وإن لم يخرج هؤلاء الذي أظهروا رأي الخوارج عن قبضة الإمام، ولم يشقوا عصا الطاعة؛ لم يقاتلوا، وأجريت عليهم أحكام الإسلام، لكن يجب تعزيرهم، والإنكار عليهم، وعدم تمكينهم من إظهار رأيهم ونشر بدعتهم بين المسلمين.
هذا على القول بعدم تكفيرهم؛ كما عليه الجمهور، وأما من يرى كفر الخوارج؛ فإنه يجب عنده قتالهم بكل حال.
стр. 982
باب في أحكام الردة
المرتد في اللغة: هو الراجع، يقال: ارتد فهو مرتد: إذا رجع، قال تعالى: ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ ؛ أي: لا ترجعوا.
والمرتد في الاصطلاح: هو الذي يكفر بعد إسلامه طوعا بنطق أو اعتقاد أو شك أو فعل.
والمرتد له حكم في الدنيا، وحكم في الآخرة:
أما حكمه في الدنيا؛ فقد بينه الرسول ﷺ بقوله: "من بدَّل دينه فاقتلوه"، وأجمع العلماء على ذلك، وما يتبع ذلك من عزل زوجته عنه ومنعه من التصرف في ماله قبل قتله.
وأما حكمه في الآخرة؛ فقد بينه الله تعالى: بقوله ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ .
والردة تحصل بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام، سواء كان
стр. 983
جادّاً أو هازلاً أو مستهزئا، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ .
أما المكره إذا نطق بسبب الإكراه؛ فإنه لا يرتد؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنّ﴾ .
ونواقض الإسلام التي تحصل بها الردة كثيرة:
من أعظمها الشرك بالله تعالى: فمن أشرك بالله تعالى؛ بأن دعا غير الله من الموتى والأولياء والصالحين؛ أو ذبح لقبورهم، أو أنذر لها، أو طلب الغوث والمدد من الموتى؛ كما يفعل عباد القبور اليوم؛ فقد ارتد عن دين الإسلام؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم؛ كفر إجماعا.
وكذلك من جحد بعض الرسل أو بعض الكتب الإلهية؛ فقد ارتد؛ لأنه مكذب لله، جاحدًا لرسول من رسله أو كتاب من كتبه.
وكذلك جحد الملائكة أو جحد البعث بعد الموت؛ فقد كفر؛ لأنه مكذب للكتاب والسنة والإجماع.
وكذلك من سب الله تعالى أو سب نبيا من أنبيائه؛ فقد كفر.
стр. 984
وكذلك من ادعى النبوة، أو صدَّق من يدعيها بعد النبي محمد ﷺ ؛ فقد كفر؛ لأنه مكذب لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ .
ومن جحد تحريم الزنى، أو جحد تحريم شيء من المحرمات الظاهرة المجمع على تحريمها كلحم الخنزير والخمر، أو حرم شيئا مجمعا على حله؛ مما لا خلاف في حله؛ كالمذكاة من بهيمة الأنعام؛ فقد كفر.
وكذلك من جحد وجوب عبادة من العبادات الخمس الواردة في قوله ﷺ : "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام".
ومن استهزأ بالدين، أو امتهن القرآن الكريم، أو زعم أن القرآن نقص منه شيء، أو كتم منه شيء؛ فلا خلاف في كفره".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ومعلوم بالاضطرار من دين الإسلام وباتفاق جميع المسلمين أن من سوَّغ اتباع غير دين الإسلام أو اتباع غير شريعة محمد ﷺ فهو كافر، وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض".
وقال: "ومن سخر بوعد الله أو بوعيده، أو لم يكفر من دان بغير الإسلام كالنصارى، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم؛ كفر إجماعا".
стр. 985
وقال: "من سب الصحابة أو أحدًا منهم، واقترن بسبه دعوى أن عليّا إله أو نبي، وأن جبريل غلط؛ فلا شك في كفره" انتهى كلامه ﵀.
ومن حكم القوانين الوضعية بدل الشريعة الإسلامية؛ يرى أنها أصلح للناس من الشريعة الإسلامية، أو اعتنق فكرة الشيوعية أو القومية بديلاً عن الإسلام؛ فلا شك في ردته.
وأنواع الردة كثيرة؛ مثل من ادعى علم الغيب، ومثل من لم يكفر المشركين أو يشك في كفرهم أو يصحح ما هم عليه، ومثل من يعتقد أن هدي غير النبي ﷺ أكمل من هديه، أو أن حكم غير النبي ﷺ أحسن من حكمه، ومثل من أبغض شيئا مما جاء به الرسول ﷺ ، ومن استهزأ بشيء من دين الرسول أو ثوابه أو عقابه، وكذلك ظاهر المشركين وأعانهم على المسلمين، ومن اعتقد أن بعض الناس يجوز له الخروج عن شريعة محمد ﷺ ؛ كغلاة الصوفية، ومن أعرض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به؛ كل هذه الأمور من أسباب الردة ومن نواقض الإسلام.
قال الشيخ محمد عبد الوهاب ﵀: "ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف؛ إلا المكره، وكلها من أعظم ما يكون خطرًا، وأكثر ما يكون وقوعا؛ فينبغي للمسلم أن يحذرها ويخاف منها على نفسه، نعوذ بالله من موجبات غضبه، وأليم عقابه".
هذه نماذج من نواقض الإسلام، وهي أكثر مما ذكر بكثير؛ فعليك
стр. 986
أن تتعلمها وتعرفها لتحذر منها وتتجنبها؛ فإن من لا يعرف الشرك؛ يوشك أن يقع فيه.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: "يوشك أن تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية".
وإني أنصحك أن تقرأ كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم" لشيخ الإسلام ابن تيمية، وكتاب "المسائل التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية" للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وشرحها للعلامة العراقي محمود شكري الألوسي ﵀.
فمن ارتد عن دين الإسلام؛ فإنه يجب أن يستتاب ويمهل ثلاثة أيام، فإن تاب، وإلا قتل؛ لقول عمر ﵁ لما بلغه أن رجلاً كفر بعد إسلامه فضربت عنقه بعد استتابته، فقال: "فهلا حبستموه ثلاثا، فأطعمتموه كل يوم رغيفا، واستتبتموه؛ لعله يتوب أو يراجع أمر الله، اللهم إني لم أحضر ولم أرض إذ بلغني"، رواه مالك في "الموطأ".
ولأن الردة لا تكون إلا لشبهة، ولا تزول في الحال؛ فوجب أن ينتظر مدة يرتئي فيها، وأما الدليل على وجوب قتله إذا لم يتب؛ فقول النبي ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه"، رواه البخاري وأبو داود.
стр. 987
والذي يتولى قتله هو الإمام أو نائبه؛ لأنه قتل لحق الله؛ فكان إلى ولي الأمر.
والحكمة في وجوب قتل المرتد: أنه لما عرف الحق وتركه؛ صار مفسدًا في الأرض، لا يصلح للبقاء؛ لأنه عضو فاسد، يضر المجتمع، ويسيء إلى الدين.
وتحصل توبة المرتد بالشهادتين؛ لعموم قوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها"، ومن كانت ردته بسبب جحوده لشيء من ضروريات الدين؛ فتوبته مع إتيانه بالشهادتين إقراره بما جحده.
ويمنع المرتد من التصرف في ماله؛ لتعلق حق الغير به؛ كمال المفلس، ويقضى ما عليه من ديون، وينفق عليه من ماله وعلى عياله مدة منعه من التصرف فيه، فإن أسلم المرتد؛ أخذ ماله ومكن من التصرف فيه لزوال المانع، وإن مات على ردته أو قتل مرتدًا؛ صار ماله فيئا لبيت مال المسلمين من حين موته؛ لأنه لا وراث له؛ فلا يرثه أحد من المسلمين؛ لأن المسلم لا يرث الكافر، ولا يرثه أحد من الكفار، ولو من أهل الدين انتقل إليه؛ لأنه لا يقر على ردته، والمرتد لا يرث من كافر ولا
стр. 988
مسلم؛ لقوله ﷺ : "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" ١.
وقد اختلف العلماء ﵏ في حكم قبول توبة من سب الله تعالى أو سب رسوله ﷺ :
فقال بعضهم: لا تقبل توبته في أحكام الدنيا كترك قتله وتوريثه والتوريث منه، وإنما يقتل على كل حال؛ لعظم ذنبه وفساد عقيدته واستخفافه بالله تعالى.
والقول الثاني: أنه تقبل توبته؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ .
وكذلك اختلف العلماء ﵏ في قبول توبة من تكررت ردته:
فقال بعضهم: إنها لا تقبل في الدنيا؛ فلا بد من تنفيذ حكم المرتد فيه، ولو تاب؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾ .
وقيل: تقبل توبته؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ؛ فالآية عامة، تتناول بعمومها من تكررت ردته.
стр. 989
وكما اختلفوا في قبول توبة الزنديق، وهو المنافق الذي يظهر الإسلام ويخفي الكفر:
فقيل: لا تقبل توبته؛ لأنه لا يبين منه ما يظهر رجوعه إلى الإسلام، والله تعالى يقول: ﴿إِلاّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ ، فإذا أظهر التوبة؛ لم يزد على ما كان قبلها، وهو إظهار الإسلام وإخفاء الكفر.
وقيل: تقبل توبة الزنديق؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا إِلاّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ ، ولأن النبي ﷺ كف عن المنافقين بما أظهروا من الإسلام.
ومن الزنادقة: الحلولي، والإباحية، ومن يفضل متبوعة على محمد ﷺ ، ومن يرى أنه إذا حصلت له المغرفة؛ سقط عنه الأمر والنهي، أو أنه إذا حصلت له المعرفة؛ جاز له التدين بدين اليهود والنصارى وأمثالهم من الطوائف المارقة عن الإسلام من غلاة الصوفية وغيرهم.
كما اختلف العلماء ﵏ في صحة إسلام الطفل المميز ووقوع الردة منه؛ فقيل: تحصل منه الردة إذا ارتكب شيئا من أسبابها؛ لأن من صح إسلامه؛ صحت ردته، والمميز يصح إسلامه، فتصح ردته، لكن لا يقبل حتى يستتاب بعد البلوغ ويمهل ثلاثة أيام، فإن تاب؛ قبلت توبته، وإن بقي على ردته؛ قتل.
стр. 990
وقد اختلفوا فيمن ترد الصلاة تهاونا مع إقراره بوجوبها، والصحيح أنه يكفر؛ لقوله ﷺ : "بين العبد وبين الكفر الصلاة"، وقوله ﷺ : "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها؛ فقد كفر"، ولقوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ ؛ فدلت الآية الكريمة على أن من لم يقم الصلاة؛ فليس من إخواننا في الدين، ولم يقل: وأقروا بوجوب الصلاة، وإنما قال: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ ، وقال النبي ﷺ : "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة ... " الحديث، ولم يقل: والإقرار بوجوب الصلاة، وإنما قال: "وإقام الصلاة".
وقد كثر اليوم التهاون بالصلاة والتكاسل عنها، والأمر خطير جدًا، فيجب على من يتهاون بالصلاة أن يتوب إلى الله، وينقذ نفسه من النار؛ فإن الصلاة هي عمود الإسلام، وهي تنهى عن الفحشاء والآثام.
стр. 991
كتاب الأطعمة
باب في أحكام الأطعمة
لما كان الطعام يتغذى به جسم الإنسان، وينعكس أثره على أخلاقه وسلوكه؛ فالأطعمة الطيبة يكون أثرها طيبا على الإنسان، والأطعمة الخبيثة بضد ذلك، ولذلك أمر الله العباد بالأكل من الطيبات، ونهاهم عن الخبائث:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً﴾ .
وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون﴾ .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً﴾ .
قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْق﴾ .
والأطعمة جمع طعام، وهو ما يؤكل ويشرب.
والأصل فيها الحل؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ ، وغير ذلك من النصوص الكتاب والسنة التي تدل على أن الأصل في الأطعمة الحل؛ إلا ما استثني.
стр. 992
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الأصل فيها الحل لمسلم عمل صالحا؛ لأن الله تعالى إنما أحل الطيبات لمن يستعين بها على طاعته، ولا على معصيته؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ ، ولهذا لا يجوز أن يستعان بالمباح على المعصية؛ كمن يعطي اللحم والخبز من يشرب عليه الخمر ويستعين به على الفواحش، ومن أكل الطيبات ولم يشكر؛ فمذموم، قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ ؛ أي: عن الشكر عليه" انتهى.
فالله تعالى أباح لعباده المؤمنين الطيبات لكي ينتفعوا بها، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ .
وقد بين الله لعباده ما حرمه عليهم من المطاعم والمشارب:
قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْه﴾ ، فما لم يبين تحريمه؛ فهو حلال.
قال النبي صلى الله عليه وسل: "إن الله فرض فرائض؛ فلا تضيعوها، وحد حدودًا؛ فلا تعتدوها، وحرم أشياء؛ فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان؛ فلا تبحثوا عنها" قال النووي ﵀: "حديث حسن، رواه الدارقطني وغيره".
стр. 993
فكل ما لم يبين الله ولا رسوله تحريمه من المطاعم والمشارب والملابس؛ فلا يجوز تحريمه؛ فإن الله قد فصل لنا ما حرم؛ فما كان حراما؛ فلا بد أن يكون تحريمه مفصلاً؛ فكما أنه لا يجوز إباحة ما حرم الله؛ فكذلك لا يجوز تحريم ما عفا الله عنه ولم يحرمه.
والقاعدة في ذلك: أن كل طعام طاهر لا مضرة فيه؛ فهو مباح؛ بخلاف الطعام النجس؛ كالميتة، والدم، والرجيع، والبول، والخمر، والحشيشة، والمتنجس، وهو الذي خالط النجاسة؛ فإنه يحرم؛ لأنه خبيث مضر؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ الآية.
فأما الميتة؛ فهي ما فارقته الحياة بدون ذكاة شرعية، وحرمت لما فيها من خبث التغذية، والغاذي شبيه بالمغتذي، ومن محاسن الشريعة تحريمهن فإن اضطر إليه؛ أبيح له، وانتفى وجه الخبث منه حال الاضطرار؛ لأنه غير مستقل بنفسه في المحل المغتذي به، بل هو متولد من القابل والفاعل؛ فإن ضرورتة تمنع قبول الخبث الذي في المغتذي به، فلم تحصل تلك المفسدة؛ لأنها مشروطة بالاختيار الذي به يقبل المحل خبث التغذي، فإذا زال الاختيار؛ زال شرط القبول، فلم تحصل المفسدة أصلاً.
وأما الدم؛ فالمراد به المسفوح منه، وكان أهل الجاهلية يجعلونه في المباعر، ويشوونه، ويأكلونه، فأما ما يبقى في خلل اللحم بعد الذبح وما يبقى في العروق؛ فمباح، حتى لو مسه بيده فظهر عليها أو مسه بقطنة؛ لم ينجس.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الصحيح أنه إنما يحرم
стр. 994
الدم المسفوح المصبوب المهراق، فأما ما يبقى في عروق اللحم؛ فلم يحرمه أحد من العلماء" انتهى.
ولا يحل من الأطعمة ما فيه مضرة كالسم والخمر والحشيشة والدخان التبغ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ، فالآية الكريمة تدل على تحريم أكل أو شرب كل ما فيه مضرة، مع أدلة أخرى تدل على تحريم الأطعمة والأشربة الضارة للعقول والأبدان.
والأطعمة المباحة على نوعين: حيوانات ونباتات كالحبوب والثمار، فيباح منها كل ما لا مضرة فيه.
والحيوانات على نوعين: حيوانات تعيش في البر، وحيوانات تعيش في البحر.
فحيوانات البر مباحة؛ إلا أنواعا منها حرمها الشارع:
ومن ذلك: الحمر الأهلية؛ لحديث جابر ﵁: "أن النبي صلى الله عليه وسل نهى يوم خبير عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل"، متفق عليه.
قال ابن المنذر: "لا خلاف بين أهل العلم اليوم في تحريمها".
وحرم من حيوانات البر أيضا ما له ناب يفترس به؛ لقول أبي ثعلبة الخشني ﵁: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسل عن كل ذي
стр. 995
ناب من السباع"، متفق عليه، ويستثنى من ذلك الضبع، فيحل، لحديث جابر: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسل بأكل الضبع".
قال العلامة ابن القيم ﵀: "إنما حرم ما له ناب من السباع العادية بطبعها كالأسد، وأما الضبع؛ فإنما أحد الوصفين، وهو كونها ذات ناب وليست من السباع العادية، والسبع إنما حرم لما فيه من القوة السبعية التي تورث للمغتذي بها شبها، ولا تعد الضبع من السباع العدية، لا لغة ولا عرفا ... " انتهى.
والطيور مباحة؛ إلا ما استثنى؛ فيحرم من الطير ماله مخلب يصيد به، وهو الظفر الذي يصيد به الحيوانات؛ كالعقاب والبازي والصقر؛ لقول ابن عباس: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسل عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطيور"، رواه أبو داود وغيره.
قال الإمام ابن القيم ﵀: "قد تواترت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسل بالنهي عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، وصحت صحة لا مطعن فيها من حديث على وابن عباس وأبي هريرة
стр. 996
وأبي ثعلبة الخشني" اهـ
ويحرم من الطيور أيضا ما يأكل الجيف؛ كالنسر، والرخم، والغراب، وذلك لخبث ما يتغذى به.
ويحرم من الحيوانات ما يستخبث؛ كالحية، والفأرة، والحشرات.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أكل الحيات والعقارب حرام مجمع عليه، فمن أكلها مستحلا لها؛ استتيب، ومن اعتقد التحريم وأكلها؛ فهو فاسق عاص الله ورسوله".
وتحرم الحشرات لأنها من الخبائث.
ويحرم من الحيوانات أيضا ما تولد من مأكول وغيره؛ كالبغل من الخيل والحمر الأهلية؛ تغليبا لجانب التحريم.
وقد أجمل بعض العلماء ما يحرم من حيوانات البر في ستة أنواع هي:
١ ما نص عليه بعينه؛ كالحمر الأهلية.
٢ ما وضع له حد وضابط؛ كما له ناب من السباع أو مخلب من الطير.
٣ ما يأكل الجيف؛ كالرخم والغراب.
٤ ما يستخبث؛ كالفأرة والحية.
٥ ما تولد من مأكول وغير مأكول؛ كالبغل.
стр. 997
٦ ما أمر الشارع بقتله أو نهى عن قتله؛ كالفواسق الخمس والهدهد والصرد.
وما عدا ما ذكر من الحيوانات والطيور؛ فهو حلال على أصل الإباحة؛ كالخيل، وبهيمة الأنعام، والدجاج، والحمر الوحشية، والظباء، والنعامة، والأرنب، وسائر الوحوش؛ لأن ذلك كله مستطاب، فيدخل في قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ .
ويستثنى من ذلك الجلاّلة من البقر والإبل، وهي التي أكثر علفها النجاسة، فيحرم أكلها؛ لما روى أحمد وأبو داود وغيرهما من حديث ابن عمر: "نهى عن أكل الجلالة وألبانها"، ومن حديث عمرو بن شعيب: "نهى عن لحوم الحمر الأهلية، وعن ركوب الجلالة وأكل لحمها"، سواء في ذلك بهيمة الأنعام أو الدجاج ونحوه، ولينها وبيضها نجس حتى تحبس ثلاثا وتطعم الطاهر فقط.
قال ابن القيم: "أجمع المسلمون على أن الدابة إذا علفت بالنجاسة ثم حبست وعلفت الطاهرات؛ حل لبنها ولحمها، وكذا الزرع والثمار: إذا سقيت بالماء النجس، ثم سقيت بالطاهر؛ حلت؛ لاستحالة وصف
стр. 998
الخبيث وتبدله بالطيب" انتهى.
ويكره أكل بصل وثوم ونحوهما مما له رائحة كريهة، خصوصا عند حضور المساجد؛ لقوله صلى الله عليه وسل: "من أكل هذه الشجرة؛ فلا يقر بن مصلانا".
ومن اضطر إلى محرم بأن خاف التلف إن لم يأكله غير السم؛ حل له منه ما يسد رمقه "أي: يمسك قوته ويحفظها"؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ، ومن اضطر إلى طعام مع غيره اضطرار صاحب ذلك الطعام إليه؛ لزم بذله له بقدر ما يسد رمقه بقيمته.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إن كان المضطر فقيرًا؛ لم يلزمه عوض؛ إذ إطعام الجائع وكسوة العاري فرض كفاية ويصيران فرض عين على المعين إذا لم يقم غيره به" اهـ
ومن اضطر إلى نفع مال الغير مع بقاء عينه؛ كثياب لدفع برد، أو حبل أو لاستقاء ماء، وكقدر لطبخ؛ وجب يذله له مجانا، مع عدم حاجة صاحبه إليه؛ لأن الله تعالى ذم على منعه بقوله: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ .
قال ابن عباس مسعود وغيرهما: "الماعون هو ما يتعاطاه
стр. 999
الناس بينهم ويتعاورونه من الفأس والقدر والدلو وأشباه ذلك".
ومن مر بثمر بستان في شجرهن أو متساقط عنه، ولا حائط عليه، ولا ناظر؛ فله الأكل منه مجانا من غير حمل، روي ذلك عن ابن عباس وأنس بن مالك وغيرهم، وليس
له صعود شجرة، ولا رميها بشيء، ولا الأكل من ثمر مجموع؛ إلا لضرورة.
فتلخص أن للمار بالبستان أن يأكل من ثمره بشروط:
الأول: أن يكون لا حائط عليه وليس عنده حارس.
الثاني: أن يكون الثمر على الشجر أو متساقطا عنه لا مجموعا.
الثالث: أن لا يحتاج إلى صعود الشجر، بل يتناوله من غير صعود.
الرابع: أن لا يحمل معه منه شيء.
الخامس: يشترط عند الجمهور أن يكون محتاجا.
فإن اختل شرط من هذه الشروط؛ لم يجز له الأكل.
وتجب على المسلم ضيافة المسلم المجتاز به في القرى يوما وليلة، أما المدن؛ فلا تجب فيها الضيافة؛ فيها المطاعم والفنادق؛ فلا يحتاج إلى الضيافة؛ بخلاف القرى والبوادي.
ودليل وجوب الضيافة المذكور قوله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليكرم ضيفة جائزته". قالوا: وما جائزته
стр. 1000
يا رسول الله؟ قال: "يومه وليلته"، متفق عليه، فدل الحديث على وجوب الضيافة؛ لقوله: "من كان يؤمن بالله ... " الخ، وتعليق الإيمان بإكرام الضيف يدل على وجوبه، وفي "الصحيحين": "إن نزلت بقوم، فأمروا لكم بما ينبغي للضيف؛ فاقبلوا، وإن لم يفعلوا؛ فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي له".
وقصة إبراهيم الخليل ﵇ مع ضيفه وتقديمه العجل لهم تدل على أن الضيافة من دين إبراهيم، وتدل على أنه يقدم للضيف أكثر مما يأكل، وهذه من محاسن هذا الدين، ومن مكارم الأخلاق التي لا تزال متواترة في ذريته، حتى أكدها الإسلام، وحث عليها، بل إن دين الإسلام جعل لابن السبيل حقا ضمن الحقوق العشرة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ... ﴾ إلى قوله: ﴿وَابْنِ السَّبِيل﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ ، بل جعل له حقا في الزكاة ضمن الأصناف الثمانية، وابن السبيل هو المسافر المنقطع به.
فلله الحمد على هذا الدين الكامل والتشريع الحكيم الذي هو هدى ورحمة.
стр. 1001
باب في أحكام الذكاة
لما كان من شرط حل الحيوان البري أن يكون مذكىً الذكاة الشرعية، وأن ما لم تجر عليه تلك الذكاة ميتة حراما؛ كان بحث الذكاة ومعرفة ما يلزم لها مهمّا جدّاً.
وقد عرفها الفقهاء ﵏ بأنها ذبح أو نحر الحيوان المأكول البري بقطع حلقومه ومريئه أو عقر الممتنع منه، سميت بذلك أخذًا من المعنى اللغوي، إذ الذكاة في اللغة إتمام الشيء؛ لأن ذبح الحيوان معناه إتمام زهوقه، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى قوله: ﴿إِلاّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ ؛ أي: أدركتموه وفيه حياة، فأتممتم زهوقه، ثم استعمل ذلك في الذبح، سواء كان بعد إصابة سابقة، أو ابتداء.
وحكم الذكاة: أنها لازمة، لا يحل شيء من الحيوان المقدور عليه بدونها؛ لأن غير المذكى يكون ميتة، وقد أجمع أهل العلم على أن الميتة حرام إلا لمضطر، وقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ؛ إلا السمك والجراد وكل ما لا يعيش إلا في الماء، فيحل بدون ذكاة؛ لحل ميتته؛ لحديث ابن عمر يرفعه: "أحل لنا ميتتان ودمان:
стр. 1002
فأما الميتتان: الحوت والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال"، رواه أحمد وغيره، وقال صلى الله عليه وسل في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته".
ويشترط للذكاة أربع شروط:
الشرط الأول: أهلية المذكي؛ بأن يكون عاقلاً، ذا دين سماوي، من المسلمين أو أهل الكتاب؛ فلا يباح ما ذكاه مجنون أو سكران أو طفل لم يميز؛ لأنه لا يصح من هؤلاء قصد التذكية؛ لعدم العقلية فيهم، ولا يحل ما ذكاه كافر وثني أو مجوسي أو مرتد أو قبوري ممن ينادون الموتى ويلوذون بالأضرحة ويطلبون من أصحابها المدد؛ لأن هذا شرك أكبر.
وأما الكافر الكتابي، وهو اليهودي أو النصراني؛ فتحل ذبيحة ذبيحته؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ ؛ أي: ذبائح أهل الكتاب من اليهود والنصارى حلُّ لكم أيها المسلمون، وهذا بإجماع المسلمين؛ قال الإمام البخاري ﵀ عن ابن عباس ﵄: "طعامهم ذبائحهم".
ومفهوم الآية الكريمة أن الكافر غير الكتابي لا تحل ذبيحته، وهذا بالإجماع.
стр. 1003
والحكمة في إباحة ذبيحة الكافر الكتابي دون غيره من الكفار: أن أهل الكتاب يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، وتحريم الميتات؛ لما جاءت به أنبياؤهم؛ بخلاف بقية الكفار؛ فإنهم يذبحون للأصنام ويستحلون الميتات.
الشرط الثاني: توفر الآلة، فتباح الذكاة بكل محدد ينهر الدم بحدة، سواء كان من الحديد أو الحجر أو غير ذلك، ما عدا السن والظفر؛ فلا يحل الذبح بهما لقوله صلى الله عليه وسل: "ما أنهر الدم؛ فكل، فليس السن والظفر"، متفق عليه.
قال الإمام ابن القيم ﵀: "وهذا تنبيه على عدم التذكية بالعظام، إما لنجاسة بعضها، أو لتنجيسها على مؤمني الجن، وتمام الحديث: "وسأحدثكم عن ذلك: أما السن؛ فعظم"؛ أي: ذلك عظم؛ فلا يحل الذبح به، وقال: "وأما الظفر؛ فمدى الحبشة"، أي: فسكين الحبشة؛ فلا يحل الذبح به".
الشرط الثالث: قطع الحلقوم، وهو مجرى النفس، وقطع المريء، وهو مجرى الطعام والشراب، وأحد الودجين، وهما الوريدان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وتقطع المريء والحلقوم والودجان، والأقوى أن قطع ثلاثة من الأربعة يبيح، سواء كان فيها
стр. 1004
الحلقوم أو لم يكن؛ فإن قطع الودجين أبلغ من قطع الحلقوم وأبلغ في إنهار الدم".
والسنة نحر إبل؛ بأن يطعنها بمحدد في لبتها، وهي الوهدة التي بين أصل العنق والصدر، وذبح غيرها في حلقه.
والحكمة في تخصيص الذكاة في المحل المذكور؛ لعدم التمكن منه؛ كالصيد والنعم المتوحشة والواقعة في بئر ونحوها، تكون ذكاته بجرحه في أي موضع من بدنهن ويكفي ذلك في ذكاته؛ لحديث رافع قال: ندَّ بعير، فأهوى إليه رجل بسهم، فحبسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسل: "ما ندَّ عليكم؛ فاصنعوا به هكذا"، متفق عليه، وروى ذلك عن على وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وعائشة ﵃
وما أصيب من الحيوانات كالمنخنقة والموقوذة والمتردية
стр. 1005
والنطيحة وما أكل السبع، إذا أدركت وفيها حياة مستقرة، فذكيت؛ حلّت؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ... ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ ؛ أي: إلا ما أدركتم وفيه حياة، فذكيتموه؛ فليس بمحرم.
والمنخنقة: هي التي التف على عنقها حبل ونحون فخنقها.
والموقوذة هي التي ضربت بشيء ثقيل.
والمتردية: هي التي تسقط من شيء مرتفع.
والنطيحة: هي التي نطحها حيوان آخر برأسه.
وما أكل السبع؛ أي: افتراسه الذئب ونحوه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الذكاة المجزية في هذه الأنواع: "متى ذبح، فخرج الدم الأحمر الذي من المذكى في العادة، ليس هو دم الميتة؛ فإنه يحل أكله، ولو مع عدم تحركه بيد أو رجل أو طرف عين أو مصع ذنب ونحو ذلك في الأصح ... " انتهى.
الشرط الرابع: أن يقول الذابح عند حركة يده بالذبح: بسم الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْق﴾ .
قال الإمام ابن القيم: "لا ريب أن يذكر اسم الله الذبيحة يطيبها ويطرد الشيطان عن الذابح والمذبوح، فإذا أخل به؛ لا بس الشيطان الذابح والمذبوح، فأثر خبثا في الحيوان، وكان ﷺ إذا ذبح سمى، فدلت
стр. 1006
الآية على أن الذبيحة لا تحل إذا لم يذكر اسم الله عليها، وإن كان الذابح مسلما ... " انتهى.
ويسن مع التسمية التكبير.
وللذكاة آداب:
فيكره أن يذبح بآلة كالَّة؛ لقوله صلى الله عليه وسل: "ويحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته".
ويكره أن يحدها والحيوان يبصره؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسل: "أمر أن تحد الشفار وأن توارى عن البهائم"، رواه أحمد.
ويكره أن يوجه الحيوان إلى غير القبلة.
ويكره أن يكسر عنقه أو يسلخه قبل أن يبرد.
والسنة نحر الإبل قائمة معقول يدها اليسرى، وذبح البقر والغنم مضجعة على جانبها الأيسر. والله أعلم.
стр. 1007
باب في أحكام الصيد
الصيد: مصدر صاد يصيد صيدًا، وهو اقتناص حيوان حلال متوحش طبعا غير عليه، ويطلق على المصيد، فقال للحيوان: صيد؛ تسمية للمفعول باسم المصدر.
وحكم الاصطياد: أنه إذا كان لحاجة الإنسان؛ فهو جائز من غير كراهة، وأما إذا كان للهو واللعب لا لأجل الحاجة؛ فهو مكروه، وإن ترتب عليه ظلم للناس بالاعتداء على زروعهم وأموالهم؛ فهو حرام.
والدليل على جوازه في غير الحالة الأخيرة:
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ؛ وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ .
وقال النبي صلى الله عليه وسل: "إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه؛ فكل"، متفق عليه.
стр. 1008
والصيد بعد إصابته وإمساكه له حالتان:
الحالة الأولى: أن يدرك وهو حي حياة مستقرة؛ فهذا ل بد من ذكاته الذكاة الشرعية التي سبق بيانها، ولا يحل بالاصطياد.
الحالة الثانية: أن يدرك مقتولاً بالاصطياد، أو حيا حياة غير مستقرة؛ ففي هذه الحالة يكون حلالاً إذا توفرت شروط.
الشرط الأول: أن يكون الصائد من أهل الذكاة؛ أي: ممن تحل ذبيحته؛ لأن الصائد بمنزلة المذكي، فيشترط فيه الأهلية؛ بأن يكون عاقلاً مسلما أو كتابيا؛ فلا يحل ما صاده مجنون أو سكران؛ لعدم العقلية، ولا ما صاده مجوسي أو ثني ونحوه من سائر الكفار، كما لا تحل ذكاتهم.
الشرط الثاني: الآلة، وهي نوعان:
الأول: محدد يشترط فيه ما يشترط في آلة الذبح؛ بأن ينهر الدم، ويكون غير سن وظفر، وأن يجرح الصيد بحده لا بثقله، فإذا كانت الآلة التي قتل بها الصيد غير محددة؛ كالحصاة والعصا والفخ والشبكة وقطع الحديد، فإنه لا يحل ما قتل به من الصيد؛ إلا الرصاص الذي يطلق من البنادق اليوم، فيحل ما قتل به من الصيد؛ لأن فيه قوة الدفع التي تخرق وتنهر الدم كالمحدد وأشد.
الثاني: الجارحة من الكلاب والطيور التي يصاد بها، فيباح ما قتلته من الصيد إن كانت معلمة، سواء كانت مما يصيد بنابه كالكلب أو بمخلبه كالطير؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ ؛ أي: تؤدبونهن آداب أخذ الصيد من العلم الذي
стр. 1009
علمكم الله، وتعليم الجارح: أنه إذا أرسله؛ استرسل، وإذا أشلاه؛ استشلى، وإذا أخذ الصيد؛ أمسكه على صاحبه حتى يجيء إليه، ولا يمسكه لنفسه.
الشرط الثالث: أن يرسل الآلة قاصدًا للصيد؛ لقوله صلى الله عليه وسل: "إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه؛ فكل"، متفق عليه، فدل الحديث على أن إرسال الجارحة يمنزلة الذبح، فيشترط له القصد، فلو سقطت الآلة من يده، فقلت صيدًا؛ لم يحل؛ لعدم القصد منه، وكذا لو استرسل الكلب من نفسه، فقتل صيدًا؛ لم يحل؛ لعدم إرسال حاصبه له، وعدم قصده، ومن رمى صيدًا، فأصاب غيره؛ قتل جماعة من الصيود؛ حل الجميع؛ لوجود القصد.
الشرط الرابع: التسمية عند إرسال السهم أو الجارحة؛ بأن يقول: بسم الله لقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْه﴾ ، وقال النبي صلى الله عليه وسل: "إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه؛ فكل"، متفق عليه
فإن ترك التسمية؛ لم يحل الصيد؛ لمفهوم الآية والأحاديث.
ويسن أن يقوم مع التسمية: الله أكبر؛ كما يقال ذلك في الذكاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسل كان إذا ذبح؛ يقول: "بسم الله، والله أكبر".
стр. 1010
تنبيهان
التنبيه الأول: هناك حالات يحرم فيها الصيد:
فيحرم على المحرم قتل صيد البر أو اصطياده والإعانة على صيده بدلالة أو إشارة أو غير ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ .
ويحرم عليه الأكل مما صاده أو كان له تأثير في اصطياده أو صيد من أجله؛ لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ .
وكذلك هناك محل يحرم فيه الصيد، فيحرم قتل صيد الحرم على المحرم وغير المحرم بإجماع؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسل يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة؛ لا يعضد شوكه، ولا يختلى خلاه، ولا ينفر صيده" الحديث.
التنبيه الثاني: يحرم اقتناء الكلب لغير ما رخص فيه الرسول صلى الله عليه وسل، وهو أحد ثلاثة أمور: إما لصيد، أو لحراسة ماشية، أو لحراسة زرع؛ قال النبي صلى الله عليه وسل: "من اتخذ كلبا؛ إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع؛ انتقص من أجره كل يوم قيراط"، متفق عليه.
стр. 1011
وبعض الناس لا يبالي بهذا الوعيد، فيقتني الكلب لغير هذه الأغراض الثلاثة التي رخص فيها الرسول صلى الله عليه وسل؛ لأجل المفاخرة وتقليد الكفار، ولا يبالي بنقصان الأجر الذي يترتب على ذلك، ولكن لو كان ينقص في دنياه شيئا؛ لما صبر عليه؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وقد أحبر النبي صلى الله عليه وسل أن الملائكة لا تدخل البيت الذي فيه الكلب، والصورة؛ فليتق المسلم ربه، ولا يظلم نفسه بإيقاعها في الإثم وحرمانها من الأجر. والله المستعان.
стр. 1012
كتاب الأيمان والنذور
باب في أحكام الأيمان
الأيمان: جمع يمين، واليمين: توكيد الحكم بذكر معظم على وجه مخصوص، سمي بذلك أخذًا من اليد اليمنى؛ لأن الحالف يعطي يمنيه ويضرب على يمين صاحبه؛ كما في العهد والمعاقدة.
واليمين التي تجب بها الكفارة هي اليمين التي يحلف فيها باسم الله أو بصفة من صفاته؛ كأن يقول: والله، أو: ووجه الله، أو: وعظمته وكبريائه وجلاله وعزته ورحمته، أو وعهده، أو: إرادته، أو: بالقرآن، أو بالمصحف.
والحلف بغير الله تعالى محرم، وهو شرك؛ لقوله ﷺ : "من كان حالفا؛ فليحلف بالله أو ليصمت"، متفق عليه وقال ﷺ : "ومن حلف بغير الله؛ فقد كفر أو أشرك"، وقال ﷺ : "ليس منا من حلف بالأمانة"، رواه أبو داود.
стр. 1013
فدلت هذه الأحاديث على تحريم الحلف بغير الله، وأنه شرك، كأن يقول: والنبي، وحياتك، والأمانة، والكعبة ... وما أشبه ذلك
قال ابن عبد البر: "وهذا أمر مجمع عليه".
وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: "يحرم الحلف بغير الله، وقال ابن مسعود: لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلى من أحلف بغيره صادقا".
وقال الشيخ موجها كلام ابن مسعود هذا: "لأن حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك ... " انتهى.
ويشترط لوجوب الكفارة إذا حلف بالله ثم نقض اليمين ثلاثة شروط:
الشرط الأول: أن تكون اليمين منعقدة، بأن يقصد الحالف عقدها على أمر مستقبل ممكن.
قال الله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ ، فدلت الآية على أن الكفارة لا تجب إلا في الأيمان المنعقدة.
ولا يكون العقد إلا في المستقبل من الزمان دون الماضي؛ لعدم إمكان البر والحنث فيه، لكن حلف على أمر ماض كاذبا متعمدًا؛ فهي
стр. 1014
اليمين الغموس؛ لأنها تغمسه في الإثم، ثم في النار، ولا كفارة فيها؛ لأنها أعظم من أن تكفر، وهي من الكبائر.
وإذا تلفظ باليمين بدون قصد لها؛ كما لو قال: لا والله، وبلى والله، وهو لا يقصد اليمين، وإنما جرى على لسانه هذا اللفظ بدون قصد؛ فهو لغو، لا كغارة فيه؛ لقوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُم﴾ ، وحديث عائشة ﵂ مرفوعا: "اللغو في اليمين كلام الرجل في بينه: لا والله، وبلى والله"، رواه أبو داود.
وكذا لو حلف عن قصد يظن صدق نفسه فبان بخلافه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكذا لو عقدها على زمن مستقبل، ظانا صدقه، فلم يكن كمن حلف على غيره يظن أنه يطيعه فلم يفعل" انتهى.
الشرط الثاني: أن يحلف مختارًا، فإن حلف مكرها؛ لم تنعقد يمينه؛ لقوله ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، فدل على أن المكره على الحلف معفو عنه.
стр. 1015
الشرط الثالث: أن يحنث فيها؛ بأن يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله مختارًا ذاكرًا ليمينه، فإذا حنث ناسيا ليمينه أو مكرها؛ فلا كفارة عليه؛ لأنه لا إثم عليه؛ لقوله ﷺ : "عفي لأمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
وإن استثنى في يمينه، كما لو قال: والله لأفعلن كذا إن شاء الله؛ لم يحنث في يمينه إذا نقضها؛ بشرط أن يقصد الاستثناء متصلاً باليمين لفظا أو حكما؛ لقوله ﷺ : "من حلف فقال: إن شاء الله؛ لم يحنث"، رواه أحمد وغيره، فإن لم يقصد الاستثناء، بل قصد بقوله: إن شاء الله: مجرد التبرك بهذا اللفظ، لا التعليق، أو لم يقل: إن شاء الله؛ إلا بعد مضي وقت انتهاء التلفظ باليمين؛ من غير عذر؛ لم ينفعه هذا الاستثناء، وقيل: ينفعه الاستثناء، وإن لم يرده إلا بعد الفراغ من اليمين، حتى لو قال له بعض الحاضرين: قل إن شاء الله؛ نفعه. قال شيخ الإسلام: "وهو الصواب".
ونقض اليمين تارة يكون واجبا، وتارة يكون محرما، وتارة يكون مباحا:
стр. 1016
فيجب نقض اليمين إذا حلف على ترك واجب؛ كما لو حلف لا يصل رحمه، أو حلف على فعل محرم؛ كما لو حلف ليشربن خمرًا؛ فهنا يجب عليه أن ينقص يمينه، ويكفر عنها.
وقد يحرم نقض اليمين؛ كما لو حلف على ترك محرم أو فعل واجب؛ فإنه يجب عليه الوفاء باليمين، ولا يجوز له نقضها.
ويباح نقض اليمين فيما إذا حلف على فعل مباح أو على تركه.
قال النبي ﷺ : "ما حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها؛ إلا أتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني"، وقال صلى الله عليه وسل: "من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه".
ومن حرم على نفسه شيئا مباحا سوى زوجته كالطعام والشراب واللباس؛ كما لو قال: ما أحل الله علي حرام، أو قال هذا الطعام حرام علي؛ فإنه لا يحرم عليه؛ فله تناول، ويكون عليه كفارة يمين؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَات﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ ؛ أي: التكفير عن تحريم الحلال.
стр. 1017
وأما لو حرم زوجته؛ فإن ذلك يعتبر ظهارًا، تجب فيه كفارة الظهار، ولا تكفي فيه كفارة اليمين.
ومما يجب التنبيه عليه في هذا الباب حكم الحلف بملة غير الإسلام؛ كما لو قال: هو يهودي أو نصراني إن فعل كذا وكذا! أو لم يفعله! وهذا من الألفاظ البغيضة؛ فهذا محرم شديد التحريم؛ لما في "الصحيحين"؛ أن النبي ﷺ قال: "من حلف على ملة غير الإسلام كاذبا متعمدًا؛ فهو كما قال"، وفي رواية الإمام أحمد: "من قال: إنه بريء من الإسلام: فإن كان كاذبا؛ فهو كما قال، وإن كان صادقا؛ لم يعد إلى الإسلام سالما".
نسأل الله العافية من مقالة السوء، ونسأله أن يسدد أقوالنا ونياتنا؛ إنه قريب مجيب.
стр. 1018
باب في كفارة اليمين
من رحمة الله بعباده أن شرع لهم الكفارة التي بها تحلة اليمين.
قال الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ .
وفي "الصحيحين" عن النبي صلى الله عليه وسل؛ قال: "إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها؛ فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك".
وكفارة اليمين فيها تخيير وفيها ترتيب، فيخير من لزمته بين إطعام عشرة مساكين لكل مسكين نصف صاع من الطعام، أو كسوة عشرة مساكين لكل واحد منهم ثوب يجزئه في صلاته، أو عتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب، فمن لم يجد شيئا من هذه الثلاثة المذكورة؛ صام ثلاثة أيام.
فتبين بهذا التفصيل أن كفارة اليمين تجمع تخييرًا وترتيبا؛ تخييرًا بين الإطعام والكسوة والعتق، وترتبيها بين ذلك وبين الصيام.
والدليل على هذا قول الله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ .
ومعنى الآية الكريمة إجمالاً أن كفارة ما عقدتم من الأيمان إذا
стр. 1019
حنثتم فيها: إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم؛ أي: من خير وأمثل قوت عيالكم، أو كسوتهم مما يصح أن يصلى فيه، أو عتق رقبة، واشترط الجمهور كونها مؤمنة، وقد بدأ بالأسهل؛ فأي هذه الخصال فعل؛ أجزأه بالإجماع.
واشترط الجمهور في صيام ثلاثة الأيام أن تكون متتابعة؛ لقراءة عبد الله ابن مسعود ﵁: ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعة﴾ .
وهنا يغلط كثير من العوام، فيظنون أنهم مخيرون بين الصيام وبين بقية خصال الكفارة، فيصومون، مع قدرتهم على الإطعام أو الكسوة، والصيام في هذه الحالة لا يجزئهم ولا يبرىء ذمتهم من كفارة اليمين؛ لأنه لا يجزىء إلا عند العجز عن الإطعام أو الكسوة أو العتق؛ فيجب التنبيه لمثل هذا الأمر.
ويجوز تقديم الكفارة على الحنث، ويجوز تأخيرها عنه، فإن قدمها؛ كانت محللة لليمين، وإن أخرها؛ كانت مكفرة له.
والدليل على ذلك ما ثبت في "الصحيحين" عن النبي صلى الله عليه وسل أنه قال: "إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها؛ فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك"، فدل هذا
стр. 1020
الحديث على جواز تأخير الكفارة عن الحنث.
ولأبي داود:: "فكفر عن يمينك، ثم ائت الذي هو خير"؛ فدل هذا الحديث على جواز تقديم الكفارة على الحنث، فدلت الأحاديث على جواز التقديم والتأخير.
ومن السنة ومن حق الأخ على أخيه المسلم إبرار قسمه إذا أقسمه عليه؛ فعن البراء بن عازب ﵁ قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسل بسبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، وإبرار القسم أو المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام".
وإن كرر الأيمان قبل التكفير على فعل واحد، موجبها واحد، ثم حنث فيها؛ فعليه كفارة واحدة.
وكذا لو حلف يمينا واحدة على عدة أشياء؛ كما لو قال: والله لا آكل ولا أشرب ولا ألبس، ثم حنث في أحد هذه الأشياء؛ فعليه كفارة واحدة، وانحلت البقية؛ لأنها يمين واحدة.
أما إذا حلف عدة أيمان علو عدة أفعال، ثم حنث فيها؛ فعليه كفارة لكل يمين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "من كرر أيمانا قبل التكفير؛ فروايات، ثالثها وهو الصحيح: إن كانت على فعل؛ فكفارة، وإلا؛ فكفارات" انتهى.