نَمِرَة سَبْعَةُ أميال، ومن طريق جدة، منقطع الأعشاش على عشرة أميال هكذا نقله أبو الخطاب عن شيخه القاضي أبي يعلى.
قوله: "وحشيشه". قال الجوهري: الحشيش ما يَبِسَ من الكلأ، ولا يقال له رطبًا حشيش وكذا نقله غيره. والهشيم كالحشيش والخلا مقصورًا، والعشب الرطب والكلأ يطلق على الجميع ذكر الجوهري الجميع مفرقا في أبوابه.
قوله: "والإِذْخِر" الإذخر "بكسر الهمزة والخاء" نبت طيب الرائحة، الواحدة إِذْخِرَةٌ.
قوله: "ويَحْرُمُ صَيْدُ المَدِيْنَةِ" المدينة: علم على مدينة الرسول ﷺ وهو علم بالغلبة لا بالوضع، ولا يجوز نزع الألف واللام منها إلا في نداء، أو إضافة وجمعها مُدْنٌ، ومُدُنٌ، ومدائِنُ، وسئل أبو علي الفسوي عن همزه. فقال: من جعله من قولهم: مدن بالمكان إذا أقام همزه، ومن جعله "مَفْعِلَه" من دين إذا ملك لم يهمزه كما لم يهمز معايش، ولها أسماء منها: طَيْبَة وطَابَةَ، ويَثْرِب، وتقدم في الاعتكاف.
قوله: "للرّحْل والْعَارِضَة والْقَائِمَة" قال الجوهري: الرَّحْلُ: رَحْلُ البعير، وهو أصغر من القتب.
"والعارضَةُ": ما يسقف به المحمل. قال ابن سيده: العارض سقائف المحمل١، وعوارضُ البيت: خَشَبُ سقفه المعرضة٢، وعارضة الباب: مساك العَضَادَتَيْنِ من فوق.
стр. 259
"والقائمة" إحدى قائمتي الرَّحْلِ التي في مُقَدَّمِهِ ومؤخره عن أبي السعادات.
قوله: "ومن حشيشها لِلْعَلَفِ" العَلَفُ١: "بفتح اللام" ما تأكله البهائم. يقال: علف الدابة وأعلفها.
قوله: "ما بين ثَوْرٍ إلى عَيْرٍ" أما عير: فهو جبل معروف بالمدينة مشهورٌ، مع أنه قد أنكره بعضهم، قال مصعب الزبيري: ليس بالمدينة عير ولا ثور، وأما ثور: فهو جبل بمكة معروف، فيه الغار الذي توارى فيه رسول الله ﷺ من الكفار ومعه أبو بكر ﵁ وقد صح عن النبي ﷺ ، أنه قال: "المدينة حرم ما بين عير إلى ثور" ٢. قال القاضي عياض أكثر الرواة في البخاري ذكروا عيرًا، فأما ثور فمنهم من كنى عنه بكذا، ومنهم من ترك مكانه بياضًا؛ لأنهم اعتقدوا ذكر ثَوْرٍ خطأ، قال أبو عبيد: أصل الحديث من عير إلى أحد وكذا قال الحازمي وجماعة، وقيل: الرواية صحيحة والتقدير حرم من المدينة قدر ما بين عير وثور من مكة أو حرم المدينة تحريما، مثل تحريم ما بين عير وثور بمكة على حذف المضاف، ووصف المصدر المحذوف. وهذا كله؛ لأنهم لا يعرفون ثورًا بالمدينة. وقد أخبرنا الإمام العلامة ذو الفنون عفيف الدين، عبد السلام بن محمد بن مزروع البصري، قال صحبت طائفة من العرب من بني هاشم وكنت إذا صحبت العرب، أسألهم عما أراه من جبل، أو واد أو غير ذلك، فمررنا بجبل خلف أحد، فقلت: ما يقال لهذا الجَبَل؟ قالوا: هذا جبل ثَوْرٍ. فقلت: ما تقولون!؟ فقالوا: هذا ثور معروف من زمن آبائنا وأجدادنا فنزلت فصليت ركعتين والله أعلم.
стр. 260
وقد جاء في الحديث: "اللهم إني أُحَرِّمُ ما بين جَبَلَيْها" ١ وفي بعض الروايات "ما بين لابَتَيْها" ٢، فما بين لابتيها بيان لحد حرمها من جهتي المشرق والمغرب، وما بين جبليها، بيان لحد من جهتي الجنوب والشمال والله أعلم.
قوله: "اثني عشر ميلًا حمىً": تقدم قدر الميل في قصر الصلاة، وأما الحمى، فقال صاحب "المطالع" الحِمى: المكان الممنوع من الرعي، وحميت المكان وأحميته: إذا منعته من الرعي. حكاهما شيخنا أبو عبد الله بن مالك في، فَعَلَ وأَفْعَلَ.
стр. 261
باب دخول مكة
مَكَّةُ: علم على جميع البلدة المعروفة المعظمة المحجوجة، غير مصروف للعلمية والتأنيث، وقد سماها الله تعالى في القرآن بأربعة أسماء. مَكَّةُ١، والبَلْدَةُ٢، والقَرْيَةُ٣، وأمُّ القُرَى٤. قال ابن
стр. 262
سِيْدَهْ: سميت مكة لقلة مائها، وذلك أنهم كانوا يَمْتَكُّونَ الماء فيها.
أي: يستخرجونه، وقيل؛ لأنها كانت تمك من ظلم فيها، أي: تُهْلِكُه١. وأما بكة بالباء. ففيه أربعة أقوال:
أحدها: أنها اسمٌ لبقعة البيت.
والثاني: ما حول البيت، ومكة ما وراء ذلك.
والثالث: أنها اسم للمسجد والبيت، ومكة للحرم كله.
والرابع: أن مكة هي بَكَّةُ، قال الضَّحَّاكُ: واحتج بأن الباء والميم يتعاقبان، يقال: سَمَدَ رأسه وسَبَدَهُ، وضربة لازم ولازب.
قوله: "من ثنية كَدَاء" الثنية في الأصل: الطريق بين جبلين. وكداء "بفتح الكاف والدال ممدود مهموز" مصروف وغير مصروف، كله عن صاحب "المطالع" قال الحازمي: وهي ثنية في أعلى مكة. وكُدًا "بضم الكاف وتنوين الدال": بأسفل مكة عند ذي طُوَى، بقرب شعب الشافعيين٢ وأما كُدَيٌّ مصغرًا، فإناخة لمن خرج من مكة إلى اليمن، وليس من هذين الطريقين في شيء، نقله عن ابن حزم وغيره. يقول:
стр. 263
كُدَيُّ مصغر للثنية السفلى، ويدل عليه، شعر ابن قيس الرقيات عبد الله١: "من الخفيف"
أقفرت بعد عبد شمس كَدَآءُ ... فَكُدَيُّ فالركن فالبطحاءُ
فمنًى فالجمارُ من عبد شمس ... مقفرات فبلدح فَحِرَاءُ٢
وقيل غير ذلك والله أعلم.
قوله: "اللهم أنت السلام" قال الأزهري: السلام الأول: اسم الله تعالى، والثاني: معناه من أكرمته بالسلام فقد سلم.
"وحَيَّنا رَبَّنا بالسلام" أي: سَلِّمْنا بتحيتك إيانا من جميع الآفات.
قوله: "زِدْ هذا البيتَ تعظيمًا وتشريفاً وتكريماً ومهابةً وَبِرًّا" التعظيم: التبجيل، والتشريف: الرفع والإعلاء، والتكريم، التفضيل، والمهابة: التوقير والإجلال. والبر "بكسر الباء" اسم جامع للخير، وأصله الطاعة.
قوله: "بيتُك الْحَرامِ" سمي البيت حرامًا؛ لأن حرمته انتشرت، فلا يصاد عنده ولا حوله ولا يختلى ما عنده من الحشيش، قال العلماء: وأريد بتحريم البيت: سائر الحرم، وتسمى الكعبة أيضا: البيت العتيق، وفي تسميتها بذلك أربعة أقوال:
стр. 264
أحدها: لأن الله تعالى: أعتقها من الجبابرة.
والثاني: بمعنى القديم. قاله الحسن.
والثالث: لأنه لم يملك قط. قاله مجاهد.
والرابع: لأنه أعتق من الغرق زمن الطوفان، قاله ابن السائب: ذكر ذلك الحافظ أبو الفرج.
قوله: "وأصلح لي شأني" قال الجوهري: الشأن: الأمر والحال.
قوله: "بِطَوَافِ العُمْرَةِ" الطواف من قولهم طاف به أي: ألم به، يقال: طاف يطوف طوافًا وطوفانًا، وتطوف واستطاف كله بمعنى، وفي الحج، أربعة أطوفة: طواف القدوم: وهو سنة. وطواف الزيارة: وهو الطواف الواجب، ويسمى ركن الحج، وطواف الصدر: وهو طواف الوداع١. وهو واجب.
стр. 265
قوله: "ويضطبع" تقدم ذلك كله في ستر العورة.
قوله: "بالحَجَرِ الأسودِ" ثبت عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ : أنه نزل من الجنة، أشد بياضًا من اللبن. رواه الترمذي: وقاله: حسن صحيح.
قوله: "ثم يَسْتَلِمُهُ" أي: يمسه، ووزن استَلَمَ "افتعَلَ" من السلمة وهي الحجر، وقيل افتعل من المسالمة كأنه فعل ما يفعل المسالم، وقيل: استلم "استفعل" من اللامة وهي السلاح كأنه خَصَّ١ نفسه بمس الحجر. حكى معنى هذا ابن الأنباري في كتاب "الزاهر". قلت: فعلى هذا القول: يكون وزنه في اللفظ "استَفَلَ" وفي الأصل "واستفعل"؛ لأن عينه همزة محذوفة.
قوله: "إيمانًا بك" إلى آخره، إيمانًا: مفعول له أي: أفعل ذلك غيمانًا بك. أي: لأجل إيماني أنك حق فعلت ذلك.
ووفاء بعهدك، أصل الوفاء في اللغة: التمام: ويقال: وفى بالعهد وأوفى، ووفى، نص على ذلك غير واحد، قال أبو النجم٢: "من البسيط"
أمَّا ابنُ طَوْقٍ فَقَدْ أَوْفَى بذمّته ... كما وفَى بقلاصِ النَّجْمِ حاديها
النَّجْمُ: الثُّرَيَّا، حاديها، الدَبَرَّانُ، وقلاصها: نُجُومُها.
стр. 266
وعن علي بن أبي طالب ﵁، لما أخذ الله الميثاق على الذرية. كتب كتابًا فالقمه الحجر، فهو يشهد للمؤمن بالوفاء وعلى الكافر بالجحود. ذكره الحافظ أبو الفرج.
قوله: "فإذا أتى الركن اليماني" تقدم في باب المواقيت١.
قوله: "سَبْعًا" "هو بفتح السين" أي: سبع مرات، ويجوز ضمها، ويجوز سبوع بالواو، ذكره صاحب "المطالع" بعبارة طويلة وأسبوعًا وجمعه أسابيع.
قوله: "يَرْمُلُ في الثلاثة الأولِ" يقال: رمل يرمل "بفتح الميم في الماضي وضمها في المضارع" قال الجوهري: الرمل بالتحريك: الهرولَةُ. رملت بيت الصفا والمروة رملًا ورملانًا.
وقوله: "يَطُوف سبعًا" بحذف التاء. أراد الطوفات. وقوله هنا "في الثلاثة" يريد الأشواط فحقه أن يقول: يرمل في الثلاثة الأوائل، أو الأولى أو الثلاث الأول: فحيت قال: الثلاثة الأول، حمل الثلاثة على الأشواط، والأول التي جمع "أولى" على الطوفات. والله أعلم.
قوله: "ولا يَثِبُ وَثْبًا ويَمْشِي أَرْبَعًا" قال الجوهري: وثب وثبا ووثوبا ووثبانا طفر ويمشي أربعا أي: أربع طوفات.
قوله: "الله أكبر ولا إله إلا الله" تقدم في الصلاة.
قوله: "وبين الركنين" هما الركن اليماني، والحجر الأسود.
قوله: "رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً" في حسنة الدنيا سبعة أقوال:
أحدها: أنها المرأة الحسنة، قاله علي ﵁. والثاني: أنها العبادة، وهو مروي عن الحسن. الثالث: أنها العلم والعبادة عن الحسن أيضا. والرابع: المال: قاله أبو وائل وغيره. والخامس: العافية، قاله
стр. 267
قتادة١. والسادس: الرزق الواسع. قاله مقاتل٢. والسابع: النعمة.
وفي حسنة الآخرة، ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها الحور العين، قاله علي ﵁. والثاني: الجنة، قاله الحسن وغيره. والثالث: الغفور والمعافاة.
قوله: "اللهم اجعله حجاً مبروراً" إلى آخره. قال صاحب "المطالع" وغيره: الحج المبرور: هو الخالص الذي لا يخالطه مأثم.
وقال الأزهري: المبرور، المتقبل، وأصله من البر. وهو اسم جامع للخير. ومنه، بررت فلانًا، أي: وصلته، وكل عمل صالح بر. ويقال بر الله حجة وأبره.
"وسعيًا مشكوراً" أي: اجعله عملاً متقبلاً، يزكو لصاحبه ثوابه.
"ومساعي الرجل" أعماله الصالحة، وأحدتها مسعاة.
"وذنباً مغفوراً" التقدير: والله أعلم -اجعل حجي مبرورًا وسعيي سعيًا مشكوراً وذنبي ذنبًا مغفورًا.
قوله: "منكِّساً" يجوز فتح الكاف، صفة لمصدر محذوف، أي:
стр. 268
طاف طوافاً مُنَكَّسًا، ويجوز كسرها ويكون حالاً: أي: طاف منكساً طوافه.
قوله: "جِدَار الْحِجْرِ" الحجر "بكسر الحاء وسكون الجيم لاغير" عن صاحب "المطالع" وغيره، وهو مكان معروف إلى جانب البيت، نحو سبعة أذرع١.
"أو شَاذَرْوان الكَعْبَةِ" "فتح الشين والذال المعجمتين وسكون الراء" القدر الذي ترك خارجا عن عرض الجدار مرتفعا عن وجه الأرض قدر ثلثي ذراع، قال الأزرقي٢: قدره ستة عشر أصبعًا، وعرضه: ذراع، والذراع، أربع وعشرون اصبًعا، وهو جزء من الكعبة نقصته قريش، وهو ظاهر في جوانب البيت إلا عند الحجر الأسود، وهو في هذا الزمان قد صفح بحيث يعسر الدوس عليه، فجزى الله فاعله خيرًا.
قوله: "أو عُريانا" عُريانا مصروف؛ لأن مؤنثه عريانة. قال الجوهري: وكل فعلان فَمُؤنثهُ فَعْلَانَةٌ.
قوله: "خلف المقام" المقام: مقام إبراهيم خليل الرحمن ﵇، وهو الحجر المعروف ثم، قاله سعيد بن جبير٣، وفي سبب وقوف الخليل عليه، قولان.
стр. 269
أحدهما: أنه وقف عليه حتى غسلت زوجة ابنه رأسه في قصة طويلة، وهذا يروى عن ابن مسعود وابن عباس.
والقول الثاني: أنه قام عليه لبناء البيت وكان إسماعيل يناوله الحجارة. قال سعيد بن جبير، ويحتمل أنه وقف عليه لغسل رأسه، ثم وقف عليه لبناء الكعبة، والله أعلم.
قوله: "يقرأ فيهما: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ " تقدم ذكرهما في صلاة التطوع١.
قوله: "ثم يعودُ إلى الرُّكْنِ" المراد بالركن: الحجر الأسود، نص عليه المصنف في "المغني" وغيره من أصحابنَا.
قوله: "يبدَأُ الصَّفا" الصفا: مقصور، وهو في الأصل: الحجارة الصلبة٢، واحدتها صفاة كحصاة وحصى، وهو هنا: اسم المكان المعروف عند باب المسجد الحرام.
قوله: "فَيَرْقَى عليه" أي: يصعد "بكسر القاف في الماضي، وفتحها في المضارع" وحكى ابن القطاع، فتح القاف وكسرها مع الهمز.
قوله: "وهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ" قال الجوهري: الأحزاب: الطوائف التي تجتمع على محاربة الأنبياء والإشارة بالأحزاب هنا، إلى الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ ، أيام الخندق، وهم قريش وغطفان، ويهود قريظة والنضير وغيرهم.
قوله: "حتى يأتي العَلَمَ فيسعى سعياً شديداً إلى العَلَم" العلم في اللغة: العلامة والجبل، وعلم الثوب، والعلم: الراية، والعلمان هنا،
стр. 270
المراد بهما: الميلان الأخضران اللذان بفناء المسجد الحرام، ودار العباس. وفناء المسجد: ركنه.
قوله: "حتى يَأْتِيَ الْمَرْوَةَ" قال الجوهري: المروة: الحجارة البيض البراقة، تقدح منها النار وبها سميت المروة بمكة، وهي المكان الذي في طرف المسعى، وقال أبو عبيد البكري: المروة جبل بمكة معروف، والصفا جبل آخر بإزائه، وبينهما قديد منحرف عنهما شيئًا، والمُشَلَّلُ: هو الجبل الذي ينحدر منه إلى قديد، وعلى المشلل كانت مناة.
قوله: "بذلك الشوط" قال ابن عباد وغيره: الشوط: جري مرة إلى الغاية، فالابن قُرْقُول: وهو في الحج، طوفة واحدة، من الحجر الأسود إليه، ومن الصفا إلى المروة.
قوله: "متواليًا" أي غير متفرق، وقد تقدم ذكر الموالاة في الطهارة.
قوله: "ومن كان متمتعاً١ قَطَعَ التبلبية إذا وَصَلَ البيتَ" المراد -والله أعلم: ومن كان معتمراً قطع التلبية إذا استلم الحجر، نص عليه الإمام أحمد ﵁، ذكره المصنف ﵀ في "المغني" لكنه في "المقنع" تبع الخِرَقِيَّ ﵀ في هذه العبارة، والله أعلم.
стр. 271
باب صفة الحج
قوله: "الذي حَلَّ وغيرِه من المحلين" يقال: حل من إحرامه، فهو حال، وأحل، فهو محل، فاستعمل الشيخ ﵀، اللغتين.
قوله: "يومَ التَّرْوِيَةِ" سمي بذلك؛ لأن الناس كانوا يَرْتَوون فيه من
стр. 272
الماء لما بعد، وقيل: لأن إبراهيم ﵇، أصبح يتروى في أمر الرؤيا، قاله الأزهري.
قوله: "إلى مِنًى" منى "بكسر الميم وفتح النون مخففة بوزن رِبًا" قال البكري، يذكر ويؤنث، فمن أنث لم يُجْرِه، أي لم يصرفه، قال الفراء: الأغلب عليه التذكير. وقال العرجي في تأنيثه. قوله: "من البسيط"
ليومنا بمنًى إذ نحن ننزلها ... أشد من يومنا بالعرج أو مِلْكِ١
وقال أبو دهبل في تذكيره: "من البسيط"
سقى مِنًى ثم رواه وساكنه ... وما ثَوَى فيه واهي الودق منبعق٢
وقال الحازمي في أسماء الأماكن: منى "بكسر الميم، وتشديد النون": الصقع قرب مكة، ولم أر هذا لغيره والصواب الأول.
قوله: "فأقامَ بِنَمِرَةَ" نمرة "بفتح النون وكسر الميم بعدها راء": موضع بعرفة. قال الأزرقي: هو الجبل الذي عليه أنصاب الحرم عن يمينك إذا خرجت من مأزمي عرفة.
قوله: "والدَّفْعُ مُنه" قال صاحب "المطالع" الرفع في السير "يعني بالراء": التعجيل، والدفع فيه: الأنبعاث بمرة.
قوله: "بمزدَلفَةَ" قال البكري في "معجمه" عن عبد الملك بن حبيب: جمع هي المزدلفة، وجمع وقزح والمشعر الحرام، وسميت جمعًا، للجمع بين المغرب والعشاء بها، قاله البكري، وقيل: لاجتماع
стр. 273
الناس بها، وهو أنسب للاجتماع بها قبل الإسلام.
قوله: "ثم يروح إلى الموقف" أي: يذهب، وأكثر ما يستعمل الرواح بعد الزوال، والغدو قبل الزوال، قال الله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ ١. وحكى الأزهري وغيره، أن الرواح يستعمل بمعنى السير أي وقت كان.
قوله: "إلا بَطْنَ عُرَنَةَ" "بضم العين وفتح الراء والنون" قد حددها المصنف ﵀، وقال البكري: بطن عرنة، الوادي الذي يقال له مسجد عرفة، وهي مسايل يسيل فيها الماء، إذا كان المطر٢، فيقال لها: الجبال وهي: ثلاثة، أقصاها مما يلي الموقف.
قوله: "عند الصَّخَرَاتِ" الصخرات "بفتح الصادر والخاء المعجمة" جمع صخرة "بسكون الخاء وفتحها" وهي الحجارة العظام.
قوله: "وجَبَلِ الرحمة" هو جبيل صغير معروف ثَمَّ٣.
قوله: "وإن وافاها" أي: أتاها عن الجوهري وغيره.
قوله: "وعليه السَّكِينَةُ" السكينة "فَعِيْلَةُ" من السكون الذي هو الوقار، وفسر الجوهري، الوقار بالحلم والرزانة.
قوله: "فإذا وجد فَجْوَةً أَسْرَعَ" الفجوة "بفتح الفاء وسكون الجيم": الفرجة بين الشيئين.
قوله: "ما بين المَأْزَمَيْنِ ووادي مُحَسِّرٍ" المأزمان تثنية مأزم "بفتح أوله وإسكان ثانيه وكسر الزاي" كذا قيده البكري وقال: وهما معروفان بين
стр. 274
عرفة والمزدلفة، وكل طريق بين جبلين، فهو مأزم، وموضع الحرب أيضاً مأزم، قال الجوهري: ومنه سمي الموضع الذي بين المشعر وعرفة: مأزمين.
ومُحَسِّرٌ "بضم الميم وفتح الحاء، بعدها سين مهملة مشددة مكسورة وبعدها راء" كذا قيده البكري، وهو واد بين مزدلفة ومنى، قيل سمي بذلك؛ لأن فيل أصحاب الفيل، حَسَّر فيه، أي: أعيى، وقال البكري: وهو واد بجمع، وقال الجوهري: هو موضع بمنى.
قوله: "ثم يأتي المَشْعَرَ الحرامَ" المشعر الحرام "بفتح الميم" قال الجوهري، وكسر الميم لغة: وهو موضع معروف بمزدلفة ويقال له: قزح، وقد تقدم أن المشعر الحرام وقزح من أسماء المزدلفة، فتكون المزدلفة كلها سميت بالمشعر الحرام، وقزح تسمية للكل باسم البعض، كما سمي المكان بدرًا باسم ماء به، يقال له: بدر.
قوله: "كما وقَفتنا فيه" الأفصح، وقفت الدابة والرجل بمعنى وفقتهما وكذا وقفت الوقف، وحكى شيخنا ﵀ أوقفت في الجميع.
قوله: "وأريتنا غياه" يجوز أريتنا إياه، وأريتناه وهو الأفصح، قال الله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ ٢ وهي مسألة مقررة في كتب النحو المطولة.
قوله: "كما وعدتنا" الأكثر استعمال وعد في الخير، وأوعد في الشر، قال الشاعر٣: "من الطويل"
стр. 275
وإني وإن أوعدتُه أو وَعَدتُه ... لمخلف إيعادي ومُنْجِزُ مَوْعِدِي
وحكى قطرب١، في فعلت وأفعلت، وعد وأوعد في الخير والشر، فالذي جاء في هذا الدعاء، جاء على أفصح اللغتين.
وقوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ أي: دفعتم، قاله ابن قتيبة.
قوله: "إلى غفور رحيم" يرفعهما على الحكاية، حكاية قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢ والجار والمجرور في قوله "إلى غفور رحيم" متعلق بمحذوف تقديره: يقرأ إلى "غفور رحيم" و "إلى" داخل على قول مقدر، محكي بعده المرفوع، تقديره: يقرأ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
قوله: "إلى أن يُسْفِرَ" يقال: أسفر الصبح، بمعنى سفر: لغة نقلها شيخنا أبو عبد الله بن مالك ﵀. أي: أضاء، والضمير في "يُسْفِرُ" للصبح؛ لأنه قد تقدم، ويجوز أن يكون للداعي.
"وبأخذ حَصَى الجمار" الجمار، واحدتها جمرة: وهي في الأصل: الحصاة ثم سمي الموضع الذي ترمى فيه الحصيات السبع: جمرة. وتسمى الحصيات السبع: جمرة أيضا، تسمية للكل باسم البعض، والجمار ثلاث: ترمى يوم النحر جمرة العقبة بسبع حصيات، وفي أيام التشريق، يرمي كل يوم ثلاثًا، بإحدى وعشرين حصاة، فلذلك كان عددهن سبعين حصاة.
стр. 276
"أَكْبَرَ مِنَ الحِمِّصِ" الحمص، الحب المعروف. قال ثعلب: الاختيار فتح الميم، وقال المُبَرَّدُ: بكسرها، ولم يأت عليه من الأسماء إلا حِلِّزٌ، وهو القصير، وجِلِّق "وهو اسم لدمشق وقيل موضع بقربها، وقيل إنه صورة امرأة كان الماء يخرج من فيها في قرية من القرى وهو أعجمي معرب، حكى ذلك كله الجوهري"١.
"ودُون البُنْدُق" البندق "بضم الباء والدال بينهما نون ساكنة" قال ابن عباد في كتابه البندقة التي يرمى بها، والجمع: البندق٢ "عن الجوهري وابن عباد"٣.
والعَقَبَةُ، واحدة العقبات، وقد صارت علماً على العقبة التي ترمى عندها الجمرة، وتعريفها بالعلمية بالغلبة، لا باللام، كالصعق والدبران، ونحوهما.
"واحدةً بعد واحدة" واحدة بالنصب، بإضمار فعل. أي: يرمي واحدة، أو على الحال، كأنه قال: بسبع حصيات متفرقة متتابعة، فتكون حالًا من سبع.
"بياض إبْطِهِ" إبطه "بكسر الهمزة": ما تحت الجناح، يذكر ويؤنث، وجمعه: آبَاطٌ.
"قَدْرَ الأُنْمُلَةِ" الأنملة: واحدة الأنامل، وقد تقدم ذكرها في باب السواك.
стр. 277
"والحِلَاق" الحِلَاقُ "بكسر الحاء" مصدر حلق حلقاً وحِلَاقاً.
والحلاق أيضا: جمع حلقة، كجفنة وجفان. والحلاق "بالضم" داء في الحلق، وحلاق، اسم للمنية، كقطام.
"والتقصير" مصدر قصر تقصيرًا.
قوله: "أيام منى" هي أيام التشريق أضيفت إلى منى لإقامة الحاج بها لرمي الجمار.
قوله: "إطْلَاق من مَحْظُورِ" الإطلاق: مصدر أطلقت المحبوس ونحوه: إذا خليت سبيله والمحطور في اللغة: الممنوع، وفي الشرع، والحرام: وهو ما تركه راجح على فعله مع المنع من فعله مطلقًا، فالمحرم قبل الحلق والتقصير، كان ممنوعًا من المحظورات، فبأحدهما بعد الرمي، أطلق من هذا المحظور.
قوله: "يعلمهم فيها النَّحْرَ والإفَاضَةَ": النحر: مصدر"نحر" وقد فسره المصنف ﵀، في باب الهدي بقوله: فيطعنها بالحربة في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر.
والذَّبْحُ: قطع الحلقوم والمريء، والودجين على رواية.
و"الإفَاضَة" مصدر أفاض، قال ابن القطاع: أفاض الحاج: أسرعوا في دفعتهم من عرفة إلى المزدلفة. وأيضًا رجعوا من منًى إلى مكة يوم النحر.
قوله: "يطوف للزيارة" قال الجوهري: زرته أزوره، زورًا وزيارةً وزوارةً أيضا. حكاه الكسائي. أي: قصده. ولهذا الطواف عند الفقهاء، أربعة أسماء. طواف الزيارة، وطواف الإفاضة، والطواف الواجب، وطواف الصدر أضيف إلى الزيارة؛ لأنه يفعل عندها، وأضيف إلى الإفاضة؛ لأنه يفعل بعدها، وأضيف إلى الصدر؛ لأنه يفعل بعده أيضا،
стр. 278
والصَّدر "بفتح الصادر والدال" رجوع المسافر من مقصده.
قوله: "يأتي زَمْزَمَ" زمزم "بالزاي المكررة" غير مصروف للتأنيث والعلمية، والبئر المشهورة المباركة بمكة، قيل سميت بذلك لكثرة مائها، يقال ماء زمام زمزم، وقيل: اسم لها علم وقيل: بل من ضم "هاجر" لها حين انفجرت، وزمها إياهًا وقيل: بل من زمزمة جبريل ﵇ وكلامه عليها، وتسمى: برة، والمضنونة، وتكتم "بوزن تكتب"، وهزمة جبريل وشفاء سقم، وطعام طعم، وشراب الأبرار، وطيبة، ذكرها صاحب "المطالع"١.
وقولهم: بئر زمزم: من إضافة المسمى إلى الاسم. كقولهم: سعيد كُرْزٍ: أي: صاحب هذا اللقب.
"لما أَحَبَّ" أي: لما أحب أن يعطيه الله من خير الدنيا والآخرة، معتمدًا في ذلك على حديث جابر: أن رسول الله ﷺ ، قال: "ماء زمزم لما شرب له" رواه ابن ماجه.
قوله: "ويتضَلَّعُ منه" أي: يملأ أضلاعه من الماء. قال الجوهري: تضلع الرجل: أي امتلأ شِبَعًا ورِيًّا.
قوله: "وَرِيًّا وشِبَعًا" يقال: رويت من الماء، أروى رِيًّا، ورَيًّا "بكسر الراء وفتحها" وروي كرضي. وهو ضد الظمأ. والشبع: نقيض الجوع، "وهو بكسر الشين وفتح الباء وكسرها" مصدر شبع، وأما الذي يشبع، فبسكون الباء لا غير.
قوله: "من كل داءٍ" الداء: المرض. يقال: داء الرجل، يداء،
стр. 279
داءً: إذا أصابه المرض، فهو داء وأداء أيضا، فهو مديء، وأدأته أنا، أصبته بداء يتعدى ولا يتعدى.
قوله: "وامْلَأْهُ من خَشْيَتِكَ" الخَشْيَةُ: مصدر خشي، وله ستة مصادر، نظمها شيخُنَا الإمام أبو عبد الله ابن مالك. فقال: "من البسيط"
خشيتُ خشْيًا ومَخْشَاةً ومَخْشِيَةً ... وخَشْيَةً وخَشَاةً ثُمَّ خَشَيَانًا
والخَشْيَةُ: الخوف وقال ابن عباس: في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ١ أي: إنما يخافني من خلقي، من علم جبروتي وسلطاني، ففسر يخش، بيخاف. وقال أبو علي الدقاق٢: الخوف على مراتب الخوف، والخشية، والهيبة؛ فالخوف من شرط الإيمان، والخشية، من شرط العلم، والهيبة من شرط المعرفة.
قوله: "وتلي مَسْجِدَ الخَيْفِ" قال أهل اللغة: الخَيْفُ: ما انحدر عن غلظ الجبل، وارتفع عن مسيل الماء، وبه سمي مسجد الخيف، قال الأزرقي: هو مسجد بمنى عظيم واسع فيه عشرون بَابًا.
قوله: "سِقَايَةَ الحَاجِّ" السِّقَايَةُ "بكسر السين": مصدر كالحماية، والرعاية، مضاف إلى المفعول فأهل سقاية الحاج، هم القائمون بها، وكان العباس بن عبد المطلب ﵁، يلي ذلك في الجاهلية والإسلام، فمن قام بذلك بعده إلى الآن فالرخصة له.
"والرِّعَاءُ" "بكسر الراء ممدُودًا": جمع راعٍ، كجائع وجياع،
стр. 280
ويجمع على رعاةٍ، كقاض وقضاة وعلى رعيان، كشاب وشبان.
قوله: "مَبيتٌ" "هو بفتح الميم" مصدر بات ييت ويبات بَيْتُوتَةً ومبيتًا، قال ابن الأثير: كل من أدركه الليل فقد بات، نام أم لم ينم.
وقام ابن القطاع وأبو عثمان: بات يفعل كذا: إذا فعله ليلًا، لا يقال: بمعنى نام. وقال صاحب "المحيط": ويستعمل في النهار أيضا.
قوله: "في المُلْتَزِمِ" المُلْتَزَمُ: اسم مفعول من التَزَمَ، قال ابن قرقول: ويقال له: المدعى، والمتعوذ سمي بذلك: بالتزامه للدعاء، والتعوذ، وهو ما بين الركن الذي فيه الحجر الأسود والباب، قال الأزرقي: ذرعه أربعة أذرع.
قوله: "اللهم هذا بيتُك" إلى آخر الدعاء، تقدم في التشهد، وكذلك "عَبْدُكَ وأَمَتُكَ" تقدم ذكر الأمة في ستر العورة.
قوله: "سَخَّرْتَ لي" أي: ذللت لي من خلقك أي: من مخلوقك، "بنعمتك" أي: إنعامك علي، والنعمة: اليد والصنيعة والمنة، واتساع المال.
"وأداء نسكي" "مَمْدُوْدًا" اسم للتأديه.
"وإلا فَمُنَّ الآن" الوجه فيه ضم الميم وتشديد النون، وبه قرأته على من قرأه على مصنفه على أنه صيغة أمر من: من يمن، مقصود به الدعاء والتعوذ، ويجوز كسر الميم وفتح النون، على أنها حرف جر لابتداء الغاية.
و"الآن": الوقت الحاضر، وهو مبني على الفتح، لعلة ليس هذا موضع ذكرها١.
стр. 281
و "الأوان" الوقت، وجمعُهُ، آوِنَةٌ، كزمانٍ وأَزْمِنَةٍ.
و"تنأى" مضارع نأت: أي: تبعد.
"فَأَصْحِبْني" بقطع الهمزة.
"والعِصْمَةُ" منع الله تعالى عبده من المعاصي.
"ومُنْقَلَبِي" أي: منصرفي.
قوله: "وقَبْرِ صَاحِبَيْهِ" كذا بخط المصنف، ﵀، قبر بالإفراد، والمراد قبري صاحبيه ويجوز أيضاً، قبور صاحبيه، كقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ ١ وقد تقدم مثل هذا.
قوله: "من التَّنْعِيمِ" تقدم في محظورات الإحرام٢.
стр. 282
بابُ الفواتِ والإحصار
الفَوَاتُ: مصدر فات فوتاً وفواتاً: إذا سبق فلم يدرك: وهو هنا كذلك، والإحصار: ومصدر أحصره، إذا حبسه مرضًا كان الحاصر، أو عدوًّا، وحصره أيضًا، حكاهما غير واحد وقال ثعلب في "الفصيح": وحصرت الرجل: إذا حبسته، وأحصره المرض: إذا منعه السير والصحيح أنهما لغتان. وقوله تعالى: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ ١ ظاهر في حصر العدو لوجهين:
стр. 283
أحدهما: أن الآية نزلت في قصة الحديبية وكان حصر العدو.
والثاني: أنه قال بعد ذلك: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ . والأمن من الخوف.
قوله: "ومن أُحْصِرَ بِمَرَضٍ" وقوله: "لمن حَصَره العدو" على ما قرر من اللغتين، والله أعلم.
стр. 284
باب الْهَدْي والْأَضَاحي
الهدي: ما يهدى إلى الحرم من النعم وغيرها، قال الأزهري: أصله التشديد من هديت الهدي أهديه، وكلام العرب: أهديت الهدي إهداءً، وهما لغتان، نقلهما القاضي عياض وغيره. وكذا يقال: هديت الهدية وأهديتها، وهديت العروس وأهديتها، وهداه الله من الضلال لاغير.
والأضاحي مشدد الياء جمع في واحدته أربع لغات، أضحية، وإضحية "بضم الهمزة وكسرها وتشديد الياء"، وضحية بوزن سرية، والجمع ضحايا، وأضحاة والجمع: أضحى، كأرْطَاةٍ وأَرْطَى ونقله الجوهري عن الأزهري، ونقل عن الفراء أنه قال: الأضحى، يذكر ويؤنث، تقول: دنا الأضحى، ودنت الأضحى.
قوله: "التِي لا تُنقي" تنقي "بضم التاء وكسر القاف" من أنقت الإبل: إذا سمنت، وصار فيها نقي وهو مخ العظم، وشحم العين من السمن.
قوله: "البيِّنُ ظَلَعُها" "بفتح اللام وسكونها" أي: غَمْزُها.
قوله: "وتُجْزِئُ الجماءُ والبتراءُ والخَصِيُّ".
"الجماء": "بالفتح والمد والتشديد": التي لا قَرْنَ لها.
"والبتراء": بوزن حمراء: المَقْطُوعَةُ الذنب.
стр. 285
"والخَصِيُّ": المسلول البَيْضَتَينِ، فَعِيل، بمعنى مفعول وفي معناه: من ذهبت خصيتاه بقطع أو نحوه.
قوله: "معقولةً": أي: مَشدُودًا وظيفة١ مع ذراعه بالعقال.
قوله: "فَيَطْعَنُها" يطعن: "بضم العين وفتحها" بالقول وبالحرية، لكن الأكثر "يَطْعَنُ" "بفتح العين" في القول "وبضمها" في الحربة ونحوها، ونونها مفتوحة، لعطفه على الاسم الصريح.
قوله: "في الوَهْدَةِ": الوهدة: "بسكون الهاء": المكان المطمئن. والجمع: وهد، ووهاد عن الجوهري.
"والعُنُقْ" "بضم العين والنون وسكونها": الرقبة: تذكر وتؤنث، والجمع أعناق "يُذْبَحَ": الوجه نصب "يذبح" ويجوز رفعه على الاستنئاف.
قوله: "منك ولكَ" من فضلك ونعمتك علي، لا من حولي وقوتي، ولك التقرب به، لا إلى شيء سواك، ولارياء، ولا سمعة.
قوله: "ووقتُ الذَّبحِ يومُ العيدِ" برفع يوم خبر المبتدأ ويجوز نصبه على الظرف.
قوله: "أو قَدْرِها" بالجر عطفًا على الصلاة.
قوله: "أو تَقْليدِه وإِشْعَارِه"٢: التقليد: مصدر قلد. قال الجوهري: التقليد: أن يعلق في العنق٣ شيء، ليعلم أنها هدي. وقد ذكر المصنف ﵀ بعد هذا، أنه يقلد الغنم، النعل، وآذان العِرَبِ،