← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 11811

الملخص الفقهي

صالح الفوزان

Полный текст (1 076 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ثانيا: صاحب البيت إذا كان يصلح للإمامة؛ لم يجز أن يتقدم عليه أحد في الإمامة؛ إلا بإذنه. ثالثا: السلطان، وهو الإمام الأعظم أو نائبه؛ فلا يتقدم عليه أحد في الإمامة؛ إلا بإذنه، إذا كان يصلح للإمامة. والدليل على تقديم أصحاب هذه الاعتبارات على غيرهم ما رواه أبو داود من قوله ﷺ : "لا يؤمن الرجل الرجل في بيته ولا في سلطانه إلا بإذنه"، وسلطانه محل ولايته أو ما يملكه. قال الخطابي: "معناه: أن صاحب المنزل أولى فالإمامة في بيته إذا كان من القراءة أو العلم بمحل يمكنه أن يقيم الصلاة، وإذا كان إمام المسجد قد ولاه السلطان أو نائبه أو اتفق على تقديمه أهل المسجد؛ فهو أحق؛ لأنها ولاية خاصة، ولأن التقدم عليه يسيء الظن به، وينفر عنه ". مما تقدم يتبين لك شرف الإمامة في الصلاة وفضلها ومكانتها في الإسلام؛ لأن الإمام في الصلاة قدوة، والإمامة مرتبة شريفة؛ فهي سبق إلى الخير، وعون على الطاعة وملازمة الجماعة، وبها تعمر المساجد بالطاعة، وهي داخلة في عموم قوله تعالى فيما حكاه من دعاء

стр. 212

عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ . فالإمامة في الصلاة من الإمامة في الدين، ولا سيما إذا كان الإمام يبذل النصح والوعظ والتذكير لمن يحضره في المسجد، فإنه بذلك من الدعاة إلى الله، الذين يجمعون بين صالح القول والعمل، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ؛ فلا يرغب عن القيام بالإمامة إلا محروم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 213

باب في من لا تصح إمامته في الصلاة إن الإمامة في الصلاة مسؤولية كبرى، وكما أنها تحتاج إلى مؤهلات يجب توافرها في الإمام أو يستحب تحلية بها؛ كذلك يجب أن يكون الإمام سليما من صفات تمتعه من تسنم هذا المنصب أو تنقص أهليته له: فلا يجوز أن يولي الفاسق إمامة الصلاة، والفاسق هو من خرج عند حد الاستقامة بارتكاب كبيرة من كبائر الذنوب التي هي دون الشرك. والفسق نوعان: فسق عملي، وفسق اعتقادي. فالفسق العملي: كارتكاب فاحشة الزنى، والسرقة، وشرب الخمر ... ونحو ذلك. والفسق الاعتقادي: كالرفض، والاعتزال، والتجهم. فلا يجوز تولية إمامة الصلاة الفاسق؛ لأن الفاسق لا يقبل خبره، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ؛ فلا

стр. 214

يؤمن على شرائط الصلاة وأحكامها، ولأنه يكون قدوة سيئة لغيرة؛ ففي توليته مفاسد. وقد قال النبي ﷺ : "لا تؤمن امرأة رجلاً، ولا أعرابيا مهاجرًا، ولا فاجر مؤمنا؛ إلا أن يقهره بسلطان يخاف سوطه"، رواه ابن ماجه، والشاهد منه قوله: "ولا فاجر مؤمنا"، والفجور هو العدول عن الحق. فالصلاة خلف الفاسق منهي عنها، ولا يجوز تقديمه مع القدرة على ذلك؛ فيحرم على المسؤولين تنصيب الفاسق إماما للصلوات؛ لأنهم مأمورون بمراعاة المصالح؛ فلا يجوز لهم أن يوقعوا الناس في صلاة مكروهة، بل قد اختلف العلماء في صحة الصلاة خلف الفاسق، وما كان كذلك؛ وجب تجنيب الناس من الوقوع فيه. ولا تصح إمامة العاجز عن ركوع أو سجود أو قعود؛ إلا بمثله؛ أي: مساوية في العجز عن ركن أو شرط، وكذا لا تصح إمامة العاجز عن القيام لقادر عليه؛ إلا إذا كان العاجز عن القيام إماما راتبا لمسجد، وعرض له عجز عن القيام يرجى زواله؛ فتجوز الصلاة خلفه، ويصلون خلفه في تلك الحال جلوسا؛ لقول عائشة ﵂: صلى النبي ﷺ في بيته وهو شاك، فصلى جالسا، وصلى وراءه قوم قياما، فأشار إليهم أن جلسوا، فلما انصرف؛ قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به ... " الحديث، وفيه: "وإذا صلى جالسا؛

стр. 215

فصلوا جلوسا أجمعون"، وذلك لأن الإمام الراتب يحتاج إلى تقديمه. ولو صلوا خلفه قياما أو صلى بعضهم قائما في تلك الحالة؛ صحت صلاتهم على الصحيح، وإن استخلف الإمام في تلك الحال من يصلي بهم قائما؛ فهو أحسن؛ خروجا على الخلاف، ولأن النبي ﷺ استخلف؛ فقد فعل الأمرين؛ بيانا للجواز، والله أعلم. ولا تصح إمامة من حدثه دائم؛ كمن به سلس أو خروج ريح أو نحوه مستمر؛ إلا بمن هو مثله في هذه الآفة، أما الصحيح؛ فلا تصح صلاته خلفه؛ لأن في صلاته خللاً غير مجبور ببدل؛ لأنه يصلي مع خروج النجاسة المنافي للطهارة، وإنما صحت صلاته للضرورة، وبمثله لتساويهما في خروج الخارج المستمر. وإن صلى خلف محدث أو متنجس ببدنه أو ثوبه أو بقعته، ولم يكونا يعلمان بتلك النجاسة أو الحدث حتى فرغ من الصلاة؛ صحت صلاة المأموم دون الإمام؛ لقوله ﷺ : "إذا صلى الجنب بالقوم؛ أعاد صلاته،

стр. 216

وتمت للقوم صلاتهم". قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وبذلك مضت سنة الخلفاء الراشدين؛ فإنهم صلوا بالناس، ثم رأوا الجنابة بعد الصلاة، فأعادوا، ولم يأمروا الناس بالإعادة، وإن علم الإمام أو المأموم بالحدث أو النجاسة في أثناء الصلاة؛ بطلت صلاتهم"١ ولا تصح إمامة الأمي، والمراد به هنا من لا يحفظ سورة الفاتحة أو يحفظها ولكن لا يحسن قراءتها؛ كأن يلحن فيها لحنا يحيل المعنى؛ ككسر كاف ﴿وَإِيَّاكَ﴾ ، وضم تاء ﴿أَنْعَمْتَ﴾ ، وفتح همزة ﴿اهْدِنَا﴾ ، أو يبدل حرفا بغيره، وهو الألثغ، كمن يبدل الراء غينا أو لاما، أوالسين تاء ... ونحو ذلك؛ فلا تصح إمامة الأمي إلا بأمي بمثله؛ لتساويهما، إذا كانوا عاجزين عن إصلاحهن فإن قدر الأمي على الإصلاح لقراءته؛ لم تصح صلاته ولا صلاة من صلى خلفه؛ لأنه ترك مع القدرة عليه. ويكره أن يؤم الرجل قوما أكثرهم يكرهه بحق؛ بأن تكون كراهتهم لها مبرر من نقص في دينه؛ لقوله ﷺ : "ثلاثة لا تجاوز صلاتهم

стр. 217

آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وأمرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون"، رواه الترمذي وحسنه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إذا كانوا يكرهونه لأمر في دينه؛ مثل كذبة أو ظلمه أو جهله أو بدعته ونحو ذلك، ويحبون آخر أصلح منه في دينه؛ مثل أن يكون أصدق أو أعلم أو أدين؛ فإنه يجب أن يولى عليهم هذا الذي يحبونه، وليس لذلك الرجل الذي يكرهونه أن يؤمهم؛ كما في الحديث عنه ﷺ ؛ أنه قال: "ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم ك رجل أم قوما وهم له كارهون، ورجل لا يأتي الصلاة إلا دبارًا، ورجل اعتبد محررًا" " وقال أيضا: "إذا كان بينهم معاداة من جنس معاداة أهل الأهواء والمذاهب؛ لم ينبغ أن يؤمهم؛ لأن المقصود بالصلاة جماعة أن يتم الائتلاف، وقال ﷺ : "لا تختلفوا؛ فتختلف قلوبكم" " اهـ. أما إذا كان الإمام ذا دين وسنة، وكرهوه لذلك؛ لم تكره الإمامة في حقه، وإنما العتب على من كرهه. وعلى كل؛ فينبغي الائتلاف بين الإمام والمأمومين، والتعاون على البر والتقوى، وترك التشاحن والتباغض تبعا للأهواء والأغراض الشيطانية؛

стр. 218

فيجب على الإمام أن يراعي حق المأمومين، ولا يشق عليهم، ويحترم شعورهم، ويجب على المأمومين أن يراعوا حق الإمام، ويحترموه، وبالجملة؛ فينبغي لكل منهما أن يتحمل ما يواجهه من الآخر من بعض الانتقادات التي لا تخل بالدين والمروءة والإنسان معرض للنقص: ومن ذا الذي تُرضى سجاياهُ كلُها ... كفى المرءَ نُبلاً أن تُعد مَعايُبه هذا، ونسأل الله للجميع الهداية والتوفيق.

стр. 219

باب فيما يشرع للإمام في الصلاة الإمام عليه مسئولية عظيمة، وهو ضامن، وله الخير الكثير إن أحسن وفضل الإمامه مشهور، تولاها النبي ﷺ وخلفاؤه، ولم يختاروا لها إلا الأفضل وفي الحديث: "ثلاثة على كثبان المسك يوم القيامة: رجل أم قوما وهم به راضون...." الحديث، وفي الحديث الآخر أن له من الأجر مثل أجر من صلى خلفه. ومن علم من نفسه الكفاءة؛ فلا مانع من طلبه للإمامة؛ فقد قال أحد الصحابة للنبي ﷺ : إجعلني إمام قومي، قال: "أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم"، ويشهد لذلك أيضا قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ . وينبغي لمن تولى الإمامة أن يهتم بشأنها، وأن يوفيها حقها ما ستطاع، وله في ذلك أجر عظيم، ويراعي حالة المأمومين، ويقدر ظروفهم، ويتجنب إحراجهم

стр. 220

ويرغبهم ولا ينفرهم؛ عملاً بقوله ﷺ : "إذا صلى أحدكم بالناس؛ فليخفف؛ فإن فيهم السقيم والضعيف وذو الحاجة، وإذا صلى لنفسه؛ فليطول ما شاء"، رواه الجماعة من حديث أبي هريرة ﵁. وفي "الصحيح " من حديث أبي مسعود: "أيها الناس! إن منكم منفرين؛ فأيكم أم الناس؛ فليوجز؛ فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة". ويقول أحد الصحابة: "ما صليت خلف إمام قط أخف صلاة ولا أتم من النبيصلى الله عليه وسل "، وهو القدوة في ذلك وفي غيره. قال الحافظ: "من سلك طريق النبيصلى الله عليه وسلم في الإيجاز والإتمام؛ لا يشتكى منه تطويل، والتخفيف المطلوب هو التخفيف الذي يصحبه إتمام الصلاة بأداء أركانها وواجباتها وسننها على الوجه المطلوب، والتخفيف المأمور به أمر نسبي يرجع إلى ما فعله ﷺ وواظب عليه وأمر به، لا إلى شهوة المأمومين. قال بعض العلماء: ومعنى التخفيف المطلوب: هو الاقتصار على أدنى الكمال من التسبيح وسائر أجزاء الصلاة،

стр. 221

وأدنى الكمال في التسبيح في الركوع والسجود هو أن يأتي بثلاث تسبيحات، وإذا آثر المأمومون التطويل، وعددهم ينحصر، بحيث يكون رأيهم في طلب التطويل واحدًا؛ فلا بأس أن يطول الإمام الصلاة؛ لاندفاع الفسدة، وهي التنفير. قال الإمام ابن دقيق العيد: قول الفقهاء: "لا يزيد الإمام في الركوع والسجود على ثلاث تسبيحات"؛ لا يخالف ما ورد عن النبي ﷺ ؛ أنه كان يزيد على ذلك؛ لأن رغبة الصحابة في الخير تقتضي أن لا يكون ذلك تطويلاً " انتهى. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ليس له أن يزيد على قد المشروع، وينبغي أن يفعل غالبا ما كان النبي يفعله غالبا ويزيد وينقص للمصلحة؛ كما كان النبي ﷺ يزيد وينقص أحيانا للمصلحة ". وقال النووي: "قال العلماء: واختلاف قدر القراءة في الأحاديث كان بحسب الأحوال، وكان النبي ﷺ يعلم من حال المؤمنين في وقت أنهم يوثرون التطويل؛ فيطول بهم، وفي وقت لا يؤثرونه لعذر ونحوه؛ فيحفف، وفي وقت يرد إطالتها، فيسمع بكاء الصبي، فيخفف كما ثبت ذلك في الصحيح" انتهى. ويكره أن يخفف الإمام في الصلاة تخفيفا لا يتمكن معه المأموم

стр. 222

من الإتيان المسنون؛ كقراءة السورة، والإتيان بثلاث تسبيحات في الركوع والسجود. ويسن أن يرتل القراءة، ويتمهل في التسبيح والتشهد بقدر ما يتمكن من خلفه من الإتيان بالمسنون من التسبيح ونحوه، وأن يتمكن من ركوعه وسجوده. ويسن للإمام أن يطيل الركعة الأولى؛ لقول أبي قتادة: "كان النبي ﷺ يطول في الركعة الأولى"، متفق عليه. ويستحب للإمام إذا أحس بداخل وهو في الركوع أن يطيل الركوع حتى يلحقه الداخل فيه ويدرك الركعة؛ إعانة له على ذلك؛ لما رواه أحمد وأبوا داود من حديث ابن أبي أوفى في صفة صلاة النبي ﷺ ؛ أنه كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر، حتى لا يسمع وقع قدم، ما لم يشق هذا الانتظار على مأموم، فإن شق عليه؛ تركه؛ لأن حرمة الذي معه أعظم من حرمة الذي لم يدخل معه. وبالجملة؛ فيجب على الإمام أن يراعي أحوال المأمومين، ويراعي إتمام الصلاة وإتقانها، ويكون مقتديا بهدي النبي ﷺ ، عاملاً بوصاياه وأوامره؛ ففيها الخير للجميع. وبعض الأئمة قد يتساهل في شأن الإمامة ومسؤليتها، ويتغيب كثيرًا عن المسجد، أو يتأخر عن الحضور، مما يحرج المأمومين، ويسبب

стр. 223

الشقاق، ويشوش على المصلين، ويكون هذا الإمام قدوة سيئة للكسالى والمتساهلين بالمسؤلية؛ فمثل هذا يجب الأخذ على يده، حتى يواظب على أداء مهمته بحزم، ولا ينفر المصلين، ويعطل إمامة المسجد، أو ينحى عن الإمامة إذا لم يراجع صوابه. اللهم وفقنا لما تحبة وترضاه.

стр. 224

باب في صلاة أهل الأعذار أهل الأعذار هم المرضى والمسافرون والخائفون الذين لا يتمكنون من أداء الصلاة على الصفة التي يؤديها غي المعذور؛ فقد خفف الشارع عنهم، وطلب منهم أن يصلوا حسب استطاعتهم، وهذا من يسر هذه الشريعة وسماحتها؛ فقد جاءت برفع الحرج: قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ . وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ . وقال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ . وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ . وقال النبي ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر؛ فأتوا منه ما استطعتم....". إلى غير ذلك من النصوص التي تبين فضل الله على عباده وتيسيره في تشريعه.

стр. 225

ومن ذلك ما نحن بصدد الحديث عنه، وهو؛ كيف يصلي من قام به عذر من مرض أو سفر أو خوف؟. أولا: صلاة المريض إن الصلاة لا تترك أبدًا؛ فالمريض يلزمه أن يؤدي الصلاة قائما، وإن احتاج إلى الاعتماد على عصا ونحوه في قيامه؛ فلا بأس بذلك؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فإن لم يستطع المريض القيام في الصلاة؛ بأن عجز عنه أو شق عليه أو خيف من قيامه زيادة مرض أو تأخر برء؛ فإنه والحالة ماذكر يصلي قاعدًا. ولا يشترط لإباحة القعود في الصلاة تعذر القيام، ولا يكفي لذلك أدنى مشقة، بل المعتبر المشقة الظاهرة. وقد أجمع العلماء على أن من عجز عن القيام في الفريضة؛ صلاها قاعداً، ولا إعادة عليه، ولا ينقص ثوابه، وتكون هيئة قعوده حسب ما يسهل عليه؛ لأن الشارع لم يطلب منه قعده خاصة؛ فكيف قعد؛ جاز. فإن لم يستطع المريض الصلاة قاعدًا؛ بأن شق عليه الجلوس مشقة ظاهرة، أو عجز عنه؛ فإنه يصلي على جنبه، ويكون وجهه إلى القبلة، والأفضل أن يكون على جنبه الأيمن، وإن لم يكن عنده من يوجهه إلى القبلة، ولم يستطع التوجه إليها بنفسه؛ صلى على حسب حالة، إلى أي جهة تسهل عليه. فإذا لم يقدر المريض أن يصلي على جنبه؛ تعين عليه أن يصلي على ظهره، وتكون رجلاه إلى القبلة مع الإمكان.

стр. 226

وإذا صلى المريض قاعدًا، ولا يستطيع السجود على الأرض، أو صلى على جنبه أو على ظهره كما سبق؛ فإنه يؤميء برأسه للركوع والسجود، ويجعل الإيماء للسجود أخفض من الإيماء للركوع، وإذا صلى المريض جالسا وهو يستطيع السجود على الأرض؛ وجب عليه ذلك، ولا يكفيه الإيماء. والدليل على جواز صلاة المريض على هذه الكيفية المفصلة ما أخرجه البخاري وأهل السنن من حديث عمرن بن حصين ﵁؛ قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ ؟ فقال: "صل قائما، فإن لم تستطع؛ فصل قاعدًا، فإن لم تستطع، فعلى جنبك"، زاد النسائي: "فإن لم تستطع؛ فمستلقيا، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ". وهنا يجب التنبيه على أن ما يفعله بعض المرضى ومن تجري لهم عمليات جراحية، فيتركون الصلاة بحجة أنهم لايقدرون على أداء الصلاة بصفة كاملة، أو لا يقدرون على الضوء، أو لأن ملابسهم نجسة، أو غير ذلك من الأعذار، وهذا خطأ كبير؛ لأن المسلم لا يجوز له ترك الصلاة إذا عجز عن بعض شروطها أو أركانها واجباتها، يل يصليها على حسب حاله، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم﴾ . وبعض المرضى يقول: إذا شفيت قضت الصلوات التي تركتها.

стр. 227

وهذا جهل منهم أو تساهل؛ فالصلاة تصلي في وقتها حسب الإمكان، ولا يجوز تأخيرها عن وقتها؛ فينبغي الانتباه لهذا، والتنبيه عليه، ويجب أن يكون في المستشفيات توعية دينية، وتفقد لأحوال المرضى من ناحية الصلاة وغيرها من الواجبات الشرعية التي هم بحاجة إلى بيانها. وما سبق بيانه هو في حق من ابتدأ الصلاة معذورًا، واستمر به العذر إلى الفراغ منها، وأما من ابتدأها وهو يقدر على القيام، ثم طرأ عليه العجز عنه، أو ابتدأها وهو لا يستطيع القيام، ثم قدر عليه في أثنائها، أو ابتدأها قاعدًا، ثم عجز عن القعود أثنائها، أو ابتدأها على جنب، ثم قدر على القعود، فإنه في تلك الأحوال ينتقل إلى الحالة المناسبة له شرعا، ويتمها عليها وجوبا؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم﴾ ، فينتقل إلى القيام من قدر عليه، وينتقل إلى الجلوس من عجز عن القيام في أثناء الصلاة ... وهكذا. وإن قدر على القيام والقعود، ولم يقدر على الركوع والسجود؛ فإنه يوميء برأسه بالركوع قائما، ويومئ بالسجود قاعدًا؛ ليحصل الفرق بين الإيماءين حسب الإمكان. وللمريض أن يصلي مستلقيا مع قدرته على القيام إذا قال له طبيب مسلم ثقة: لا يمكن مداواتك إلا إذا صليت مستلقيا؛ لأن

стр. 228

النبي ﷺ صلى جالسا حين جحش شقه، وأم سلمة تركت السجود لرمد بها. ومقام الصلاة في الإسلام عظيم؛ فيطلب من المسلم، بل يتحتم عليه أن يقيمها في حال الصحة وحال المرض؛ فلا تسقط عن المريض، لكنه يصليها على حسب حاله؛ فيجب على المسلم أن يحافظ عليها كما أمره الله. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه. ثانيا: صلاة الراكب ومن أهل الأعذار الراكب إذا كان يتأذى بنزوله للصلاة على الأرض بوحل أو مطر، أو يعجز عن الركوب إذا نزل، أو يخشى فوات رفقته إذا نزل، أو يخاف على نفسه إذا نزل من عدو أو سبع؛ ففي هذه الأحوال يصلي على مركوبه؛ من دابة وغيرها، ولا ينزل إلى الأرض؛ لحديث يعلي بن مرة: "أن النبي ﷺ انتهى إلى مضيق هو على راحلته، فأذن وأقام، ثم تقدم رسول الله ﷺ على راحلته،

стр. 229

فصلى بهم يومئ إيماء؛ السجود أخفض من الركوع" رواه أحمد والترمذي. ويجب على من يصلي الفريضة على مركوبه لعذر مما سبق أن يستقبل القبلة إن استطاع؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ، ويجب عليه فعل ما يقدر عليه من ركوع وسجود وإيماء بهما وطمأنينة؛ لقول تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم﴾ ، وما لا يقدر عليه لا يكلف به. وإن لم يقدر على استقبال القبلة؛ لم يجب عليه استقبال القبلة؛ لم يجب عليه استقبالها، وصلى على حسب حاله، وكذلك راكب الطائرة يصلي فيها بحسب استطاعته من قيام أو قعود وركوع وسجود أو إيماء بهما؛ بحسب استطاعته، مع استقبال القبلة؛ لأنه ممكن. ثالثا: صلاة المسافر ومن أهل الأعذار المسافر، فيشرع له قصر الصلاة الرباعية من أربع إلى ركعتين كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع،

стр. 230

قاله اله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ ، والنبي ﷺ لم يصل في السفر إلا قصرًا، والقصر أفضل من الإتمام قي قول جمهور العلماء، وفي "الصحيحين ": "فرضت الصلاة ركعتين ركعتين؛ فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر"، وقال ابن عمر: "صلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر". ويبدأ السفر بخروج المسافر من عامر بلده؛ لأن الله أباح القصر لمن ضرب في الأرض، وقبل خروجه من بلده لا يكون ضاربا في الأرض ولا مسافرًا، ولأن النبي ﷺ إنما كان يقصر إذا ارتحل، ولأن لفظ السفر معناه الإسفار؛ أي: الخروج إلى الصحراء، يقال: سفرت المرأة عن وجهها: إذا كشفته، فإذا لم يبرز إلى الصحراء التي ينكشف فيها من بين المساكن؛ لم يكن مسافراً.

стр. 231

ويقصر المسافر الصلاة، ولو كان يتكرر سفره؛ كصاحب البريد وسيارة الأجرة ممن يتردد أكثر وقته في الطريق بين البلدان. ويجوز للمسافر الجمع بين الظهر والعصر، والجمع بين المغرب والعشاء؛ في وقت أحدهما؛ فكل مسافر يجوز له القصر؛ فإنه يجوز له الجمع، وهو رخصة عارضة، يفعله عند الحاجة، كما إذا جد به السير؛ لما روى معاذ ﵁؛: "أن النبي ﷺ كان في عزوة تبوك: إذا ارتحل قبل زيغ الشمس؛ أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر ويصليهما جمعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس؛ صلى الظهر والعصر جمعا ثم سار، وكان يفعل مثل ذلك في المغرب والعشاء"، رواه أبو داود والترمذي. وإذا نزل المسافر في أثناء سفره للراحة؛ فالأفضل له أن يصلي كل صلاة في وقتها قصرًا بلا جمع. ويباح الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء للمريض الذي يلحقه بترك الجمع مشقة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وإنما كان الجمع لرفع الحرج عن الأمة، فإذا احتاجوا الجمع؛ جمعوا، والأحاديث كلها تدل على أنه يجمع في الوقت الواحد لرفع الحرج عن أمته، فيباح الجمع إذا كان في

стр. 232

تركه حرج قد رفعه الله عن الأمة، وذلك يدل على الجمع للمرض الذي يحرج صاحبه بتفريق الصلاة بطريق الأولى والأحرى" اهـ. وقال أيضا "يجمع المرضى كما جاءت بذلك السنة في جمع المستحاضة؛ فإن النبي ﷺ أمرها بالجمع في حديثين، ويباح الجمع لمن يعجز عن الطهارة لك صلاة؛ كمن به سلس بول، أو جرح لا يرقأ دمه، أو رعاف دائم؛ قياسا على المستحاضة؛ فقد قال ﷺ لحمنة حين استفتته في الاستحاضة: "وإن قويتي على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر، فتغتسلين، ثم تصلين الظهر والعصر جمعا ثم تؤخري المغرب وتعجلي العشاء، ثم تغتسلين، وتجمعين بين الصلاتين؛ فافعلي" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه ". ويباح الجمع بين المغرب والعشاء خاصة لحصول مطر يبل الثياب، وتوجد معه مشقة؛ لأنه عليه ﷺ جمع بين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة، وفعله أبو بكر وعمر.

стр. 233

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "يجوز الجمع للوحل الشديد والريح الشديدة الباردة في الليلة الظلماء ونحو ذلك، وإن لم يكن المطر نازلاً في أصح قولي العلماء، وذلك أولى من أن يصلوا في بيوتهم، بل ترك الجماعة مع الصلاة في البيوت بدعة مخالفة للسنة؛ إذ السنة أن تصلي الصلوات الخمس في المسجد جماعة، وذلك أولى من الصلاة في البيوت باتفاق المسلمين، والصلاة جمعا في المساجد أولى من الصلاة في البيوت مفرقة باتفاق الأئمة الذين يجوزون الجمع؛ كمالك والشافعي وأحمد" انتهى. ومن يباح له الجمع؛ فالأفضل له أن يفعل الأرفق به من جمع تأخير أو جمع تقديم، والأفضل بعرفة جمع التقديم بين الظهر والعصر، وبمزدلفة الأفضل جمع التأخير بين المغرب والعشاء؛ لفعله ﷺ ، وجمع التقديم بعرفة لأجل اتصال الوقوف، وجمع التأخير بمزدلفة من أجل مواصلة السير إليها. وبالجملة؛ فالجمع بين الصلاتين في عرفة ومزدلفة سنة، وفي غيرها مباح يفعل عند الحاجة، وإذا لم تدع إليه حاجة؛ فالأفضل للمسافر أداء كل صلاة في وقتها؛ فالنبي ﷺ لم يجمع في أيام الحج إلا

стр. 234

بعرفة ومزدلفة، ولم يجمع بمنى؛ لأنه نازل، وإنما كان يجمع إذا جد به السير. هذا ونسأل الله للجميع التوفيق للعلم النافع والعمل الصالح. رابعا: صلاة الخوف تشرع صلاة الخوف في كل وقت مباح؛ كقتال الكفار والبغاة والمحاربين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ، وقيس عليه الباقي ممن يجوز قتاله، ولا تجوز صلاة الخوف في قتال محرم ز والدليل على مشروعية صلاة الخوف الكتاب والسنة والإجماع: قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ . قال الإمام أحمد ﵀: "صحت صلاة الخوف عند النبي ﷺ من خمسة أوجه أو ستة كلها جائزة " اه. فهي مشروعة في زمنه ﷺ ، وتستمر مشروعيتها إلى آخر الدهر، وأجمع على ذلك الصحابة وسائر الأئمة ما عدا خلافا قليلاً لا يعتد به. وتفعل صلاة الخوف عند الحاجة إليها سفرًا وحضرًا، إذا خيف هجوم العدو على المسلمين؛ لأن المبيح لها هو الخوف لا السفر، لكن صلاة الخوف في الحضر لا يقصر فيها عدد الركعات، وإنما تقصر فيها صفة الصلاة،

стр. 235

وصلاة الخوف في السفر يقصر فيها عدد الركعات إذا كانت رباعية، وتقصر فيها الصفة. وتشرع صلاة الخوف بشرطين: الشرط الأول: أن يكون العدو يحل قتاله كما سبق. الشرط الثاني: أن يخاف هجومه على المسلمين حال الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ، وقوله ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ . ومن صفات صلاة الخوف: الصفة الواردة عن النبي ﷺ في حديث سهل ابن أبي هثمه الأنصاري ﵁. وقد اختار الإمام أحمد العمل بها؛ لأنها أشبه بالصفة المذكورة في القرآن الكريم، وفيها احتياط للصلاة واحتياط للحرب، وفيها نكاية بالعدو، وقد فعل ﷺ هذه الصلاة في غزوة ذات الرقاع. وصفتها كما رواها سهل هي: "أن طائفة صفت مع النبي ﷺ وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائما وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم"، متفق عليه. ومن صفات صلاة الخوف: ما روى جابر؛ قال: "شهدت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فصففنا صفين والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر رسول الله ﷺ فكبرنا ثم ركع وركعنا جميعا، ثم رفع

стр. 236

رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي ﷺ السجود، وقام الصف الذي يليه؛ انحدر الصف المؤخر بالسجود، وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم، ثم ركع وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه وكان مؤخرا في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى ﷺ السجود، وقام الصف الذي يليه؛ انحدر الصف المؤخر بالسجود، فسجدوا، ثم سلم ﷺ وسلمنا جميعا"، رواه مسلم. ومن صفات صلاة الخوف: ما رواه ابن عمر؛ قال: "قام النبي ﷺ صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة وسجدتين والأخرى مواجهة العدوى، ثم انصرفوا وقاموا مقام أصحابهم مقبلين على العدو، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة، ثم سلم، ثم قضى هؤلاء ركعة، وهؤلاء ركعة"، متفق عليه. ومن صفات صلاة الخوف: أن يصلي بكل طائفة صلاة، ويسلم بها، رواه أحمد وأبوا داود والنسائي.

стр. 237

ومن صفات صلاة الخوف: ما رواه جابر؛ قال: "أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بذات الرقاع"؛ قال: "فنودي للصلاة، فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا، فصلى بالطائفة الأخرى ركعتين"، قال: "فكانت لرسول الله ﷺ أربع وللقوم ركعتان"، متفق عليه. وهذه الصفات تفعل إذا لم يشتد الخوف، فإذا اشتد الخوف؛ بأن تواصل الطعن والضرب والكر والفر، ولم يمكن تفريق القوم وصلاتهم على ما ذكر، وحان وقت الصلاة؛ صلوا على حسب حالهم، رجالاً وركبانا، للقبلة وغيرها يومئون بالركوع والسجود حسب طاقتهم، ولا يؤخرون الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ ؛ أي فصلوا رجالاً أو ركبانا، والرجال جمع راجل، وهو الكائن على رجليه ماشيا أو واقفا، والركبان جمع راكب. ويستحب أن يحمل معه في صلاة الخوف من السلاح ما يدفع به عن نفسه ولا يثقله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُم﴾ . ومثل شدة الخوف: حالة الهرب من عدو أو سيل أو سبع أو خوف فوات عدو يطلبه؛ فيصلي في هذه الحالة راكبا أو ماشيا، مستقبل القبلة وغير مستقبلها، يومئ بالركوع والسجود.

стр. 238

ونستفيد من صلاة الخوف على هذه الكيفيات العجيبة والتنظيم الدقيق: أهمية الصلاة في الإسلام، وأهمية صلاة الجماعة بالذات، فإنهما لم يسقطا في هذه الأحوال الحرجة؛ كما نستفيد كمال هذه الشريعة الإسلامية، وأنها شرعت لكل حالة ما يناسبها، كما نستفيد نفي الحرج عن هذه الأمة، وسماحة هذه الشريعة، وصلاحيتها لكل زمان ومكان. نسأل الله أن يرزقنا التمسك بها والوفاة عليها؛ إنه سميع مجيب.

стр. 239

باب في أحكام صلاة الجمعة سميت بذلك لجمعها الخلق الكثير، ويومها أفضل أيام الأسبوع. ففي "الصحيحين" وغيرهما: "من أفضل أيامكم يوم الجمعة". وقال ﷺ : "نحن الآخرون الأولون السابقون يوم القيامة؛ بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، والناس لنا فيه تبع". وروى مسلم عنه ﷺ أنه قال: "أضل الله عن الجمعة من كان قبلها، فكان لليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد، فحاء الله بنا، فهدانا ليوم الجمعة".

стр. 240

شرع اجتماع المسلمين فيه لتنبيههم على عظم نعمه الله عليهم، وشرعت فيه الخطبة لتذكيرهم بتلك النعمة، وحثهم على شكرها، وشرعت فيه صلاة الجمعة في وسط النهار؛ الاجتماع في المسجد واحد. وأمر الله المؤمنين بحضور ذلك الاجتماع واستماع الخطبة وإقامة تلك الصلاة، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . قال ابن القيم: "كان من هدي النبي ﷺ تعظيم هذا اليوم وتشريفه وتخصيصه بعبادات يختص بها عن غيره، وقد اختلف العلماء؛ هل هو أفضل أم يوم عرفة؟ هما وجهان لأصحاب الشافعي، وكان ﷺ يقرأ في فجر بسورتي ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ ، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الأِنْسَانِ﴾ ". إلى أن قال: "وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إنما كان النبي ﷺ يقرأ هاتين السورتين في فجر الجمعة لأنهما تضمنتها ما كان في يومها؛ فإنهما اشتملتا على خلق آدم، وعلى ذكر المعاد، وحشر العباد، وذلك يكون يوم الجمعة، وكان في قراءتهما في هذا اليوم

стр. 241

تذكير للأمة بما كان فيه ويكون، والسجدة جاءت تبعا، ليست مقصودة المصلي قراءتها حيث اتفقت "يعني: من أي سورة". ومن خصائص يوم الجمعة: استحباب كثرة الصلاة على النبي ﷺ فيه وفي ليلته؛ لقوله ﷺ : "أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة"، رواه البيهقي. ومن أعظم خصائص يوم الجمعة: صلاة التي هي من آكد فروض الإسلام ومن أعظم مجامع المسلمين، من تركها تهاونا بها؛ طبع الله على قلبه. ومن خصائص يوم الجمعة: الأمر بالاغتسال فيه، وهو سنة مؤكدة، ومن العلماء من يوجبه مطلقا، ومنهم يوجبه في حق من به رائحة يحتاج إلى إزالتها. ومن خصائص يوم الجمعة: استحباب التطيب فيه، وهو أفضل من التطيب في غيره من أيام الأسبوع.

стр. 242

ومن خصائص هذا اليوم: استحباب التكبير للذهاب إلى المسجد لصلاة الجمعة، والاشتغال بالصلاة النافلة والذكر والقراءة حتى يخرج الإمام للخطبة، ووجوب الإنصات للخطبة إذا سمعها فإن لم ينصت للخطبة؛ كان لاغيا، ومن لغا؛ فلا جمعة له، وتحريم الكلام وقت الخطبة؛ ففي "المسند" مرفوعا: "والذي يقول لصاحبه: أنصت؛ فلا جمعة له". ومن خصائص يوم الجمعة: قراءة سورة الكهف في يومه؛ فقد ثبت عن النبي ﷺ : "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة؛ سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء، يضيء به يوم القيامة، وغفر له ما بين الجمعتين"، رواه الحاكم والبيهقي. ومن خصائص يوم الجمعة: أن فيه ساعة الإجابة؛ ففي "الصحيحين" من حديث أبي هريرة: "إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد

стр. 243

مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا؛ إلا أعطاه إياه " وقال بيده؛ يقللها"". ومن خصائص يوم الجمعة: أن فيه الخطبة التي يقصد بها الثناء على الله وتمجيده والشهادة بالوحدانية ولرسوله ﷺ بالرسالة وتذكير العباد. وخصائص هذا اليوم كثيرة، ذكرها الإمام ابن القيم في كتابه "زاد المعاد"، فأوصلها إلى ثلاث وثلاثين ومئة. ومع هذا؛ يتساهل كثير من الناس في حق هذا اليوم، فلا يكون له مزية عندهم على غيره من الأيام، والبعض الآخر يجعل هذا اليوم وقتا للكسل والنوم، والبعض يضيعه باللهو واللعب والغفلة عن ذكر الله، حتى إنه لينقص عدد المصلين في المساجد في فجر ذلك اليوم نقصا ملحوظا. فلا حول ولا قوة إلا بالله. ويستحب التكبر في الذهاب إلى المسجد يوم الجمعة، فإذا دخل المسجد؛ صلى تحية المسجد ركعتين. وإن كان مبكرًا فأراد أن يتنفل بزيادة صلوات؛ فلا مانع من ذلك؛ لأن السلف كانوا يبكرون ويصلون حتى يخرج الإمام. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والأولى لمن جاء إلى الجمعة أن يشتغل بالصلاة حتى يخرج الإمام؛ لما في "الصحيح" من

стр. 244

قوله ﷺ : "ثم يصلي ماكتب له"، بل ألفاظه ﷺ فيها الترغيب في الصلاة إذا قدم الرجل المسجد يوم الجمعة من غير توقيت، وهو المأثور عن الصحابة، كانوا إذا أتوا المسجد يوم الجمعة؛ يصلون من حين يدخلون ما تيسر؛ فمنهم من يصلي عشر ركعات، ومنهم من يصلي اثنتي عشرة ركعة، ونهم من يصلي ثماني ركعات، ومنهم من يصلي أقل من ذلك، ولهذا؛ كان جماهير الأئمة متفقين على أنه ليس قبل الجمعة سنة مؤقتة بوقت مقدرة بعدد، والصلاة قبل الجمعة الأقوال، وحينئذ؛ فقد يكون الترك أفضل أو ترك؛ لم ينكر عليه، وهذا أعدل الأقوال، وحينئذ؛ فقد يكون الترك أفضل، إذا اعتقد الجهال أنها سنة راتبة" اه. وهذا ما يتعلق بصلاة النافلة قبل صلاة الجمعة؛ فليس لها راتبة قبلها، وإنما راتبتها بعدها؛ ففي "صحيح مسلم": "إذا صلى أحدكم الجمعة؛ فليصل بعدها أربع ركعات"، وفي "الصحيحين": "أنه ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين"، والجمع بين الحديثين أنه إن صلى في بيته؛ صلى ركعتين، وإن صلى في المسجد؛ صلى أربع ركعات،

стр. 245

وإن شاء صلى ست ركعات؛ لقول ابن عمر: "كان النبي ﷺ إذا صلى الجمعة؛ تقدم فصلى ركعتين، ثم يقدم فصلى أربعا". والأحقية في المكان في المسجد للسابق بالحضور بنفسه، وأما ما يفعله الناس من حجز مكان في المسجد، توضع سجادة أو عصا أو نعلان، ويتأخر هو عن الحضور، ويحرم المتقدم من ذلك المكان؛ فإن ذلك عمل غير سائغ، بل صرح بعض العلماء أم لمن أتى المسجد رفع ما وضع ذلك المكان والصلاة فيه؛ لأن السابق يستحق الصلاة في الصف الأول، ولأن وضع الحمى للمكان في المسجد دون حضور من الشخص اغتصاب للمكان. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأما ما يفعله كثير من الناس من تقدم مفارش ونحوها إلى المسجد يوم الجمعة قبل صلاتهم؛ فهذا منهي عنه باتفاق المسلمين، بل محرم، وهل تصح صلاة على ذلك المفرش؟ فيه قولان للعلماء؛ لأنه غصب بقعة في المسجد بفرش ذلك المفروش فيها، ومنع غيره من المصلين الذين يسبقونه إلى المسجد أن يصلي في المكان، والمأمور به أن يسبق الرجل بنفسه إلى المسجد، فإذا قدم المفروش ونحوه وتأخر هو؛ فقد خالف الشريعة من جهتين: من جهة تأخره وهو مأمور بالتقدم، ومن جهة غصبه لطائفة من المسجد ومنعه السابقين له، وأن يتموا الصف الأول فالأول، ثم إنه يتخطى رقاب الناس إذا حضروا" اهـ.

стр. 246

ومن أحكام الجمعة: أن من دخل المسجد والإمام يخطب؛ لم يجلس حتى يصلي ركعتين يوجز فيهما؛ لقوله ﷺ : "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الإمام؛ فليصل ركعتين"، متفق عليه، زاد مسلم: "وليتجوز فيهما"؛ أي: يسرع. فإن جلس؛ قام فأتى بهما؛ لأن النبي ﷺ أمر الرجل الذي جلس قبل أن يصليهما؛ فقال له: "قم فاركع ركعتين". ومن أحكام صلاة الجمعة أنه لا يجوز الكلام والإمام يخطب: لقوله تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ . قال بعض المفسرين: "إنها نزلت في الخطبة، وسميت قرآنا؛ لاشتمالها على القرآن"، وحتى على القول الآخر بأن الآية نزلت في الصلاة؛ فإنها تشمل بعمومها الخطبة. وقال ﷺ : "من قال صه؛ فقد لغا، فلا جمعة له"، رواه أحمد وفي الحديث الآخر: "من تكلم؛ فهو كالحمار يحمل أسفارًا،

стр. 247

والذي يقول له: أنصت؛ ليست له جمعة"، والمراد له كاملة. وفي "الصحيحين" من حديث أبي هريرة: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب؛ فقد لغوت"؛ أي: قلت اللغو، واللغو الإثم، فإذا كان الذي يقول للمتكلم: أنصت وهو في الأصل يأمر بمعروف، قد لغا، وهو منهي عن ذلك؛ فغير ذلك من الكلام من باب أولى. ويجوز للإمام أن يكلم بعض المأمومين حال الخطبة، ويجوز لغيره أن يكلمه لمصلحة؛ لأن النبي ﷺ كلم سائلاً، وكلمه هو، وتكرر ذلك في عدة وقائع كلم فيها رسول الله ﷺ بعض الصحابة وكلموه حال الخطبة فيما فيه مصلحة وتعلم، ولأن ذلك لا يشغل عن سماع الخطبة. ولا يجوز لمن يستمع الخطبة أن يتصدق على السائل وقت الخطبة، لأن السائل فعل ما لا يجوز له فعله؛ فلا يعينه على ما لا يجوز، وهو الكلام حال الخطبة. وتسن الصلاة على النبي ﷺ إذا سمعها من الخطيب، ولا يرفع صوته بها؛ لئلا يشغل غيره بها.

стр. 248

ويسن أن يؤمّن على دعاء الخطيب بلا رفع صوت. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ورفع الصوت قدام الخطيب مكروه أو محرم اتفاقا، ولا يرفع المؤذن ولا غيره صوته بصلاة ولا غيرها" اه. ويلاحظ أن هذا الذي نبه عليه الشيخ لا يزال موجودًا في بعض الأمصار؛ من رفع الصوت بالصلاة على الرسول أو غير ذلك من الأدعية حال الخطبة أو قبلها أو بين الخطبتين، وربما أن بعض الخطباء يأمر الحاضرين بذلك، وهذا جهل وابتداع لا يجوز فعله. ومن دخل والإمام يخطب فإنه لا يسلِّم، بل ينتهي إلى الصف بسكينة، ويصلي ركعتين خفيفتين كما سبق، ويجلس لاستماع الخطبة، ولا يصافح من بجانبه. ولا يجوز له العبث حال الخطبة بيد أو رجل أو لحية أو ثوب أو غير ذلك؛ لقوله ﷺ : "من مس الحصا؛ فقد لغا ومن لغا؛ فلا جمعة له"، صححه الترمذي، ولأن العبث يمنع الخشوع. وكذلك لا ينبغي له أن يتلفت يمينا وشمالاً، ويشتغل بالنظر إلى الناس، أو غير ذلك؛ لأن ذلك يشغله عن الاستماع للخطبة، ولكن ليتجه

стр. 249

إلى الخطيب كما كان الصحابة ﵃ يتجهون إلى النبي ﷺ حال الخطبة. وإذا عطس؛ فإنه يحمد الله سرًا بينه وبين نفسه. ويجوز الكلام قبل الخطبة وبعدها وإذا جلس الإمام بين الخطبتين لمصلحة، لكن لا ينبغي التحدث بأمور الدنيا. وبالجملة، فخطبتا الجمعة لهما أهمية عظيمة في الإسلام؛ لما تشتملان عليه من تلاوة القرآن وذكر أحاديث الرسول ﷺ ، وتضمنها التوجيهات النافعة والموعظة الحسنة والتذكير بأيام الله؛ فيجب الاهتمام بهما من قبل الخطيب ومن قبل المستمعين؛ فليست خطبة الجمعة مجرد حديث عادي كالأحاديث التي تلقى في النوادي والاحتفالات والاجتماعات العادية. ومما ينبغي التنبيه عليه: أن بعض المستمعين لخطبتي الجمعة يرفع صوته بالتعوذ عندما يسمع شيئا من الوعيد في الخطبة، أو يرفع صوته بالسؤال والدعاء عندما يسمع شيئا من ذكر الثواب أو الجنة، وهذا شيء لا يجوز، وهو داخل في الكلام المنهي عنه حال الخطبة. وقد دلت النصوص على أن الكلام حال الخطبة يفسد الأجر، وأن المتكلم لا جمعة له، وأنه كالحمار يحمل أسفارًا؛ فيجب الحذر من ذلك والتحذير منه. وقد ذكر العلماء ﵏ أن صلاة الجمعة فرض مستقل، ليست بدلاً من الظهر.

стр. 250

قال عمر ﵁: "صلاة الجمعة ركعتين، تمام غير قصر، على لسان نبيكم ﷺ ". وذلك لأنها تخالف صلاة الظهر في أحكام كثيرة، وهي أفضل من صلاة الظهر، وآكد منها؛ لأنه ورد على تركها زيادة تهديد، ولأن لها شروطا وخصائص ليست لصلاة الظهر، ولا تجزئ عنها صلاة الظهر ممن وجبت عليه ما لم يخرج وقتها؛ فصلاة الظهر حينئذ تكون بدلاً عنها. وصلاة الجمعة فرض عين على كل مسلم ذكر حر مكلف مستوطن: روى أو داود بسنده عن طارق بن شهاب مرفوعا: "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة؛ إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض"، إسناده ثقات، وصححه غير واحد. وروى الدارقطني بسنده عن جابر؛ أن رسول الله ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فعليه الجمعة يوم الجمعة؛ إلا مريضا، أو مسافرًا، أو صبيا، أو مملوكا".
следующие страницы →