وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في المسجد المبني على القبر: "لا يصلى فيه فرض ولا نفل، فإن كان المسجد قبل القبر؛ غير: إما بتسوية القبر، أو نبشه إن كان جديدًا وأن كان القبر قبل المسجد؛ فإما أن يزال المسجد، وإما أن تزال صورة القبر".
ولا تصح الصلاة في المسجد الذي قبلته إلى قبر؛ لقوله: "تصلوا إلى القبور".
ولا تصح الصلاة في الحشوش، وهي المراحيض المعدة لقضاء الحاجة؛ فيمنع من الصلاة في داخل الحش؛ لكونه معدًا للنجاسه، ولأن الشارع منع من ذكر الله فيها؛ والصلاة أولى بالمنع، ولأن الحشوش تحضرها الشياطين.
ولا تصح الصلاة في الحمام وهو المحل المعد للاغتسال؛ لأنه محل كشف العورات، ومأوى للشياطين، والمنع يشمل كل ما يغلق عله باب الحمام؛ فلا تجوز الصلاة فيه
стр. 107
ولا تصح الصلاة في أعطان الإبل، وهي المواطن التي تقيم فيها وتأوي إليها.
قال الشيخ تقي الدين: "نهى عن الصلاة في أعطانها؛ لأنها مأوى الشياطين، وكما نهى عن الصلاة في الحما؛ لأنه مأوى الشياطين؛ فإن مأوى الأرواح الخبيثة أحق بأن تجتنب الصلاة فيه".
وتكره الصلاة في مكان فيه تصاوير، قال الإمام ابن القيم: "وهو أحق بالكراهة من الصلاة في الحمام؛ لأن كراهية الصلاة في الحمام: إما لكونه مظنة النجاسة، وإما لكونه بيت الشيطان، وهو الصحيح، وأما محل الصور؛ فمظنه الشرك، وغالب شرك الأمم كان من وجهة الصور والقبور" اهـ.
أيها المسلم، عليك بالعناية بصلاتك؛ فتطهر من النجاسة قبل دخولك فيها، وتجنب المواضع المنهي عن الصلاة فيها؛ لتكون صلاتك صحيحة على وفق ما شرعه الله، ولا تتهاون بشيء من أحكامها أو تتساهل فيه؛ فإن صلاتك عمود دينك، متى استقامت؛ استقام لدين، ومتى اختلت؛ اختل الدين.
وفقنا الله جميعا لما فيه الخير والاستقامة.
رابعا: استقبال القبلة
ومن شروط الصلاة استقبال القبلة، وهي الكعبة المشرفة،
стр. 108
سميت قبلة لإقبال الناس عليها، ولأن المصلي يقابلها، قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَه﴾ .
فمن قرب من الكعبة، وكان يراها؛ وجب عليه استقبال نفس الكعبة بجميع بدنه؛ لأنه قادر على التوجه إلى عينها قطعا، فلم يجز له العدول عنها، ومن كان قريبا منها، لكن يراها؛ لوجود حائل بينه وبينها؛ اجتهد في إصابتها، والتوجه إليها ما أمكنه، ومن كان بعيدًا عن الكعبة في أي وجهة من جهات الأرض؛ فإنه يستقبل في صلاته الجهة التي فيها الكعبة، ولا يضر التيامن ولا التياسر اليسيران؛ لحديث: "ما بين المشرق والمغرب قبلة"؛ صححه الترمذي، وروى عن غير واحد من الصحابة، وهذا بالنسبة لأهل المدينة وما وافق قبلتها مما سامتها، ولسائر البلدان مثل ذلك؛ فالذي في المشرق مثلاً تكون قبلته بين الجنوب والشمال والذي في المغرب كذلك.
فلا تصح الصلاة بدون استقبال القبلة؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَه﴾ ؛ أي: في بر أو جو أو بحر أو مشرق أو مغرب؛
стр. 109
إلا العاجز عن استقبال الكعبة: كالمربوط أو المصلوب غير القبلة إذا كان موثقا لا يقدر عليه؛ فإنه يصلي حسب استطاعته، ولو لم يستقبل القبلة؛ لأن هذا الشرط يسقط عنه للعجز بإجماع أهل العلم، وكذا في حال اشتداد الحرب، والهارب من سيل أو نار أو سبع أو عدو، والمريض الذي لا يستطيع استقبال القبلة؛ فكل هؤلاء يصلون حسب حالهم، ولو إلى غير القبلة، وتصح صلاتهم؛ لأنه شرط عجز عنه؛ فسقط، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ، وقال النبي: "وإذا أمرتكم بأمر؛ فأتوا منه ما استطعتم" وورد في الحديث المتفق عليه؛ أنهم عند اشتداد الخوف يصلون مستقبلي القبلة وغير مستقبليها.
ويستدل على القبلة بأشياء كثيرة؛ منها: الإخبار، فإذا أخبره بالقبلة مكلف ثقة عدل؛ عمل بخبره، إذا كان المخبر متيقنا القبلة؛ وكذا إذا وجد محاريب إسلامية؛ عمل بها، واستدل بها على القبلة؛ لأن دوام التوجه إلى جهة تلك المحاريب يدل على صحة اتجاهها، وكذلك يستدل على القبلة بالنجوم، قال الله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ .
стр. 110
خامسا: النية
ومن شروط الصلاة النية، وهي لغة: القصد، وشرعا: العزم على فعل العبادة تقربا إلى الله تعالى.
ومحلها القلب؛ فلا يحتاج إلى التلفظ بها، بل هو بدعة، لم يفعله رسول الله ولا أصحابه؛ فينوي بقلبه الصلاة التي يريدها؛ كالظهر والعصر؛ لحديث: "إنما الأعمال بالنيات"، وينوي مع تكبيرة الإحرام؛ لتكون النية مقارنة للعبادة، وإن تقدمت بزمن يسير في الوقت؛ فلا بأس.
ويشترك أن تستمر النية في جميع الصلاة، فإن قطعها في أثناء الصلاة؛ بطلت الصلاة
ويجوز لمن أحرم في صلاة فريضة وهو مأموم أو منفرد أن يقلب صلاته نافلة إذا كان ذلك لغرض صحيح؛ مثل أن يحرم منفردًا، فيريد الصلاة مع الجماعة.
واعلم أن بعض الناس قد أحدثوا في النية بدعة وتشددًا ما أنزل الله بهما من سلطان، وذلك بأن يقول أحدهم: نويت أن أصلي فرض كذا عدد كذا من الركعات أداء لله خلف هذه الإمام ... ونحو ذلك من الألفاظ، وهذا شيء لم يفعله رسول الله، فلم ينقل عنه أنه تلفظ بالنية لا سرًا ولا جهرًا، ولا أمر بذلك.
стр. 111
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "اتفق الأئمة أنه لا يشرع الجهر بها ولا تكريرها، بل من اعتاده ينبغي تأديبه، والجاهر بها مستحق للتعزير بعد تعريفه، لا سيما إذا آذى به أو كرره ... " إلى أن قال: "بعض المتأخرين خرج وجها من مذهب الشافعي في ذلك، وغلطه جماهير أصحاب الشافعي، قال الشافعي، قال الشافعي: إن الصلاة لا بد من النطق في أولها، فظن الغالط أنه أراد النطق في أولها، فظن الغالط أنه أراد النطق بالنية، وإنما أراد التكبير " اه كلام الشيخ.
والتلفظ بالنية كما أنه بدعة؛ فقد يدخل في الرياء أيضا؛ لأن المطلوب إخلاص العمل لله وإخفاؤه؛ إلا ما ورد دليل بإظهاره؛ فالذي ينبغي للمسلم أن يكون وقافا عند حدود الشريعة، عاملاً بالسنن، تاركا للبدع، مهما كان نوعها، وممن كان مصدرها ...
وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
فالله أعلم بنيات القلوب ومقاصدها؛ فلا حاجة إلى التلفظ بها في الصلاة وفي جميع العبادات، والله تعالى أعلم.
стр. 112
باب في آداب المشي إلى الصلاة
أيها المسلم، إنك بحاجة ماسة إلى معرفة الآداب المشروعة التي تسبق الصلاة؛ استعداداً لها؛ لأن الصلاة عبادة عظيمة ينبغي أن يسبقها استعداد وتهيؤ مناسب ليدخل المسلم في هذه العبادة على أحسن الهيئات:
فإذا مشيت إلى المسجد لتؤدي الصلاة مع جماعة المسلمين؛ فليكن ذلك بسكينة ووقار، والسكينة: هي الطمأنينة والتأني في المشي، والوقار: الرزانة والحلم وغض البصر وخفض الصوت وقلة الالتفات.
وقد ورد في "الصحيحين" عن النبي قال: "إذا أتيتم الصلاة " وفي لفظ: "إذا سمعتم الإقامة فامشوا وعليكم السكينة، فما أدركتم؛ فصلوا، وما فاتكم؛ فأتموا"، وروى الإمام مسلم؛ قال: "إن أحدكم إذا كان يعمد إلى
стр. 113
الصلاة؛ فهو في صلاة".
وليكن خروجك أيها المسلم إلى المسجد مبكراً؛ لتدرك تكبيرة الإحرام، وتحضر الصلاة مع الجماعة من أولها، وقارب بين خطاك في مشيك إلى الصلاة؛ لتكثر حسناتك؛ ففي "الصحيحين" عن النبي؛ أنه قال: "إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد؛ لم يخط خطوة؛ إلا رفعت له بها درجة، وحطت عنه بها خطيئة".
فإذا وصلت باب المسجد؛ فقدم رجلك اليمنى عند الدخول، وقل: بسم الله، أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، اللهم صل على محمد، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك. وإذا أردت الخروج؛ قدم رجلك اليسرى، وقل الدعاء الذي قلته عند الدخول، وتقول بدل: "وافتح لي أبواب رحمتك": "وافتح لي أبواب فضلك"، وذلك لأن المسجد محل الرحمة، وخارج المسجد محل الرزق، وهو فضل من الله.
فإذا دخلت المسجد؛ فلا تجلس حتى تصلي ركعتين تحية المسجد؛ لقوله: "إذا دخل المسجد؛ فلا يجلس حتى يصلي ركعتين".
стр. 114
ثم تجلس تنتظر الصلاة، ولتكن حال جلوسك في المسجد لانتظار الصلاة مشتغلاً بذكر الله وتلاوة القرآن، وتجنب العبث؛ كتشبيك الأصابع وغيره؛ فقد ورد النهي عنه في حق منتظر الصلاة، قال: "إذا كان أحدكم في المسجد؛ فلا يشبكن؛ فإن التشبيك من الشيطان"؛ أما من كان في المسجد لغير انتظار الصلاة؛ فلا يمنع من تشبيك الأصابع؛ فقد ثبت أن النبي شبك أصابعه في المسجد بعد ما سلم من الصلاة.
وفي حال انتظارك الصلاة في المسجد؛ لا تخض في أحاديث الدنيا؛ لأنه ورد في الحديث أن ذلك يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، وقد ورد في الحديث الآخر أن العبد في صلاة ما دام ينتظر الصلاة، والملائكة تستغفر له؛ فلا تفرط أيها المسلم في هذا الثواب وتضيعه بالعبث والاشتغال بالقيل والقال.
стр. 115
وإذا أقيمت الصلاة؛ فقم إليها عند قول المؤذن: "قد قامت الصلاة"؛ لأن النبي كان يفعل ذلك، وإن قمت عند بدء الإقامة؛ فلا بأس بذلك، هذا إذا كان المأموم يرى الإمام، فإن كان لا يراه حال الإقامة؛ فالأفضل أن لا يقوم حتى يراه.
أيها المسلم، احرص أن تكون في الصف الأول؛ فقد قال النبي: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لا يجدون إلا أن يستهموا عليه؛ لاستهموا"، متفق عليه، وقال: "خير صفوف الرجال أولا"، واحرص على القرب من الإمام؛ فقد قال: "ليلني منكم أولو الأحلام والنهى"، هذا بالنسبة للرجل، وأما بالنسبة للمرأة؛ فالصف الأخير من صفوف النساء أفضل لها؛ لقوله: "وخير صفوف النساء آخرها"؛ أن ذلك أبعد لها عن رؤية الرجال.
ويتأكد في حق الإمام والمصلين الاهتمام بتسوية الصفوف، قال: "سووا صفوفكم؛ فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة"، متفق عليه،
стр. 116
وفي الحديث الآخر: "لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم"، وتسوية الصفوف هي تعديلها بمحاذاة المناكب والأكعب.
ويتأكد في حق المصلين سد الفرج والتراص في الصفوف؛ لقوله: "سووا صفوفكم وتراصوا"، رواه البخاري، ومعناه: لاصقوا الصفوف حتى لا يكون بينكم فرج؛ فالمراصة: التصاق بعض المأمومين ببعض؛ ليتصل ما بينهم؛ وينسد الخلل؛ فلا تبقى فرجات للشيطان.
وقد كان النبي يهتم بتسوية الصفوف وتراص المأمومين فيها اهنماما بالغا؛ مما يدل على أهمية ذلك وفائدته، وليس معنى رص الصفوف ما يفعله بعض الجهال اليوم من فحج رجليه حتى يضايق من بجانبه؛ لأن هذا العمل يوجد فرجا في الصفوف١، ويؤذي المصلين، ولا أصل له في الشرع؛ فينبغي للمسلمين الاهتمام بذلك، والحرص عليه؛ اقتداء بنبيهم، وإتماما لصلاتهم، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه.
стр. 117
باب في أركان الصلاة وواجباتها وسننها
أيها المسلم، إن الصلاة عبادة عظيمة، تشتمل على أقوال وأفعال مشروعة تتكون منها صفتها الكاملة؛ فهي كما يعرفها العلماء: أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
وهذه الأقوال والأفعال ثلاثة أقسام: أركان، وواجبات، وسنن.
فالأركان: إذا تُرك منها شيء؛ بطلت الصلاة، سواء كان تركه عمدًا أو سهوًا، أو بطلت الركعة التي تركه منها، وقامت التي تليها مقامها؛ كما يأتي بيانه.
والواجبات: إذا ترك منها شيء عمدًا؛ بطلت الصلاة، وإن كان تركه سهوًا لم تبطل، ويجبره سجود السهو.
والسنن: لا تبطل الصلاة بترك شيء منها لا عمدًا ولا سهوًا، لكن تنقص هيئة الصلاة بذلك.
والنبي صلى صلاة كاملة بجميع أركانها وواجباتها وسننها، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي ... ".
стр. 118
فأركان الصلاة أربعة عشر: وهي كما يلي:
الركن الأول: القيام في صلاة الفريضة، قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ ، وفي حديث عمران مرفوعا: "صل قائما، فإن لم تستطع؛ فقاعدًا، فإن لم تستطع؛ فعلى جنب"، فدلت الآية والحديث على وجوب القيام في الصلاة المفروضة مع القدرة عليه.
فإن لم يقدر على القيام لمرض؛ صلى على حسب حاله قاعدًا أو على جنب، ومثل المريض الخائف والعريان، ومن يحتاج للجلوس أو الأضطجاع لمداواة تتطلب عدم القيام، وكذلك من كان لا يستطيع القيام لقصر سقف فوقه، ولا يستطيع الخروج، ويعذر أيضا بترك القيام من يصلي خلف الإمام الراتب الذي يعجز عن القيام، فإذا صلى قاعدًا؛ فإن من خلفه يصلون قعوداً؛ تبعا لإمامهم؛ لأنه لما مرض؛ صلى قاعدًا، وامر من خلفه بالقعود.
стр. 119
وصلاة النافلة يجوز أن تصلى قياما وقعودًا؛ فلا يجب القيام فيها؛ لثبوت أن النبي كان يصليها أحيانا جالسا من غير عذر.
الركن الثاني: تكبيرة الإحرام في أولها: لقوله: "ثم استقبل القبلة وكبر"، وقوله: "تحريمها التكبير".
ولم ينقل عنه أنه افتتح الصلاة بغير التكبير، وصيغتها أن يقول: الله أكبر، لا يجزيه غيرها؛ لأن هذا هو الوارد عن الرسول.
الركن الثالث: قراءة الفاتحة، لحديث: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب".
وقراءتها ركن في كل ركعة، وصح عن النبي أنه كان يقرؤها في كل ركعة، وحينما علم المسيء في صلته كيف يصلي؛ أمره
стр. 120
بقراءة الفاتحة.
وهل هي واجبة في حق كل مصل، أو يختص وجوبها بالإمام والمنفرد؟ فيه خلاف بين العلماء، والأحوط أن المأموم يحرص على قراءتها في الصلوات التي لا يجهر فيها الإمام، وفي سكتات الإمام في الصلاة الجهرية.
الركن الرابع: الركوع في كل ركعة، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ ، وقد ثبت الركوع في سنة الرسول؛ فهو واجب بالكتاب والسنة والإجماع.
وهو في اللغة الانحناء، والركوع المجزئ من القائم هو أن ينحني حتى تبلغ كفاه ركبتيه إذا كان وسط الخلقة؛ أي: غير طويل اليدين أو قصيرهما، وقدر ذلك من غير وسط الخلقة، والمجزئ من الركوع في حق الجالس مقابلة وجهه ما وراء ركبتيه من الأرض.
الركنان الخامس والسادس: الرفع من الركوع والاعتدال واقفا
стр. 121
كحالة قبله، لأنه داوم على فعله، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
الركن السابع: السجود، وهو وضع الجبهة على الأرض، ويكون على الأعضاء السبعة، في كل ركعة مرتين؛ لقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدُوا﴾ ، وللأحاديث الواردة من أمر النبي به، وفعله له، وقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
فالأعضاء السبعة هي: الجبهة، والأنف، واليدان، والركبتان، وأطراف القدمين؛ فلا بد أن يباشر كل واحد من هذه الأعضاء موضع السجود وحسب الإمكان، والسجود أعظم أركان الصلاة، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد؛ فأفضل الأحوال حال يكون العبد فيها أرب إلى الله، وهو السجود.
الركن الثامن: الرفع من السجود والجلوس بين السجدتين، لقول عائشة ﵂: "كان النبي إذا رفع رأسه من السجود؛ لم يسجد حتى يستوي جالساً" رواه مسلم.
стр. 122
الركن التاسع: الطمأنينة في كل الأفعال المذكورة، وهي السكون، وغن قل، وقد دل الكتاب والسنة على أن من لا يطمئن في صلاته؛ لا يكون مصليا، ويؤمر بإعادتها.
الركنان العاشر والحادي عشر: التشهد الأخير وجلسته، وهو أن يقول: "التحيات...." إلخ، "اللهم صل على محمد"؛ فقد ثبت أنه لازمه، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وقال ابن مسعود ﵁: "كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد"؛ فقوله: "قبل أن يفرض علينا": دليل على فرضه.
الركن الثاني عشر: الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير:
بأن يقول:"اللهم صلَّ على محمد"، وما زاد علي ذلك، فهو سنة
الركن الثالث عشر: الترتيب بين الأركان:
لأن النبي صلى عليه وسلم كان يصليها مرتبة، وقال: " صلوا كما رأيتموني أصلي"، وقد علمها للمسيء مرتبة ب"ثمَّ"
стр. 123
الركن الرابع عشر: التسليم:
لقوله ﷺ : "وختامها التسليم"، وقوله ﷺ : "وتحليلها التسليم"؛فالتسليم شرع للتحلل من الصلاة؛ فهو ختامها وعلامة انتهائها
أيها القارئ الكريم، من ترك ركنا من هذه الأركان:
فإن كان التحريمة؛ لم تنعقد الصلاة، وإن كان غير التحريمة، وقد تركه عمدًا؛ بطلت صلاته أيضا، وإن كان تركه سهوًا كركوع أو سجود، فإن ذكره قبل شروعه في قراءة ركعة أخرى؛ فإنه يعود ليأتي به وبما بعده من الركعة التي تركه فيها، وإن ذكره بعد شروعه في قراءة الركعة الأخرى؛ ألغيت الركعة التي تركه مها وقامت الركعة التي شرع في قراءتها مقامها، ويسجد للسهو، وإن علم الركن المتروك بعد السلام، فإن كان تشهدًا أخيرًا أو سلاما؛ أبى به، وسجد للسهو وسلم، وإن كان غيرهما كركوع أو سجود؛ فإنه يأتي بركعة كاملة بدل الركعة التي تركه منها، ويسجد للسهو، ما لم يطل الفصل، فإن طال الفصل، أو انتقض وضوؤه؛ أعاد الصلاة كاملة.
فما أعظم هذه الصلاة وما تشمل من الأقوال والأفعال الجلية!
وفق الله الجميع لإقامتها والمحافظة عليها.
стр. 124
واجبات الصلاة ثمانية:
الأول: جميع التكبيرات التي في الصلاة غير تكبيرة الإحرام واجبة؛ فجميع تكبيرات الانتقال من قبيل الواجب لا من قبيل الركن.
الثاني: التحميد؛ أي قول: "ربنا ولك الحمد"، لإمام والمأموم والمنفرد؛ لقوله: "إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده؛ فقولوا: ربنا ولك الحمد".
الرابع: قول: "سبحان ربي الأعلى"، في السجود، مرة واحدة، ويسن الزيادة إلى ثلاث هي أوفى الكمال، وإلى عشر وهي أعلاه.
الخامس: قوله: "سبحان ربي الأعلى"، في السجود، مرة واحدة، وتسن الزيادة إلى ثلاث.
السادس: قول: "رب اغفر لي"، بين السجدتين، مرة واحدة، وتسن الزيادة إلى ثلاث.
السابع: التشهد الأول، وهو أن يقول: "التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، أو نحو ذلك مما ورد.
стр. 125
الثامن: الجلوس للتشهد الأول لفعله ذلك، ومداومته عليه، مع قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
ومن ترك واجبا من هذه الواجبات القولية والفعلية الثمانية متعمدًا، بطلت صلاته؛ لأنه متلاعب فيها، ومن تركه سهوًا أو جهلاً؛ فإنه يسجد للسهو؛ لأنه ترك واجبا يحرم تركه، فيجبره بسجود السهو.
سنن الصلاة:
والقسم الثالث أفعال وأقوال الصلاة غير ما ذكر في القسمين الأولين: سنة، لا تبطل الصلاة بتركه.
وسنن الصلاة نوعان:
النوع الأول: سنن الأقوال، وهي كثيرة؛ منها: الاستفتاح، والتعوذ، البسملة، والتأمين، والقراءة بعد الفاتحة بما تيسر من القرآن في صلاة الفجر وصلاة الجمعة والعيد وصلاة الكسوف والركعتين الأولين من المغرب والعشاء والظهر والعصر.
ومن سنن الأقوال: قول: "ملء السماء وملء الأرض وملء ماشئت من شيء بعد"؛ بعد قوله: "بنا ولك الحمد"،وما زاد على المرة الواحدة في تسبيح ركوع وسجود، والزيادة على المرة في قول: "رب اغفر لي"؛ بين الجدتين، وقوله: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال"، وما
стр. 126
زاد على ذلك الدعاء في التشهد الأخير.
والنوع الثاني: سنن الأفعال؛ كرفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، وعند الهوي إلى الركوع، وعند الرفع منه، ووضع اليد اليمنى على اليسرى، ووضعهما على صدره أو تحت سرته في حال القيام، والنظر إلى موضع سجوده، ووضع اليدين على الركبتين في الركوع، ومجافاة بطنه عن فخذيه وفخذيه عن ساقيه في السجود، ومد ظهره في الركوع معتدلاً، وجعل رأسه حياله؛ فلا يخفضه ولا يرفعه، وتمكين جبهته وأنفه وبقية الأعضاء من موضع السجود، وغير ذلك من سنن الأقوال والأفعال مما هو مفصل في كتب الفقه.
وهذه السنن لا يلزم الإتيان بها في الصلاة، بل من فعلها أوشيئا منها؛ فله زيادة أجر، ومن تركها أو بعضها؛ فلا حرج عليه؛ شأن سائر السنن.
ومن هنا لا نرى مررًا لما يفعله بعض الشباب اليوم من التشدد ي أمر السنن في الصلاة، حتى ربما أدى بهم هذا التزيد في تطبيقها بصورة غريبة؛ كأن يحنى أحدهم رأسه في القيام إلى قريب من الركوع، ويجمع يديه على ثغرة نحره بدلاً من وضعها على صدره أو تحت سرته؛ كما وردت به السنة، وتشددهم في شأن السترة، حتى إن بعضهم يترك القيام في الصف لأداء النافلة، ويذهب إلى مكان آخر، يبحث فيه عن سترة،
стр. 127
وكذا مد أحدهم رأسه إلى أمام ورجليه إلى خلف في السجود، حتى يصبح كالقوس أو قريبا من المنبطح، وكذا فحج أحدهم رجليه في حال القيام حتى يضيِّق على من بجانبه، وهذه صفات غريبة، ربما تؤدي إلى الغلو الممقوت.
ونسأل الله لنا ولهم التوفيق للحق والعمل به.
стр. 128
باب في صفة الصلاة
بعد أن بينَّا أركان الصلاة وواجباتها وسننها القولية والفعلية نريد أن نذكر صفة الصلاة المشتملة على تلك الأركان والواجبات والسنن حسبما وردت به النصوص من صفة صلاة النبي؛ لتكون قدوة للمسلم؛ عملاً بقوله: "وصلوا كما رأيتموني أصلي"، وإليك سياق ذلك.
كان رسول الله إذا قام إلى الصلاة؛ استقبل القبلة، ورفع يديهن واستقبل ببطون أصابعها القبلة، وقال: "الله أكبر".
ثم يمسك شماله بيمينه، ويضعهما على صدره.
ثم يستفتح، ولمن كن يداوم على استفتاح واحد؛ فكل الاستفتاحات الثابتة عنه يجوز الاستفتاح بها، ومنها: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك".
ثم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم.
ثم يقرأ فاتحة الكتاب، فإذا ختمها؛ قال: "آمين".
стр. 129
ثم يقرأ بعد ذلك سورة طويلة تارة وقصيرة تارة ومتوسطة تارة، وكان يطيل قراءة الفجر أكثر من سائر الصلوات، وكان يجهر بالقراءة في الفجر والأوليين من المغرب والعشاء ويسر القراءة فيما سوى ذلك، وكان يطيل الركعة الأولى من كل صلاة على الثانية.
ثم يرفع يديه كما رفعها في الاستفتاح، ثم يقول: "الله أكبر"، ويخر راكعا، ويضع يديه على ركبتيه مفرجتي الأصابع، ويمكنهما، ويمد ظهره، ويجعل رأسه ياله، لا يرفعه ولا يخفضه، ويقول: "سبحان ربي العظيم".
ثم يرفع رأسه قائلاً: "سمع الله لمن حمده"، ويرفع يديه كما يرفعهما عند الركوع.
فإذا اعتدل قائما؛ قال: "ربنا لك الحمد"، وكان يطيل هذا الاعتدال.
ثم يكبر، ويخر ساجدًا، ولا يرفع يديه، فيسجد على جبهته وأنفه ويديه وركبتيه وأطراف قدميه، ويستقبل بأصابع يديه ورجليه القبلة، ويعتدل في سجوده، ويمكن جبهته وأنفه من الأرض، ويعتمد على كفيه، ويرفع مرفقيه، ويجافي عضديه عن جنبيه، ويرفع بطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، وكان يقول في سجوده: "سبحان ربي الأعلى".
ثم يرفع رأسه قائلاً: " الله أكبر"، ثم يفرش رجله اليسرى، ويجلس عليها، وينصب اليمنى، ويضع يديه على فخذيه، ثم يقول: "اللهم اغفر لي، وارحمن، واجبرني، واهدني، وارزقني".
стр. 130
ثم يكبر ويسجد، ويصنع في الثانية مثل ما صنع في الأولى.
ثم يرفع رأسه مكبرًا وينهض على صدور قدميه، معتمدًا على ركبتيه وفخذيه.
فإذا استتم قائما؛ أخذ في القراءة، ويصلي الركعة الثانية كالأولى.
ثم يجلس للتشهد الأول مفترشا كما يجلس بين السجدتين، ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، ويضع إبهام يده اليمنى على إصبعه الوسطى كهيئة الحلقة، ويشير بإصبعه السبابة، وينظر إليها، ويقول: "التحيات لله والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، وكان يخفف هذه الجلسة.
ثم ينهض مكبرًا، فيصلي الثالثة والرابعة، ويخففهما عن الأوليين، ويقرأ فيهما بفاتحة الكتاب.
ثم يجلس في تشهده الأخير متوركا؛ يفرش رجله اليسرى، بأن يجعل طهرها على الأرض، وينصب رجله اليمنى، ويخرجهما عن يمينه، ويجعل أليتيه على الأرض.
ثم يتشهد التشهد الخير، وهو التشهد الأول، ويزيد عليه: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد".
стр. 131
ويستعيذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسح الدجال، ويدعوا بما ورد من الأدعية في الكتاب والسنة.
ثم يسلم عن يمينه؛ فيقول: "السلام عليكم ورحمة الله"، وعن يساره كذلك؛ يبتدئ السلام متوجها إلى القبلة، وينهيه مع تمام الالتفات.
فإذا سلم؛ قال: "أستغفر الله "ثلاثا "، اللهم إنك أنت السلام، ومنك السلام، تباركت ياذا الجلال والإكرام"، ثم يذكر الله بما ورد.
أيها المسلم، هذه جملة مختصرة في صفة الصلاة حسبما ورد في النصوص؛ فعليك أن تهتم بصلاتك غية الاهتمام، وأن تكون صلاتك متفقة حسب الإمكان مع صلاة النبي؛ فقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ .
ونسأل الله للجميع التوفيق والقبل.
стр. 132
باب في بيان ما يكره في الصلاة
يكره في الصلاة الالتفات بوجهه وصدره؛ لقول النبي: "وهو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد"، رواه البخاري؛ إلا أن يكون ذلك لحاجة؛ فلا بأس به؛ كما في حالة الخوف، أو كان لغرض صحيح.
فإن استدار بجميع بدنه، أو استدبر الكعبة في غير حالة الخوف؛ بطلت صلاته؛ لتركه الاستقبال بلا عذر.
فتبين بهذا أن الالتفات في الصلاة في حالة الخوف لابأس به؛ لأن ذلك من ضروريات القتال، وغن كان في غيرة حالة الخوف، فإن كان بالوجه والصدر فقط بقية دون بقية البدن، فإن كان لحاجة؛ فلا بأس، إن كان لغير حاجة؛ فهو مكروه، وإن كان بجميع البدن؛ بطلت صلاته.
يكره في الصلاة رفع بصره إلى السماء؛ فقد أنكر النبي على من يفعل ذلك؛ فقال: "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في
стр. 133
صلاتهم؟! "، واشتد قوله في ذلك، حتى قال: "لينتهن أو لتخطفن أبصارهم"، رواه البخاري.
وقد سبق أنه ينبغي أن يكون نظره إلى موضع سجوده؛ فلا ينبغي له أن يسرح ببصره فيما أمامه من الجدران والنقوش والكتابات ونحو ذلك؛ لأن ذلك يشغله عن صلاته.
ويكره في الصلاة تغميض عينيه بغير حاجة؛ لأن ذلك من فعل اليهود، وإن كان التغميض لحاجة، كأن يكون أمامه ما يشوش عليه صلاته؛ كالزخارف والتزويق؛ فلا يكره إغماض عينيه عنه، هذا معنى ما ذكره ابن القيم ﵀.
ويكره في الصلاة إقعاؤه في الجلوس، وهو أن يفرش قدميه ويجلس على عقبيه؛ لقوله: "إذا رفعت رأسك من السجود؛ فلا تقع كما يقعي الكلب"، رواه ابن ماجه، وما جاء بمعناه من الأحاديث.
ويكره في الصلاة أن يستند إلى جدار ونحوه حال القيام؛ إلا من حاجة؛ لأنه يزيل مشقة القيام، فإن فعله لحاجة كالمرض ونحوه؛ فلا بأس.
стр. 134
ويكره في الصلاة افتراش ذراعيه حال السجود؛ بأن يمدهما على الأرض مع إلصاقهما بها، قال: "اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب"، متفق عليه، وفي حديث آخر: "ولا يفترش ذراعيه افتراش الكلب".
ويكره في الصلاة العبث وهو اللعب وعمل ما لا فائدة فيه بيد أو رجل أو لحية أو ثوب أو غير ذلك، منه مسح الأرض من غير حاجة.
ويكره في الصلاة التحضر، وهو وضع اليد على الخاصرة، وهي الشاكلة ما فوق رأس الورك من المستدق، وذلك لأن التحضر فعل الكفار والمتكبرين، وقد نهينا عن التشبه بهم، وقد ثبت في الحديث المتفق عليه النهي عن أن يصلي الرجل متخصرًا.
ويكره في الصلاة فرقعة أصابعه وتشبيكها.
ويكره أن يصلي وبين يديه ما يشغله ويلهيه؛ لأن ذلك يشغله عن إكمال صلاته.
وتكره الصلاة في مكان فيه تصاوير؛ لما فيه من التشبه بعبادة
стр. 135
الأصنام، سواء كانت الصورة منصوبة أو غير منصوبة على الصحيح.
ويكره أن يدخل في الصلاة وهو مشوش الفكر بسبب وجود شيء يضايقه؛ كاحتباس بول، أو غائط، أو ريح، أو حالة برد أو حر شديدين، أو جوع أو عطش مفرطين؛ لأن ذلك يمنع الخشوع.
وكذا يكره دخوله في الصلاة بعد حضور طعام يشتهيه؛ لقوله: "لا صلاة يحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان"، رواه مسلم.
وذلك كله رعاية لحق الله تعالى ليدخل العبد في العبادة بقلب حاضر مقبل على ربه.
ويكره للمسلم أن يخص جبهته بما يسجد عليه؛ لأن ذلك من شعار الرافضة؛ ففي ذلك الفعل تشبه بهم.
ويكره في الصلاة مسح جبهته وأنفه مما علق بهما من أثر السجود، ولا بأس بمسح ذلك بعد الفراغ من الصلاة.
ويكره في الصلاة العبث بمسح لحيته وكف ثوبه وتنظيف أنفه ونحو ذلك؛ لأن ذلك يشغله عن صلاته.
والمطلوب من المسلم أن يتجه إلى صلاته بكليته، ولا يتشاغل عنها بما ليس منها، يقول الله سبحانه تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ ؛
стр. 136
فالمطلوب إقامة الصلاة بحضور القلب والخشوع، والإتيان بما يشرع لهما، وترك ما ينافيهما أو ينقصهما من الأقوال والأفعال؛ لتكون صلاة صحيحة مبرئة لذمة فاعلها، ولتكون صلاة في صورتها وحقيقتها، لا في صورتها فقط.
وفق الله الجميع لما فيه الخير والسعادة في الدنيا والآخرة.
стр. 137
باب في بيان ما يستحب أو يباح فعله في الصلاة
يسن للمصلي رد المار من أمامه قريبا منه؛ لقول النبي: "إذا كان أحدكم يصلي؛ فلا يدعن أحدًا يمر بين يديه، فإن أبى؛ فليقاتله؛ فإن معه القرين"، رواه مسلم.
لكن إذا كان أمام المصلي سترة "أي: شيء مرتفع من جدار أو نحوه "؛ فلا بأس أن يمر من ورائها، وكذا إذا احتاج إلى المرور لضيق المكان؛ فيمر، ولا يرده المصلي، وكذا إذا كان يصلي في الحرم؛ فلا يمنع المرور بين يديه؛ لأن النبي كان يصلي بمكة والناس يمرون بين يديه وليس دونهم سترة، رواه الخمسة.
واتخاذ السترة سنة في حق المنفرد والإمام؛ لقوله: "إذا صلى أحدكم؛ فليصل إلى سترة، وليدن منها"، رواه أبو داود وابن ماجه من حديث أبي سعيد، وأما المأمون؛ فسترته سترة إمامه.
стр. 138
وليس اتخاذ السترة بواجب؛ لحديث ابن عباس؛ أنه صلى في فضاء ليس بين يديه شيء، رواه أحمد وأبو داود.
وينبغي أن تكون السترة قائمة كمؤخرة الرحل؛ أي: قدر ذراع، سواء كانت دقيقة أو عريضة.
والحكمة في اتخاذها؛ لتمنع المار بين يديه، ولتمنع المصلي من الانشغال بما وراءها.
وإن كان في صحراء؛ صلى إلى شيء شاخص من شجر أو حجر أو عصا، فإن لم يمكن غرز العصا في الأرض؛ وضعه بين يديه عرضا.
وإذا التبست القراءة على الإمام؛ فللمأموم أن يسمعه القراءة الصحيحة.
ويباح للمصلي لبس الثوب ونحوه، وحمل شيء ووضعه، وفتح الباب، وله قتل حية وعقرب؛ لأنه أمر بقتل الأسودين في الصلاة؛ الحية والعقرب، رواه أبو داود والترمذي وصححه، لكن؛ لا ينبغي له أن يكثر من الأفعال المباحة في الصلاة إلا لضرورة، فإن أكثر منها من غير ضرورة، وكانت متوالية؛ أبطلت الصلاة؛ لأن ذلك مما ينافي الصلاة ويشغل عنها.
стр. 139
وإذا عرض للمصلي أمر؛ كاستئذان علين، أو سهو أمامه، أو خاف على إنسان الوقوع في هلكة؛ فله التنبيه على ذلك؛ بأن يسبح الرجل وتصفق المرأة؛ لقوله: "إذا نابكم شيء في صلاتكم؛ فلتسبح الرجال، ولتصفق النساء"، متفق عليه.
ولا يكره السلام على المصلي إذا كان يعرف كيف يرد، وللمصلي حينئذ رد السلام في حال الصلاة بالإشارة لا باللفظ؛ فلا يقول: وعليكم السلام، فإن رده باللفظ؛ بطلت به صلاته؛ لأنه خطاب آدمي، وله تأخير الرد إلى ما بعد السلام.
ويجوز للمصلي أن يقرأ عدة سور في ركعة واحدة؛ لما في "الصحيح": أن النبي قرأ في ركعة من قيامه بالبقرة وآل عمران والنساء، ويجوز له أن يكرر قراءة السورة في ركعتين، وأن يقسم السورة الواحدة بين ركعتين، ويجوز له قراءة أواخر السور وأوسطها؛ لما روى أحمد ومسلم عن ابن عباس؛ أن النبي كان يقرأ في الأولى من ركعتي الفجر قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية، وفي الثانية الآية في آل عمران: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية، ولعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْه﴾ ، لكن؛ لا ينبغي
стр. 140
الإكثار من ذلك، بل يفعل أحيانا.
وللمصلي أن يستعيذ عند قراءة آية فيها ذكر عذاب، وأن يسأل الله عند قراءة آيه فيه ذكر رحمه، وله أن يصلي على النبي عند قراءة ذكره؛ لتأكد الصلاة عليه عند ذكره.
هذه جملة من الأمور التي يستحب لك أو يباح لك فعلها حال الصلاة، عرضناها عليك رجاء أن تستفيد منها وتعمل بها، حتى تكون على بصيرة من دينك، ونسأل الله لنا ولك المزيد من العلم النافع والعمل الصالح.
وليعلم أن الصلاة عبادة عظيمة، لا يجوز أن يُفعل أو يُقال فيها إلا في حدود الشرع الوارد عن الرسول؛ فعليك بالاهتمام بها ومعرفة ما يكملها وما ينقصها، حتى تؤديها على الوجه الأكمل.
стр. 141
باب في السجود للسهو
لما كان الإنسان عرضة للنسيان والذهول، وكان الشيطان يحرص على أن يشوش عليه صلاته ببعث الأفكار وإشغال باله بها عن صلاته، ربما ترتب على ذلك نقص في الصلاة أو زيادة فيها بدافع النسيان والذهول؛ فشرع الله للمصلي أن يسجد في آخر صلاته؛ تفاديا لذلك، وإرغاما للشيطان، وجبرًا للنقصان، وإرضاء للرحمن، وهذا السجود هو ما يسميه العلماء سجود السهو
والسهو هو النسيان، وقد سهى النبي في الصلاة، وكان سهو من تمام نعمة الله على أمته وإكمال دينهم؛ ليقتدوا به فيما يشرعه لهم عند السهو؛ فقد حفظ عنه وقائع السهو في الصلاة، سلم في اثنتين فسجد، وسلم من ثلاث فسجد، وقام في اثنتين ولم يتشهد فسجد، وغير ذلك، وقال: "إذا سها أحدكم؛ فليسجد" سجدتين.
стр. 142
ويشرع سجود السهو لأحد ثلاث أمور.
أولاً: إذا زاد في الصلاة سهوًا.
ثانيا: إذا نقص منها سهوًا.
ثالثا: إذا حصل عنده شك في زيادة أو نقص.
فيسجد لأحد هذه الثلاثة حسبما ورد به الدليل، لا لكل زيادة أو نقص أو شك.
ويشرع سجود السهو إذا وجد سببه، سواء كانت الصلاة فريضة أو نافلة؛ لعموم الأدلة.
فالحالة الأولى من الأحوال التي يشرع لها سجود السهو: هي حالة الزيادة في الصلاة، وهي إما زيادة أفعال أو زيادة أقوال:
فزيادة الأفعال إذا كانت زيادة من جنس الصلاة؛ كالقيام في محل القعود، والقعود في محل القيام، أو زاد ركوعا أو سجودًا، فإذا فعل ذلك سهوًا؛ فإنه يسجد للسهو؛ لقوله في حديث ابن مسعود: "فإذا زاد الرجل أو نقص في صلاته؛ فليسجد سجدتين"، رواه مسلم، ولأن الزيادة في الصلاة نقص من هيئتها في المعنى، فشرع السجود لها؛ لينجبر النقص.
وكذا لو زاد ركعة سهوًا، ولم يعلم إلا بعد فراغه منها؛ فإنه يسجد للسهو، أما إن علم في أثناء الركعة الزائدة؛ فإنه يجلس في الحال، ويتشهد إن لم يكن تشهد، ثم يسجد للسهو ويسلم.
стр. 143
وإن كان إماما؛ لزم من علم من المأمومين بالزيادة تنبيهه بأن يسبح الرجال وتصفق النساء، ويلزم الإمام حينئذ الرجوع إلى تنبيههم إذا لم يجزم بصواب نفسه؛ لأنه رجوع إلى الصواب، وكذا يلزمهم تنبيهه على النقص.
وأما زيادة الأقوال؛ كالقراءة في الركوع والسجود، وقراءة سورة في الركعتين الأخيرتين من الرباعية والثالثة من المغرب، فإذا فعل ذلك سهوًا استحب له السجود للسهو.
وأما الحالة الثانية، وهي ما إذا نقص من الصلاة سهوًا بأن ترك منها شيئا: فإن كان المتروك ركنا، وكان هذا الركن تكبيرة الإحرام؛ لم تنعقد صلاته ولا يغني عنه سجود السهو.
وإن كان ركنا غير تكبيرة الإحرام؛ كركوع أو سجود، وذكر هذا المتروك قبل شروعه في قراءة ركعة أخرى؛ فإنه يعود وجوبا، فيأتي به وبما بعده، وإن ذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى؛ بطلت الركعة التي تركه منها، وقامت الركعة التي تليها مقامها؛ لأنه ترك ركنا لم يمكنه استدراكه؛ لتلبسه بالركعة التي بعدها.
وإن لم يعلم بالركن المتروك إلا بعد السلام؛ فإنه يعتبره كترك ركعة كاملة، فإن لم يطل الفصل، وهو باق على طهارته؛ أتى بركعة كاملة، وسجد للسهو، وسلم،
стр. 144
وإن طال الفصل، أو انتقض وضوؤه؛ استأنف الصلاة من جديد؛ إلا أن يكون المتروك تشهدًا أخيرًا أو سلاما؛ فإنه لا يعتبر كترك ركعة كاملة، بل يأتي به ويسجد ويسلم.
وإن نسي التشهد الأول، وقام إلى الركعة الثالثة؛ لزمه الرجوع للإتيان بالتشهد؛ ما لم يستتم قائما، كره رجوعه؛ لأنه تلبس بركن آخر؛ فلا يقطعه.
وإن ترك التسبيح في الركوع أو السجود؛ لزمه الرجوع للإتيان به؛ ما لم يعتدل قائما في الركعة الأخرى، ويسجد للسهو في كل هذه الحالات.
وأما الحالة الثالثة وهي حالة الشك في الصلاة: فإن شك في عدد الركعات؛ بأن شك أصلى ثنتين أم ثلاثا مثلاً؛ فإنه يبني على الأقل؛ لأنه المتيقن، ثم يسجد للسهو قبل السلام؛ لأن الأصل عدم ما شك فيه، ولحديث عبد الرحمن بن عوف: "إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر واحدة صلى أو اثنتين؛ فليجعلها واحدة، أو لم يدر ثنتين أو ثلاثا؛ فليجعلها اثنتين"، رواه أحمد ومسلم والترمذي.
стр. 145
وإن شك المأموم أدخل مع الإمام في الأولى أو في الثانيه؛ جعله في الثانية، أو شك هل أدرك الركعة أو لا؛ لم يعتد بتلك الركعة، ويسجد للسهو.
وإن شك في ترك ركن؛ فكما لو تركه، فيأتي به وبما بعده على التفصيل السابق.
وإن شك في ترك واجب؛ لم يعتبر هذا الشك، ولا يسجد للسهو، وكذا لو شك في زيادة؛ لم يلتفت إلى هذا الشك؛ لأن الأصل عدم الزيادة.
هذه جمل من أحكام سجود السهو، ومن أراد الزيادة؛ فليراجع كتب الأحكام، والله الموفق.