ولا يجوز للمستعير أن العين المعارة؛ لأن من أبيح له شيء؛ لم يجز له أن يبيحه لغيره، ولأن في ذلك تعريضا لها للتلف.
وهذا؛ وقد اختلف العلماء في ضمان المستعير للعارية إذا تلفت في يده في غير ما استعيرت له، فذهب جماعة إلى وجوب ضمانها عليه سواء تعدى أو لم يتعد؛ لعموم قولهصلى الله عليه وسلم: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه"، وذلك مثل ما لو ماتت الدابة أو احترق الثوب أو سرقت العين المعارة، وذهب جماعة آخرون إلى عدم ضمانها إذا لم يتعد؛ لأنها لا تضمن إلا بالتعدي عليها، ولعل هذا القول هو الراجح؛ لأن المستعير قبضها بإذن مالكها، فكانت أمانة عنده كالوديعة.
على أنه يجب على المستعير المحافظة على العارية والاهتمام بها والمسارعة إلى ردها إلى صاحبها إذا انتهت مهمته منها، وأن لا يتساهل بشأنها، أو يعرضها للتلف؛ لأنها أمانة عنده، ولأن صاحبها أحسن إليه، و ﴿هَلْ جَزَاءُ الأِحْسَانِ إِلَّا الأِحْسَانُ﴾ .
стр. 597
باب في أحكام الغصب
الغصب لغة: أخذ الشيء ظلما، ومعناه في اصطلاح الفقهاء: الاستيلاء على حق غيره قهرًا بغير حق.
والغصب محرم بإجماع المسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ، والغصب من أعظم أكل المال بالباطل، ولقوله ﷺ : "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام"، وقال ﷺ : "لا يحل مال امروء مسلم إلا بطيب نفسه".
والمال المغصوب قد يكون عقارًا وقد يكون منقولا؛ لقوله ﷺ : "من اقتطع شبرًا من الأرض ظلما؛ طوقه سبع أرضين".
فيلزم الغاصب أن يتوب إلى الله ، ويرد المغصوب إلى صاحبه، ويطلب منه العفو؛ قال ﷺ : "من كانت عنده لأخيه مظلمة، فليتحلل منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم" يعني: يوم
стр. 598
القامة"، إن كانت له حسنات؛ أخذ من سيئات المظلوم، فطرحت عليه، وطرح في النار"، أو كما قال ﷺ .
فإن كان المغصوب باقيا؛ رده بحاله، وإن كان تالفا رد بدله.
قال الإمام الموفق: "أجمع العلماء على وجوب رد المغصوب إذا كان بحاله لم يتغير" انتهى.
وكذلك يلزمه رد المغصوب بزيادته، سواء كانت متصلة أو منفصلة؛ لأنها نماء المغصوب؛ فهي لمالكه كالأصل.
وإن كان الغاصب قد بنى في الأرض المغصوبة أو غرس فيها؛ لزمه قلع البناء والغراس إذا طالبه المالك بذلك؛ لقوله ﷺ : "ليس لعرق ظالم حق"، رواه الترمذي وغيره وحسنه.
وإن كان ذلك يؤثر على الأرض؛ لزمه غرامة نقصها، ويلزمه أيضا إزالة آثار الغراس والبناء المتبقية، حتى يسلم الأرض لمالكها سليمة.
ويلزمه أيضا دفع أجرتها منذ أن غصبها إلى أن سلمها؛ أي: أجرة مثلها؛ لأنه منع صاحبها من الانتفاع بها في هذه المدة بغير حق.
وإن غصب شيئا وحسبه حتى رخص سعره؛ ضمن نقصه على الصحيح.
стр. 599
وإن خلط المغصوب مع غيره مما يتميز كحنطة بشعير؛ لزم الغاصب تخليصه ورده، وإن خلطه بما لا يتميز كما لو خلط بمثلها؛ لزمه رد مثله كيلاً أو وزنا من غير المخلوط، وإن خلطه بدونه أو أحسن منه أو خلطه بغير جنسه مما لا يتميز؛ بيع المخلوط، وأعطي كل منهما قدر حصته من الثمن، وإن نقص المغصوب في هذه الصورة عن قيمته منفردًا؛ ضمن الغاصب نقصه.
ومما ذكروه في هذا الباب قولهم: "والأيدي المترتبة على يد الغاصب كلها أيدي ضمان"، ومعناه: أن الأيدي التي ينتقل إليها المغصوب عن طريق الغاصب كلها تضمن المغصوب إذا تلف فيها، وهذه الأيدي عشر:
يد المشتري وما في معناه، ويد المستأجر، ويد القابض تملكا بلا عوض كيد المتهب، ويد القابض لمصلحة الدافع كالوكيل، ويد المستعير، ويد الغاصب، ويد المتصرف في المال كالمضارب، ويد المتزوج للمغصوبة، ويد القابض تعويضا بغير بيع، ويد المتلف للمغصوب نيابة عن غاصبه.
وفي كل هذه الصور: إذا علن الثاني بحقيقة الحال، وأن الدافع إليه غاصب؛ فقرار الضمان عليه؛ لتعديه على ما يعلمه غير مأذون فيه من مالكه، وإن لم يعلم بحقيقة الحال؛ فالضمان على الغاصب الأول.
وإذا كان المغصوب مما جرت العادة بتأجيره؛ لزم الغاصب أجره مثله مدة بقائه بيده؛ لأن المنافع مال منقول، فوجب ضمانها كضمان العين.
стр. 600
وكل تصرفات الغاصب الحكمية باطلة؛ لعدم إذن المالك.
وإن غصب شيئا، وجهل صاحبه، ولم يتمكن من رده إليه؛ سلمه إلى الحاكم الذي يضعه في موضعه الصحيح، أو تصدق به عن صاحبه، وإذا تصدق به؛ صار ثوابه لصاحبه، وتخلص منه الغاصب.
وليس اغتصاب الأموال مقصورًا على الاستيلاء عليها بالقوة، بل ذلك يشمل الاستيلاء عليها بطريق الخصومة الباطلة والأيمان الفاجرة
قال الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ؛ فالأمر شديد والحساب عسير.
وقال النبي ﷺ : "من غصب شبرًا من الأرض طوقه من سبع أرضين"، وقال ﷺ : "من قضيت له بحق أخيه؛ فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من نار".
стр. 601
باب في أحكام الإتلافات
...
باب في أحكام الإتلفات
إن الله حرم الاعتداء على أموال الناس وابتزاز بغير حق، وشرع ضمان أتلف منها بغير حق، ولو عن طريق الخطأ.
فمن أتلف مالاً لغيره، وكان هذا المال محترما، وأتلفه بغير إذن صاحبه؛ فإنه يجب عليه ضمانه.
قال الإمام الموفق: "لا نعلم فيه خلافا، وسواء في ذلك العمد والسهو، والتكليف وعدمه".
وكذا من تسبب في إتلاف مال؛ كما لو فتح بابا فضاع ما كان مغلقا عليه، أو حل وعاء فانساب ما في الوعاء وتلف؛ ضمن ذلك.
وكذا لو حل رباط دابة أو قَيَدها فذهبت وضاعت؛ ضمنها.
وكذا لو ربط دابة بطريق ضيق، فنتج عن ذلك أن عثر بها إنسان فتلف أو تضرر؛ ضمنه لأنه قد تعدى بالربط في الطريق.
وكذا لو أوقف سيارة في الطريق، فنتج عن ذلك أن اصطدم بها سيارة أخرى أو شخص، فنجم عن ذلك ضرر؛ ضمنه؛ لما رواه الدارقطني وغيره: "من وقف دابة في سبيل المسلمين، أو في سوق من أسواقهم، فوطئت بيد أو رجل؛ فهو
стр. 602
ضامن".
وكذا لو ترك في الطريق طينا أو خشبة أو حجراً أو حفر فيه حفرة، فترتب على ذلك تلف المار أو تضرره، أو ألقى في الطريق قشر بطيخ ونحوه، أو أرسل فيها ماء فانزلق به إنسان فتلف أو تضرر؛ ضمنه فاعل هذه الأشياء في جميع هذه الصور؛ لتعديه بذلك.
وما أكثر ما يجري التساهل في هذه الأمور في وقتنا، وما أكثر ما يحفر في الطريق ويسد وتوضع فيه العراقيل، وما أكثر الأضرار الناجمة عن تلك التصرفات دون حسيب أو رقيب، حتى إن أحدهم ليستولي على الشارع، ويستعمله لأغراضه الخاصة، ويضايق المارة، ويضر بهم، ولا يبالي بما يلحقه من الإثم من جراء ذلك.
ومن الأمور الموجبة للضمان: ما لو اقتنى كلبا عقورًا فاعتدى على المارة وعقر أحدًا؛ فإنه يضمنه؛ لتعديه باقتناء هذا الكلب.
وإن حفر بئرًا في فنائه لمصلحته؛ ضمن ما تلف بها؛ لأنه يلزمه أن يحفظها بما يمنع ضرر المارة، فإذا تركها بدون ذلك؛ فهو متعد.
وإذا كان لهم بهائم؛ وجب عليه حفظها في الليل من إفساد زروع الناس، فإن تركها وأفسدت شيئا؛ ضمنه؛ لأن النبي ﷺ قضى أن: "على أهل الأموال حفظها بالنهار، وما أفسدت بالليل مضمون عليهم" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه؛ فلا يضمن صاحب البهيمة ما أتلفت
стр. 603
بالنهار؛ إلا إن أرسلها صاحبها بقرب ما تتلفه عادة.
قال الإمام البغوي ﵀: "ذهب أهل العلم إلى أن ما أفسدت الماشية المرسلة بالنهار من مال الغير؛ فلا ضمان على ربها، وما أفسدته بالليل؛ ضمنه مالكها؛ لأن في العرف أن أصحاب الحوائط والبساتين يحفظونها بالنهار، وأصحاب المواشي يحفظونها بالليل، فمن خالف هذه العادة؛ كان خارجا عن العرف، هذا إذا لم يكن مالك الدابة معها، فإن كان معها؛ فعليه ضمان ما أفسدته" انتهى.
وقد ذكر الله قصة داود وسليمان وحكمهما في ذلك، فقال سبحانه: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْما﴾ .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "صح بنص القرآن الثناء على سليمان بتفهيم الضمان بالمثل؛ فإن النفش رعي الغنم ليلاً، وكان ببستان عنب، فحكم داود بقيمة المتلف، فاتبر الغنم، فوجدها بقدر القيمة، فدفعها إلى أصحاب الحرث، وقضى سليمان بالضمان على أصحاب الغنم، وأن يضمنوا ذلك بالمثل؛ بأن يعمروا البستان حتى يعود كما كان، ولم يضيع عليهم مغلَّه من حين الإتلاف إلى حين العَود، بل أعطى أصحاب البستان ماشية أولئك؛ ليأخذوا من نمائها بقدر نماء البستان، فيستوفوا من نماء غنمه نظير ما فاتهم من نماء حرثهم، واعتبر الضمانين
стр. 604
فوجدهما سواء، وهذا هو العلم الذي خصه الله به وأثنى عليه بإدراكه" انتهى.
وإذا كانت البهيمة بيد راكب أو قائد أو سائق؛ ضمن جنايتها بمقدمها؛ كيدها وفمها، لا ما جنت بمؤخرتها كرجلها؛ لحديث: "الرجل جبار"، وفي رواية أبي هريرة: "رجل العجماء جبار"، والعجماء البهيمة، سميت بذلك لأنها لا تتكلم، وجبار بضم الجيم؛ أي: جناية البهائم هدر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "كل بهيمة عجماء؛ كالبقر والشاة وغيرها؛ فجناية البهائم غير مضمونة إذا فعلت بنفسها، كما لو انفلتت ممن هي في يده أو فسدت؛ فلا ضمان على أحد، ما لم تكن عقورًا، ولا فرط صاحبها في حفظها في الليل أو في أسواق المسلمين ومجامعهم، وكذا قال غير واحد: إنه إنما يكون جبارًا إذا كانت منفلتة ذاهبة على وجهها ليس لها قائد ولا سائق؛ إلا الضارية" انتهى.
وإذا صال عليه آدمي أو بهيمة، ولم يندفع إلا بالقتل، فقتله؛ فلا ضمان عليه؛ لأنه قتله دفاعا عن نفسه، ودفاعه عن نفسه جائز، لم يضمن
стр. 605
ما ترتب عليه، ولأن قتله لدفع شره، ولأنه إذا قتله دفعا لشره؛ كان الصائل هو القاتل لنفسه.
قال الشيخ تقي الدين: "عليه أن يدفع الصائل عليه، فإن لم يندفع إلا بالقتل؛ كان له ذلك باتفاق العلماء".
ومما لا ضمان في إتلافه: آلات اللهو، والصليب، وأواني الخمر، وكتب الضلال والخرافة والخلاعة والمجون، لما روى أحمد عن ابن عمر: "أن النبي ﷺ أمره أن يأخذ مدية، ثم خرج إلى أسواق المدينة، وفيها زقاق الخمر قد جلبت من الشام، فشققت بحضرته، وأمر أصحابه بذلك"؛ فدل الحديث على إتلافها وعدم ضمانها، لكن لابد أن يكون إتلافها بأمر السلطة ورقابتها؛ ضمانا للمصلحة، ودفعا للمفسدة.
стр. 606
باب في أحكام الوديع
الإيداع: توكيل في الحفظ تبرعا.
والوديعة لغة: من ودع الشيء إذا تركه، سميت بذلك لأنها متروكة عند المودع. وهي شرعا: اسم للمال المودَع عند من يحفظه بلا عوض.
ويشترط لصحة الإيداع: ما يعتبر للتوكيل من البلوغ والعقل والرشد؛ لأن الإيداع توكيل في الحفظ.
ويستحب قبول الوديعة لمن علم من نفسه أنه ثقة قادر على حفظها؛ لأن في ذلك ثوابا جزيلاً؛ لما في الحديث عن النبي ﷺ : "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"، ولحاجة الناس إلى ذلك، أما من لا يعلم من نفسه القدرة على حفظها، فيكره له قبولها.
ومن أحكام الوديعة: أنها إذا تلفت عند المودَع ولم يفرط؛ فإنه لا يضمنها؛ كما لو تلفت من بين ماله؛ لأنها أمانة، والأمين لا يضمن إذا لم يتعد، وورد في حديث فيه ضعف أن النبي ﷺ قال: "من أودع وديعة؛ فلا ضمان عليه"، رواه ابن ماجه، ورواه الدارقطني بلفظ: "ليس على
стр. 607
المستودَع غير المُغِل ضمان"، والمُغِل: الخائن، وفي رواية بلفظ: "لا ضمان على مؤتمن"، ولأن المستودَع يحفظها تبرعا، فلو ضمن؛ لامتنع الناس من قبول الودائع، فيترتب على ذلك الضرر بالناس وتعطل المصلحة.
أما المعتدي على الوديعة أو المفرط في حفظها؛ فإنه يضمنها إذا تلفت؛ لأنه متلف لمال غيره.
ومن أحكام الوديعة: أنه يجب على المودَع حفظها في حرز مثلها كما يحفظ ماله؛ لأن الله تعالى أمر بأدائها في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ﴾ ، ولا يمكن أداؤها إلا بحفظها، ولأن المودَع حينما قبل الوديعة؛ فقد التزم بحفظها، فيلزمه ما التزم به.
وإذا كانت الوديعة دابة؛ لزم المودَع إعلافها، فلو قطع العلف عنها بغير أمر صاحبها، فتلفت؛ ضمنها؛ لأن إعلاف الدابة مأمور به، ومع كونه يضمنها؛ فإنه يأثم أيضا بتركه إعلافها أو سقيها حتى ماتت؛ لأنه يجب عليه علفها وسقيها لحق الله تعالى، لأن لها حرمة.
ويجوز للمودَع أن يدفع الوديعة إلى من يحفظ ماله عادة؛ كزوجته وعبده وخازنه وخادمه، وإن تلفت عند أحد من هؤلاء من غير تعد ولا تفريط؛ لم يضمن؛ لأن له أن يتولى حفظها بنفسه أو من يقوم مقامه،
стр. 608
وكذا لو دفعها إلى من يحفظ مال صاحبها؛ برئ منها؛ لجريان العادة بذلك.
أما لو سلمها إلى أجنبي منه ومن صاحبها، فتلفت؛ ضمنها المودَع لأنه ليس له أن يودعها عند غيره من غير عذر؛ إلا إذا كان إيداعها عند الأجنب لعذر اضطره إلى ذلك؛ كما لو حضره الموت أو أراد سفرًا ويخاف عليها إذا أخذها معه؛ فلا حرج عليه في ذلك، ولا يضمن إذا تلفت.
وإن حصل خوف، أو أراد المودَع أن يسافر؛ فإنه يجب عليه رد الوديعة إلى صاحبها أو وكيله، فإن لم يجد صاحبها ولا وكيله؛ فإنه يحملها معه في السفر إذا كان ذلك أحفظ لها، فإن لم يكن السفر أحفظ لها؛ دفعها إلى الحاكم؛ لأن الحاكم يقوم مقام صاحبها عند غيبته، فإن لم يكن إيداعها عند الحاكم؛ أودعها ثقة؛ لأن النبي ﷺ لما أراد أن يهاجر؛ أودع الودائع التي كانت عنده لأم أيمن ﵂، وأمر عليا أن يردها إلى أهلها، وكذا من حضرة الموت وعنده ودائع للناس؛ فإنه يجب عليه ردها إلى أصحابها، فإن لم يجدهم؛ أودعها عند الحاكم أو عند ثقة.
والتعدي على الوديعة يوجب ضمانها إذا تلفت؛ كما لو أودع دابة فركبها لغير علفها أو سقيها، أو أودع ثوبا فلبسه لغير خوف من عث، وكما لو أودع دراهم في حرز فأخرجها من حرزها، أو كانت مشدودة فأزال الشد عنها؛ فإنه يضمن الوديعة إذا تلفت في هذه الحالات؛ لأنه قد تعدى بتصرفه هذا.
стр. 609
والمودَع أمين يُقبل قوله إذا ادَّعى أنه ردها صاحبها أو من يقوم مقامه، ويقبل قوله أيضا إذا ادَّعى أنها تلفت من غير تفريطه مع يمينه؛ لأنه أمين؛ لأن الله تعالى: سماها أمانة بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ﴾ ، والأصل براءته إذا لم تقم قرينة على كذبه، وكذا لو ادَّعى تلفها بحادث ظاهر كالحريق؛ فإنه لا يقبل قوله إلا إذا أقام بينة على وجود ذلك الحادث.
ولو طلب منه صاحب الوديعة ردها إليه، فتأخر من غير عذر حتى تلفت؛ ضمنها؛ لأنه فعل محرما بإمساكها بعد طلب صاحبها لها، والله أعلم.
стр. 610
كتاب إحياء الموات وتملّك المباحات
باب في أحكام أحياء الموات
...
باب في أحكام أحياء الموات
الموات فتح الميم والواو: هو ما لا روح فيه، والمراد به هنا الأرض التي لا مالك لها
ويعرفه الفقهاء ﵏: بأنه الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم
فيخرج بهذا التعريف شيئان:
الأول: ما جرى عليه ملك معصوم من مسلم وكافر بشراء أو عطية أو غيرها.
والثاني: ما تعلقت به مصلحة ملك المعصوم؛ كالطريق والأفنية ومسيل المياه، أو تعلقت به مصالح العامر من البلد كدفن الموتى وموضع القمامة والبقاع المرصدة لصلاة العيدين والمحتطبات والمراعي؛ فكل ذلك لا يملك بالإحياء.
فإذا خلت الأرض عن ملك معصوم واختصاصه، وأحياها شخص؛ ملكها؛ لحديث جابر ﵁ مرفوعا: "من أحيا أرضا ميتة؛ فهي
стр. 611
له"، رواه أحمد والترمذي وصححه، وورد بمعناه أحاديث، وبعضها في "صحيح البخاري".
وعامة فقهاء الأمصار على أن الموات يملك بالإحياء، وإن اختلفوا في شروطه؛ إلا موات الحرم وعرفات؛ فلا يملك بالإحياء؛ لما فيه من التضييق في أداء المناسك، واستيلائه على محل الناس فيه سواء.
ويحصل إحياء الموات بأمور:
الأول: إذا أحاط بحائط منيع مما جرت العادة به؛ فقد أحياه؛ لقوله ﷺ : "من أحاط حائطا على أرض؛ فهي له"، رواه أحمد وأبو داود عن جابر، وصححه ابن الجارود، وعن سمرة مثله، وهو يدل على أن التحويط على الأرض مما يستحق به ملكها، والمقدار المعتبر ما يسمى حائطا، أما لو أدار حول الموت أحجارًا ونحوها كتراب أو جدار صغير لا يمنع ما وراءه أو حفر حولها خندقا؛ فإنه لا يملكه بذلك، لكن يكون أحق بإحيائه من غيره، ولا يجوز له بيعه إلا بإحيائه.
стр. 612
الثاني: إذا حفر في الأرض الموات بئرًا فوصل إلى مائها؛ فقد أحياها؛ فإن حفر البئر ولم يصل إلى الماء؛ لم يملكها بذلك، وإنما يكون أحق بإحيائها من غيره؛ لأنه شرع في إحيائها.
الثالث: إذا أوصل إلى الأرض الموات ماء أجراه من عين أو نهر؛ فقد أحياها بذلك؛ لأن نفع الماء للأرض أكثر من الحائط.
الرابع: إذا حبس عن الأرض الموات الماء الذي كان يغمرها ولا تصلح معه للزراعة، فحبسه عنها حتى أصبحت صالحة لذلك؛ فقد أحياها؛ لأن نفع الأرض بذلك أكثر من نفع الحائط الذي ورد في الدليل أنه يملكها بإقامته عليها.
ومن العلماء من يرى إن إحياء الموات لا يقف عند هذه الأمور، بل يرجع فيه إلى العرف؛ فما عده الناس إحياء؛ فإنه يملك به الأرض الموات، واختار ذلك جمع من أئمة الحنابلة وغيرهم؛ لأن الشرع ورد بتعليق الملك عليه ولم يبينه، فوجب الرجوع إلى ما كان إحياء في العرف.
ولإمام المسلمين إقطاع الأرض الموات لمن يحييها؛ لأن النبي ﷺ أقطع بلال بن الحارث العقيق، وأقطع وائل بن حجر أرضا
стр. 613
بحضرموت، وأقطع عمر وعثمان وجمعا من الصحابة، لكن لا يملكه بمجرد الإقطاع حتى يحييه، بل يكون أحق به من غيره، فإن أحياه؛ ملكه، وإن عجز عن إحيائه؛ فللإمام استرجاعه وإقطاعه لغيره ممن يقدر على إحيائه؛ لأن عمر بن الخطاب ﵁ استرجع الإقطاعات من الذين عجزوا عن إحيائها.
ومن سبق إلى مباح غير الأرض الموات؛ كالصيد، والحطب؛ فهو أحق به١.
وإذا كان يمر بأملاك الناس ماء مباح "أي: غير مملوك" كماء النهر وماء الوادي؛ فللأعلى أن يسقي منه ويحبس الماء إلى الكعب ثم يرسله للأسفل ممن يليه، ويفعل الذي يليه كذلك ثم يرسله لمن بعده.. وهكذا؛ لقول النبيصلى الله عليه وسلم: "اسق ياربير! ثم احبس الماء حتى يصل إلى الجدر"، متفق عليه.
стр. 614
وذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري؛ قال: نظرنا إلى قول النبي ﷺ : "ثم احبس الماء حتى يصل إلى الجدر"؛ فكان ذلك إلى الكعبين؛ أي: قاسوا ما وقعت فيه القصة، فوجدوه يبلغ الكعبين، فجعلوا ذلك معيارًا لاستحقاق الأول فالأول.
وروى أبو داود وغيره عن عمر بن شعيب؛ أنه ﷺ قضى في سيل مهزور "واد بالمدينة مشهور": "أن يمسك الأعلى حتى يبلغ السيل الكعبين، ثم يرسل الأعلى على الأسفل".
أما إن كان الماء مملوكا؛ فإنه يقسم بين الملاك بقدر أملاكهم، ويتصرف كل واحد في حصته بما شاء.
ولإمام المسلمين أن يحمي مرعى لمواشي بيت مال المسلمين؛ كخيل الجهاد، وإبل الصدقة؛ ما لم يضرهم بالتضييق عليهم؛ لما روى ابن عمر ﵄: "أن النبي ﷺ حمى النقيع لخيل المسلمين"؛ فيجوز للإمام أن يحمي العشب في أرض الموات لإبل الصدقة وخيل المجاهدين ونعم الجزية والضوال إذا احتاج إلى ذلك ولم يضيق على المسلمين.
стр. 615
باب في أحكام الجعالة
وتسمى الجُعل والجَعِيلة أيضا وهي ما يعطاه الإنسان على أمر يفعله؛ كأن يقول: من فعل كذا؛ فله كذا من المال؛ بأن يجعل شيئا معلوما من المال لمن يعمل له عملاً معلوما؛ كبناء حائط.
ودليل جواز ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ؛ أي: لمن دل على سارق صواع الملك حمل بغير، وهذا جعل، فدلت الآية على جواز الجعالة.
ودليلها من السنة: حديث اللديع، وهو في "الصحيحين" وغيرهما من حديث أبي سعيد: أنهم نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا، فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء، فأتوهم، فقالوا: هل عند أحد منكم من شيء؟ قال بعضهم: إني والله لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا؛ فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلاً. فصالحوهم على قطيع من غنم، فانطلق ينفث عليه ويقرأ: "الحمد لله رب العالمين"؛ فكأنما نشط من عقال، فأوفوهم جعلهم، وقدموا على النبي ﷺ ، فذكروا ذلك له، فقال: "أصبتم،
стр. 616
اقتسموا واجعلوا لي معكم سهما".
فمن عمل العمل الذي جُعلت عليه الجُعالة بعد عمله بها؛ استحق الجُعل؛ لأن العقد استقر بتمام العمل، وإن قام بالعمل جماعة؛ اقتسموا الجُعل الذي عليه بالسوية؛ لأنهم اشتركوا في العمل الذي يُستحق به العِوض فاشتركوا في العِوض، فإن عمل العمل قبل علمه بما جُعل عليه؛ لم يستحق شيئا؛ لأنه عمل غير مأذون فيه، فلم يستحق به عوضا، وإن علم بالجُعل في أثناء العمل؛ أخذ من الجعل ما عمله بعد العلم.
والجُعالة عقد، جائز لكل من الطرفين فسخها، فإن كان الفسخ من العامل؛ لم يستحق شيئا من الجُعل؛ لأنه أسقط حق نفسه، وإن كان الفسخ من الجاعل، وكان قبل الشروع في العمل؛ فللعامل أجره مثل عمله؛ لأنه عمله بعوض لم يسلم له.
والُجعالة تخالف الإجارة في مسائل:
منها: أن الجُعالة لا يشترط لصحتها العلم بالعمل المُجاعل عليه؛ بخلاف الإجارة؛ فإنها يشترط فيها أن يكون العمل المؤاجر عليه معلوما.
ومنها: أن الجعالة لا يشترط فيها معرفة مدة العمل؛ بخلاف الإجازة؛ فإنها يشترط فيها أن تكون مدة العمل معلومة.
стр. 617
ومنها: أن الجُعالة يجوز فيها الجمع بين العمل والمدة، كأن يقول: من خاط هذا الثوب في يوم؛ فله كذا، فإن خاطه في اليوم؛ استحق الجُعل، وإلا؛ فلا؛ بخلاف الإجارة؛ فإنها لا يصح فيها الجمع بين العمل والمدة.
ومنها: أن العامل في الجُعالة لم يلتزم العمل؛ بخلاف الإجارة؛ فإن العامل فيها قد التزم بالعمل.
ومنها: أن الجُعالة لا يشترط فيها تعيين العامل؛ بخلاف الإجارة؛ فإنها يشترط فيها ذلك.
ومنها: أن الجعالة عقد جائز لكل من الطرفين فسخها بدون إذن الآخر؛ بخلاف الإجارة؛ فإنها عقد لازم لا يجوز لأحد الطرفين فسخها؛ إلا برضى الطرف الآخر.
وقد ذكر الفقهاء ﵏ أن من عمل لغيره عملاً بغير جُعل ولا إذن من صاحب العمل؛ لم يستحق شيئا؛ لأنه بذل منفعة من غير عوض، فلم يستحقه، ولأنه لا يلزم الإنسان شيء لم يلتزمه؛ إلا أنه يستثني من ذلك شيئان:
الأول: إذا كان العامل قد أعد نفسه للعمل بالأجرة كالدلال والحمال ونحوهما؛ فإنه إذا عمل عملاً بإذن يستحق الأجرة، لدلالة العرف على ذلك، ومن لم يعد نفسه للعمل؛ لم يستحق شيئا، ولو أذن له؛ إلا بشرط.
الثاني: من قام بتخليص متاع غيره من هلكة؛ كإخراجه من البحر
стр. 618
أو الحرق أو وجده في مهلكة يذهب لو تركه؛ فله أجرة المثل، وإن لم يأذن له ربه؛ لأنه يخشى هلاكه وتلفه على صاحبه، ولأن في دفع الأجرة ترغيبا في مثل هذا العمل، وهو إنقاذ الأموال من الهلكة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "من استنقذ مال غيره من الهلكة ورده؛ استحق أجرة المثل، ولو بغير شرط، في أصح القولين، وهو منصوص أحمد وغيره".
وقال العلامة ابن القيم ﵀: "فمن عمل في مال غيره عملاً بغير إذنه ليتوصل بذلك العمل إلى غيره أو فعله حفاظا لمال المالك وإحرازاً له من الضياع؛ فالصواب أنه يرجع عليه بأجرة عمله، وقد نص عليه أحمد في عدة مواضع" انتهى.
стр. 619
باب في أحكام اللقطة
اللقطة بضم اللام وفتح القاف هي: مال ضل عن صاحبه غير حيوان، وهذا الدين الحنيف جاء بحفظ المال ورعايته، وجاء باحترام مال المسلم والمحافظة عليه، ومن ذلك اللقطة.
فإذا ضل مال عن صاحبه؛ فلا يخلو من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يكون مما لا يتبعه همة أوساط الناس؛ كالسوط، والرغيف والثمرة، والعصا؛ فهذا يملكه آخذه وينتفع به بلا تعريف؛ لما روى جابر قال: "رخص رسول الله ﷺ في العصا والسوط والحبل يلتقطه الرجل"، رواه أبو داود.
الحالة الثانية: أن يكون مما يمتنع من صغار السباع: إما لضخامته كالإبل والخيل والبقر والبغال، وإما لطيرانه كالطيور، وإما لسرعة عدوها كالظباء، وإما لدفعها عن نفسها بنابها كالفهود؛ فهذا القسم بأنواعه يحرم التقاطه، ولا يملكه آخذه بتعريفه؛ لقوله ﷺ لما سئل عن ضالة الإبل: "مالك ولها؟! معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر، حتى يجدها ربها"، متفق عليه، وقال عمر: "من أخذ الضالة؛ فهو ضال"؛ أي: مخطئ، وقد حكم ﷺ في الحديث بأنها لا تلتقط، بل تترك ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها
стр. 620
ربها.
ويلحق بذلك الأدوات الكبيرة؛ كالقدر الضخمة والخشب والحديد وما يحتفظ بنفسه ولا يكاد يضيع ولا ينتقل من مكانه، فيحرم أخذه كالضوال، بل هو أولى.
الحالة الثالثة: أن يكون المال الضال من سائر الأموال؛ كالنقود والأمتعة وما لا يمتنع من صغار السباع؛ كالغنم والفصلان والعجول؛ فهذا القسم إن أمن واجده نفسه عليه؛ جاز التقاطه، وهو ثلاثة أنواع:
النوع الأول: حيوان مأكول؛ كفصيل وشاة ودجاجة،.. فهذا يلزم واجده إذا أخذه الأحظ لمالكه من أمور ثلاثة:
أحدها: أكله وعليه قيمته في الحال.
الثاني: بيعه الاحتفاظ بثمنه لصاحبه بعد معرفة أوصافه.
الثالث: حفظه والإنفاق عليه من مال، ولا يملكه، ويرجع بنفقته على مالكه إذا جاء واستلمه؛ لأنه ﷺ لما سئل عن الشاة؛ قال: "خذها؛
стр. 621
فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب" متفق عليه، ومعناه: أنها ضعيفة، معرضة للهلاك، مترددة بين أن تأخذها أنت أو يأخذها غيرك أو يأكلها الذئب.
قال ابن القيم في الكلام على هذا الحديث الشريف: "فيه جواز التقاط الغنم، وأن الشاة إذا لم يأت صاحبها؛ فهي ملك الملتقط، فيخير بين أكلها في الحال وعليه قيمتها، وبين بيعها وحفظ ثمنها، وبين تركها١ والإنفاق عليها من مالهن وأجمعوا على أنه لو جاء صاحبها قبل أن يأكلها الملتقط؛ له أخذها".
النوع الثاني: ما يخشى فساده؛ كبطيخ وفاكهة، فيفعل الملتقط الأحظَّ لمالكه من أكله ودفع قيمته لمالكه، وبيعه وحفظ ثمنه حتى يأتي مالكه.
النوع الثالث: سائر الأموال ما عدا القسمين السابقين؛ كالنقود والأواني، فيلزمه حفظ الجميع أمنة بيده، والتعريف عليه في مجامع الناس.
ولا يجوز له أخذ اللقطة بأنواعها إلا إذا أمن نفسه عليها وقوى على تعريف ما يحتاج إلى تعريف؛ لحديث زيد بن خالد الجهني ﵁؛ قال: سئل النبي ﷺ عن لقطة الذهب والورق؟ فقال: "اعرف وكاءها وعفاصها، ثم عرفها سنة، فإن لم تعرف؛ فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يوما من الدهر؛ فادفعها إليه"، وسأله
стр. 622
عن الشاة؟، فقال: "فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب"، وسئل عن ضالة الإبل؟، فقال: "ما لك ولها؟!، معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر، حتى يجدها ربها"، متفق عليه.
ومعنى قوله ﷺ : "اعرف وكاءها وعفاصها": الوكاء: ما يربط به الوعاء الذي تكون فيه النفقة. والعفاص: الوعاء الذي تكون فيه الفقة.
ومعنى قوله ﷺ : "ثم عرفها سنة"؛ أي: اذكرها للناس في مكان اجتماعهم من الأسواق وأبواب المساجد والمجامع والمحافل، "سنة"؛ أي: مدة عام كامل؛ ففي الأسبوع الأول من التقاطها ينادى عليها كل يوم؛ لأن مجيء صاحبها في ذلك الأسبوع أحرى، ثم بعد الأسبوع ينادى عليها حسب عادة الناس في ذلك.
والحديث يدل على وجوب التعريف باللقطة، وفي قوله ﷺ : "اعرف وكاءها وعفاصها": دليل على وجوب معرفة صفاتها، حتى إذا جاء صاحبها ووصفها وصفا مطابقا لتلك الصفات؛ دفعت إليه، وإن اختلف وصفه لها عن الواقع؛ لم يجز دفعها إليه.
وفي قوله ﷺ : "فإن لم تعرف؛ فاستنفقها": دليل على المتلقط يملكها بعد الحول وبعد التعريف، لكن لا يتصرف فيها قبل معرفة صفاتها؛ أي: حتى يعرف وعاءها ووكاءها وقدرها وجنسها وصفتها، فإن جاء صاحبها بعد الحول، ووصفها بما ينطبق على تلك الأوصاف؛ فدعها إليه لقوله ﷺ : "فإن جاء طالبها يوما من الدهر؛ فادفعها إليه".
وقد تبين مما سبق أنه يلزم نحو اللقطة أمور:
стр. 623
أولاً: إذا وجدها؛ فلا يقدم على أخذها إلا إذا عرف من نفسه الأمانة في حفظها والقوة على تعرفها بالنداء عليها حتى يعثر على صاحبها، ومن لا يأمن نفسه عليها؛ لم يجز له أخذها، فإن أخذها؛ فهو كغاصب؛ لأنه أخذ مال غيره على وجه لا يجوز له أخذه، ولما في أخذها حينئذ من تضييع مال غيره.
ثانيا: لا بد له قبل أخذها من ضبط صفاتها بمعرفة وعائها ووكائها وقدرها وجنسها وصفها، والمراد بوعائها ظرفها الذي هي فيه كيسا كان أو خرقة، والمراد بوكائها ما تشد به؛ لأن النبي ﷺ أمر بذلك، والأمر يقتضي الوجوب.
ثالثا: لا بد من النداء عليها وتعريفها حولاً كاملاً في الأسبوع الأول كل يوم ثم بعد ذلك، وتكون المناداة عليها في مجامع الناس كالأسواق وعند أبواب المساجد في أوقات الصلوات، ولا ينادي عليها في المساجد؛ لأن المساجد لم تبن لذلك؛ لقوله ﷺ : "من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد؛ فليقل: لا ردها الله عليك".
رابعا: إذا جاء طالبها، فوصفها بما يطابق وصفها؛ وجب دفعها إليه بلا بينة ولا يمين؛ لآمره ﷺ بذلك، ولقيام صفتها مقام البينة واليمين، بل ربما يكون وصفة لها أظهر وأصدق من البينة واليمين، ويدفع معها نماءها
стр. 624
المتصل والمنفصل، وأما إذا لم يقدر على وصفها؛ فإنها لا تدفع إليه؛ لأنها أمانة في يده؛ فلم يجز دفعها إلى من لم يثبت أنه صاحبها.
خامسا: إذا لم يأت صاحبها بعد تعريفها حولاً كاملاً؛ تكون ملكا لواجدها، ولكن يجب عليه قبل التصرف فيها ضبط صفاتها؛ بحيث لو جاء صاحبها في أي وقت، ووصفها؛ ردها عليه إن كانت موجودة، أو رد بدلها إن لم تكن موجودة؛ لأن ملكه لها مراعى يزول بمجيء صاحبها.
سادسا: واختلف العلماء في لقطة الحرم: هل هي كلقطة الحل تملك بالتعريف بعد مضي الحول أو لا تملك مطلقا؟. فبعضهم يرى أنها بذلك؛ لعموم الأحاديث، وذهب الفريق الآخر إلى أنها لا تملك، بل يجب تعريفها دائما، ولا يملكها؛ لقوله في مكة المشرفة: "ولا تحل لقطتها إلا لمعرف".
واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ حيث قال: "لا تملك بحال؛ للنهي عنها، ويجب تعريفها أبدًا"، وهو ظاهر الخبر في النهي عنها.
سابعا: من ترك حيوانا بفلاة لانقطاعه بعجزه عن المشي أو عجز صاحبه عنه؛ ملكه آخذه؛ لخبر: "من وجد دابة قد عجز أهلها عنها، فسيبوها، فأخذها؛ فهي له"، ولأنها تركت رغبة عنها فأشبهت سائر ما ترك رغبة عنه،
стр. 625
ومن أخذ نعله ونحوه من متاعه ووجد في موضعه غيره؛ فحكمه حكم اللقطة، لا يملكه بمجرد وجوده، بل لا بد من تعريفه، وبعد تعريفه يأخذ منه قدر حقه ويتصدق بالباقي.
ثامنا: إذا وجد الصبي والسفيه لقطه، فأخذاها؛ فإن وليه يقوم مقامه بتعريفها، ويلزم أخذها منهما؛ لأنهما ليسا بأهل للأمانة والحفظ، فإن تركها في يدهما، فتلفت؛ ضمنها؛ لأنه مضيع لها، فإذا عرفها وليهما، فلم تعرف، ولم يأت لها أحد؛ فهي لهما ملكا مراعي؛ كما حق الكبير والعاقل.
تاسعا: لو أخذها من موضع ثم ردها فيه؛ ضمنها؛ لأنها أمانة حصلت في يده؛ فلزمه حفظها كسائر الأمانات، وتركها تضييع لها.
تنبيه:
من هدي الإسلام شأن اللقطة تدرك عنايته بالأموال وحفظها وعنايته بحرمة مال المسلم وحفاظه عليه.
وفي الجملة؛ ندرك من ذلك كله حث الإسلام على التعاون على الخير.
نسأل الله سبحانه أن يثبتنا جميعا على الإسلام ويتوفانا مسلمين.
стр. 626
باب في أحكام اللقيط
أحكام اللقيط لها علاقة كبيرة بأحكام اللقطة؛ إذ اللقطة تختص بالأموال الضائعة.
واللقيط هو الإنسان الضائع.
مما به يظهر شمول أحكام الإسلام لكل متطلبات الحياة، وسبقه في كل مجال حيوي مفيد، على نحو يفوق ما تعارف عليه عالم اليوم من إقامة دور الحضانة والملاجئ للحفاظ على الأيتام ومن لا عائل لهم من الأطفال والعجزة.
ومن ذلك عناية الإسلام بأمر اللقيط، وهو الطفل الذي يوجد منبوذًا أو يضل عن أهله ولا يعرف نسبه في الحالين.
فيجب على من وجده على تلك الحال أن يأخذه وجوبا كفائيا، إذا قام به من يكفي؛ سقط الإثم عن الباقين، وإن تركه الكل؛ أثموا، مع إمكان أخذهم له؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ؛ فعموم الآية يدل على وجوب أخذ اللقيط؛ لأنه من التعاون على البر والتقوى، ولأن في أخذه إحياء لنفسه؛ فكان واجبا كإطعامه عند الضرورة وإنجائه من الغرق.
стр. 627
واللقيط حر في جميع الأحكام؛ لأن الحرية هي الأصل، والرق عارض، فإذا لم يعلم؛ فالأصل عدمه.
وما وجد معه من المال أو وجد حوله؛ فهو له؛ عملاً بالظاهر، ولأن يده عليه، فينفق عليه منه ملتقطه بالمعروف؛ لولا يته عليه، وإن لم يوجد معه شيء؛ أنفق عليه من بيت المال؛ لقول عمر ﵁ للذي أخذ اللقيط لما وجده: "اذهب؛ فهو حر، ولك ولاؤه، وعلينا نفقته"، ومعنى ولاؤه: ولايته، وقوله: "وعلينا نفقته"؛ يعني: من بيت مال المسلمين.
وفي لفظ أن عمر ﵁ قال: "وعلينا رضاعه"؛ يعني: في بيت المال؛ فلا يجب على الملتقط الإنفاق عليه ولا رضاعه، بل يجب ذلك في بيت المال، فإن تعذر؛ وجببت نفقه على من علم بحاله من المسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ، ولما في ترك الإنفاق عليه من هلاكه، ولأن الإنفاق عليه من باب المواساة؛ كقرى الضيف.
وحكمه من ناحية الدين: أنه إن وجد في دار الإسلام أو في بلد كفار يكثر فيها المسلمون؛ فهو مسلم؛ لقوله ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة"،
стр. 628
وإن وجد في بلد كفار خالصة، أو يقل فيها عدد المسلمين؛ فهو كافر تبعا للدار.
وحضانته تكون لواجده إذا كان أمينا؛ لأن عمر ﵁ أقر اللقيط في يد أبي جميلة حين علم أنه رجل صالح، قال: "لك ولاؤه"؛ أي: ولايته، ولسبقه إليه؛ فكان أولى به.
وينفق عليه واجده مما وجد معه من نقد أو غيره؛ لأنه وليه، وينفق عليه بالمعروف.
فإن كان واجده لا يصلح لحضانته؛ لكونه فاسقا أو كافرًا واللقيط مسلم؛ لم يُقَرَّ بيده؛ لانتقاء ولاية الفاسق وولاية الكافر على المسلم؛ لأنه يفتنه عن دينه.
وكذلك لا تقر حضانته بيد واجده إذا كان بدويا يتنقل في المواضع؛ لأن في ذلك إتعابا للصبي، فيؤخذ منه ويدفع إلى المستقر في البلد؛ لأن مقام الطفل في الحضر أصلح له في دينه وأحرى للعثور على أهله ومعرفة نسبه.
وميراث اللقيط إذا مات وديته إذا جني عليه بما يوجب الدية يكونان لبيت المال إذا لم يكن له من يرثه من ولده، وأن كان له زوجة؛ فلها الربع.
ووليه في القتل العمد العدوان الإمام؛ لأن المسلمين يرثونه، والإمام ينوب عنهم، فيجير بين القصاص والدية لبيت المال؛ لأنه ولي من لا ولي له.
стр. 629
وإن جني عليه فيما دون النفس عمدًا؛ انتظر بلوغه ورشده ليقتص عند ذلك أو يعفو.
وإن أقر رجل أو أقرت امرأة بأن اللقيط ولده أو ولدها؛ لحق به؛ لأن في ذلك مصلحة له باتصال نسبه، ولا مضرة على غيره فيه؛ بشرط أن ينفرد بادعائه نسبه مصلحه له باتصال نسبه، ولا مضرة على غيره فيه؛ بشرط أن ينفرد بادعائه نسبه، وأن يمكن كونه منه، وإن ادعاه جماعة؛ قدم ذو البينة، وإن لم يكن لأحد منهم بينة، أو كانت لهم بينات متعارضة؛ عرض معهم على القافة، فمن ألحقته القافة به؛ لحقه؛ لقضاء عمر ﵁ بذلك بمحضر من الصحابة ﵃ والقافة يعرفون الأنساب بالشبه، ويكفي قائف واحد، ويشترط فيه أن يكون ذكرًا عدلاً مجربا في الإصابة.
стр. 630
باب في أحكام الوقف
الوقف هو: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة.
والمراد بالأصل: ما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه كالدور الدكاكين والبساتين ونحوها.
والمراد بالمنفعة: الغلة الناتجة عن ذلك الأصل كالثمرة والأجر وسكنى الدار ونحوها.
وحكم الوقف: أنه قربة مستحبة في الإسلام.
والدليل على ذلك السنة الصحيحة:
ففي "الصحيحين": أن عمر ﵁ قال: يا رسول الله! إني أصبحت مالاً بخيبر لم أصب قط مالاً أنفس عندي منه؛ فما تأمرني فيه؟ قال: "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، غير أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث"، فتصدق بها عمر في الفقراء وذوي القربى والرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف.
وروى مسلم في "صحيحه" عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا مات
стр. 631
ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به من بعده، أو ولد صالح يدعو له".
وقال جابر: " م يكن أحد من أصحاب رسول الله ذو مقدرة إلا وقف".
وقال القرطبي ﵀: "ولا خلاف بين الأئمة في تحبيس القناطر والمساجد، واختلفوا في غير ذلك".
ويشترط أن يكون الواقف جائز التصرف؛ بأن يكون بالغا حرًا رشيدًا؛ فلا يصح الوقف من الصغير والسفيه والمملوك.
وينعقد الوقف بأحد أمرين:
الأول: القول الدال على الوقف؛ كأن يقول: وقفت هذا المكان، أو جعلته مسجدًا.
الأمر الثاني: الفعل الدال على الوقف في عرف الناس كمن جعل داره مسجدًا، وأذن للناس في الصلاة فيه إذنا عاما؛ أو جعل أرضه مقبرة، وأذن للناس في الدفن فيها.
وألفاظ التوقيف قسمان:
القسم الأول: ألفاظ صريحة؛ كأن يقول: وقفت، وحبست،
стр. 632
وسبلت، وسميت..هذه الألفاظ صريحة؛ لأنها لا تحتمل غير الوقف؛ فمتى أتى بصيغة منها؛ صار وقفا، من غير انضمام أمر زائد إليها.
والقسم الثاني: ألفاظ كناية؛ كأن يقول: تصدقت، وحرمت، وأبّدت.. سميت كناية لأنها تحمل معنى الوقف وغيره؛ فمتى تلفظ بواحد من هذه الألفاظ؛ اشترط اقتران نية الوقف معه، أو اقتران أحد الألفاظ الصريحة أو الباقي من ألفاظ الكناية معه، واقتران الألفاظ الصريحة؛ كأن يقول: تصدقت بكذا صدقة موقوفة أو محبسة أو مسبلة أو محرمة أو مؤبدة، واقتران لفظ الكناية بحكم الوقف؛ كأن يقول: تصدقت بكذا صدقة لا تباع ولا تورث.
ويشترط لصحة الوقف شروط، وهي:
أولاً: أن يكون الواقف جائز التصرف كما سبق.
ثانيا: أن يكون الموقوف مما ينتفع به انتفاعا مستمرًا مع بقاء عينه؛ فلا يصح وقف ما لا يبقى بعد الانتفاع به؛ كالطعام.
ثالثا: أن يكون الموقوف معينا؛ فلا يصح وقف غير المعين؛ كما لو قال: وقفت عبدًا من عبيدي وبيتا من بيوتي.
رابعا: أن يكون الوقف على بر؛ لأن المقصود به التقرب إلى الله تعالى؛ كالمساجد والقناطر والمساكين والسقايات وكتب العلم والأقارب؛ فلا يصح الوقف على غير جهة بر؛ كالوقف على معابد الكفار، وكتب الزندقة، والوقف على الأضرحة لتنويرها أو تبخيرها، أو على سدنتها؛ لأن ذلك إعانة على المعصية والشرك والكفر.
стр. 633
خامسا: ويشترط لصحة الوقف إذا كان على معين أم يكون ذلك المعين يملك ملكا ثابتا؛ لأن الوقف تمليك؛ فلا يصح على من لا يملك؛ كالميت والحيوان.
سادسا: ويشترط لصحة الوقف أن يكون منجزًا؛ فلا يصح الوقف المؤقت ولا المعلق؛ إلا إذا علقه على موته؛ صح ذلك؛ كأن يقول إذا مت؛ فبيتي وقف على الفقراء؛ لما روى أبو دواد: "أوصى عمر إن حدث به حدث؛ فإن سمعا "أرض له" صدقة"، واشتهر، ولم ينكر، فكان إجماعا، ويكون الوقف المعلق على الموت من ثلث المال؛ لأنه يكون في حكم الوصية.
ومن أحكام الوقف: أنه يجب العمل بشرط الواقف إذا كان لا يخالف الشرع؛ لقوله ﷺ : "المسلمون على شروطهم؛ إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالاً"، ولأن عمر ﵁ وقف وقفا وشرط فيه شرطان ولو لم يجب إتباع شرط تقديما لبعض المستحقين على بعض أو جمعهم أو اشترط اعتبار وصف في المستحق أو اشترط عدمه أو شرط النظر على الوقف وغير ذلك؛ لزم العمل بشرطه؛ ما لم يخالف كتابا ولا سنة.
فإن لم يشترط شيئا؛ استوى في الاستحقاق الغني والفقير والذكر والأنثى من الموقوف عليهم.
стр. 634
وإذا لم يعين ناظرًا للوقف، أو عين شخصا ومات؛ فالنظر يكون للموقوف عليه إن كان معينا، وإن كان الوقف على جهة كالمساجد، أو من لا يمكن حصرهم كالمساكين؛ فالنظر على الوقف للحاكم، يتوله بنفسه، أو ينيب عنه من يتولاه.
ويجب على الناظر أن يتقي الله ويحسن الولاية على الوقف؛ لأن ذلك أمانة أؤتمن عليها.
وإذا وقف على أولاده؛ استوى الذكور والإناث في الاستحقاق؛ لأنه شرك بينهم، وإطلاق التشريك يقتضي الاستواء في الاستحقاق؛ كما لو أقر لهم بشيء؛ فإن المقر به يكون بينهم بالسوية؛ فكذلك إذا وقف عليهم شيئا، ثم بعد أولاده لصلبه ينتقل الوقف إلى أولاد بنيه دون ولد بناته؛ لأنهم من رجل آخر، فينسبون إلى آبائهم، ولعدم دخولهم في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُم﴾ ، من العلماء من يرى دخولهم في لفظ الأولاد، لأن البنات أولاده؛ فأولادهن أولاد أولاده حقيقة، والله أعلم.
ولو قال: وقف على أبنائي، أو: بني فلان؛ اختص الوقف بذكورهم؛ لأن لفظ البنين وضع لذلك حقيقة، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ ؛ إلا أن يكون الموقوف عليهم قبيلة؛ كبني هاشم وبني تميم؛ فيدخل فيهم النساء؛ لأن اسم القبيلة يشمل ذكرها وأنثاها.
لكن إذا وقف على يمكن حصرهم؛ وجب تعميمهم
стр. 635
والتسوية بينهم، وإن لم يكن حصرهم واستيعابهم؛ كبني هاشم وبني تميم؛ لم يجب تعميمهم؛ لأنه غير ممكن، وجاز الاقتصار على بعضهم وتفضيل بعضهم على بعض.
والوقف من العقود اللازمة بمجرد القول؛ فلا يجوز فسخه؛ لقوله ﵊: "لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث". قال الترمذي: "العمل على هذا الحديث عند أهل العلم".
فلا يجوز فسخه؛ لأنه مؤبد، ولا يباع، ولا ينافل به؛ إلا أن تتعطل منافعه بالكلية؛ كدار انهدمت ولم تمكن عمارتها من ريع الوقف، أو أرض زراعية خربت وعادت مواتا ولم يمكن عمارتها بحيث لا يكون ريع الوقف ما يعمرها، فيباع الوقف الذي هذه حاله، ويصرف ثمنه في مثله؛ لأنه أقرب إلى مقصود الواقف، فإن تعذر مثله كاملاً؛ صرف في بعض مثله، ويصير البديل وقفا بمجرد شرائه.
وإن كان الوقف مسجدًا، فتعطل ولم ينتفع به في موضعه، كأن خربت محلته؛ فإنه يباع ويصرف ثمنه في مسجد آخر، وإذا كان على مسجد وقف زاد ريعه عن حاجته؛ جاز صرف الزائد إلى مسجد آخر؛ لأنه انتفاع به في جنس ما وقف له، وتجوز الصدقة بالزائد من غلة الوقف على المسجد على المساكين.
وإذا وقف على معين؛ كما قال: هذا وقف على زيد، يعطى