← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 11811

الملخص الفقهي

صالح الفوزان

Полный текст (1 076 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

باب في التطوع المطلق روى أهل السنن؛ أن النبي سئل: أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: "إن في الليل ساعة، لا يوافقها عبد مسلم، يسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة؛ إلا أعطاه إياه". وقال: "عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم"، رواه الحاكم. وقد مدح الله القائمين من الليل، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ~ كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ~ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾

стр. 177

وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ~ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . والنصوص في ذلك كثيرة تدل على قيام الليل؛ فالتطوع المطلق أفضله قيام الليل؛ لأنه أبلغ في الإسرار، وأقرب إلى الإخلاص، ولأنه وقت غفلة الناس، ولما فيه من إيثار الطاعة على النوم والراحة. ويستحب التنفل بالصلاة في جميع الأوقات؛ غير أوقات النهي. وصلاة الليل أفضل من صلاة النهار لما سبق، وأفضل صلاة الليل الصلاة في ثلث الليل بعد نصفه؛ لما في "الصحيح " مرفوعا: "أفضل الصلاة صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه"، فكان يريح نفسه بنوم أول الليل، ثم يقوم في الليل، ثم يقوم الذي ينادي الله فيه، فيقول: "هل من سائل فأعطيه سؤله؟ "، ثم ينام بقية الليل في السدس الأخير؛ ليأخذ راحته، حتى يستقبل صلاة الفجر بنشاط، هذا هو الأفضل، وإلا؛ فالليل كله محل القيام. قال الإمام أحمد ﵀: "قيام الليل من المغرب إلى طلوع الفجر ".

стр. 178

وعليه، فالنافلة بين العشاء ين من قيام الليل، لكن تأخير القيام إلى آخر الليل أفضل كما سبق، قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ ، والناشئة هي القيام بعد النوم، والتهجد إنما يكون بعد النوم. فينبغي للمسلم أن له حظا من قيام الليل، يداوم عليه، وإن قل. وينبغي أن ينوي قيام الليل. فإذا استيقظ؛ استاك، وذكر الله، وقال: "لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ول قوة إلا بالله"، ويقول: "الحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني وإليه النشور، الحمد لله الذي رد علي روحي، وعافاني في جسدي، وأذن لي بذكره". ويستحب أن يفتتح تهجده بركعتين خفيفتين؛ لحديث أبي هريرة: "إذا قام أحدكم من الليل؛ فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين"، رواه مسلم وغيره. ويسلم في صلاة الليل من كل ركعتين؛ لقوله: "صلاة الليل مثنى مثنى"، رواه الجماعة،

стр. 179

ومعنى: "مثنى مثنى"؛ أي: ركعتان؛ بتشهد وتسليمتين؛ فهي ثنائية لا رباعية. وينبغي إطالة القيام والركوع والسجود. وينبغي أن يكون تهجده في بيته؛ فقد اتفق أهل العلم على أن صلاة التطوع في البيت أفضل، وكان يصلي في بيته، وقال ﵊: "صلوا في بيوتكم؛ فإن أفضل صلاة المرء في بيته؛ إلا المكتوبة"، رواه مسلم، ولأنه أقرب إلى الإخلاص. وصلاة النافلة قائما أفضل من الصلاة قاعداً بلا عذر؛ لقوله ﷺ : "من صلى قائما؛ فهو أفضل، ومن صلى قاعداً؛ فله نصف أجر صلاة القائم"، متفق عليه. وأما من صلى النافلة قاعداً لعذر؛ فأجره كأجر القائم؛ لقوله ﷺ : "إذا مرض العبد أو سافر؛ كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا "،

стр. 180

وجواز التطوع جالسا مع القدرة على القيام مجمع عليه. ويختم صلاته بالوتر؛ فقد كان النبي يجعل آخر صلاته بالليل وتراً، وأمر بذلك في أحاديث كثيرة. ومن فاته تهجده من الليل؛ استحب قضاؤه قبل الظهر؛ لحديث: "من نام عن حزبه من الليل، أو عن شيء منه، فقأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر؛ كتب له، كأنما قرأه الليل". أيها المسلم، لا تحرم نفسك من المشاركة في قيام الليل، ولو بشيء قليل تداوم عليه؛ لتنال من ثواب القائمين المستغفرين بالأسحار، وربما يدفع بك القليل إلي الكثير، والله لا يضيع أجر المحسنين.

стр. 181

باب في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها سبق أن بينّا جملاً من أحكام صلاة التطوع، ويجدر بنا الآن أن ننبه على أن هناك أوقاتا ورد النهي عن الصلاة فيها؛ إلا ما استثني، وهي أوقات خمسة: الأول: من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس؛ لقوله: "إذا طلع الفجر؛ فلا صلاة إلا ركعتي الفجر"، رواه أحمد وأبو داود وغيرهما، فإذا طلع الفجر؛ فإنه لا يصلي تطوعا إلا راتبة الفجر. الثاني: من طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رمح في رأي العين. والثالث: عند قيام الشمس حتى تزول، وقيام الشمس يعرف بوقوف الظل، لا يزيد ولا ينقص، إلى أن تزول إلى جهة الغرب؛ لقول عقبة بن عامر: "ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا

стр. 182

أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول، وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب "، رواه مسلم. والرابع: من صلاة العصر إلى غروب الشمس؛ لقوله: "لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس"، متفق عليه. والوقت الخامس: إذا شرعت الشمس في الغروب حتى تغيب واعلم أنه يجوز قضاء الفرائض الفائتة في هذه الأوقات؛ لعموم قوله: "من نام عن الصلاة أو نسيها؛ فليصلها إذا ذكرها"، متفق عليه. ويجوز أيضا فعل ركعتي الطواف في هذه الأوقات؛ لقوله: "لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة من ليل أو نهار"، رواه الترمذي وصححه؛ فهذا إذن منه بفعلها في جميع أوقات النهي، ولأن الطواف جائز في كل وقت؛ فكذلك ركعتاه.

стр. 183

ويجوز أيضا على الصحيح من قولي العلماء في هذه الأوقات فعل ذوات الأسباب من الصلوات؛ كصلاة الجنازة، وتحية المسجد، وصلاة الكسوف؛ للأدلة الدالة على ذلك، وهي تخص عموم النهي عن الصلاة في هذه الأوقات، فتحمل على ما لا سبب له؛ فلا يجوز فعلما بأن تبتدأ في هذه الأوقات صلاة تطوع لا سبب لها. ويجوز قضاء سنة الفجر بعد صلاة الفجر، وكذا يجوز أن يقضي سنة الظهر بعد العصر، ولا سيما إذا جمع الظهر مه العصر؛ فقد ثبت عن النبي؛ أنه قضى سنة الظهر بعد العصر.

стр. 184

باب في وجوب صلاة الجماعة وفضلها شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، وهي صلاة الجماعة في المسجد، فقد اتفق المسلمون على أن أداء الصلوات الخمس في المساجد من أوكد الطاعات وأعظم القربات، بل وأعظم وأظهر شعائر الإسلام. فقد شرع الله لهذه الأمة الاجتماع في أوقات معلومة، منها ما هو في اليوم والليلة؛ كالصلوات الخمس؛ فإن المسلمين يجمعون لأدائها في المساجد كل يوم وليلة خمس مرات، ومن هذه الاجتماعات ما هو في الأسبوع مرة؛ كالاجتماع لصلاة الجمعة، وهو اجتماع أكبر من الاجتماع للصلوات الخمس، ومنها اجتماع يتكرر كل سنة مرتين، وهو أكبر من الاجتماع لصلاة الجمعة؛ بحيث يشرع فيه اجتماع أهل البلد، ومنها اجتماع مرة واحدة في السنة، وهو الاجتماع في الوقوف بعرفة، وهو أكبر من اجتماع العيدين؛ لأنه يشرع للمسلمين عموما في كل أقطار الأرض.

стр. 185

وإنما شرعت هذه الاجتماعات العظيمة في الإسلام؛ لأجل مصالح المسلمين؛ ليحصل التواصل بينهم بالإحسان والعطف والرعاية، ولأجل التوادد والتحابب بينهم في القلوب، ولأجل أن يعرف بعضهم أحوال بعض؛ فيقومون بعيادة المرضى، وتشييع المتوفي، وإغاثة الملهوفين، ولأجل إظهار قوة المسلمين وتعارفهم وتلاحمهم؛ فيغيظون بذلك أعداءهم من الكفار والمنافقين، ولأجل إزالة ما ينسجه بينهم شياطين الجن والإنس من العداوة والتقاطع والأحقاد؛ فيحصل الائتلاف واجتماع القلوب على البر والتقوى، ولهذا قال النبي ﷺ : "لا تختلفوا؛ فتختلف قلوبكم". ومن فوائد صلاة الجماعة: تعليم الجاهل، ومضاعفة الأجر والنشاط على العمل الصالح عندما يشاهد المسلم إخوانه المسلمين يزاولون الأعمال الصالحة، فيقتدي بهم. وفي الحديث المتفق عليه عن النبي ﷺ : "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة"، وفي رواية: "بخمس وعشرين".

стр. 186

فصلاة الجماعة فرض على الرجال في الحضر والسفر، وفي حال الأمان وحال الخوف، وجوبا عينيا، والدليل على ذلك الكتاب والسنة وعمل المسلمين قرنا بعد قرن، خلفا عن سلف. ومن أجل ذلك؛ عمرت المساجد، ورتب لها الأئمة والمؤذنون، وشرع النداء لها بأعلى صوت: "حي على الصلاة، حي على الفلاح ". وقال الله تعالى في حال الخوف: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُم﴾ الآية؛ فدلت هذه الآية الكريمة على تأكد وجوب صلاة الجماعة، حيث لم يرخص للمسلمين في تركها الخوف، فلو كانت غير واجبة؛ لكان أولى الأعذار بسقوطها عذر الخوف؛ فإن الجماعة في صلاة الخوف يترك لها أكثر واجبات الصلاة، فلولا تأكد وجوبها؛ لم يترك من أجلها تلك الواجبات الكثيرة؛ فقد اغتفرت في صلاة أفعال كثيرة من أجلها. وفي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: "أثقل الصلاة على المنافق صلة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما؛ لتوهما ولو حبواً ولقد ههمت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم معي برجال معهم حزم من حطب، إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار".

стр. 187

ووجه الاستدلال من الحديث على وجوب صلاة الجماعة من ناحيتين: الناحية الأولى: أنه وصف المتخلفين عنها بالنفاق، والمتخلف عن السنة لا يعد منافقا؛ فدل على أنهم تخلفوا عن واجب. والناحية الثانية: أنهصلى الله عليه وسلم هَمَّ بعقوبتهم على التخلف عنها، والعقوبة إنما تكون على ترك واجب، وإنما منعهصلى الله عليه وسلم من تنفيذ هذه العقوبة من في البيوت من النساء والذراري الذين لا تجب عليهم الجماعة. وفي "صحيح مسلم " أن رجلاً أعمى قال: يا رسول الله! ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأله أن يرخص له أن يصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى؛ دعاه، فقال: "هل تسمع النداء؟ "، قال: نعم، قال: "فأجب".فأمره النبي ﷺ بالحضور إلى المسجد لصلاة الجماعة وإجابة النداء مع ما يلاقيه من المشقة، فدل ذلك على صلاة الجماعة. وقد كان وجوب كان صلاة الجماعة مستقراً عند المؤمنين من صدر هذه الأمة: قال ابن مسعود ﵁: "ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف". فدل ذلك على استقرار وجوبها عند صحابة

стр. 188

رسول الله ﷺ ، ولم يعلموا ذلك إلا من جهة النبي ﷺ ومعلوم أن كل أمر لا يتخلف عنه إلا منافق يكون واجبا على الأعيان. وروى الإمام أحمد وغيره مرفوعا: "الجفاء كل الجفاء، والكفر والنفاق، من سمع المنادي إلى الصلاة؛ فلا يجبه". وثبت حديث بذلك: "يد الله على الجماعة، فمن شذ؛ شذ في النار". وسئل ابن عباس عن رجل يقوم الليل ويصوم النهار ولا يحضر الجماعة؛ فقال: "هو في النار ". نسأل الله العافية والتوفيق لمعرفة الحق واتباعه، إنه سميع مجيب. حكم المتخلف عن صلاة الجماعة وما تنعقد به صلاة الجماعة: إن المتخلف عن صلاة الجماعة إذا صلى وحده؛ فله حالتان: الحالة الأولى: أن يكون معذورًا في تخلفه لمرض أو خوف، وليس من عادته التخلف لولا العذر؛ فهذا يكتب له أجر من صلى في جماعة، لما في الحديث الصحيح: "إذا مرض العبد أو سافر؛ كتب له ما كان يعمل

стр. 189

صحيحا مقيما"، فمن كان عازما على الصلاة مع الجماعة عزما جازما، ولكن حال دونه ودون ذلك عذر شرعي؛ كان بمنزلة من صلى مع الجماعة؛ نظرًا لنيتة الطيبة. والحالة الثانية: أن يكون تخلفه عن الصلاة مع الجماعة لغير عذر؛ فهذا إذا صلى وحده؛ تصح صلاته عند الجمهور، لكنه يخسر أجرًا عظيما وثوابا جزيلاً؛ لأن صلاة الجماعة أفضل من صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة، وكذلك يفقد أجر الخطوات التي يخطوها إلى المسجد، ومع خسرانه لهذا الثواب الجزيل يأثم إثما عظيما؛ لأنه ترك واجبا عليه من غير عذر، وارتكب منكرًا يجب إنكاره عليه وتأديبه من قبل ولي الأمر، حتى يرجع إلى رشده. أيها المسلم، ومكان صلاة الجماعة هو المسجد؛ لإظهار شعار الإسلام، وما شرعت عمارة المساجد إلا لذلك، وفي إقامة الجماعة في غيرها تعطيل لها: وقد قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ . وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ﴾ . ففي هاتين الآيتين الكريمتين تنويه بالمساجد وعمارها، ووعد له بجزيل الثواب، وفي ضمن ذلك ذم من تخلف عن الحضور للصلاة فيها.

стр. 190

وقد روى أنه: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"، وعن علي ﵁ مثله، وزاد: "وجار المسجد من أسمعه المنادي"، رواه البيهقي بإسناد صحيح. قال ابن القيم ﵀: "ومن تأمل السنة حق التأمل؛ تبين له أن فعلها في المساجد فرض على الأعيان إلا لعارض يجوز مع ترك الجماعة؛ فترك حضور المساجد لغير عذر كترك أصل الجماعة لغير عذر، وبهذا تتفق الأحاديث وجميع الآثار ... " انتهى. وقد توعد الله من عطل المساجد ومنع إقامة الصلاة فيها؛ فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . وفي إقامة صلاة الجماعة خارج المسجد تعطيل للمساجد أو تقليل من المصلين فيها، وبالتالي يكون في ذلك تقليل من أهمية الصلاة في النفوس، والله تعالى يقول: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ ، وهذا يشمل رفعها حسيا ومعنويا؛ وكل ذلك مطلوب.

стр. 191

لكن إذا دعت حاجة لإقامة صلاة الجماعة خارج المسجد، كأن يكون المصلون موظفين في دائرتهم وفي مجمع عملهم، وإذا صلوا في مكانهم؛ كان أحزم للعمل، وكان في ذلك إلزام الموظفين بحضور الصلاة وإقامتها، ولا يتعطل من جراء ذلك المسجد الذي حولهم لوجود من يصلي فيه غيرهم، لعله في تلك الحال ونظرًا لهذه المبررات لا يكون عليهم حرج في الصلاة في دائرتهم. وأقل ماتنعقد به صلاة الجماعة اثنان؛ لأن الجماعة مأخوذة من الاجتماع، والاثنان أقل ما يتحقق به الجمع، ولحديث أبي موسى مرفوعا: "الاثنان فما فوقهما جماعة"، رواه ابن ماجه، ولحديث: "من يتصدق على هذا؟ ". فقام رجل فصلى معه، فقال: "هذان جماعة"، رواه أحمد وغيره، ولقولهصلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث: "وليؤمكما أكبركما"، وحكى الإجماع على هذا. ويباح للنساء حضور صلاة الجماعة في المساجد بإذن أزواجهن

стр. 192

غير متطيبات وغير متبرجات بزينة، مع التستر التام والابتعاد عن مخالطة الرجال، ويكن وراء صفوف الرجال؛ لحضورهن على عهد النبي ﷺ . ويسن حضورهن مجالس الوعظ ومجالس العلم منفردات عن الرجال. ويسن لهن أن يصلين مع بعضهن جماعة منفردات عن الرجال؛ سواء كانت إمامتهن منهن، أو يؤمهن رجل؛ لأن النبي ﷺ أمر أم ورقة أن تجعل لها مؤذنا، وأمرها أن تؤم أهل دارها "، رواه أحمد وأهل السنن، وفعله غيرها من الصحابيات، ولعموم قولهصلى الله عليه وسلم: "تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة". والأفضل للمسلم أن يصلي في المسجد الذي لا تقام فيه صلاة الجماعة إلا بحضوره؛ لأنه يحصل بذلك على ثواب عمارة المسجد؛ فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾ .

стр. 193

ثم الأفضل بعد ذلك صلاة الجماعة في المسجد الذي يكون أكثر جماعة من غيره لأنه أعظم أجرًا؛ لقوله ﷺ : "صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلان أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر؛ فهو أحب إلى الله"، رواه أحمد وأبو داود وصححه ابن حبان؛ ففيه أن ما كثر جمعه فهو أفضل؛ لما في الاجتماع من نزول الرحمة والسكينة، ولشمول الدعاء ورجاء الإجابة، لا سيما إذا كان فيهم من العلماء وأهل الصلاح، قال تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ ؛ ففيه استحباب الصلاة مع الجماعة الصالحين المحافظين على الطهارة وإسباغ الوضوء. ثم الأفضل بعد ذلك الصلاة في المسجد القديم؛ لسبق الطاعة فيه على المسجد الجديد. ثم الأفضل بعد ذلك الصلاة في المسجد الأبعد عنه مسافة؛ فهو أفضل من الصلاة في المسجد القريب؛ لقوله ﷺ : "أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى"، وقال ﷺ : "صلاة الجميع تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه خمساً وعشرين درجة، فإن أحدكم إذا

стр. 194

توضأ فأحسن الوضوء، وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة؛ لم يخط خطوة؛ إلا رفع له بها درجه، وحط عنه بها خطيئة، حتى يدخل المسجد"، ولقوله ﷺ : "يابني سلمة! دياركم تكتب آثاركم". وبعض العلماء يرى أن أقرب المسجدين أولى؛ لأن له جوارًا، فكان أحق بصلاته فيه، ولأنه قد ورد: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"، ولأن تعدي المسجد القريب إلى البعيد قد يحدث عند جيرانه استغرابا، ولعل هذا القول أولى؛ لأن تخطي المسجد الذي يليه إلى غيره ذريعة إلى هجر المسجد الذي يليه، وإحراج لإمامه؛ بحيث يساء الظن به. ومن أحكام صلاة الجماعة: أنه يحرم أن يؤم الجماعة في المسجد أحد غير إمامه الراتب؛ إلا بإذنه أو عذره؛ ففي "صحيح مسلم " وغيره: "ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه إلا بإذنه"، قال النووي: "معناه أن صاحب البيت والمجلس وإمام المسجد أحق من غيره، ولأن في ذلك إساءة إلى إمام المسجد الراتب، وتنفيرًا عنه، وتفريقا بين المسلمين ".

стр. 195

وذهب بعض العلماء إلى أنه إذا صلى بجماعة المسجد غير إمامه الراتب بدون إذنه أو عذر شرعي يسوغ ذلك؛ أنها لا تصح صلاتهم، مما يدل على خطورة هذه المسألة؛ فلا ينبغي التساهل في شأنها، ويجب على جماعة المسلمين أن يراعوا حق إمامهم، ولا يتعدوا عليه في صلاحيته، كما يجب على إمام المسجد أن يحترم حق المأمومين ولا يحرجهم. وهكذا كلُّ يراعي حق الآخر، حتى يحصل الوئام والتآلف بين الإمام والمأمومين، فإن تأخر الإمام عن الحضور وضاق الوقت؛ صلوا لفعل أبي بكر الصديق وعبد الرحمن بن عوف ﵄ حين غاب النبي ﷺ في ذهابه إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فصلى أبو بكر ﵁، وصلى عبد الرحمن بن عوف بالناس لما تخلف النبي ﷺ في واقعة أخرى، وصلى معه النبي ﷺ الركعة الأخيرة، ثم أتم صلاته وقال: "أحسنتم". ومن أحكام صلاة الجماعة: أن من سبق له أن صلى، ثم حضر إقامة الصلاة في المسجد؛ سن له أن يصلي مع الجماعة تلك الصلاة التي أقيمت؛ لحديث أبي ذر: "صل الصلاة لوقتها، فإن أقيمت وأنت في المسجد؛ فصل، ولا تقل: إني صليت؛ فلا اصلي"، رواه مسلم. وتكون

стр. 196

هذه الصلاة في حقه نافلة؛ كما جاء في الحديث الآخر من قوله ﷺ للرجلين اللذين أمرهما النبيصلى الله عليه وسلم بالإعادة: "فإنهما لكما نافلة". ولئلا يكون قعوده والناس يصلون ذريعة إلى إساءة الظن به وأنه ليس من المصلين. ومن أحكام صلاة الجماعة: أنها إذا أقيمت الصلاة أي: إذا شرع في إقامة الصلاة؛ لم يجز الشروع في صلاة نافلة لا راتبة ولا تحية مسجد ولا غيرها؛ لقوله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة؛ فلا صلاة إلا المكتوبة"، رواه مسلم، وفي رواية: "فلا صلاة إلا التي أقيمت"؛ فلا تنعقد صلاة النافلة التي أحرم فيها بعد إقامة الفريضة التي يريد أن يفعلها مع ذلك الإمام الذي أقيمت له. قال الإمام النووي ﵀: "والحكمة أن يتفرغ للفريضة من أولها، فيشرع فيها عقب شروع الإمام، والمحافظة على مكملات الفريضة أولى من التشاغل بالنافلة، ولأنه نهى ﷺ عن الاختلاف عن الأئمة،

стр. 197

ولحصول تكبيرة الإحرام، ولا تحصل فضيلتها المنصوصة إلا بشهود تحريم الإمام ". وإن أقيمت الصلاة وهو في صلاة نافلة قد أحرم بها من قبل؛ أتمها خفيفة، ولا يقطعها؛ إلا أن يخشى فوات الجماعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ ، فإن خشى فوت الجماعة؛ قطع النافلة؛ لأن الفرض أهم.

стр. 198

باب في الأحكام التي تتعلق بالمسبوق الصحيح من قولي العلماء: أن المسبوق لا يدرك صلاة الجماعة؛ إلا بإدراك ركعة، فإن أدرك أقل من ذلك؛ لم يكن مدركا للجماعة، لكن يدخل مع الإمام فيما أدرك، وله بنيته أجر الجماعة؛ كما إذا وجدهم قد صلوا؛ فإن له بنيته أجر من صلى في جماعة؛ كما وردت به الأحاديث؛ أن من نوى الخير ولم يتمكن من فعله؛ كتب له مثل أجر من فعله. وتدرك الركعة بإدراك الركوع على الصحيح؛ لقوله ﷺ : "من أدرك الركوع؛ فقد أدرك الركعة"، رواه أبو داود، ولما في "الصحيح " من حديث أبي بكرة، وقد جاء والنبي ﷺ في الركوع، فركع دون الصف، ولم يأمره النبيصلى الله عليه وسلم بإعادة الركعة، فدل على الاجتزاء بها. فإذا أدرك الإمام راكعا؛ فإنه يكبر تكبيرة الإحرام قائما، ثم يركع

стр. 199

مع بتكبيرة ثانية، هذا هو الأفضل، وإن اقتصر على تكبيرة الإحرام؛ أجزأته عن تكبيرة الركوع؛ فتكبيرة الإحرام؛ لا بد من الإتيان بها وهو قائم، وأما تكبيرة الركوع؛ فمن الأفضل الإتيان بها بعدها. وإذا وجد المسبوق الإمام على أي حال من الصلاة؛ دخل معه؛ لحديث أبي هريرة وغيره: "إذا جئتم إلى الصلاة، ونحن سجود؛ فاسجدوا، ولا تعدوها شيئا". فإذا سلم الإمام التسليمة الثانية؛ قام المسبوق ليأتي بما فاته من الصلاة، ولا يقوم قبل التسليمة الثانية. وما أدرك المسبوق مع إمامه؛ فهو أول صلاته على القول الصحيح، وما يأتي به بعد سلام الإمام هو آخرها؛ لقوله ﵊: "وما فاتكم؛ فأتموا"، وهو رواية الجمهور للحديث، وإتمام الشيء لا يأتي إلا بعد تقدم أوله، ورواية: "وما فاتكم؛ فاقضوا" لا تخالف رواية: "فأتموا"؛ لأن القضاء يراد به الفعل١؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُم﴾ ، فيحمل قوله: ﴿فاقضوا﴾ على الأداء والفراغ. والله أعلم.

стр. 200

وإذا كانت الصلاة جهرية؛ وجب على المأموم أن يستمع لقراءة الإمام، ولا يجوز له أن يقرأ وإمامه يقرأ، لا سورة الفاتحة ولا غيرها؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ . قال الإمام أحمد ﵀ "أجمعوا على أن هذه الآية في الصلاة ". فلو أن القراءة تجب على المأموم؛ لما أمر بتركها لسنة الاستماع، ولأنه إذا انشغل المأموم بالقراءة؛ لم يكن لجهر الإمام فائدة، ولأن تأمين المأموم على قراءة الإمام ينزل منزلة قراءتها؛ فقد قاله تعالى لموسى وهارون: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ ، وقد دعا موسى، فقال: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية، وأمن هارون على دعائه، فنزل تأمينه منزلة من دعا، فقال تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ ، فدل على أن من أمن على دعاء؛ فكأنما قاله. أما إذا كانت الصلاة سرية، أو كان المأموم لا يسمع الإمام؛ فإنه يقرأ الفاتحة في هذه الحال، وبهذا تجتمع الأدلة؛ أي: وجب قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة السرية دون الجهرية. والله أعلم. ومن أحكام صلاة الجماعة المهمة: وجوب اقتداء المأموم بالإمام بالمتابعة التامة له، وتحرم مسابقته؛ لأن المأموم متبع لإمامه، مقتد به، والتابع المقتدي لا يتقدم على متبوعه وقدوته،

стр. 201

وقد قال ﷺ : "أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار؟! "، متفق عليه؛ فمن تقدم على إمامه؛ كان كالحمار الذي لا يفقه ما يراد بعمله، ومن فعل ذلك؛ استحق العقوبة. وفي الحديث الصحيح: "إنما جعل الإمام ليؤتم به؛ فلا تركعوا حتى يركع، ولا تسجدو حتى يسجد". وروى الإمام أحمد وأبوا داود: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع؛ فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، وإذا سجد، فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد". وكان الصحابة خلف النبي ﷺ لا يحني أحد منهم ظهره حتى يقع رسول الله ﷺ ساجدًا، ثم يقعون سجودًا بعده. ولما رأى عمر ﵁ رجلاً يسابق الإمام؛ ضربة، وقال: "ولا وحدك صليت، ولا بإمامك اقتديت".

стр. 202

وهذا شيء يتساهل فيه أو يتجاهله بعض المصلين، فيسابقون الإمام، ويتعرضون للوعيد الشديد، بل يخشى أن لا تصح صلاتهم، وروى مسلم عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: "لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالانصراف". قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "مسابقة الإمام حرام باتفاق الأئمة، لا يجوز لأحد أن يركع قبل إمامه، ولا يرفه قبله، ولا يسجد قبله، وقد استفاضت الأحاديث عن النبي ﷺ بالنهي عن ذلك ". ومسابقة الإمام تلاعب من الشيطان ببعض المصلين حتى يخل بصلاته، وإلا؛ فماذا يستفيد الذي يسابق الإمام؛ لأنه لن يخرج من الصلاة إلا بعد سلام الإمام؟!. فيجب على المسلم أن يتنبه لذلك، وأن يكون ملتزما لأحكام الائتمام والإقتداء. نسأل الله للجميع الفقه في دينه والبصيرة في أحكامه، إنه سميع مجيب؛ فإنه من يرد الله به خيرًا؛ يفقهه في الدين.

стр. 203

باب في حكم حضور النساء إلى المسجد إن ديننا كامل وشامل لمصالحنا في الدنيا والآخرة، جاء بالخير للمسلمين رجالاً ونساء: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ؛ فهو قد اهتم بشأن المرأة، ووضعها موضع الإكرام والاحترام، إن هي تمسكت بهدية، وتحلت بفضائله. ومن ذلك أنه سمح لها بالحضور إلى المساجد للمشاركة في الخير من صلاة الجماعة وحضور مجالس الذكر مع الاحتشام والتزام الاحتياطات التي تبعدها عن الفتنة وتحفظ لها كرامتها. فإذا استأذنت إلى المسجد؛ كره منعها، قال النبي ﷺ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن، وليخرجن تفلات" ١، رواه أحمد وأبو داود، وذلك لأن أداء الصلاة المكتوبة في جماعة فيها فضل كبير للرجال والنساء، وكذلك المشي إلى المساجد،

стр. 204

وفي "الصحيحين " وغيرهما: "إذا استأذنت نساءكم بالليل إلى المساجد؛ فأذنوا لهن". ووجه كونها تستأذن لزوج في ذلك؛ لأن ملازمة البيت حق للزوج، وخروجها للمسجد في تلك الحال مباح؛ فلا تترك الواجب لأجل مباح، فإذا أذن الزوج؛ فقد اسقط حقه، وقوله ﷺ : "وبيوتهن خير لهن"؛ أي: خير لهن من الصلاة في المساجد، وذلك لأمن الفتنة بملازمتهن البيوت. وقوله ﷺ : "وليخرجن تفلات"؛ أي: غير متطيبات، وإنما أمرن بذلك؛ لئلا يفتن الرجال بطيبهن، ويصرفوا أنظارهم إليهن، فيحصل بذلك الافتتان بهن، ويلحق بالطيب ما كان بمعناه كحسن الملبس وإظهار الحلي. فإن تطيبت أو لبست ثياب زينة؛ حرم عليها ذلك، ووجب منعها من الخروج، وفي "صحيح مسلم " وغيره: "أيما امرأة أصابت بخورًا؛ فلا تشهدن معنا العشاء الأخير". وكذلك إذا خرجت المرأة إلى المسجد؛ فلتبتعد عن مزاحمة الرجال. قال الإمام ابن القيم ﵀: "يجب على ولي الأمر أن يمنع من اختلاط الرجال بالنساء في الأسواق ومجامع الرجال، وهو مسؤول عن

стр. 205

ذلك، والفتنة به عظيمة، كما قال النبيصلى الله عليه وسلم: "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ... " إلى أن قال: "يجب عليه منعهن متزينات متجملات، ومنعهن من الثياب التي يكن بها كاسيات عاريات كالثياب والواسعة الرقاق، ومنعهن من حديث الرجال؛ أي: التحدث إليهم في الطرقات، ومنع الرجال من ذلك " انتهى. فإذا تمسكت المرأة بآداب الإسلام من لزوم الحياء، والتستر، وترك الزينة والطيب، والابتعاد عن مخالطة الرجال؛ أبيح لها الخروج إلى المسجد لحضور الصلاة والاستماع للتذكير، وبقاؤها في بيتها خير لها من الخروج في تلك الحال؛ لأن النبيى ﷺ يقول: "وبيوتهن خير لهن". وأجمع المسلمون على أن صلاة المرأة في بيتها خير لها من الصلاة في المسجد؛ ابتعادًا عن الفتنة، وتغليبا لجانب السلامة، وحسما لمادة الشر. أما إذا لم تلتزم بآداب الإسلام، ولم تجتنب ما نهى عنه الرسول ﷺ من استعمالها الزينة والطيب للخروج؛ فخروجها للمسجد حينئذ حرام، ويجب على وليها وذوي السلطة منعها منه وفي "الصحيحين " من حديث عائشة ﵂: "لو رأى "تعني: الرسول ﷺ " ما رأينا؛ لمنعهن من المسجد كما منعت نساء بني

стр. 206

إسرائيل"؛ فخروج المرأة إلى المساجد مراعى فيه المصلحة واندفاع المفسدة، فإذا كان جانب المفسدة أعظم؛ منعت وإذا كان هذا الشأن في خروجها للمسجد؛ فخروجها لغير المسجد من باب أولى أن تراعى فيه الحيطة والابتعاد عن مواطن الفتنة. وإذا كان هناك اليوم من ينادون بخروج المرأة لمزاولة الأعمال الوظيفية كما هو شأنها في الغرب ومن هم على شاكلة الغرب؛ فإن هؤلاء يدعون إلى الفتنة، ويقودون المرأة إلى شقائها وسلب كرامتها فالواجب إيقاف هؤلاء عن حدهم، وكف ألسنتهم وأقلامهم عن هذه الدعوى الجاهلية، وكفى ما وقعت فيه المرأة في بلاد الغرب ومن حذا حذوها من ويلات، وتورطت فيه من واقع مؤلم، تئن له مجتمعاتهم، وليكن لنا فيهم عبرة؛ فالسعيد من وعظ بغيره. وليس لهؤلاء من حجة يبررون بها دعوتهم؛ إلا قولهم: أن نصف المجتمع معطل عن العمل. وبهذا يريدون أن تشارك المرأة الرجل في عمله وتزاحمه فيه جنبا إلى جنب، ونسوا أو تناسوا أو تجاهلوا ما تقوم به المرأة من عمل جليل داخل بيتها، وما تؤديه للمجتمع من خدمة عظيمة، لا يقوم بها غيرها، تناسب خلقتها، وتتمشى مع فطرتها؛ فهي الزوجة التي يسكن إليها زوجها، وهي الأم والحامل والمرضع، وهي المربية للأولاد، وهي القائمة بعمل البيت، فلو أنها أخرجت من البيت، وشاركت الرجال في

стр. 207

أعمالهم؛ من ذا سيقوم بهذه الأعمال؟! إنها ستتعطل، ويومها سيفقد المجتمع نصفه الثاني؛ فماذا يغنيه النصف الباقي؟! سيختل بنيانه، وتتداعى أركانه. إننا نقول لهؤلاء الدعاة: ثوبوا إلى رشدكم، ولا تكونوا ممن بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار، كونوا دعاة بناء ولا تكونوا دعاة هدم. أيتها المرأة المسلمة! تمسكي بتعاليم دينك، ولا تغرنك دعايات المضللين الذين يريدون سلب كرامتك التي بوأك منزلتها دين الإسلام، وليس غير الإسلام، ومن يبغ غير الإسلام دينا؛ فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين. وفقنا الله جميعا لما فيه الخير والصلاح في الدنيا والآخرة.

стр. 208

باب في بيان أحكام الإمامة هذه الوظيفة الدينية المهمة التي تولاها رسول الله ﷺ بنفسه، وتولاها خلفاؤه الراشدون. وقد جاء في فضل الإمامة أحاديث كثيرة؛ منها: قوله ﷺ : "ثلاثة على كثبان المسك يوم القيامة"، وذكر: "أن منهم رجلاً أم قوما وهم به راضون "، وفي الحديث الآخر: "أن له من الأجر مثل أجر من صلى خلفه ". ولهذا؛ كان بعض الصحابة ﵃ يقول للنبي ﷺ : اجعلني إمام قومي؛ لما يعلمون في ذلك من الفضيلة والأجر. لكن مع الأسف الشديد؛ نرى في وقتنا هذا كثيرًا من طلبة العلم

стр. 209

يرغبون عن الإمامة، ويزهدون فيها، ويتخلون عن القيام بها؛ إيثارًا للكسل وقلة رغبة في الخير، وما هذا إلا تخذيل من الشيطان. فالذي ينبغي لهم بها بجد ونشاط واحتساب للأجر عند الله؛ فإن طلبة العلم أولى بالقيام بها وبغيرها من الأعمال الصالحة. وكلما توافرت مؤهلات الإمامة في شخص؛ كان أولى بالقيام بها ممن هو دونه، بل يتعين عليه القيام بها إذا لم يوجد غيره: فالأولى بالإمامة الأجود قراءة لكتاب الله تعالى، وهو الذي يجيد قراءة القرآن؛ بأن يعرف مخارج الحروف، ولا يلحن فيها، ويطبق قواعد القراءة من غير تكلف ولا تنطع، ويكون مع ذلك يعرف فقه صلاته وما يلزم فيها؛ كشروطها وأركانها وواجباتها ومبطلاتها؛ لقوله ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله"، وما ورد بمعناه من الأحاديث الصحيحة، مما يدل على أنه يقدم في الإمامة الأجود قراءة للقرآن الكريم، الذي يعلم فقه الصلاة؛ لأن الأقرأ في زمن النبي ﷺ يكون أفقه. فإذا استووا في القراءة؛ قدم الأفقه "أي: الأكثر فقها "؛ لجمعه بين ميزتين: القراءة والفقه؛ لقوله ﷺ : "فإن كانوا في القراءة سواء؛ فأعلمهم بالسنة"؛ أي: أفقههم في دين الله، ولأن احتياج المصلي إلى الفقه أكثر من احتياجه إلى القراءة؛ لأن ما يجب في الصلاة من القراءة محصور، وما يقع فيها من الحوادث غير محصور.

стр. 210

فإذا استووا في الفقه والقراءة؛ قدم الأقدام هجرة، والهجرة الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام. فإذا استووا في القراءة والفقه والهجرة؛ قدم الأكبر سنا؛ لقوله ﷺ : "وليؤمكم أكبركم"، متفق عليه؛ لأن كبر السن في الإسلام فضيلة، ولأنه أقرب إلى الخشوع وإجابة الدعاء. والدليل على هذا الترتيب الحديث الذي رواه مسلم عن أبي مسعود البدري ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء؛ فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء؛ فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء؛ فأقدمهم سنا". قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فقدم النبي ﷺ بالفضيلة بالعلم بالكتاب والسنة، فإن استووا في العلم؛ قدم بالسبق إلى العمل الصالح، وقدم السابق باختياره إلى العمل الصالح "وهو المهاجر " على من سبق بخلق الله وهو كبر السن" انتهى. وهناك اعتبارات يقدم أصحابها في الإمامة على من حضر ولو كان افضل منه، وهي: أولاً: إمام المسجد الراتب إذا كان أهلاً للإمامة؛ لم يجز أن يتقدم عليه غيره، ولو كان أفضل منه؛ إلا بإذنه.

стр. 211

ثانيا: صاحب البيت إذا كان يصلح للإمامة؛ لم يجز أن يتقدم عليه أحد في الإمامة؛ إلا بإذنه. ثالثا: السلطان، وهو الإمام الأعظم أو نائبه؛ فلا يتقدم عليه أحد في الإمامة؛ إلا بإذنه، إذا كان يصلح للإمامة. والدليل على تقديم أصحاب هذه الاعتبارات على غيرهم ما رواه أبو داود من قوله ﷺ : "لا يؤمن الرجل الرجل في بيته ولا في سلطانه إلا بإذنه"، وسلطانه محل ولايته أو ما يملكه. قال الخطابي: "معناه: أن صاحب المنزل أولى فالإمامة في بيته إذا كان من القراءة أو العلم بمحل يمكنه أن يقيم الصلاة، وإذا كان إمام المسجد قد ولاه السلطان أو نائبه أو اتفق على تقديمه أهل المسجد؛ فهو أحق؛ لأنها ولاية خاصة، ولأن التقدم عليه يسيء الظن به، وينفر عنه ". مما تقدم يتبين لك شرف الإمامة في الصلاة وفضلها ومكانتها في الإسلام؛ لأن الإمام في الصلاة قدوة، والإمامة مرتبة شريفة؛ فهي سبق إلى الخير، وعون على الطاعة وملازمة الجماعة، وبها تعمر المساجد بالطاعة، وهي داخلة في عموم قوله تعالى فيما حكاه من دعاء

стр. 212

عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ . فالإمامة في الصلاة من الإمامة في الدين، ولا سيما إذا كان الإمام يبذل النصح والوعظ والتذكير لمن يحضره في المسجد، فإنه بذلك من الدعاة إلى الله، الذين يجمعون بين صالح القول والعمل، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ؛ فلا يرغب عن القيام بالإمامة إلا محروم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 213

باب في من لا تصح إمامته في الصلاة إن الإمامة في الصلاة مسؤولية كبرى، وكما أنها تحتاج إلى مؤهلات يجب توافرها في الإمام أو يستحب تحلية بها؛ كذلك يجب أن يكون الإمام سليما من صفات تمتعه من تسنم هذا المنصب أو تنقص أهليته له: فلا يجوز أن يولي الفاسق إمامة الصلاة، والفاسق هو من خرج عند حد الاستقامة بارتكاب كبيرة من كبائر الذنوب التي هي دون الشرك. والفسق نوعان: فسق عملي، وفسق اعتقادي. فالفسق العملي: كارتكاب فاحشة الزنى، والسرقة، وشرب الخمر ... ونحو ذلك. والفسق الاعتقادي: كالرفض، والاعتزال، والتجهم. فلا يجوز تولية إمامة الصلاة الفاسق؛ لأن الفاسق لا يقبل خبره، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ؛ فلا

стр. 214

يؤمن على شرائط الصلاة وأحكامها، ولأنه يكون قدوة سيئة لغيرة؛ ففي توليته مفاسد. وقد قال النبي ﷺ : "لا تؤمن امرأة رجلاً، ولا أعرابيا مهاجرًا، ولا فاجر مؤمنا؛ إلا أن يقهره بسلطان يخاف سوطه"، رواه ابن ماجه، والشاهد منه قوله: "ولا فاجر مؤمنا"، والفجور هو العدول عن الحق. فالصلاة خلف الفاسق منهي عنها، ولا يجوز تقديمه مع القدرة على ذلك؛ فيحرم على المسؤولين تنصيب الفاسق إماما للصلوات؛ لأنهم مأمورون بمراعاة المصالح؛ فلا يجوز لهم أن يوقعوا الناس في صلاة مكروهة، بل قد اختلف العلماء في صحة الصلاة خلف الفاسق، وما كان كذلك؛ وجب تجنيب الناس من الوقوع فيه. ولا تصح إمامة العاجز عن ركوع أو سجود أو قعود؛ إلا بمثله؛ أي: مساوية في العجز عن ركن أو شرط، وكذا لا تصح إمامة العاجز عن القيام لقادر عليه؛ إلا إذا كان العاجز عن القيام إماما راتبا لمسجد، وعرض له عجز عن القيام يرجى زواله؛ فتجوز الصلاة خلفه، ويصلون خلفه في تلك الحال جلوسا؛ لقول عائشة ﵂: صلى النبي ﷺ في بيته وهو شاك، فصلى جالسا، وصلى وراءه قوم قياما، فأشار إليهم أن جلسوا، فلما انصرف؛ قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به ... " الحديث، وفيه: "وإذا صلى جالسا؛

стр. 215

فصلوا جلوسا أجمعون"، وذلك لأن الإمام الراتب يحتاج إلى تقديمه. ولو صلوا خلفه قياما أو صلى بعضهم قائما في تلك الحالة؛ صحت صلاتهم على الصحيح، وإن استخلف الإمام في تلك الحال من يصلي بهم قائما؛ فهو أحسن؛ خروجا على الخلاف، ولأن النبي ﷺ استخلف؛ فقد فعل الأمرين؛ بيانا للجواز، والله أعلم. ولا تصح إمامة من حدثه دائم؛ كمن به سلس أو خروج ريح أو نحوه مستمر؛ إلا بمن هو مثله في هذه الآفة، أما الصحيح؛ فلا تصح صلاته خلفه؛ لأن في صلاته خللاً غير مجبور ببدل؛ لأنه يصلي مع خروج النجاسة المنافي للطهارة، وإنما صحت صلاته للضرورة، وبمثله لتساويهما في خروج الخارج المستمر. وإن صلى خلف محدث أو متنجس ببدنه أو ثوبه أو بقعته، ولم يكونا يعلمان بتلك النجاسة أو الحدث حتى فرغ من الصلاة؛ صحت صلاة المأموم دون الإمام؛ لقوله ﷺ : "إذا صلى الجنب بالقوم؛ أعاد صلاته،
следующие страницы →