← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 11811

الملخص الفقهي

صالح الفوزان

Полный текст (1 076 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

باب في السجود للسهو لما كان الإنسان عرضة للنسيان والذهول، وكان الشيطان يحرص على أن يشوش عليه صلاته ببعث الأفكار وإشغال باله بها عن صلاته، ربما ترتب على ذلك نقص في الصلاة أو زيادة فيها بدافع النسيان والذهول؛ فشرع الله للمصلي أن يسجد في آخر صلاته؛ تفاديا لذلك، وإرغاما للشيطان، وجبرًا للنقصان، وإرضاء للرحمن، وهذا السجود هو ما يسميه العلماء سجود السهو والسهو هو النسيان، وقد سهى النبي في الصلاة، وكان سهو من تمام نعمة الله على أمته وإكمال دينهم؛ ليقتدوا به فيما يشرعه لهم عند السهو؛ فقد حفظ عنه وقائع السهو في الصلاة، سلم في اثنتين فسجد، وسلم من ثلاث فسجد، وقام في اثنتين ولم يتشهد فسجد، وغير ذلك، وقال: "إذا سها أحدكم؛ فليسجد" سجدتين.

стр. 142

ويشرع سجود السهو لأحد ثلاث أمور. أولاً: إذا زاد في الصلاة سهوًا. ثانيا: إذا نقص منها سهوًا. ثالثا: إذا حصل عنده شك في زيادة أو نقص. فيسجد لأحد هذه الثلاثة حسبما ورد به الدليل، لا لكل زيادة أو نقص أو شك. ويشرع سجود السهو إذا وجد سببه، سواء كانت الصلاة فريضة أو نافلة؛ لعموم الأدلة. فالحالة الأولى من الأحوال التي يشرع لها سجود السهو: هي حالة الزيادة في الصلاة، وهي إما زيادة أفعال أو زيادة أقوال: فزيادة الأفعال إذا كانت زيادة من جنس الصلاة؛ كالقيام في محل القعود، والقعود في محل القيام، أو زاد ركوعا أو سجودًا، فإذا فعل ذلك سهوًا؛ فإنه يسجد للسهو؛ لقوله في حديث ابن مسعود: "فإذا زاد الرجل أو نقص في صلاته؛ فليسجد سجدتين"، رواه مسلم، ولأن الزيادة في الصلاة نقص من هيئتها في المعنى، فشرع السجود لها؛ لينجبر النقص. وكذا لو زاد ركعة سهوًا، ولم يعلم إلا بعد فراغه منها؛ فإنه يسجد للسهو، أما إن علم في أثناء الركعة الزائدة؛ فإنه يجلس في الحال، ويتشهد إن لم يكن تشهد، ثم يسجد للسهو ويسلم.

стр. 143

وإن كان إماما؛ لزم من علم من المأمومين بالزيادة تنبيهه بأن يسبح الرجال وتصفق النساء، ويلزم الإمام حينئذ الرجوع إلى تنبيههم إذا لم يجزم بصواب نفسه؛ لأنه رجوع إلى الصواب، وكذا يلزمهم تنبيهه على النقص. وأما زيادة الأقوال؛ كالقراءة في الركوع والسجود، وقراءة سورة في الركعتين الأخيرتين من الرباعية والثالثة من المغرب، فإذا فعل ذلك سهوًا استحب له السجود للسهو. وأما الحالة الثانية، وهي ما إذا نقص من الصلاة سهوًا بأن ترك منها شيئا: فإن كان المتروك ركنا، وكان هذا الركن تكبيرة الإحرام؛ لم تنعقد صلاته ولا يغني عنه سجود السهو. وإن كان ركنا غير تكبيرة الإحرام؛ كركوع أو سجود، وذكر هذا المتروك قبل شروعه في قراءة ركعة أخرى؛ فإنه يعود وجوبا، فيأتي به وبما بعده، وإن ذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى؛ بطلت الركعة التي تركه منها، وقامت الركعة التي تليها مقامها؛ لأنه ترك ركنا لم يمكنه استدراكه؛ لتلبسه بالركعة التي بعدها. وإن لم يعلم بالركن المتروك إلا بعد السلام؛ فإنه يعتبره كترك ركعة كاملة، فإن لم يطل الفصل، وهو باق على طهارته؛ أتى بركعة كاملة، وسجد للسهو، وسلم،

стр. 144

وإن طال الفصل، أو انتقض وضوؤه؛ استأنف الصلاة من جديد؛ إلا أن يكون المتروك تشهدًا أخيرًا أو سلاما؛ فإنه لا يعتبر كترك ركعة كاملة، بل يأتي به ويسجد ويسلم. وإن نسي التشهد الأول، وقام إلى الركعة الثالثة؛ لزمه الرجوع للإتيان بالتشهد؛ ما لم يستتم قائما، كره رجوعه؛ لأنه تلبس بركن آخر؛ فلا يقطعه. وإن ترك التسبيح في الركوع أو السجود؛ لزمه الرجوع للإتيان به؛ ما لم يعتدل قائما في الركعة الأخرى، ويسجد للسهو في كل هذه الحالات. وأما الحالة الثالثة وهي حالة الشك في الصلاة: فإن شك في عدد الركعات؛ بأن شك أصلى ثنتين أم ثلاثا مثلاً؛ فإنه يبني على الأقل؛ لأنه المتيقن، ثم يسجد للسهو قبل السلام؛ لأن الأصل عدم ما شك فيه، ولحديث عبد الرحمن بن عوف: "إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر واحدة صلى أو اثنتين؛ فليجعلها واحدة، أو لم يدر ثنتين أو ثلاثا؛ فليجعلها اثنتين"، رواه أحمد ومسلم والترمذي.

стр. 145

وإن شك المأموم أدخل مع الإمام في الأولى أو في الثانيه؛ جعله في الثانية، أو شك هل أدرك الركعة أو لا؛ لم يعتد بتلك الركعة، ويسجد للسهو. وإن شك في ترك ركن؛ فكما لو تركه، فيأتي به وبما بعده على التفصيل السابق. وإن شك في ترك واجب؛ لم يعتبر هذا الشك، ولا يسجد للسهو، وكذا لو شك في زيادة؛ لم يلتفت إلى هذا الشك؛ لأن الأصل عدم الزيادة. هذه جمل من أحكام سجود السهو، ومن أراد الزيادة؛ فليراجع كتب الأحكام، والله الموفق.

стр. 146

والصحيح أنها سنة مؤكدة، وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها، وهي شكر لله على تجدد نعمته على الوالدين بولادة المولود، وفيها تقرب إلى الله تعالى، وتصدق على الفقراء، وفداء للمولود. ومقدار ما يذبح عن الذكر شاتان متقاربتان سنا وشبها، وعن الأنثى شاة واحدة، لحديث أم كرز الكعبية؛ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "عن الغلام شاتان متكافئتان، وعن الجارية شاة"، رواه أحمد والترمذي وصححه من حديث عائشة. والحكمة في الفرق بين الذكر والأنثى في مقدار العقيقة؛ أنها على النصف من أحكام الذكر، والنعمة على الوالد بالذكر أتم، والسرور والفرحة به أكمل، فكان الشكر عليه أكثر. ووقت ذبح العقيقة ينبغي أن يكون في اليوم السابع من ولادته، ولو ذبحها قبل اليوم السابع أو بعده؛ جاز. والأفضل أن يسمى في هذا اليوم؛ ففي "السنن" وغيرها: "يذبح عنه يوم سابعه ويسمى"، ومن سماه في يوم ولادته؛ فلا بأس، بل هو عند بعض العلماء أرجح من اليوم السابع.

стр. 147

باب في الذكر بعد الصلاة قال الله سبحانه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ . وخصَّص سبحانه الأمر بذكره بعد أداء العبادات: فأمر بذكره بعد الفراغ من الصلوات؛ فقال سبحانه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ ، وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . وأمر بذكره بد إكمال صيام رمضان، فقال سبحانه: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ْ﴾ . وأمر بذكره بعد قضاء مناسك الحج؛ فقال سبحانه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ .

стр. 148

وذلك والله أعلم جبرُ لما يحصل في العبادة من النقص والوساوس، ولإشعار الإنسان أنه مطلوب منه مواصلة الذكر والعبادة؛ لئلا يظن أنه إذا فرغ من العبادة؛ فقد أدى ما عليه. والذكر المشروع بعد صلاة الفريضة يجب أن يكون على الصفة الواردة عن النبي، لا على الصفة المحدثة المبتدعة التي يفعلها الصوفية المبتدعة. ففي "صحيح مسلم" عن ثوبان ﵁؛ قال: كان رسول الله: إذا انصرف في صلاته؛ استغفر الله ثلاثا، وقال: "اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ياذا الجلال والإكرام" وفي "الصحيحين " عن المغيرة بن شعبة ﵁؛ أن رسول الله كان إذا فرغ من الصلاة؛ قال: "لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد". وفي "صحيح مسلم " عن عبد الله بن الزبير ﵄؛ أن رسول الله كان يهلل دبر كل صلاة حين يسلم بهؤلاء الكلمات: "لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه،

стр. 149

له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون". وفي "السنن " من حديث أبي ذر: أن رسول الله قال: "من قال في دبر صلاة الفجر وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحي ويمت، وهو على كل شيء قدير؛ عشر مرات؛ كتب له عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان يومه ذلك كله في حرز من كل مكروه، وحرس من الشيطان، ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم؛ إلا الشرك بالله"، قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح "، وورد أن هذه التهليلات العشر تقال بعد صلاة المغرب أيضا في حديث أم سلمة عند أحمد، وحديث أبي أيوب الأنصاري في "صحيح ابن حبان ". ويقول بعد المغرب والفجر أيضا: "رب أجرني من النار"؛ سبع مرات؛ لما رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم.

стр. 150

ثم يسبح الله بعد كل صلاة ثلاثا وثلاثين، ويحمده ثلاثا وثلاثين، ويكبره ثلاثا وثلاثين، ويقول تمام المئة: "لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير"؛ لما روى مسلم أن رسول الله قال: "من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمد الله ثلاثا وثلاثين، وكبر الله ثلاثا وثلاثين؛ فتلك تسعة وتسعون، ثم قال تمام المئة: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير؛ غفرت له خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر". ثم يقرأ آية الكرسي، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ؛ لما رواه النسائي والطبراني عن أبي أمامة ﵁؛ قال ك قال: رسول الله: "من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة؛ لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت"؛ يعني: لم يكن بينه وبين دخول الجنة إلا الموت، وفي حديث آخر: "كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى"، وفي "السنن " عن عقبة بن عامر ﵁؛ قال: "أمرني رسول الله أن اقرأ المعوذتين دبر كل صلاة".

стр. 151

لقد دلت هذه الأحاديث الشريفة على مشروعية هذه الأذكار بعد الصلوات المكتوبة، وعلى ما يحصل عليه من قالها من الأجر والثواب؛ فينبغي لنا المحافظة عليها، والإتيان بها؛ على الصفة الواردة عن النبي، وأن تأتي بها بعد السلام من الصلاة مباشرة، قبل أن نقوم من المكان الذي صلينا فيه، ونرتبها على هذا الترتيب: فإذا سلمنا من الصلاة؛ نستغفر الله ثلاثا. ثم نقول: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام". ثم نقول: "لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد"؛: أي لا ينفع الغنيَّ منك عناهُ، وإنما ينفعه العمل الصالح. ثم نقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون". ثم نسبح الله ثلاثا وثلاثين، ونحمده ثلاثا وثلاثين، ونكبره ثلاثا وثلاثين، ونقول تمتم المئة: "لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير". وبعد صلاة المغرب وصلاة الفجر نأتي بالتهليلات العشر، ونقول: "رب أجرني من النار"؛ سبع مرات.

стр. 152

ثم بعد أن نفرغ من هذه الأذكار على هذا الترتيب؛ نقرأ آية الكرسي، وسور: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ، والمعوذتين. ويستحب تكرار قراءة هذه السور بعد صلاة المغرب وصلاة الفجر ثلاث مرات. ويستحب الجهر بالتهليل والتسبيح والتحميد والتكبير عقب الصلاة، لكن لا يكون بصوت جماعي، وإنما يرفع به كل واحد صوته منفراً. ويستعين على ضبط عدد التهليلات وعدد التسبيح والتحميد والتكبير عقب الصلاة، لكن لا يكون بصوت جماعي، وإنما يرفع به كل واحد صوته منفردًا. ويستعين على ضبط عدد التهليلات وعدد التسبيح والتحميد والتكبير بعقد الأصابع؛ لأن الأصابع مسؤولات مستنطقات يوم القيامة. ويباح استعمال السبحة ليعد بها الأذكار والتسبيحات، من غير اعتقاد أن فيها فضيلة خاصة، وكرهها بعض العلماء، وإن اعتقد أن لها فضيلة؛ فاتخاذها بدعة، وذلك مثل السبح التي يتخذها الصوفية، ويعلقونها في أعناقهم، أو يجعلونها كالأسورة في أيديهم، وهذا مع كونه بدعة؛ فإن فيه رياء وتكلفا. ثم بعد الفراغ من هذه الأذكار يدعو سراً بما شاء؛ فإن الدعاء عقب هذه العبادة وهذه الأذكار العظيمة أحرى بالإجابة، ولا يرفع يديه بالدعاء بعد الفريضة كما يفعل بعض الناس؛ فإن ذلك بدعة، وإنما يفعل هذا بعد النافلة أحيانا، ولا يجهر بالدعاء، بل يخفيه؛ لأن ذلك أقرب إلى الإخلاص والخشوع، وأبعد عن الرياء.

стр. 153

وأما يفعله بعض الناس في بعض البلاد من الدعاء الجماعي بعد الصلوات بأصوات مرتفعة مع رفع الأيدي، أو يدعو الإمام والحاضرون يؤمنون رافعي أيديهم؛ فهذا العمل بدعة منكرة؛ لأنه لم ينقل عن النبي أنه كان إذا صلى بالناس يدعو بعد الفراغ من الصلاة على هذه الصفة؛ لا في الفجر، ولا في العصر ولا غيرهما من الصلوات، ولا استحب ذلك أحد من الأئمة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من نقل ذلك عن الإمام الشافعي؛ فقد غلط عليه، فيجب التقيد بما جاء عن النبي في ذلك وفي غيره؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ، ويقول سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ .

стр. 154

باب في صلاة التطوع اعلموا أن ربكم سبحانه تعالى شرع لكم بجانب فرائض الصلوات التقرب إليه بنوافل الصلوات؛ فالتطوع بالصلاة من أفضل القربات بعد الجهاد في سبيل الله وطلب العلم؛ لمداومة النبي على التقرب إلى ربه بنوافل الصلوات، وقال ﵊: "استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة". والصلاة تجمع أنواعا من العبادة؛ كالقراءة، والركوع، والسجود، والدعاء، والذل، والخضوع، ومناجاة الرب ، والتكبير، والتسبيح، والصلاة على النبي. وصلوات التطوع على نوعين: النوع الأول: صلوات مؤقتة بأوقات معينة، وتسمى بالنوافل المقيدة.

стр. 155

والنوع الثاني: صلوات غير مؤقتة بأوقات معينة، وتسمى بالنوافل المطلقة. والنوع الأول، أنواع متعددة، بعضها آكد من بعض، وآكد أنواعة صلاة الكسوف، ثم صلاة الترويح، ثم صلاة الوتر، وكل من هذه الصلوات سيأتي عنه حديث خاص إن شاء الله تعالى

стр. 156

باب في صلاة الوتر وأحكامها ولنبدأ الآن بالحديث عن صلاة الوتر لأهميته، فقد قيل: إنه آكد التطوع، وذهب بعض العلماء إلى وجوبه، وما اختلف وجوبه؛ فهو آكد من غيره مما لم يختلف في عدم وجوبه. اتفق المسلمون على مشروعية الوتر، فلا ينبغي تركه، ومن أصر على تركه؛ فإنه ترد شهادته: قال الإمام أحمد: "من ترك الوتر عمداً؛ فهو رجل سوء، لا ينبغي أن تقبل شهادته"، وروى أحمد وأبو داود مرفوعا: "من لم يوتر؛ فليس منا". والوتر: اسم للركعة المنفصلة عما قبلها، ولثلاث الركعات وللخمس والسبع والتسع والإحدى عشرة "إذا كانت هذه الركعات متصلة بسلام واحد"، فإذا كانت هذه الركعات بسلامين فأكثر؛ فالوتر اسم للركعة المنفصلة وحدها.

стр. 157

ووقت الوتر يبدأ من بعد صلاة العشاء الآخرة ويستمر إلى طلوع الفجر؛ ففي "الصحيحين" عن عائشة ﵂؛ قالت: "من كل الليل أوتر رسول الله؛ من أوله، وأوسطه، وآخره، وانتهى وتره إلى السحر". وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على أن جميع الليل وقت للوتر؛ إلا ما قبل صلاة العشاء، فمن كان يثق من قيامه في آخر الليل؛ فتأخير الوتر إلى آخر الليل أفضل، ومن كان لا يثق من قيامه في آخر الليل؛ فإنه يوتر قبل أن ينام، بهذا أوصى النبي؛ فقد روى مسلم من حديث جابر عن النبي: "أيكم خاف ألا يقوم من آخر الليل؛ فليوتر ثم ليرقد، ومن وثق بقيامه من آخر الليل؛ فليوتر من آخره؛ فإن قراءة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل". وأقل الوتر ركعة واحدة؛ لورود الأحاديث بذلك، وثبوته عن عشرة من الصحابة ﵃، لكن الأفضل والأحسن أن تكون مسبوقة بالشفع. وأكثر الوتر إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة، يصليها

стр. 158

ركعتين ركعتين، ثم يصلي ركعة واحدة يوتر بها؛ لقول عائشة ﵂: "كان رسول الله يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة، يوتر منها بواحدة "، رواه مسلم، وفي لفظ: "يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة". وله أن يسردها، ثم يجلس بعد العاشرة، ويتشهد ولا يسلم، ثم يقوم ويأتي بالحادية عشرة، ويتشهد ويسلم. وله أن يسردها، ولا يجلس إلا بعد الحادية عشرة، ويتشهد ويسلم. والصفة الأولى أفضل. وله أن يوتر بتسع ركعات، يسرد ثمانيا، ثم يجلس عقب الركعة الثامنة، ويتشهد التشهد الأول ولا يسلم، ثم يقوم، فيأتي بالركعة التاسعة، ويتشهد التشهد الأخير ويسلم. وله أن يوتر بسبع ركعات أو بخمس ركعات، لا يجلس إلا في آخر، ويتشهد ويسلم؛ لقول أم سلمة ﵂: "كان رسول الله يوتر بسبع وبخمس لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام ". وله أن يوتر بثلاث ركعات، يصلي ركعتين ويسلم، ثم يصلي الركعة الثالثة وحدها، ويستحب أن يقرأ في الأولى ب ﴿سَبَّحَ﴾ ، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ، والثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ .

стр. 159

وقد تبين مما مر أن لك أن الوتر: بإحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة، وبتسع ركعات، وبخمس ركعات، وبثلاث ركعات، وبركعة واحدة؛ فأعلى الكمال إحدى عشرة، وأدنى الكمال ثلاث ركعات، والمجزئ ركعة واحدة. ويستحب لك أن تقنت في الركوع في الوتر؛ بأن تدعو الله سبحانه، فترفع يديك، وتقول: "اللهم اهدني فيمن هديت ... " إلخ الدعاء الوارد.

стр. 160

باب في صلاة التراويح وأحكامها مما شرعة نبي الهدى محمد في شهر رمضان المبارك صلاة التراويح، وهي سنة مؤكدة، سميت تراويح لأن الناس كانوا يستريحون فيها بين كل أربع ركعات ١؛ لأنهم يطيلون الصلاة. وفعلها جماعة في المسجد؛ فقد صلاها النبي بأصحابه في المسجد ليالي، ثم تأخر عن الصلاة بهم؛ خوفا من أن تفرض عليهم؛ كما ثبت في "الصحيحين " عن عائشة ﵂: أن النبي صلى في المسجد ذات ليلة، وصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، وكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، لم يخرج إليهم،

стр. 161

فلما أصبح؛ قال: "قد رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم"، وذلك في رمضان، وفعلها صحابته من بعده، وتلقتها أمته بالقبول، وقال: "من قام مع الإمام حتى ينصرف، كتب له قيام ليلة"، وقال: "من قام رمضان إيمانا واحتسابا؛ غفر له من ما تقدم من ذنبه"، متفق عليه. فهي سنة ثابته، لا ينبغي للمسلم تركها. أما عدد ركعاتها؛ فلم يثبت فيه شيء عن النبي، والأمر في ذلك واسع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "له أن يصلي عشرين ركعة، كما هو مشهور من مذهب أحمد والشافعي، وله أن يصلي ستا

стр. 162

وثلاثين، كما هو مذهب مالك، وله أن يصلي إحدى عشرة ركعة وثلاث عشرة ركعة، وكل حسن؛ فيكون تكثير الركعات أو تقليلها بحسب طول القيام وقصره. وعمر ﵁ لما جمع الناس على أُبي؛ صلى بهم عشرين ركعة، والصحابة ﵃ منهم من يقل ومنهم من يكثر، والحد المحدود لا نص عليه من الشارع. وكثير من الأئمة "أي: أئمة المساجد " في التراويح يصلون صلاة لا يعقلونها، ولا يطمئنون في الركوع ولا في السجود، والطمأنينة ركن، والمطلوب في الصلاة حضور القلب بين يدي الله تعالى، واتعاظه بكلام الله إذ يتلى، وهذا لا يحصل في العجلة المكروهة، وصلاة عشر ركعات مع طول القراءة والطمأنينة أولى من عشرين ركعة مع العجلة والمكروهة؛ لأن لب الصلاة وروحها هو إقبال القلب على الله ، ورب قليل خير من كثير، وكذلك ترتيل القراءة أفضل من السرعة، والسرعة المباحة هي التي لا يحصل معها إسقاط شيء من الحروف، فإن أسقط بعض الحروف لأجل السرعة؛ لم يجز ذلك، وينهى عنه، وأما إذا قرا قراءة بينة ينتفع بها المصلون خلفه؛ فحسن. وقد ذم الله الذين يقرؤون القرآن بلا فهم معناه، فقال تعالى:

стр. 163

﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِي﴾ ؛ أي: تلاوة بلا فهم، والمراد من إنزال القرآن فهم معانيه والعمل به لا مجرد التلاوة انتهى كلامه ﵀. وبعض أئمة المساجد لا يصلون التراويح على الوجه المشروع؛ لأنهم يسرعون في القراءة سرعة تخل بأداء القرآن على الوجه الصحيح، ولا يطمئنون في القيام والركوع والسجود، والطمأنينة ركن من أركان الصلاة، ويأخذون بالعدد الأقل من الركعات. فيجمعون بين تقليل الركعات وتخفيف الصلاة وإساءة القراءة، وهذا تلاعب بالعبادة١، فيجب عليهم أن يتقوا الله ويحسنوا صلاتهم، ولا يحرموا أنفسهم ومن خلفهم أداء التراويح على الوجه المشروع٢

стр. 164

وفق الله الجميع لما فيه الصلاح والفلاح.

стр. 165

باب في السنن الراتبة مع الفرائض اعلموا أيها الإخوان أن السنن الراتبة يتأكد فعلها ويكره تركها، ومن داوم على تركها؛ سقطت عدالته عند بعض الأئمة، وأثم بسبب ذلك؛ لأن المداومة على تركها تدل على قلة دينه، وعدم مبالاته. وجملة السنن الرواتب عشر ركعات، وبيانها كالتالي: ركعتان قبل الظهر، وعند جمع من العلماء أربع ركعات قبل الظهر؛ فعليه تكون جملة السنن الرواتب اثنتي عشرة ركعة. وركعتان بعد الظهر. وركعتان بعد المغرب. وركعتان بعد العشاء. وركعتان قبل صلاة الفجر بعد طلوع الفجر. والدليل على هذه الرواتب بهذا التفصيل المذكور هو حديث ابن عمر ﵄؛ قال: "حفظت من رسول الله عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته،

стр. 166

وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح، كانت ساعة لا يدخل على النبي فيها أحد، حدثتني حفصة أنه كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر؛ صلى ركعتين"، متفق عليه. وفي "صحيح مسلم " عن عائشة ﵂: "كان يصلي قبل الظهر أربعا في بيتي، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يرجع بيتي فيصلي ركعتين". فيؤخذ من هذا أن فعل الراتبة في البيت أفضل من فعلها في المسجد، وذلك لمصالح تترتب على ذلك؛ منها: البعد عن الرياء والإعجاب ولإخفاء العمل عن الناس، ومنها: أن ذلك سبب لتمام الخشوع والإخلاص، ومنها: عمارة البيت بذكر الله والصلاة التي بسببها تنزل الرحمة على أهل البيت ويبتعد عن الشيطان، وقد قال: "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تجعلوها قبوراً".

стр. 167

وآكد هذه الرواتب ركعتان الفجر؛ لقول عائشة ﵂: "لم يكن النبي على شيء من النوافل أشد تعاهدًا منه على ركعتي الفجر"، متفق عليه، وقال: "ركعتان الفجر خير من الدنيا وما فيها"، ولهذا كان النبي يحافظ عليهما وعلى الوتر في الحضر والسفر. وأما ما عدا ركعتي الفجر والوتر من الرواتب؛ فلم ينقل عن النبي أنه صلى راتبة في السفر غير سنة الفجر والوتر. وقال ابن عمر ﵄ لما سئل عن سنة الظهر في السفر؛ قال: "لو كنت مسبحا؛ لأتممت ". وقال ابن القيم ﵀: "وكان من هديه في سفره الاقتصار على الفرض، ولم يحفظ عنه أنه صلى سنة الصلاة قبلها ولا بعدها؛ إلا ما كان من الوتر وسنة الفجر".

стр. 168

والسنة تخفيف ركعتي الفجر؛ لما في "الصحيحين " وغيرهما عن عائشة ﵂: أن النبي كان يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح، ويقرأ في الركعة الأولى من سنة الفجر بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ، وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ، ويقرأ في الأولى منهما: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية التي في سورة البقرة، ويقرأ في الركعة الثانية: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا﴾ الآية التي في سورة آل عمران. وكذلك يقرأ في الركعتين بعد المغرب بالكافرون والإخلاص؛ لما روى البيهقي والترمذي وغيرهما عن ابن مسعود؛ قال: "ما أحصي ما سمعت من رسول الله يقرأ في الركعتين بعد المغرب وفي الركعتين قبل الفجر: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ . وإذا فاتك شيء من هذه السنن الرواتب؛ فإنه يسن لك قضاؤه، وكذا إذا فاتك الوتر من الليل؛ فإنه يسن لك قضاؤه في النهار؛ لأنه قضى ركعتي الفجر مع الفجر حين نام عنهما، وقضى الركعتين اللتين

стр. 169

بعد الظهر بعد العصر، حين شغل عنهما ويقاس الباقي من الرواتب في مشروعية قضائه إذا فات على ما فيه النص، وقال: "من نام عن الوتر أو نسيه؛ فليصله إذا أصبح أو ذكر"، رواه الترمذي وأبو داود. ويقضى الوتر مع شفعه؛ لما في "الصحيح " عن عائشة ﵂: "كان النبي صلى الله عليه وسلمإذ منعه من قيام الليل نوم أو وجع؛ صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة". أيها المسلم، حافظ على هذه السنن الرواتب؛ لأن في ذلك اقتداء بالنبي، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ . وفي المحافظة على هذه السنن الرواتب أيضا جبر لما يحصل في صلاة الفريضة من النقص والخلل، والإنسان معرض للنقص والخلل، وهو بحاجة ما يجبر به نقصه؛ فلا تفرط بهذه الرواتب أيها المسلم؛ فإنها من زيادة الخير الذي تجده عند ربك،

стр. 170

وهكذا كل فريضة يشرع إلى جانبها نافلة من جنسها؛ كفريضة الصلاة وفريضة الصيام، وفريضة الزكاة، وفريضة الحج، كل من هذه الفرائض يشرع إلى جانبها نافلة من جنسها؛ تجبر نقصها وتصلح خللها، وهذا من فضل الله على عباده، حيث نوع لهم الطاعات ليرفع لهم الدرجات، ويحط عنهم الخطايا. فنسأل الله لنا جميعا التوفيق لما يحبه ويرضاه، إنه سميع مجيب.

стр. 171

باب في صلاة الضحى اعلم أيها المسلم أنه قد وردت في صلاة الضحى أحاديث كثيرة: منها ما في "الصحيحين ": عن أبي هريرة ﵁؛ قال: "أوصاني خليلي رسول الله بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام ". وفي حديث أبي سعيد؛ أن النبي كان يصلي الضحى حتى نقول: لا يدعها، ويدعها حتى نقول: لا يصليها. وأقل صلاة الضحى ركعتان؛ لقوله في حديث أبي هريرة الذي ذكرنا قريبا: "وركعتي الضحى"، ولحديث أنس: "من قعد في مصلاه حين ينصرف الصبح، حتى يسبح ركعتي الضحى، لا يقول إلا خيرًا؛ غفرت له خطاياه، وإن كانت أكثر من زبد البحر"، رواه أبو داود

стр. 172

وأكثرها ثمان ركعات؛ لما روت أم هانئ؛ أن النبي عام الفتح صلى ثمان ركعات سبحة الضحى، رواه الجماعة، ولمسلم عن عائشة ﵂: كان يصلي الضحى أربع ركعات، ويزيد ما شاء الله. ووقت صلاة الضحى يبتدئ من ارتفاع الشمس بعد طلوعها قدر رمح، ويمتد إلى قبيل الزوال؛ أي: وقت قيام الشمس في كبد السماء، والأفضل أن يصلي إذا اشتد الحر؛ لحديث: "صلاة الأوابين حين ترمض الفصال"، رواه مسلم؛ أي: حين تحمى الرمضاء؛ فتبرك الفصال من شدة الحر.

стр. 173

باب في سجود التلاوة ومن السنن سجود التلاوة، سمي بذلك من إضافة المسبب للسبب؛ لأن التلاوة سببه؛ فهو سجود شرعه الله ورسوله عبودية عند تلاوة الآيات واستماعها تقربا إليه سبحانه، وخضوعا لعظمته، وتذللاً بين يديه. ويسن سجود التلاوة للقارئ والمستمع، وقد أجمع العلماء على مشروعيته. قال ابن عمر ﵄: "كان النبي يقرأ علينا السورة فيها السجدة، فيسجد، ونسجد معه، حتى ما يجد أحدنا موضعا لجبهته"، متفق عليه. قال الإمام العلامة ابن القيم ﵀: "ومواضع السجدات أخبار وأوامر: خبر من الله عن سجود مخلوقاته له عموما أو خصوصا؛ فسن للتالي والسامع أن يتشبه بهم عند تلاوته آية السجدة أو سماعها،

стр. 174

وآيات الأوامر "أي: التي تأمر بالسجود " بطريق الأولى". وعن أبي هريرة مرفوعا: "إذا قرأ ابن آدم السجدة، فيسجد؛ اعتزل الشطيان يبكي، يقول: يا ويله! أمر ابن آدم بالسجود، فسجد؛ فله الجنة، وأمرت بالسجود، فأبيت؛ فلي النار"، رواه مسلم وابن ماجه. ويشرع سجود التلاوة في حق القارئ والمستمع، وهو الذي يقصد الاستماع للقراءة، وفي حديث ابن عمر: "كان النبي يقرأ علينا السورة فيها السجدة؛ فيسجد ونسجد معه "؛ ففيه دلالة على مشروعية سجود المستمع، وأما السامع، وهو الذي لم يقصد الاستماع؛ فلا يشرع في حقه سجود التلاوة؛ لما روى البخاري؛ أن عثمان ﵁ مر بقارئ يقرأ سجدة ليسجد معه عثمان؛ فلم يسجد، وقال: "إنما السجدة على من استمع "، وروي ذلك عن غيره من الصحابة. وسجدات التلاوة والقرآن؛ في: الأعراف، والرعد، والنحل، والإسراء، وحريم، والحج، والفرقان، والنمل، وألم تنزل، وحم السجدة، والنجم، والانشقاق، واقرأ باسم ربك،

стр. 175

وفي سجدة "ص " خلاف بين العلماء؛ هل هي سجدة شكر أو سجدة تلاوة؟، والله أعلم. ويكبر إذا سجد للتلاوة لحديث ابن عمر: "كان ﵊ يقرأ علينا القرآن، فإذا مر بالسجدة؛ كبر، وسجد، وسجدنا معه "، رواه أبو داود. ويقول في سجوده: "سبحان ربي الأعلى"، كما يقول في سجود الصلاة، وإن قال: "سجد وجهي لله الذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، بحوله وقوته، اللهم اكتب لي أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك دواد "؛ فلا بأس. والإتيان بسجود التلاوة عن قيام أفضل من الإتيان به عن قعود. أيها المسلم، إن طرق الخير كثير؛ فعليك بالجد والاجتهاد فيها، والإخلاص في القول والعمل، لعل الله أن يكتبك من جملة السعداء.

стр. 176

باب في التطوع المطلق روى أهل السنن؛ أن النبي سئل: أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: "إن في الليل ساعة، لا يوافقها عبد مسلم، يسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة؛ إلا أعطاه إياه". وقال: "عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم"، رواه الحاكم. وقد مدح الله القائمين من الليل، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ~ كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ~ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾

стр. 177

وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ~ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . والنصوص في ذلك كثيرة تدل على قيام الليل؛ فالتطوع المطلق أفضله قيام الليل؛ لأنه أبلغ في الإسرار، وأقرب إلى الإخلاص، ولأنه وقت غفلة الناس، ولما فيه من إيثار الطاعة على النوم والراحة. ويستحب التنفل بالصلاة في جميع الأوقات؛ غير أوقات النهي. وصلاة الليل أفضل من صلاة النهار لما سبق، وأفضل صلاة الليل الصلاة في ثلث الليل بعد نصفه؛ لما في "الصحيح " مرفوعا: "أفضل الصلاة صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه"، فكان يريح نفسه بنوم أول الليل، ثم يقوم في الليل، ثم يقوم الذي ينادي الله فيه، فيقول: "هل من سائل فأعطيه سؤله؟ "، ثم ينام بقية الليل في السدس الأخير؛ ليأخذ راحته، حتى يستقبل صلاة الفجر بنشاط، هذا هو الأفضل، وإلا؛ فالليل كله محل القيام. قال الإمام أحمد ﵀: "قيام الليل من المغرب إلى طلوع الفجر ".

стр. 178

وعليه، فالنافلة بين العشاء ين من قيام الليل، لكن تأخير القيام إلى آخر الليل أفضل كما سبق، قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ ، والناشئة هي القيام بعد النوم، والتهجد إنما يكون بعد النوم. فينبغي للمسلم أن له حظا من قيام الليل، يداوم عليه، وإن قل. وينبغي أن ينوي قيام الليل. فإذا استيقظ؛ استاك، وذكر الله، وقال: "لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ول قوة إلا بالله"، ويقول: "الحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني وإليه النشور، الحمد لله الذي رد علي روحي، وعافاني في جسدي، وأذن لي بذكره". ويستحب أن يفتتح تهجده بركعتين خفيفتين؛ لحديث أبي هريرة: "إذا قام أحدكم من الليل؛ فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين"، رواه مسلم وغيره. ويسلم في صلاة الليل من كل ركعتين؛ لقوله: "صلاة الليل مثنى مثنى"، رواه الجماعة،

стр. 179

ومعنى: "مثنى مثنى"؛ أي: ركعتان؛ بتشهد وتسليمتين؛ فهي ثنائية لا رباعية. وينبغي إطالة القيام والركوع والسجود. وينبغي أن يكون تهجده في بيته؛ فقد اتفق أهل العلم على أن صلاة التطوع في البيت أفضل، وكان يصلي في بيته، وقال ﵊: "صلوا في بيوتكم؛ فإن أفضل صلاة المرء في بيته؛ إلا المكتوبة"، رواه مسلم، ولأنه أقرب إلى الإخلاص. وصلاة النافلة قائما أفضل من الصلاة قاعداً بلا عذر؛ لقوله ﷺ : "من صلى قائما؛ فهو أفضل، ومن صلى قاعداً؛ فله نصف أجر صلاة القائم"، متفق عليه. وأما من صلى النافلة قاعداً لعذر؛ فأجره كأجر القائم؛ لقوله ﷺ : "إذا مرض العبد أو سافر؛ كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا "،

стр. 180

وجواز التطوع جالسا مع القدرة على القيام مجمع عليه. ويختم صلاته بالوتر؛ فقد كان النبي يجعل آخر صلاته بالليل وتراً، وأمر بذلك في أحاديث كثيرة. ومن فاته تهجده من الليل؛ استحب قضاؤه قبل الظهر؛ لحديث: "من نام عن حزبه من الليل، أو عن شيء منه، فقأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر؛ كتب له، كأنما قرأه الليل". أيها المسلم، لا تحرم نفسك من المشاركة في قيام الليل، ولو بشيء قليل تداوم عليه؛ لتنال من ثواب القائمين المستغفرين بالأسحار، وربما يدفع بك القليل إلي الكثير، والله لا يضيع أجر المحسنين.
следующие страницы →