← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 11811

الملخص الفقهي

صالح الفوزان

Полный текст (1 076 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

فيجب نقض اليمين إذا حلف على ترك واجب؛ كما لو حلف لا يصل رحمه، أو حلف على فعل محرم؛ كما لو حلف ليشربن خمرًا؛ فهنا يجب عليه أن ينقص يمينه، ويكفر عنها. وقد يحرم نقض اليمين؛ كما لو حلف على ترك محرم أو فعل واجب؛ فإنه يجب عليه الوفاء باليمين، ولا يجوز له نقضها. ويباح نقض اليمين فيما إذا حلف على فعل مباح أو على تركه. قال النبي ﷺ : "ما حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها؛ إلا أتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني"، وقال صلى الله عليه وسل: "من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه". ومن حرم على نفسه شيئا مباحا سوى زوجته كالطعام والشراب واللباس؛ كما لو قال: ما أحل الله علي حرام، أو قال هذا الطعام حرام علي؛ فإنه لا يحرم عليه؛ فله تناول، ويكون عليه كفارة يمين؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَات﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ ؛ أي: التكفير عن تحريم الحلال.

стр. 1017

وأما لو حرم زوجته؛ فإن ذلك يعتبر ظهارًا، تجب فيه كفارة الظهار، ولا تكفي فيه كفارة اليمين. ومما يجب التنبيه عليه في هذا الباب حكم الحلف بملة غير الإسلام؛ كما لو قال: هو يهودي أو نصراني إن فعل كذا وكذا! أو لم يفعله! وهذا من الألفاظ البغيضة؛ فهذا محرم شديد التحريم؛ لما في "الصحيحين"؛ أن النبي ﷺ قال: "من حلف على ملة غير الإسلام كاذبا متعمدًا؛ فهو كما قال"، وفي رواية الإمام أحمد: "من قال: إنه بريء من الإسلام: فإن كان كاذبا؛ فهو كما قال، وإن كان صادقا؛ لم يعد إلى الإسلام سالما". نسأل الله العافية من مقالة السوء، ونسأله أن يسدد أقوالنا ونياتنا؛ إنه قريب مجيب.

стр. 1018

باب في كفارة اليمين من رحمة الله بعباده أن شرع لهم الكفارة التي بها تحلة اليمين. قال الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ . وفي "الصحيحين" عن النبي صلى الله عليه وسل؛ قال: "إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها؛ فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك". وكفارة اليمين فيها تخيير وفيها ترتيب، فيخير من لزمته بين إطعام عشرة مساكين لكل مسكين نصف صاع من الطعام، أو كسوة عشرة مساكين لكل واحد منهم ثوب يجزئه في صلاته، أو عتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب، فمن لم يجد شيئا من هذه الثلاثة المذكورة؛ صام ثلاثة أيام. فتبين بهذا التفصيل أن كفارة اليمين تجمع تخييرًا وترتيبا؛ تخييرًا بين الإطعام والكسوة والعتق، وترتبيها بين ذلك وبين الصيام. والدليل على هذا قول الله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ . ومعنى الآية الكريمة إجمالاً أن كفارة ما عقدتم من الأيمان إذا

стр. 1019

حنثتم فيها: إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم؛ أي: من خير وأمثل قوت عيالكم، أو كسوتهم مما يصح أن يصلى فيه، أو عتق رقبة، واشترط الجمهور كونها مؤمنة، وقد بدأ بالأسهل؛ فأي هذه الخصال فعل؛ أجزأه بالإجماع. واشترط الجمهور في صيام ثلاثة الأيام أن تكون متتابعة؛ لقراءة عبد الله ابن مسعود ﵁: ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعة﴾ . وهنا يغلط كثير من العوام، فيظنون أنهم مخيرون بين الصيام وبين بقية خصال الكفارة، فيصومون، مع قدرتهم على الإطعام أو الكسوة، والصيام في هذه الحالة لا يجزئهم ولا يبرىء ذمتهم من كفارة اليمين؛ لأنه لا يجزىء إلا عند العجز عن الإطعام أو الكسوة أو العتق؛ فيجب التنبيه لمثل هذا الأمر. ويجوز تقديم الكفارة على الحنث، ويجوز تأخيرها عنه، فإن قدمها؛ كانت محللة لليمين، وإن أخرها؛ كانت مكفرة له. والدليل على ذلك ما ثبت في "الصحيحين" عن النبي صلى الله عليه وسل أنه قال: "إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها؛ فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك"، فدل هذا

стр. 1020

الحديث على جواز تأخير الكفارة عن الحنث. ولأبي داود:: "فكفر عن يمينك، ثم ائت الذي هو خير"؛ فدل هذا الحديث على جواز تقديم الكفارة على الحنث، فدلت الأحاديث على جواز التقديم والتأخير. ومن السنة ومن حق الأخ على أخيه المسلم إبرار قسمه إذا أقسمه عليه؛ فعن البراء بن عازب ﵁ قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسل بسبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، وإبرار القسم أو المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام". وإن كرر الأيمان قبل التكفير على فعل واحد، موجبها واحد، ثم حنث فيها؛ فعليه كفارة واحدة. وكذا لو حلف يمينا واحدة على عدة أشياء؛ كما لو قال: والله لا آكل ولا أشرب ولا ألبس، ثم حنث في أحد هذه الأشياء؛ فعليه كفارة واحدة، وانحلت البقية؛ لأنها يمين واحدة. أما إذا حلف عدة أيمان علو عدة أفعال، ثم حنث فيها؛ فعليه كفارة لكل يمين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "من كرر أيمانا قبل التكفير؛ فروايات، ثالثها وهو الصحيح: إن كانت على فعل؛ فكفارة، وإلا؛ فكفارات" انتهى.

стр. 1021

إن حلف لا يفعل شيئا، ففعله ناسيا أو مكرها أو جاهلاً أنه المحلوف عليه؛ لم يحنث، ولم تجب عليه كفارة؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ، ولأن فعل المكره غير منسوب إليه، وقد رفع الله عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إذا حلف على إنسان قاصدًا إكرامه؛ لا يحنث مطلقا؛ إلا إذا كان قاصدًا إلزامه؛ فإنه يحنث ... " انتهى. تنبيه يقول الله تعالى بعدما ذكر كفارة اليمين: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ ؛ فأمر سبحانه بحفظ الأيمان، ومعناه عدم المسارعة إلى اليمين، أو المسارعة إلى الحنث فيها، أو أنها لا تترك بدون كفارة، وعلى كل؛ ففي الآية الكريمة الأمر باحترام اليمين، وعدم الاستهانة بها. ومما يجب التنبيه عليه: أن بعض الناس إذا حلف؛ يحتال على مخالفة اليمين، ويظن أنه بهذه الحلية يسلم من تبعة اليمين. وقد نبه الإمام ابن القيم ﵀ على ذلك بقوله: "ومن الحيل الباطلة: لو حلف لا يأكل هذا الرغيف، أو لا يسكن في الدار هذه السنة، أو لا يأكل هذا الطعام؛ قالوا: يأكل الرغيف ويدع منه لقمة واحدة، ويسكن السنة كلها إلا يوما واحدًا، ويأكل الطعام كله إلا القدر اليسير منه

стр. 1022

ولو أنه لقمة، وهذه حيلة باطلة باردة، ومتى فعل ذلك؛ فقد أتى بحقيقة الحنث، وفعل نفس ما حلف عليه، ثم يلزم هذا المتحيل أن يجوز للمكلف كل ما نهى الشارع هن جملته، فيفعله إلا القدر اليسير منه؛ فإن البر والحنث في الأيمان نظير الطاعة والمعصية في الأمر والنهي، ولذلك لا يبرأ إلا بفعل المحلوف عليه جمعيه لا بفعل بعضه كما لا يكون مطيعا إلا بفعله جميعه، ويحنث بفعل بعضه كما يعصي بفعل بعضه" انتهى. ومن الناس من يحلف على عدم فعل شيء، ثم يوكل من يفعله بدلاً عنه، وهذا من الحيل التي لا تبرئ ذمته من تبعة اليمين؛ إلا إذا كان قاصدًا عدم مباشرة فعل الشيء بنفسه؛ فله ما نوى. وعلى كل حال؛ فشأن الأيمان شأن عظيم، لا يجوز التساهل به، ولا الاحتيال للتخلص من حكمه.

стр. 1023

باب في أحكام النذر النذر لغة: الإيجاب، تقول: نذرت كذا: إذا أوجبته على نفسك. وتعريفه شرعا: إلزام مكلف مختار نفسه شيئا لله تعالى. والنذر نوع من أنواع العبادة، لا يجوز صرفه لغير الله تعالى، فمن نذر لغير الله تعالى من قبر أو ملك أو بني أو ولي؛ فقد أشرك بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة؛ لأنه بذلك قد عبد غير الله؛ فالذين ينذرون لقبور الأولياء والصالحين اليوم أشركوا بالله الأكير والعياذ بالله؛ فعليهم أن يتوبوا إلى الله، ويحذروا من ذلك، وينذروا قومهم لعلهم يحذرون. وحكم النذر ابتداء: أنه مكروه، وقد حرمه طائفة من العلماء؛ لما روى ابن عمر ﵄؛ أن النبي ﷺ نهى عن النذر، وقال: "إنه لا يرد شيئا، وإنما يستخرج به من البخيل". قال في "المنتقى": "رواه الجماعة إلا الترمذي". ولأن الناذر يلزم نفسه بشيء لا يلزمه في أصل

стр. 1024

الشرع، فيحرج نفسه ويثقلها بهذا النذر، ولأنه مطلوب من المسلم فعل الخير بدون نذر. لكن إذا نذر فعل طاعة؛ وجب عليه الوفاء بذلك: لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ . وقال تعالى في وصف الأبرار: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ . وقال تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ . وفي "الصحيح" عن النبي صلى الله عليه وسل أنه قال: "من نذر أن يطيع الله؛ فلطعه، ومن نذر أن يعصي الله؛ فلا يعصه". وقال الإمام ابن القيم: "الملتزم الطاعة لله لا يخرج عن أربعة أقسام: إما أن تكون بيمين مجردة، أو بنذر مجرد، أو بيمين مؤكدة بنذر، أو بنذر مؤكد بيمين؛ كقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ ؛ فعليه أن يفي به؛ وإلا دخل في قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ؛ وهو أولى باللزوم من أن يقول: لله علي كذا" انتهى. وقد ذكر الفقهاء ﵏: أنه يشترط لانعقاد النذر أن يكون الناذر بالغا عاقلاً مختارًا لقوله صلى الله عليه وسل: "رفع القلم عن ثلاثة: الصغير حتى

стр. 1025

يبلغ، والمجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ"، فدل الحديث على أنه لا يلزم النذر من هؤلاء؛ لرفع القلم عنهم. ويصح النذر من الكافر إذا نذر عبادة، ويلزمه الوفاء به إذا أسلم؛ لحديث عمر ﵁؛ قال: إني نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة. فقال له النبي صلى الله عليه وسل: "أوف بنذرك". والنذر الصحيح خمسة أقسام: أحدها: النذر المطلق، مثل أن يقول: لله علىَّ نذر، ولم يسم شيء؛ فيلزمه كفارة يمين، سواء كان مطلقا أو معلقا؛ لما روى عقبة بن عامر؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسل: "كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين"، رواه ابن ماجة والترمذي، وقال: "حسن صحيح غريب". فدل هذا الحديث على وجوب الكفارة إذا لم يسم ما نذر لله . الثاني: نذر اللجاج والغضب، وهو تعليق نذره بشرط يقصد المنع منه أو الحمل عليه أو التصديق أو التكذيب؛ كما لو قال: إن كلمتك، أو: إن لم أخبر بك، أو: إن لم يكن هذا الخبر صحيحا، أو: إن كان كذبا؛

стр. 1026

فعلي الحج أو العتق ... ونحو ذلك؛ فهذا النذر يخير بين فعل ما نذره أو كفارة يمين؛ لحديث عمران بن حصين؛ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسل يقول: "لانذر في غضب، وكفارته كفارة يمين"، رواه سعيد في "سننه". والثالث: نذر المباح، كما لو نذر أن يلبث ثوبه أو يركب دابتهن ويخير بين فعله وبين كفارة يمين إن لم يفعله؛ كالقسم الثاني. واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه لا شيء عليه في نذر المباح؛ لما روى الإمام بالبخاري: بينما النبي صلى الله عليه وسل يخطب؛ إذا هو برجل قائم، فسأل عنه؟ فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم في الشمس ولا يستظل ولا يتكلم وأن يصوم. فقال: "مروه؛ فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه". الرابع: نذر المعصية، كنذر شرب الخمر وصوم أيام الحيض ويوم النحر؛ فلا يجوز الوفاء بهذا النذر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسل: "من نذر أن يعصي الله؛ فلا يعصه"، فدل هذا الحديث على أنه لا يجوز الوفاء بنذر المعصية؛ لأن المعصية لا تباح في حال من الأحوال، ومن نذر المعصية النذر للقبور أو لأهل القبور، وهو شرك أكبر كما سبق، ويكفِّر عن هذا النذر كفارة يمين عند بعض أهل العلم، وهو مروي عن ابن مسعود وابن عباس وعمران بن حصين وسمرة بن جندب ﵃،

стр. 1027

وذهب جماعة من أهل العلم إلى عدم انعقاد نذر المعصية، وأنه لا يلزمه به كفارة، وهو رواية عن أحمد ومذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: "ومن أسرج قبرًا أو مقبرة أو جبلاً أو شجرة أو نذر لها أو لسكانها أو المضافين إلى ذلك المكان؛ لم يجز، ولا يجوز الوفاء به إجماعا، ويصرف في المصالح؛ ما لم يعلم ربه ... " انتهى. الخامس: نذر التبرر، وهو نذر الطاعة؛ كفعل الصلاة والصيام والحج ونحوه، سواء كان مطلقا "أي: غير معلَّق على حصول شرط"؛ كما لو قال: لله عليَّ أن أصلي وأصوم ... ، أو معلقا على حصول شرط؛ كقوله: إن شفى الله مرضي؛ فلله عليَّ كذا، فإذا وجد الشرط؛ لزمه الوفاء به؛ لقوله ﷺ : "من نذر أن يطيع الله؛ فليطعه"، رواه البخاري. ولقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ ، ولقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ، والله اعلم.

стр. 1028

كتاب القضاء باب في أحكام القضاء في الإسلام قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والواجب اتخاذ ولاية القضاء دينا وقربة؛ فإنهما من أفضل القربات، وإنما فسد حال الأكثر بطلب الرئاسة والمال بها ... " انتهى. والأصل في ذلك الكتاب والسنة والإجماع: قال الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ، وقال تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقّ﴾ . وقد تولاه النبي صلى الله عليه وسل بنفسه، ونصب القضاة في الأقاليم التي دخلت تحت الحكم الإسلامي، وكذلك خلفاؤه من بعده. وأجمع المسلمون على نصب القضاة للفصل بين الناس. والقضاء في اللغة معناه: إحكام الشيء والفراغ منه؛ قال تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ ، وله معان أخرى، وأما معناه اصطلاحا؛ فهو تبيين الحكم الشرعي والإلزام به وفصل الخصومات.

стр. 1029

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "هو من جهة الإثبات شاهد، ومن جهة الأمر والنهي مفت، ومن جهة الإلزام بذلك ذو سلطان ... " انتهى. وحكم القضاء في الإسلام أنه فرض كفاية؛ لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه. قال الإمام أحمد: "لا بد للناس من حاكم لئلا تذهب الحقوق". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قد أوجب النبي صلى الله عليه وسلتأمير الواحد في الاجمتاع القليل العارض في السفر، وهو تنبيه على أنواع الاجتماع ... " انتهى. ويجب على من يصلح للقضاء الدخول فيه إذا لم يوجد غيره، وفي ذلك فضل عظيم لمن قوي عليه، وفيه خطر عظيم في حق من لم يؤد الحق فيه. ويجب على إمام المسلمين أن يعين القضاة حسب المصلحة التي تدعو إلى ذلك؛ لئلا تضيع الحقوق، ويختار أفضل من يجده علما وورعا، ومن لم يعرف صلاحيته؛ سأل عنه. ويجب على القاضي أن يجتهد في إقامة العدل بين الناس غاية ما

стр. 1030

يمنكه، ولا يلزمه ما يعجز عنه، ويفرض له ولي الأمر من بيت المال ما يكفية حتى يتفرغ للقيام بالقضاء، وقد فرض الخلفاء الراشدون للقضاء من بيت المال ما يكفيهم. وصلاحيات القاضي يرجع فيها إلى العرف في كل زمان بحسبه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ما يستفيد بالولاية [يعنى: من الصلاحيات] لا حد له شرعا، بل يتلقى من الألفاظ والأحول والعرف؛ لأن كل ما لم يحدد شرعا؛ يحمل على العرف؛ كالحرز والقبض". قال: "وولاية الأحكام يجوز تبعيضها، ولا يجب أن يكون عالما في غير ولايته؛ فإن منصب الاجتهاد ينقسم، حتى لو ولاه المواريث؛ لم يجب أن يعرف غير الفرائض والوصايا وما يتعلق بذلك، وإن ولاه عقود الأنكحة وفسخها؛ لم يجب أن يعرف إلا ذلك، وعلى هذا؛ إذا قال: اقض فيما تعلم؛ كما يقول: أفت فيما تعلم؛ جاز، ويسمى ما لا يعلم خارجا عن ولايته؛ كما نقول في الحاكم الذي ينزل على حكمه الكفار وفي الحكمين في جزاء الصيد ... " انتهى. وفي هذا الزمان قد وزارة العدل نظاما يسير عليه القضاة في ولاياتهم، وتتحدد به صلاحياتهم؛ فيجب الرجوع إليه، والتقيد به؛ لأن في ذلك ضبطا للأمور، وتحديد الصلاحيات، وهو لا يخالف نصا من كتاب الله ولا من سنة رسول الله؛ فيجب العمل به.

стр. 1031

ويشترط فيمن يتولى القضاء أن تتوفر فيه عشر صفات تعتبر حسب الإمكان: أن يكون مكلفا: أي: بالغا عاقلاً؛ لأن غير المكلف تحت ولاية غيره؛ فلا يكون واليا على غيره. وأن يكون ذكرًا؛ لقوله صلى الله عليه وسل: "ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" أن يكون حرًا؛ لأن الرقيق مشغول بحقوق سيده. وأن يكون مسلما؛ لأن الإسلام شرط للعدالة، ولأن المطلوب إذلال الكفار، وفي توليته القضاء رفعة واحترام له. وأن يكون عدلاً؛ فلا تجوز توليه الفاسق؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ، وإذا كان لا يقبل خبره؛ فعدم قبول حكمه من باب أولى. وأن يكون سميعا، لأن الأصم لا يسمع كلام الخصمين. وأن يكون بصيرًا؛ لأن الأعمى لا يعرف المدعي من المدعي عليه. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قياس المذهب تجوز ولايته كما تجوز شهادته؛ إذ لا يعوزه إلا معرفة عين الخصم، ولا يحتاج إلى ذلك، بل يقضي على موصوف؛ كما قضى داود الملكين، ويتوجه أن يصح مطلقا، ويعرف بأعيان الشهود والخصوم كما يعرف بمعاني كلامهم في

стр. 1032

الترجمة، إذ معرفة كلامه وعينه سواء ... " انتهى. ويشترط في القاضي أن يكون متكلما؛ لأن الأخرس لا يمكنه النطق بالحكم، ولا يفهم جميع الناس إشارته. وأن يكون مجتهدًا، ولو في مذهبه الذي يقلد فيه إماما من الأئمة؛ بأن يعرف القول الراجح فيه من المرجوح. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وهذه الشروط تعتبر حسب الإمكان، وتجب ولاية الأمثل، وعلى هذا يدل كلام أحمد وغيره، فيولى الأنفع من الفاسقين وأقلهما شرًا، وأعدل المقلدين وأعرفهما بالتقليد". قال صاحب "كتاب الفروع": "وهو كما قال". وقال الإنصاف في تولية المقلد: "وعليه العمل من مدة طويلة، وإلا؛ تعطلت أحكام الناس". وذكر ابن القيم: أن المجتهد هو العالم بالكتاب والسنة، ولا ينافي اجتهاده تقليد غيره أحيانا؛ فلا تجد أحدًا من الأئمة إلا وهو مقلد من هو أعلم منه في بعض الأحكام.

стр. 1033

باب في آداب القاضي المراد بالآداب هنا: الأخلاق التي ينبغي له التخلق بها. قال الإمام أحمد ﵀: "حسن الخلق أن لا تغضب ولا تحقد". وقال الإمام ابن القيم ﵀: "الحاكم محتاج إلى ثلاثة أشياء لا يصح له الحكم إلا بها: معرفة الأدلة، والأسباب، والبينات؛ فالأدلة تعرفه الحكم الشرعي الكلي، والأسباب تعرفه ثبوته في هذا المحل المعين أو انتفاءه عنه، والبينات تعرفه طريق الحكم عند التنازع، ومتى أخطأ في واحد من هذه الثلاثة؛ أخطأ في الحكم" انتهى. وينبغي للقاضي أن يكون قويا من غير عنف؛ لئلا يطمع فيه الظلم، وأن يكون لينا من غير ضعف؛ لئلا يهابه صاحب الحق. قال شيخ تقي الدين ابن تيمية ﵀: "إن الولاية لها ركنان: القوة والأمانة، وينبغي للقاضي أن يكون حليما؛ لئلا يغضب من كلام الخصم، فيمنعه ذلك من الحكم؛ فالحكم زينة العلم وبهاؤه وجماله،

стр. 1034

وضده الطيش والعجلة والحدة والتسرع وعدم الثبات، وينبغي له أن يكون ذا أناة "أي: تؤدة وتأن"؛ لئلا تؤدي عجلته إلى ما لا ينبغي، وأن يكون ذا فطنة؛ لئلا يخدعه بعض الخصوم، وأن يكون عفيفا "أي: كافا نفسه عن الحرام"، وأن يكون بصيرًا بأحكام من قبله من القضاة، ويكون مجلسه في وسط البلد إذا أمكن؛ ليستوي أهل البلد في المضي إليه، ولا بأس بالقضاء في المسجد، وقد جاء عن عمر وعثمان وعلي أنهم كانوا يقضون في المسجد، ويجب على القاضي أن يعدل بين الخصمين في لحظه ومجلسه ودخولهما عليه، وروى أبو داود عن ابن الزبير؛ قال: "قضى رسول الله صلى الله عليه وسلمأن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم"؛ فوجب أن يعدل بينهما في مجلسه وفي ملاحظته لهما وكلامه لهما". قال الإمام ابن القيم: "نهى عن رفع أحد الخصمين عن الآخر، وعن الإقبال عليه، وعن مشاورته والقيام له دون خصمه؛ لئلا يكون ذريعة إلى انكسار قلب الآخر وضعفه عن القيام بحجته وثقل لسانه بها، ولا يتنكر للخصوم؛ لما في التنكر لهم من إضعاف نفوسهم وكسر قلوبهم وإحراس ألسنتهم عن التكلم بحججهم". ويحرم على القاضي أن يسار أحد الخصمين أو يلقنه حجته أو يضيفه أو يعلمه كيف يدعي؛ إلا أن يترك ما يلزمه في الدعوى. وينبغي للقاضي أن يحضر مجلسه الفقهاء، وأن يشاورهم فيما

стр. 1035

يشكل عليه إن أمكن، فإذا اتضح له الحكم؛ حكم به، وإلا؛ أخره حتى يتضح. ويحرم على القاضي أن يقضي وهو غضبان غضبا كثيرًا؛ لما في الحديث المتفق عليه: أن النبي صلى الله عليه وسلمقال: "لا يقضي حاكم بين اثنين وهو غضبان"، ولأن الغضب يشوش عليه قلبه وذهنه، ويمنعه من كمال الفهم، ويحول بينه وبين استيفاء النظر، ويعمي عليه طريق العلم والقصد. ويقاس على الغضب كل ما يشوش الفكر؛ كحالة الجوع، والعطش، وشدة الهم، أو النعاس، أو برد مؤلم، أو حر مزعج، أو في حالة احتباس بول أو غائط؛ لأن ذلك كله يشغل الفكر الذي يتوصل به إلى إصابة الحق في الغلب؛ فهو في معنى الغضب. ويحرم على الحاكم قبول رشوة؛ لحديث ابن عمر؛ قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسل الراشي والمرتشي"، قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". والرشوة نوعان: أحدهما: أن يأخذ من أحد الخصمين ليحكم له بالباطل. والثاني: أن يمتنع من الحكم بالحق للمحق حتى يعطيه الرشوة، وهذا من أعظم الظلم.

стр. 1036

وكذا يحرم على القاضي قبول هدية ممن لم يكن يهاديه قبل ولايته القضاء، يقول النبي ﷺ "هدايا العمال غلول"، رواه أحمد، ولأن قبول الهدية ممن لم تجر عادته بمهاداته ذريعة إلى قضاء حاجته. ويكره للقاضي تعاطي البيع والشراء إلا بوكيل لا يعرف أنه له؛ خشية المحاباة؛ فإن في البيع والشراء كالهدية. ولا يحكم القاضي لنفسه ولا لمن لا تقبل شهادته له كوالده وولده وزوجته ولا يحكم على عدوه؛ لقيام التهمة في هذه الأحوال، ومتى عرضت قضية تختص به أو لمن لا تقبل شهادته له؛ أحالها إلى غيره؛ فقد حاكم عمر أبيا إلى زيد بن ثابت، وحاكم علي رجلاً عراقيا إلى شريح، وحاكم عثمان طلحة إلى جبير بن مطعم ﵃. ويستحب للقاضي أن يقدم النظر في القضايا التي تستدعي حالة أصحابها سرعة النظر فيها؛ كقضايا المساجين، وقضايا القصار من الأيتام والمجانين، وثم قضايا الأوقاف والوصايا التي ليس لها ناظر. ولا ينقض من أحكام القاضي إلا ما خلف الكتاب والسنة، أو خالف إجماعا قطعيا؛ فما كان كذلك؛ وجب نقصه؛ لمخالفته الكتاب والسنة أو الإجماع. وبهذا الاستعراض السريع لآداب القاضي؛ يتبين عدالة القضاء في

стр. 1037

الإسلام، وما يكون عليه القضاة من مستوى رفيع مما تعجز كل نظم الأرض عن الإتيان بمثله أو قريب منه، وصدق الله العظيم: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ . فقبح الله قوما أعرضوا عن هذا الحكم الرباني واستبدلوه بالقانون الشيطاني، وهؤلاء قد ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ .

стр. 1038

باب في طريق الحكم وصفته إذا حضر إلى القاضي خصمان؛ أجلسهما بين يديه، وقال: أيكما المدعي؟ أو انتظر حتى يبدأ المدعي بالكلام، فإذا ادعى؛ استمع دعواه. فإن جاءت على الوجه الصحيح؛ سأل القاضي المدعي عليه: ما موقفه حيال هذه الدعوى؟. فإن أقر بها؛ حكم عليه للمدعي بهذه الدعوى. وإن أنكر المدعى عليه هذه الدعوى؛ قال القاضي للمدعي: إن كانت لك بينة فأحضرها. لأن على المدعي حينئذ تصحيح دعواه ليحكم له بها، فإن أحضر بينة؛ سمع القاضي شهادتها وحكم بها. ولا يحكم القاضي بعلمه؛ لأن ذلك يفضي إلى تهمته. قال العلامة ابن القيم: "لأن ذلك ذريعة إلى حكمه بالباطل، ويقول: حكمت بعلمي". قال: "وقد ثبت عن أبي بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية المنع من ذلك، ولا لهم في الصحابة مخالف، ولقد كان سيد

стр. 1039

الحكام صلوات الله وسلامه عليه يعلم من المنافقين ما يبيح دماءهم وأموالهم، ويتحقق ذلك، ولا يحكم فيهم بعلمه، مع براءته عند الله وملائكته وعباده من كل تهمة". قال: "ولكن يجوز له "أي: القاضي" الحكم بما تواتر عنده وتضافرت به الأخبار اشترك في العلم به هو وغيرهن ويجوز له الاعتماد على سماعه بالاستفاضة؛ لأنها من أظهر البينات، ولا يتطرق إلى الحاكم تهمة إذا استند إليها؛ فحكمه بها حكم بحجة، لا بمجرد علمه الذي لا يشاركه فيه غيره" انتهى. وإن قال المدعي: ما لي بينه؛ أعلمة القاضي أن له اليمين على خصمه؛ لما روى مسلم وأبو داود: أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسل حضرمى وكندي، فقال الحضرمي: يا رسول الله! إن هذا غلبتي على أرض لي، فقال الكندي: هي أرضي وفي يدي وليس له فيها حق، فقال النبي صلى الله عليه وسل للحضرمي: "ألك بينة؟ "، قال: "فلك يمينه". قال الإمام ابن القيم: "وهذه قاعدة الشريعة المستمرة؛ لأن اليمين إنما كانت في كانت في جانب المدعي عليه حيث لم يترجح المدعي بشيء غير الدعوى، فيكون جانب المدعى عليه أولى باليمين؛ لقوته بأصل براءة الذمة، فكان هو أقوى المتداعيين باستصحاب الأصل، فكانت اليمين من جهته" انتهى.

стр. 1040

فإذا طلب المدعي تحليف المدعى عليه؛ حلفه القاضي وخلى سبيله؛ لأن الأصل براءة ذمته. ولكن يشترط لصحة يمين المدعى عليه أن يكون على صفة جوابه للمدعي، وأن تكون بعد أمر الحاكم له بطلب المدعي تحليفه؛ لأن الحق في اليمين للمدعي؛ فلا تستوفى إلا بطلبه. فإن نكل المدعى عليه عن اليمين وأبى أن يحلف؛ قضي عليه بالنكول؛ فإنه لولا صدق المدعي؛ لدفع المدعى عليه دعواه باليمين، فلما نكل عنها؛ كان نكوله قرينة ظاهرة دالة على صدق المدعي، فقدمت على أصول براءة الذمة. والقضاء بالنكول هو مذهب جماعة من أهل العلم، وقد قضى به عثمان ﵁، وقال جماعة من أهل العلم: ترد اليمين على المدعي ولا سيما إذا قوي جانبه. قال الإمام ابن القيم ﵀: "الذي جاءت به الشرعية أن اليمين تشرع من جهة أقوى المتداعيين؛ فأي الخصمين ترجح جانبه؛ جعلت اليمين من جهته، وهذا مذهب الجمهور كأهل المدينة وفقهاء الحديث كأحمد والشافعي ومالك وغيرهم"، وقال: "كما حكم به الصحابة وصوبه أحمد وغيره"، وقال: "ما هو ببعيد يحلف ويأخذ، واختاره الشيخ". وقال أبو عبيد: "رد اليمين له أصل في الكتاب والسنة". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ليس المنقول عن الصحابة في النكول ورد اليمين بمختلف، بل هذا له موضع وهذا له

стр. 1041

موضع؛ فكل موضع أمكن المدعي معرفته والعلم به؛ فرد المدعى عليه اليمين؛ فإنه إن حلف استحق، وإن لم يحلف لم يحكم له بنكول المدعى عليه، وهذه كحكومة عثمان بن عفان". قال ابن القيم: "وهذا الذي اختاره شيخنا هو فصل النزاع في النكول ورد اليمين". وقال: "إذا كان المدعى عليه منفرًا بمعرفة الحال، فإذا لم يحلف؛ قضي عليه، وأما إذا كان المدعي هو المنفرد؛ رد عليه، فإذا لم يحلف؛ لم يقض له بنكول المدعى عليه. فهذا التحقيق أحسن ما قيل النكول ورد اليمين" انتهى. وإذا حلف المنكر وخلى الحاكم سبيله كما سبق، ثم أحضر المدعي بينة بعد ذلك، فإن كان قد سبق منه نفيها؛ بأن قال: ما لي بينة؛ فإنها لا تسمع بعد ذلك؛ لأنه مكذب لها بقوله: ما لي بينة، وإن لم يكن نفاها؛ سمعت، وحكم بها القاضي. ولا تكون يمين المنكر مزيلة للحق؛ لأن الدعوى لا تبطل بالاستحلاف ويمين المنكر إنما تكون مزيلة للخصومة لا مزيلة للحق، وكذا لو قال: لا أعلم لي بينة، ثم وجدها؛ فإنها تسمع ويحكم بها؛ لأنه ليس بمكذب لها، والله أعلم.

стр. 1042

باب في شروط الدعوى لا تصح الدعوى إلا محررة، فإن كانت بدين على ميت مثلاً؛ ذكر موته ونوع الدين وقدره وكل المعلومات التي بها تتضح الدعوى؛ لأن الحكم مرتب عليها، ولذلك قال رسول الله ﷺ "وإنما أقضي على نحو ما أسمع"، فدل الحديث على وجوب تحير الدعوى؛ ليتبين للحاكم وجه الحكم. ولا تصح الدعوى أيضا إلا معلومة المدعى به؛ فلا تصح بمجهول، بل لا بد أن تكون بشيء معلوم؛ ليتأتى الإلزام به إذا ثبت؛ إلا الدعوى بما يصح مجهولاً؛ كالوصية بشيء من ماله وعبد من عبيده جعله مهرًا ونحوه، فتصح الدعوى بمثل هذا، وإن كان مجهولاً. ولا بد أن يصرح بالدعوى؛ فلا يكفي قوله: لي عنده كذا، حتى يقول: وأنا مطالبه به، ولا بد أن يكون المدَّعى به حالاً؛ فلا تصح الدعوى بدين مؤجل؛ لأنه لا يجب الطلب به قبل حلوله، ولا يحبس عليه.

стр. 1043

ويشترط لصحة الدعوة انفكاكها عما يكذبها؛ فلا تصح الدعوى على إنسان أنه قتل أو سرق منذ عشرين سنة وسنه أقل من ذلك؛ لأن الحس يكذبها. وإن ادعى عقد أو إجارة؛ اشترط لصحة الدعوى ذكر شروط العقد؛ لأن الناس يختلفون في الشروط، وقد لا يكون ذلك العقد صحيحا عند القاضي. وإن ادعى الإرث؛ فلا بد من ذكر سببه؛ لأن أسباب الإرث تختلف؛ فلا بد من تعيين السبب. ويعتبر لصحة الدعوى تعيين المدعى به إن كان حاضرًا في المجلس أو البلد؛ ليزول اللبس، وإن كان المدعى به غائبا؛ فلا بد من وصفه بما يصح به السلم؛ بأن يذكر ما يضبطه من الصفات. ويشترط لصحة البينة عدالتها؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ . واختلف الفقهاء ﵏: هل لا بد من عدالة البينة ظاهرًا وباطنا أو تكفي العدالة ظاهرًا على قولين، الراجح منهما اعتبار العدالة ظاهرًا؛ لقبوله صلى الله عليه وسل شهادة الأعرابي، ولقول عمر ﵁: "المسلمون عدول".

стр. 1044

ويحكم القاضي بالبينة العادلة ما لم يعلم خلافها، فإن علم خلاف ما شهدت به؛ لم يجز له الحكم بها. ومن جهل القاضي عدالته من الشهود؛ سأل عنه ممن له به خبرة باطنه بصحبة أو معاملة أو جوار، قال عمر ﵁ لرجل زكى رجلاً عنده: أنت جاره؟، قال: لا، قال: صحبته في السفر الذي تظهر فيه جواهر الرجال؟، قال: لا، قال: عاملته بالدينار والدرهم؟، قال: لا، قال: لست تعرفه. وإن تعارض الجرح والتعديل في الشاهد؛ قدم الجرح؛ لأن الجارح معه زيادة علم خفيت على المزكي، والجارح يخبر عن أمر باطن، والمزكي يخبر عن أمر ظاهر فقط، والجارح مثبت، والمزكي ناف، والمثبت مقدم على النافي. وتعديل الخصم للبينة وحده أو تصديقه لها تعديل؛ لأن البحث عن عدالتها لحقه، ولأن إقراره بعدالة البينة إقرار بما يوجب الحق عليه لخصمه، فيؤخذ بإقراره. وإذا علم القاضي عدالة البينة؛ حكم بها، ولم يحتج إلى التزكية، وكذا لو علم عدم عدالتها؛ لم يحكم بها، وإن ارتاب في الشهود؛ سألهم تحملوا الشهادة؟ وأين تحملوها؟. قال الإمام ابن القيم: "وذلك واجب عليه متى عدل عنه أثم وجار في الحكم، وشهد رجلان عند علي ﵁ على رجل أنه سرق؛ فاستراب منهما، فأمرهما بقطع يده، فهربا".

стр. 1045

وإن جرح الخصم الشهود؛ كلف إقامة البينة بالجرح؛ لحديث: "البينة على المدعي"، فينظر ثلاثة أيام، فإن لم يأت ببينة على الجرح؛ حكم عليه بالبينة؛ لأن عجزه عن إقامة البينة على الجرح في الممدة المذكورة دليل على عدم ما ادعاه. وإن جهل القاضي حال البينة؛ طلب من المدعي تزكيتهم؛ لتثبت عدالتهم، فيحكم بما شهدوا به، ولا بد في تزكية الشخص من شاهدين يشهدان بعدالته، وقيل: يكفي في التزكية شاهد واحد. ويحكم على الغائب مسافة قصر إذا ثبت عليه الحق؛ لأن هندًا قالت: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني من الفقة ما يكفيني وولدي؛ قال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"، متفق عليه. فدل على صحة الحكم على الغائب، ثم إذا حضر الغائب؛ فهو على حجته؛ لزوال المانع. ويعتبر في القضاء على الغائب أن يكون في غير محل ولاية القاضي، أما لو كان غائبا في محل ولايته، ولا حاكم فيه؛ فإن القاضي يكتب إلى من يصلح للقضاء بالحكم بينهما، فإن تعذر؛ فإلى من يصلح بينهما، فإن تعذر؛ قال للمدعي: حقق دعواك، فإن فعل؛ أحضر خصمه، وإن بعدت المسافة.

стр. 1046

وذكر الإمام أحمد أن مذهب أهل المدينة أنهم يقضمن على الغائب، وقال: "هذا مذهب حسن". قال الزركشي: "فلم ينكر أحمد سماع الدعوى ولا البينة"، وحكى قول أهل المدنية والعراق، وكأنه عنده محل وفاق. وتسمع الدعوى أيضا على غير المكلف، ويحكم بها؛ لحديث هند، ثم إذا كلف بعد الحكم عليه؛ فهو على حجته.

стр. 1047

باب في القسمة بين الشركاء دليل القسمة بين الشركاء من الكتاب والسنة والإجماع: قال الله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ الآية. وقال النبي ﷺ "الشفعة فيما لم يقسم"، وكان يقسم الغنائم. وذكر الإجماع عليها غير واحد من العلماء. والحاجة داعية إليها؛ إذ لا سبيل إلى إعطاء ذوي الحقوق حقوقهم من الشيء المشترك إلا بالقسمة. والقسمة إفراز الأنصباء بعضا عن بعض. وهي نوعان: قسمة تراض، وقسمة إجبار.

стр. 1048

النوع الأول: قسمة التراضي: هي التي لا بد أن يتفق عليها جميع الشركاء، ولا تجوز بدون رضاهم، وهي التي لا تمكن إلا بحصول ضرر، ولو على بعض الشركاء، أو برد عوض من أحد الشركاء على الآخر، وتكون في الدور الصغار والدكاكين الضيقة والأرض المختلفة أجزاؤها بسبب بناء أو شجر في بعضها أو كون بعضها يتلعق به رغبة تخضه دون البعض الآخر. فهذا النوع من المشترك لا يجوز قسمته إلا باتفاق الشركاء وتراضيهم؛ لقوله ﷺ "لا ضرر ولا ضرار"، رواه أحمد وغيره؛ فهو يدل بعمومه على عدم جواز قسم ما لا ينقسم إلا بضرر إلا بالتراضي. وهذه القسمة تأخذ حكم البيع، برد ما فيه عيب، ويدخلها خيار المجلس والشرط ونحوه، ولا يجبر من امتنع من قبولها من الشركاء، لكن متى طلب أحد الشركاء بيع هذا المشترك؛ أجبر الممتنع، فإن أبى؛ باعة الحاكم عليهما، وقسم الثمن بينهما على قدر حصصهما. وضابط الضرر الذي يمنع هذه القسمة هو نقص القيمة بالقسمة، سواء انتفعوا به مقسوما أم لا؛ فلا يعتبر ضرر كونهما لا ينتفعان به مقسوما. النوع الثاني: قسمة الإجبار. وهي ما لا ضرر في قسمته، ولا رد عوض في قسمته، سميت بذلك لأن الحاكم يجبر الممتنع منهما إذا كملت شروطها، وذلك كالقرية والبستان والدار الكبيرة والأرض الواسعة والدكاكين الواسعة والمكيل والموزون من جنس واحد.

стр. 1049

ويشترط لإجبار الممتنع من هذه القسمة ثلاثة شروط: أن يثبت عند الحاكم ملك الشركاء، وأن يثبت أن لا ضرر، وأن يثبت إمكان تعديل السهام في العين المقسومة من غير شيء يجعل فيها. فإذا توافرات هذه الشروط، وطلب أحد الشركاء القسمة؛ أجبر شريكه الآخر عليها، وإن امتنع من القسمة مع شريكه؛ لأن القسمة تزيل الضرر الحاصل في الشركة، وتمكن كل واحد من التصرف في نصيبه والانتفاع به بإحداث الغراس والبناء مما لا يتمكن منه مع بقاء الشركة. وإن كان أحد الشركاء غير مكلف؛ قسم عنه وليه، وإن كان غائبا؛ قسم عنه الحاكم بطلب شريكه. وهذه القسمة في الحقيقة إفراز لحق أحد الشريكين عن الآخر، ولا تأخذ حكم البيع؛ لأنها تخالفه في الأحكام. ويجوز للشركاء أن يتقاسموا بأنفسهم أو بقاسم ينصبونه هم أو يسألون الحاكم نصبه. وتعديل السهام يكون بالأجزاء إن تساوى المقسوم كالمكيلات والموزونات غير المختلفة، وتعدل بالقيمة إن اختلفت أجزاء المقسوم في القسمة، فيجعل السهم من الرديء أكثر من السهم من الجيد، فإن لم يمكن التعديل بالأجزاء ولا بالقيمة؛ عدلت بالرد؛ بأن يجعل لمن يأخذ الرديء أو القليل دراهم على من يأخذ الجيد أو الأكثر. فإذا اقتسموا أو اقترعوا؛ لزمت القسمة؛ لأن القاسم كالحاكم، والقرعة كحكم الحاكم، يلزم العمل بها، وكيف اقترعوا بالحصى

стр. 1050

أو غيره؛ جاز، والأحوط القرعة بأن يكتب اسم كل شريك على رقعة، ثم تجمع وتلف وتدفع إلى شخص لم يحضر ولم يرها، ويؤمر بأن يخرج الرقاع ويضعها على الأسهم، فمن وجد اسمه على سهم؛ فهو له. وإن خير أحدهما الآخر؛ لزمت القسمة برضاهم وتفرقهم. ومن ادعى غلطا فيما تقاسماه بأنفسهما وأشهدا على رضاهما به؛ لم يلتفت إليه؛ لأنه رضي بالقسم على الصورة التي وقعت، ورضاه بالزيادة في نصيب شريكه يلزمه. ومن ادعى غلطا فيما قسمه قاسم حاكم أو قاسم نصباه؛ قبل ببينة، وإلا؛ حلف منكر له؛ لأن الأصل عدم ذلك، فإن أقام بينة على الغلط؛ قبلت ونقضت القسمة؛ لأن سكوته قد استند إلى ظاهر حال القاسم، فإذا قامت البينة بغلطه؛ كان له الرجوع فيما غلط به. وإن ادعى كل من الشريكين شيئا أنه له؛ تحالفا، ونقضت القسمة؛ لأن ذلك المدعى به لم يخرج عنهما، ولا مرجح لأحدهما على الآخر. ومن ظهر في نصيبه عيب قد جهله؛ خير بين الفسخ والإمساك مع الأرش؛ لأن ظهور العيب في نصيبه نقص، فيخير بين الأرش والفسخ كالمشتري، والله أعلم.

стр. 1051

باب في بيان الدعاوى والبينات الدعاوى: جمع دعوى، وهي لغة الطلب، قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ ؛ أي: يطلبون ويتمنون. والدعوى في اصطلاح الفقهاء: إضافة الأنسان إلى نفسه استحقاق شيء في يد غيره أو ذمته. والبينات: جمع بينه، وهي العلامة الواضحة، وهي كل ما يبين الحق من شهود أو يمين. قال العلامة ابن القيم ﵀: "البينة في الشرع اسم لما يبين الحق ويظهره، وقد نصب سبحانه على الحق علامات وأمارات تدل عليه وتبينه، فمن أهدر العلامات والأمارات بالكلية؛ فقد عطل كثيرًا من الأحكام، وضيع كثيرًا من الحقوق ... " انتهى. والفرق بين المدعي والمدعى عليه: أن المدعي هو الذي إذا سكت ترك؛ فهو المطالب، والمدعى عليه هو الذي إذا سكت؛ لم يترك؛ فهو المطالب.

стр. 1052

ويشترط لصحة الدعوى وصحة الإنكار: أن يكون من جائز التصرف، وهو الحر المكلف الرشيد. وإذا تداعيا عينا بأن ادعى كل منهما أنها له وهي بيد أحدهما؛ فهي لمن هي بيده مع يمينه. ويسمى من كانت العين بيده منهما الداخل، ويسمى من لم تكن العين بيده بالخارج فإن أقام كل منهما بينته أن العين المدعى بها له؛ قضي بها للخارج لحديث ابن عباس مرفوعا: "لو يعطى الناس بدعواهم؛ لا دعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه"، رواه أحمد ومسلم، ولقوله ﷺ "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر" رواه الترمذي. فدل الحديثان على أن البينة على المدعي، فإذا أقامها؛ قضي بها له، وأن اليمين على من أنكر إذا لم يكن مع المدعي بينة، وذهب أكثر أهل العلم في هذه المسألة أن العين تكون لمن هي بيده، وهو ما يسمى بالداخل، وأن الحديث محمول على ما إذا لم يكن مع من هي بيده بينة، وإلا؛ فاليد مع بينته أقوى، والأخذ بقول الأكثر أولى.

стр. 1053

وإن لم تكن العين التي تداعياها بيد أحد، وليس هناك ظاهر يعمل به ولا بينة لأحدهما؛ تحالفا؛ بأن يحلف كل واحد أنه لا حق للآخر فيها، وقسمت بينهما بالسوية؛ لا ستوائهما في الدعوى، وعدم المرجح لأحدهما، وإن دل الظاهر لأحدهما؛ عمل به. فلو تنازع الزوجان في قماش البيت ونحوه؛ فما يصلح للرجل يكون للزوج، وما يصلح للمرأة يكون للزوجة، وما يصلح للاثنين؛ فلهما.

стр. 1054

باب في الشهادات الشهادة: مشتقة من المشاهدة؛ لأن الشاهد يخبر عما شاهده وعلمه. وهل يشترط في أداء الشهادة أن يكون ذلك بلفظ: "أشهد"، أو "شهدت"؟، هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة. والقول الثاني وهو رواية عن أحمد وقول جماعة من الأئمة: أن ذلك لا يلزم. واختاره الشيخ تقي الدين ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما. قال الشيخ: "ولا يشترط في أداء الشهادة لفظ "أشهد"، وهو مقتضى قول أحمد وغيره، ولا أعلم نصا يخالفه، ولا يعرف عن صحابي ولا تابعي اشترط لفظ الشهادة". وقال ابن القيم: "الإخبار شهادة محضة في أصح الأقوال، وهو قول الجمهور؛ فإنه لا يشترط في صحة الشهادة لفظ: "أشهد"، بل متى قال الشاهد: رأيت كيت وكيت، أو سمعت، أو نحو ذلك؛ كانت شهادة منه، وليس في كتاب الله ولا في سنة رسول ﷺ وضع واحد يدل على

стр. 1055

اشتراط لفظ الشهادة، ولا عن رجل واحد من الصحابة، ولا قياس ولا استنباط يقتضيه، بل الأدلة المتضافرة من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة ولغة العرب تنفي ذلك" انتهى. وتحمل الشهادة في غير حق الله تعالى فرض كفاية، إذا قام به من يكفي؛ سقط عن بقية المسلمين؛ لحصول الغرض، وإن لم يوجد إلا من يكفي؛ تعين عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ ؛ أي: إذا دعوا لتحمل الشهادة؛ فعليهم الإجابة، والآية عامة في الدعوة للتحمل والأداء، وقال ابن عباس وغيره في معنى الآية: المراد به التحمل للشهادة وإثباتها عند الحاكم، ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك لإثبات الحقوق والعقود؛ فكان واجبا كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأما أداء الشهادة؛ فهو فرض عين على من تحملها متى دعي إليها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُه﴾ . ومعنى الآية الكريمة: إذا دعيتم إلى إقامة الشهادة؛ فلا تخفوها ولا تغلوها، ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُه﴾ ؛ أي: فاجر قلبه، وهذا وعيد شديد بمسخ القلب، وإنما خصه لأنه موضع العلم بالشهادة، فدلت الآية الكريمة على فرضية أداء الشهادة عينا على من تحمل متى دعي إليه. قال الإمام العلامة ابن القيم: "التحمل والأداء حق يأثم بتركه". وقال: "قياس المذهب أن الشاهد إذا كتم الشهادة بالحق؛
следующие страницы →