Полный текст (1 076 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به من بعده، أو ولد صالح يدعو له".
وقال جابر: " م يكن أحد من أصحاب رسول الله ذو مقدرة إلا وقف".
وقال القرطبي ﵀: "ولا خلاف بين الأئمة في تحبيس القناطر والمساجد، واختلفوا في غير ذلك".
ويشترط أن يكون الواقف جائز التصرف؛ بأن يكون بالغا حرًا رشيدًا؛ فلا يصح الوقف من الصغير والسفيه والمملوك.
وينعقد الوقف بأحد أمرين:
الأول: القول الدال على الوقف؛ كأن يقول: وقفت هذا المكان، أو جعلته مسجدًا.
الأمر الثاني: الفعل الدال على الوقف في عرف الناس كمن جعل داره مسجدًا، وأذن للناس في الصلاة فيه إذنا عاما؛ أو جعل أرضه مقبرة، وأذن للناس في الدفن فيها.
وألفاظ التوقيف قسمان:
القسم الأول: ألفاظ صريحة؛ كأن يقول: وقفت، وحبست،
стр. 632
وسبلت، وسميت..هذه الألفاظ صريحة؛ لأنها لا تحتمل غير الوقف؛ فمتى أتى بصيغة منها؛ صار وقفا، من غير انضمام أمر زائد إليها.
والقسم الثاني: ألفاظ كناية؛ كأن يقول: تصدقت، وحرمت، وأبّدت.. سميت كناية لأنها تحمل معنى الوقف وغيره؛ فمتى تلفظ بواحد من هذه الألفاظ؛ اشترط اقتران نية الوقف معه، أو اقتران أحد الألفاظ الصريحة أو الباقي من ألفاظ الكناية معه، واقتران الألفاظ الصريحة؛ كأن يقول: تصدقت بكذا صدقة موقوفة أو محبسة أو مسبلة أو محرمة أو مؤبدة، واقتران لفظ الكناية بحكم الوقف؛ كأن يقول: تصدقت بكذا صدقة لا تباع ولا تورث.
ويشترط لصحة الوقف شروط، وهي:
أولاً: أن يكون الواقف جائز التصرف كما سبق.
ثانيا: أن يكون الموقوف مما ينتفع به انتفاعا مستمرًا مع بقاء عينه؛ فلا يصح وقف ما لا يبقى بعد الانتفاع به؛ كالطعام.
ثالثا: أن يكون الموقوف معينا؛ فلا يصح وقف غير المعين؛ كما لو قال: وقفت عبدًا من عبيدي وبيتا من بيوتي.
رابعا: أن يكون الوقف على بر؛ لأن المقصود به التقرب إلى الله تعالى؛ كالمساجد والقناطر والمساكين والسقايات وكتب العلم والأقارب؛ فلا يصح الوقف على غير جهة بر؛ كالوقف على معابد الكفار، وكتب الزندقة، والوقف على الأضرحة لتنويرها أو تبخيرها، أو على سدنتها؛ لأن ذلك إعانة على المعصية والشرك والكفر.
стр. 633
خامسا: ويشترط لصحة الوقف إذا كان على معين أم يكون ذلك المعين يملك ملكا ثابتا؛ لأن الوقف تمليك؛ فلا يصح على من لا يملك؛ كالميت والحيوان.
سادسا: ويشترط لصحة الوقف أن يكون منجزًا؛ فلا يصح الوقف المؤقت ولا المعلق؛ إلا إذا علقه على موته؛ صح ذلك؛ كأن يقول إذا مت؛ فبيتي وقف على الفقراء؛ لما روى أبو دواد: "أوصى عمر إن حدث به حدث؛ فإن سمعا "أرض له" صدقة"، واشتهر، ولم ينكر، فكان إجماعا، ويكون الوقف المعلق على الموت من ثلث المال؛ لأنه يكون في حكم الوصية.
ومن أحكام الوقف: أنه يجب العمل بشرط الواقف إذا كان لا يخالف الشرع؛ لقوله ﷺ : "المسلمون على شروطهم؛ إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالاً"، ولأن عمر ﵁ وقف وقفا وشرط فيه شرطان ولو لم يجب إتباع شرط تقديما لبعض المستحقين على بعض أو جمعهم أو اشترط اعتبار وصف في المستحق أو اشترط عدمه أو شرط النظر على الوقف وغير ذلك؛ لزم العمل بشرطه؛ ما لم يخالف كتابا ولا سنة.
فإن لم يشترط شيئا؛ استوى في الاستحقاق الغني والفقير والذكر والأنثى من الموقوف عليهم.
стр. 634
وإذا لم يعين ناظرًا للوقف، أو عين شخصا ومات؛ فالنظر يكون للموقوف عليه إن كان معينا، وإن كان الوقف على جهة كالمساجد، أو من لا يمكن حصرهم كالمساكين؛ فالنظر على الوقف للحاكم، يتوله بنفسه، أو ينيب عنه من يتولاه.
ويجب على الناظر أن يتقي الله ويحسن الولاية على الوقف؛ لأن ذلك أمانة أؤتمن عليها.
وإذا وقف على أولاده؛ استوى الذكور والإناث في الاستحقاق؛ لأنه شرك بينهم، وإطلاق التشريك يقتضي الاستواء في الاستحقاق؛ كما لو أقر لهم بشيء؛ فإن المقر به يكون بينهم بالسوية؛ فكذلك إذا وقف عليهم شيئا، ثم بعد أولاده لصلبه ينتقل الوقف إلى أولاد بنيه دون ولد بناته؛ لأنهم من رجل آخر، فينسبون إلى آبائهم، ولعدم دخولهم في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُم﴾ ، من العلماء من يرى دخولهم في لفظ الأولاد، لأن البنات أولاده؛ فأولادهن أولاد أولاده حقيقة، والله أعلم.
ولو قال: وقف على أبنائي، أو: بني فلان؛ اختص الوقف بذكورهم؛ لأن لفظ البنين وضع لذلك حقيقة، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ ؛ إلا أن يكون الموقوف عليهم قبيلة؛ كبني هاشم وبني تميم؛ فيدخل فيهم النساء؛ لأن اسم القبيلة يشمل ذكرها وأنثاها.
لكن إذا وقف على يمكن حصرهم؛ وجب تعميمهم
стр. 635
والتسوية بينهم، وإن لم يكن حصرهم واستيعابهم؛ كبني هاشم وبني تميم؛ لم يجب تعميمهم؛ لأنه غير ممكن، وجاز الاقتصار على بعضهم وتفضيل بعضهم على بعض.
والوقف من العقود اللازمة بمجرد القول؛ فلا يجوز فسخه؛ لقوله ﵊: "لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث". قال الترمذي: "العمل على هذا الحديث عند أهل العلم".
فلا يجوز فسخه؛ لأنه مؤبد، ولا يباع، ولا ينافل به؛ إلا أن تتعطل منافعه بالكلية؛ كدار انهدمت ولم تمكن عمارتها من ريع الوقف، أو أرض زراعية خربت وعادت مواتا ولم يمكن عمارتها بحيث لا يكون ريع الوقف ما يعمرها، فيباع الوقف الذي هذه حاله، ويصرف ثمنه في مثله؛ لأنه أقرب إلى مقصود الواقف، فإن تعذر مثله كاملاً؛ صرف في بعض مثله، ويصير البديل وقفا بمجرد شرائه.
وإن كان الوقف مسجدًا، فتعطل ولم ينتفع به في موضعه، كأن خربت محلته؛ فإنه يباع ويصرف ثمنه في مسجد آخر، وإذا كان على مسجد وقف زاد ريعه عن حاجته؛ جاز صرف الزائد إلى مسجد آخر؛ لأنه انتفاع به في جنس ما وقف له، وتجوز الصدقة بالزائد من غلة الوقف على المسجد على المساكين.
وإذا وقف على معين؛ كما قال: هذا وقف على زيد، يعطى
стр. 636
منه كل سنة مئة، وكان في ريع الوقف فائض عن هذا القدر؛ فإنه يتعين إرصاد الزائد، وقال الشيخ تقي الدين ﵀: "إن علم أن ريعه يفضل دائما؛ وجب صرفه؛ لأن بقاءه فساد له".
وإذا وقف على مسجد، فخرب، وتعذر الانفاق عليه من الوقف؛ صرف في مثله من المساجد.
стр. 637
باب في أحكام الهبة والعطية
والهبة: هي التبرع من جائر التصرف في حياته لغيره بمال معلوم.
وقد كان النبي ﷺ يهدي ويهدي إليه، ويعطي ويعطي.
فالهبة والهدية من السنة المرغّب فيها لما يترتب عليها من المصالح، قال ﷺ : "تهادوا تحابوا"، وعن عائشة ﵂؛ قالت: "كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها"، وقال ﷺ : "تهادوا؛ فإن الهدية تسل السخية".
وتلزم الهبة إذا قبضها الموهوب له بإذن الواهب؛ فليس له الرجوع فيها، أما قبل القبض؛ فله الرجوع؛ بدليل حديث عائشة
стр. 638
رضي الله عنها: "أن أبا بكر نحلها جذاذ عشرين وسقا من ماله بالعالية، فلما مرض؛ قال: يا بنية! كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقا، ولو كنت حزتيه أو قبضتيه؛ كان لك؛ فإنما هو اليوم مال وارث؛ فاقتسموه على كتاب الله تعالى"
وإن كانت الهبة في يد الموهب وديعة أو عارية، فوهبها له؛ فاستدامته لها تكفي عن قبضها ابتداء.
وتصح هبة الدين لمن هو في ذمته، ويعتبر ذلك إبراء له، ويجوز هبة كل ما يجوز بيعه.
ولا تصح الهبة المعلقة على شرط مستقبل؛ كأن يقول: إذا حصل كذا فقد وهبتك كذا.
ولا تصح الهبة مؤقتة؛ كأن يقول: وهبتك كذا شهرًا أو سنة؛ لأنها تمليك للعين؛ فلا تقبل التوقيت؛ كالبيع، لكن يستثنى من التعليق تعليق الهبة بالموت؛ كأن يقول: إذا مت؛ فقد وهبتك كذا وكذا، وتكون وصية تأخذ أحكامها.
ولا يجوز للإنسان أن يهب لبعض أولاده ويترك بعضهم أو يفضل بعضهم على بعض في الهبة، بل يجب عليه العدل بينهم؛ بتسوية بعضهم ببعض؛ لحديث النعمان بن بشير: أن أباه أتى به النبي ﷺ لما نحله نحلة ليشهد عليها النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "أكل ولدك نحلت مثل
стр. 639
هذا؟ "، فقال: لا. فقال: "أرجعه". ثم قال: "اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم"، متفق عليه.
فدل على وجوب العدل بين الأولاد في العطية، وأنها تحرم الشهادة على تخصيص بعضهم أو تفضيله تحملاً وأداء إن علم ذلك.
وإذا وهب الإنسان هبة وقبضها الموهوب له؛ حرم عليه الرجوع فيها وسحبها منه؛ لحديث ابن عباس مرفوعا: "العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئة"؛ فدل هذا على تحريم الرجوع في الهبة؛ إلا ما استثناه الشارع، وهو الأب؛ فله أن يرجع فيما وهبه لولده، ولقوله ﷺ : "لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها؛ إلا الوالد فيما يعطي ولده"، رواه الخمسة وصححه الترمذي.
كما أن للوالد أن يأخذ ويملك من مال ولده ما لا يضر الولد ولا يحتاجه؛ لحديث عائشة: "إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم"، رواه الترمذي وحسنه، ورواه غيره، وله شواهد تدل
стр. 640
بمجموعها على أن للوالد الأخذ والتملك والأكل من مال ولده ما لا يضر الوالد ولا يتعلق بحاجته، بل إن قوله ﷺ : "أنت ومالك لأبيك": يقتضي إباحة ماله، فيجب على الولد أن يخدم أباه بنفسه، ويقتضي له حوائجه.
وليس للوالد أن يتملك من مال الولد ما يضره أو تتعلق به حاجته؛ لقوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار".
وليس للولد مطالبة أبية بدين ونحوه؛ لأن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ بأبيه يقتضيه دينا عليه، فقال النبي ﷺ : "أنت ومالك لأبيك"، فدل على أنه لا يحق للولد مطالبة والده بالدين، وقد قال الله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ ؛ فأمر سبحانه بالإحسان إلى الوالدين، ومن الإحسان إليهما عدم مطالبتهما بالحق الذي عليهما للولد، ما عدا النفقة ألوا جبة على الوالد؛ فللولد مطالبته بها؛ لضرورة حفظ النفس إذا كان الولد يعجز عن الكسب، ولقوله ﷺ لهند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف".
стр. 641
والهدية تذهب الحقد وتجلب المحبة؛ لقوله ﷺ : "تهادوا؛ فإن الهدايا تذهب وحر١ الصدور".
ولا ينبغي رد الهدية وإن قلَّت، وتسن الإثابة عليها؛ لأنه ﷺ كان يقبل الهدية ويثبت عليها، وذلك من محاسن الدين، ومكارم الشيم
стр. 642
كتاب المواريث
باب في تصرفات المريض المالية
حالة الصحة تختلف عن حالة المرض من حيث نفوذ تصرفات الإنسان في ماله في حدود الشرع والرشد من غير استدراك عليه، والصدقة في هذه الحالة أفضل من الصدقة في حالة المرض وأعظم أجرًا.
قال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ .
وفي "الصحيحين": أن النبي ﷺ لما سئل: أي الصدقة أفضل؟، قال: "أن تصدق وأنت صحيح شحيح؛ تأمل الغنى، وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم؛ قلت: لفلان كذا، وقد كان لفلان".
والمرض ينقسم إلى قسمين:
أولاً: مرض غير مخوف، أي: لا يخاف منه الموت في العادة؛ كوجع ضرس وعين وصداع يسير؛ فهذا القسم من المرض يكون تصرف
стр. 643
المريض فيه لازما كتصرف الصحيح، وتصح عطيته من جميع ماله، ولو تطور إلى مرض مخوف ومات منه؛ اعتبارًا بحاله حال العطية؛ لأنه في حال العطية في حكم الصحيح.
ثانيا: مرض مخوف، بمعنى: أنه يتوقع منه الموت عادة؛ فإن تبرعات المريض في هذا المرض وعطاياه تنفذ من ثلثه لا من رأس المال، فإن كانت في حدود الثلث فما دون؛ نفذت، وإن ذادت عن ذلك؛ فإنها لا تنفذ؛ إلا بإجازة الورثة لها بعد الموت؛ لقوله ﷺ : "إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة في أعمالكم"، رواه ابن ماجه والدارقطني.
فدل هذا الحديث وما ورد بمعناه على الإذن بالتصرف في ثلث المال عند الوفاة، وهو مذهب جمهور العلماء، ولأنه في حال المرض المخوف يغلب موته به، فكانت عطيته من رأس المال تجحف بالوارث، فردت إلى الثلث كالوصية.
ومثل حالة المرض المخوف في حكم التصرف المالي: حالة الخطر؛ كمن وقع الوباء في بلده، أو كان بين الصفين في القتال، أو كان في لجة البحر عند هيجانه؛ فإنه لا ينفذ تبرعه في تلك الحال فيما زاد على الثلث؛ إلا بإجازة الورثة بعد الموت، ولا يصح تبرعه في تلك الحال لأحد ورثته بشيء؛ إلا بإجازة الورثة إن مات في هذه الحال، فإن عوفي من المرض المخوف؛ نفذت عطاياه كلها؛ لعدم المانع.
стр. 644
ومن كان مرضه مزمنا، ولم يلزمه الفراش؛ فتبرعاته تصح من جميع ماله كتبرعات الصحيح؛ لأنه لا يخاف منه تعجيل الموت؛ فهو كالهرم، وأما إن لزم من به مرض مزمن الفراش؛ فهو كمن مرضه مخوف، لا تصح وصايه إلا في حدود الثلث، ولغير الوارث؛ إلا إذا أجازها الورثة؛ لأنه مريض ملازم للفراش، يخشى عليه التلف.
ويعتبر مقدار الثلث عند موته؛ لأنه وقت لزوم الوصايا، ووقت استحقاقها، فتنفذ الوصايا والعطايا من ثلثه حينئذ، فإن ضاق عنها؛ قدمت العطايا على الوصايا؛ لأنها لازمة في حق المريض، فقدمت على الوصية كالعطية في حال الصحة.
وهناك فروق بين الوصية والعطية:
فقد قال الفقهاء ﵏: إن الوصية تفارق العطية في أربعة أشياء:
أحدهما: أنه يسوى بين المتقدم والمتأخر في الوصية؛ لأنها تبرع بعد الموت، يوجب دفعة واحدة، أما العطية؛ فيبدأ بالأول فالأول فيها؛ لأنها تقع لازمة في حق المعطى.
الثاني: أن المعطى لا يملك الرجوع في العطية بعد قبضها؛ بخلاف الوصية؛ فإن الموصي يملك الرجوع فيها لأنها لا تلزم إلا بالموت.
الثالث: أن العطية يعتبر القبول لها عند وجودها؛ لأنها تملك في الحال؛ بخلاف الوصية؛ فإنها تمليك بعد الموت؛ فاعتبر القبول عند وجود؛ فلا حكم لقبولها قبل الموت.
الرابع: أن العطية يثبت الملك فيها عند قبولها؛ بخلاف الوصية؛ فإنها لا تملك قبل الموت؛ لأنها تمليك بعده؛ فلا تتقدمه
стр. 645
باب في أحكام الوصايا
الوصية لغة: مأخوذة من وصيت الشيء إذا وصلته، سميت بذلك لأنها وصل لها كان في الحياة بما بعد الموت؛ لأن الموصي بعض التصرف الجائز في حياته ليستمر بعد موته.
والوصية في اصطلاح الفقهاء: هي الأمر بالتصرف بعد الموت، أو بعبارة أخرى: هي التبرع بالمال بعد الموت.
والدليل على مشروعيتها الكتاب والسنة والإجماع.
قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾ .
وقال النبي ﷺ : "إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم".
وأجمع العلماء على جوازها.
والوصية تارة تكون واجبة وتارة مستحبة:
стр. 646
فتجب الوصية بما وما عليه من الحقوق التي ليس فيها إثبات لئلا تضيع، قال النبي ﷺ : "ما حق امرىء مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين؛ إلا ووصيته مكتوبة عنده"، فإذا كان عنده ودائع للناس أو في ذمته حقوق لهم؛ وجب عليه أن يكتبها ويبينها.
تكون الوصية مستحبة بأن يوصي بشيء من ماله في سبل البر والإحسان ليصل إليه ثوابه بعد وفاته؛ فقد أذن له الشارع بالتصرف عند الموت بثلث المال، وهذا من لطف الله بعباده؛ لتكثير الأعمال الصالحة لهم.
وتصح الوصية حتى من الصبي العاقل كما تصح منه الصلاة، وثبت بالإشهاد وبالكتابة المعروفة بخط الموصي.
ومن أحكام الوصية: أنها تجوز بحدود ثلث المال فأقل، وبعض العلماء يستحب أن لا تبلغ الثلث؛ فقد ورد عن أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس ﵃:
فقد قال أبو بكر ﵁: "رضيت بما رضي الله به لنفسه"، يعني: في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ .
стр. 647
وقال علي ﵁: " لأن أوصى بالخمس أحب إلى من أوصي بالربع".
وقال ابن عباس ﵄: "لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع؛ فإن رسول الله ﷺ قال: "الثلث، والثلث كثير".
ولا يجوز الوصية بأكثر من الثلث لمن له وارث؛ إلا بإجازة الورثة؛ لأن ما زاد على ثلث حق لهم، فإذا أجازوا الزيادة عليه؛ صح ذلك، وتعتبر إجازتهم لها بعد الموت.
ومن أحكام الوصايا أنها لا تصح لأحد من الورثة؛ لقوله ﷺ : "لا وصية لوارث"، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه، وله شواهد، وقال الشيخ تقي الدين: "اتفقت الأمة عليه".
وذكر الشافعي أنه متواتر، فقال: "وجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون أن النبي ﷺ قال عام الفتح: "لا وصية لوارث"، ويأثرونه عمن لقوه من أهل العلم؛ إلا إذا أجاز الورثة الوصية للوارث؛ فإنما تصح؛ لأن الحق لهم، وتعتبر صحة إجازتهم الوصية بالزيادة على الثلث لغير الوارث وإجازتهم الوصية للوارث إذا
стр. 648
كانت الإجازة صادرة منهم في مرض موت الموصي أو بعد وفاته..".
ومن أحكام الوصية: أنها إنما تستحب في حق من له مال كثير ووارثه غير محتاج؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ﴾ ، والخير هو المال الكثير عرفا؛ فتكره وصية من ماله قليل ووارثه محتاج؛ لأنه يكون بذلك قد عدل عن أقاربه المحاويج إلى الأجانب، ولقوله ﷺ لسعد بن أبي وقاص: "ما من مال أعظم أجرًا من مال يتركه الرجل لولده ويغنيهم به عن الناس"، وقال علي لرجل: "إنما تركت شيئا يسيرًا؛ فدعه لورثتك"، وكان كثير من أصحاب النبي ﷺ لم يوصوا.
وإذا كان قصد المورث المُضارَّة بالوارث ومضايقته؛ فإن ذلك يحرم ويأثم به؛ لقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُضَار﴾ .
وفي الحديث: "إن الرجل ليعمل بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضره الموت، فيُضارُّ في الوصية، فتجب له النار"،وقال ابن عباس: "الإضرار في
стр. 649
الوصية من الكبائر".
قال الإمام الشوكاني ﵀: "قوله ﴿غَيْرَ مُضَار﴾ ؛ أي: يوصي حال كونه غير مضار لورثته بوجه من وجوه الضرار؛ كأن يقر بشيء ليس عليه، أو يوصي بوصية لا مقصد له فيها إلا الضرار بالورثة، أو يوصي لوارث مطلقا أو لغيره بزيادة على الثلث ولم تجزه الورثة، وهذا القيد أعني قوله: ﴿غَيْرَ مُضَار﴾ راجع إلى الوصية والدَّين المذكورين؛ فهو قيد لهما، فما صدر من الإقرارات بالديون أو الوصايا المنهي أو التي لا مقصد لصاحبها إلا المضارة لورثته؛ فهو باطل مردود، لا ينفذ منه شيء، لا الثلث ولا دونه" انتهى كلام الشوكاني ﵀.
ومن أحكام الوصايا: جواز الوصية بكل المال لمن لا وارث له؛ لقول النبي ﷺ : "إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس"، وورد جواز ذلك عن ابن مسعود ﵁،
стр. 650
وقال به جمع من العلماء؛ لأن المنع من الوصية بما زاد عن الثلث لأجل حق الورثة، فإذا عدموا؛ زال المانع؛ لأنه لم يتعلق به حق وارث ولا غريم؛ فأشبه ما لو تصدق بماله في حال صحته.
قال الإمام ابن القيم: "الصحيح أن ذلك له؛ لأنه إنما منعه الشارع فيما زاد على الثلث إذا كان له ورثة، فمن لا وارث له لا يعترض عليه فيما صنع في ماله.." انتهى كلام ابن القيم.
ومن أحكام الوصايا: أنه إذا لم يف ثلث مال الموصي بها، ولم تُجِز الورثة الزيادة على الثلث؛ فإن النقص يدخل على الجميع بالقسط فيتحاصَّون، ولا فرق بين متقدمها ومتأخرها؛ لأنها كلها تبرع بعد الموت، فوجبت دفعة واحدة، تساوى أصحابها في الأصل وتفاوتوا في المقدار، فوجبت المحُاصَّة؛ كمسائل العول في الفرائض إذا زادت على أصل المسألة.
مثال ذلك: أو أوصى لشخص بمئة ريال، ولآخر بمئة ريال، ولثالث بخمسين ريالاً، ولرابع بثلاثين ريالاً، وثلث ماله مئة ريال فقط، ومجموع الوصايا ثلاث مئة ريال، فإذا نسبت مبلغ الثلث إلى مبلغ مجموع الوصايا؛ بلغ ثلثه، فيعطي كل واحد ثلث ما أوصى له به فقط.
ومن أحكام الوصايا: أن الاعتبار بصحتها وعدم صحتها بحالة الموت، فلو أوصى لوارث، فصار عند الموت غير وارث؛ كأخ حجب بابن تجدَّد؛ صحت الوصية اعتبارًا بحال الموت؛ لأنه الحال الذي يحصل
стр. 651
به الانتقال إلى الوارث والموصى له، وبعكس ذلك، لو أوصى لغير وارث، فصار عند الموت وارثا؛ فإنها لا تصح الوصية؛ كما لو أوصى لأخيه مع وجود ابنه حال الوصية، ثم مات ابنه؛ فإنها تبطل الوصية إن لم تجزها الورثة؛ لأن أخاه صار عند الموت وارثا.
ويترتب على هذا الحكم أيضا أنه لا يصح قبول الوصية ولا يملك الموصى له العين الموصى بها إلا بعد موت الموصي؛ لأن ذلك وقت ثبوت حقه، ولا يصح القبول قبل موت الموصي.
قال الموفق: "لا نعلم خلافا بين أهل العلم في أن اعتبار الوصية بالموت، وإن كانت الوصية لغير معين كالفقراء كالمساكين أو من لا يمكن حصرهم كبني تميم أو على مصلحة كالمساجد؛ لم تفتقر إلى قبول، ولزمت بمجرد الموت، أما إذا كانت على معين؛ فإنها تلزم بالقبول بعد الموت".
ومن أحكام الوصية: أنه يجوز للموصي الرجوع فيها ونقضها أو الرجوع في بعضها؛ لقول عمر: "يغير الرجل ما شاء في وصيته"، وهذا متفق عليه بين أهل العلم، فإذا قال: رجعت في وصيتي، أو: أبطلتها.. ونحو ذلك؛ بطلت؛ لما سبق من أن الاعتبار بحالة موت الموصي من حيث القبول ولزوم الوصية؛ فكذلك للموصي أن يرجع عنها في حياته، فلو قال: إن أقدم زيد؛ فله ما وصيت به لعمرو.
стр. 652
فقدم زيد في حياة الموصي؛ فالوصية له، ويكون الموصي بذلك قد رجع عن الوصية لعمرو، وإن لم يقدم زيد إلا بعد وفاة الموصي؛ فالوصية لعمرو؛ لأنه لما مات الموصي قبل قدومه استقرت الوصية للأول وهو عمرو.
ومن أحكام الوصية: أنه يخرج الواجب في تركة الميت من الديون والواجبات الشرعية كالزكاة والحج والنذور والكفارات أولاً، وإن لم يوص به؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ .
ولقول علي ﵁: "قضى رسول الله ﷺ بالدين قبل الوصية" رواه الترمذي وأحمد وغيره، فدل على تقديم الدين على الوصية، وفي "الصحيح": "اقضوا الله؛ فالله أحق بالوفاء"، فيبدأ بالدين ثم الوصية، ثم الإرث؛ بالإجماع.
والحكمة في تقديم ذكر الوصية على الدين في الآية الكريمة، وإن كانت تتأخر عنه في التنفيذ: أنها لما أشبهت الميراث في كونها بلا عوض؛ كان في إخراجها مشقة على الوارث، فقدمت في الذكر؛ حثا على إخراجها، واهتماما بها، وجيء بكلمة "أو" التي للتسوية، فيستويان في الاهتمام، وإن كان الدين مقدما عليها.
ومن هنا؛ فإن أمر الوصية مهم، حيث نوه الله بشأنها في كتابه
стр. 653
الكريم، وقدمها في الذكر على غيرها؛ اهتماما بها، وحثا على تنفيذها، ما دامت تتمشى على الوجه المشروع، وقد توعد الله من تساهل بشأنها أو غيَّر فيها وبدل من غير مسوٍّغ شرعي، فقال سبحانه: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
قال الإمام الشوكاني في تفسيره: "والتبديل التغيير، وهذا وعيد لمن غير الوصية المطابقة للحق التي لا جنف فيها ولا مضارة، وأنه يبوء بالإثم، وليس على الموصي من ذلك شيء؛ فقد تخلص مما كان عليه بالوصية به.." انتهى.
ومن أحكام الوصية: صحتها لكل شخص يصح تملكه، سواء كان مسلما أو كافرًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفاً﴾ ، قال محمد بن الحنفية: "هو وصية المسلم لليهودي والنصراني".
وقد كسا عمر بن الخطاب ﵁ أخا له وهو مشرك.
وأسماء وصلت أمها وهي راغبة عن الإسلام.
وصفية أم المؤمنين أوصت بثلثها لأخ لها يهودي.
ولقوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ
стр. 654
وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ .
وإنما تصح وصية المسلم للكافر المعين كما ورد، وأما الكافر غير المعين؛ فلا تصح الوصية له؛ كما لو أوصى لليهود أو النصارى أو فقرائهم، وكذا لا تصح الوصية للكافر المعين بما لا يجوز تمليكه إياه وتمكينه منه؛ كالمصحف، والعبد المسلم، أو السلاح.
وتصح الوصية لحملٍ تحقق وجوده قبل صدور الوصية، ويعرف ذلك بأن تضعه أمه قبل تمام ستة أشهر من صدور الوصية إذا كان لها زوج أو سيد، أو تضعه لأقل من أربع سنين إن لم تكن ذات زوج أو سيد؛ لأن مثل هذا الحمل يرث؛ فالوصية له تصح من باب أولى، وإن وضعته ميتا بطلت الوصية.
ولا تصح الوصية لحمل غير موجود حينها؛ كما لو قال أوصيت لمن تحمل به هذه المرأة؛ لأنها وصية لمعدوم.
وإذا أوصى بمبلغ كبير من المال يُحَجُّ به عنه؛ فإنه يصرف منه حجة بعد أخرى حتى ينفد، وإن كان المبلغ قليلاً؛ حُجَّ به من حيث بلغ، وإن نص على أن المبلغ الكثير كله يصرف في حجة واحدة؛ صرف في حجة واحدة؛ لأنه قصد بذلك نفع من يحج، ولا يصح حج الموصي أو الوارث عنه في تلك الصور؛ لأن الموصي قصد غيرهما في الظاهر.
ولا تصح الوصية لمن لا يصح تمليك؛ كالجني، والبهيمة، والميت.
стр. 655
ولا تصح الوصية على جهة معصية؛ كالوصية للكنائس ومعابد الكفرة والمشركين، وكالوصية لعمارة الأضرحة وإسراجها أو لسدنتها، سواء كان الموصي مسلما أو كافرًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لو حبس الذمي من مال نفسه شيئا على معابدهم؛ لم يجز للمسلمين الحكم بصحته؛ لأنه لا يجوز لهم الحكم إلا بما أنزل الله، ومما أنزل الله أن لا يتعاونوا على شيء من الكفر والفسوق والعصيان؛ فكيف يعاونون بالحبس على المواضع التي يكفر فيها؟! ".
ولا تصح الوصية على طباعة الكتب المنسوخة؛ كالتوراة والإنجيل أو طباعة الكتب المنحرفة؛ ككتب الزندقة والإلحاد.
ومن أحكام الوصية: أنه يشترط أن يكون الموصى به مالاً أو منفعة مباحة، ولو كان مما يعجز عن تسليمه؛ كالطير في الهواء، والحمل الذي في البطن، واللبن الذي في الضرع، أو كان معدوما؛ كما لو أوصى بما يحمل حيوانه أو شجرته أبدًا أو مدة معينة كسنة، فإن حصل شيء من المعدوم؛ فهو للموصى له، وإن لم يحصل شيء؛ بطلت الوصية؛ لأنها لم تصادف محلاًّ.
وتصح الوصية بالمجهول؛ كما لو أوصى بعبد أو شاة، ويعطى الموصى له حينئذ ما يقع عليه الاسم حقيقة أو عرفا.
ومن أحكام الوصايا: أنه لو أوصى بثلث ماله، فاستحدث مالاً بعد الوصية؛ دخل الوصية؛ لأن الثلث إنما يعتبر عند الموت في المال الموجود حينئذٍ.
стр. 656
ومن أحكام الوصايا: أنه لو أوصى لشخص بشيء معين من ماله، فتلف ذلك المعين قبل موت الموصي أو بعده؛ بطلت الوصية؛ لزوال حق الموصى له بتلف ما أوصي له به.
ومن أحكام الوصايا: أنه إذا لم يحدد مقدار الموصى به، كما لو أوصى بسهم من ماله؛ فإنه يفسر بالسدس؛ لأن السهم في كلام العرب هو السدس، وبه قال على وابن مسعود، ولأن السدس أقل سهم مفروض، فتنصرف الوصية إليه، وإن أوصى بشيء من ماله، ولي يبين مقداره؛ فإن الوارث يعطي الموصى له ما شاء مما يتمول؛ لأن الشيء لا حد له في اللغة ولا في الشرع، فيصدق على أقل شيء يُتَمَوَّل، وما يُتَموَّل لا يحصل به المقصود، والله أعلم.
أحكام الموصى إليه "الناظر على الوصية وغيرها":
الموصى إليه هو المأمور بالتصرف بعد الموت في المال وغيره مما للموصي التصرف فيه حال الحياة، وتدخله النيابة؛ لأن الموصى إليه نائب عن الموصي في ذلك.
ودخول الموصى إليه في تلك النيابة وقبوله لها مندوب إليه وقربة يثاب عليها، لكن ذلك يشرع لمن عنده المقدرة على العمل ويجد من نفسه توفر الأمانة؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ، وقوله ﷺ : "والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه"، ولفعل الصحابة ﵃؛ فقد أوصى إلى الزبير رضي الله عنه
стр. 657
جماعة من الصحابة، وأوصى أبو عبيدة إلى عمر ﵄، وأوصى عمر إلى بنته حفصة ﵂ ثم إلى الأكابر من ولده.
أما من لا يقوى على القيام على الوصية، أو لا يأمن نفسه على حفظها؛ فلا يجوز له الدخول في الوصاية.
ويشترط في الموصى إليه: أن يكون مسلما؛ فلا يصح الإيصاء إلى كافر.
ويشترط فيه أيضا: أن يكون مكلَّفا؛ فلا يصح الإيصاء إلى صبي، ولا إلى محنون، ولا إلى أبله؛ لأن هؤلاء ليسوا من أهل الولاية والتصرف، لكن يصح تعليق الإيصاء إلى صبي ببلوغه؛ لقوله ﷺ : "أميركم زيد، فإن قتل؛ فجعفر".
ويصح الإيصاء إلى امرأة إذا كان فيها كفاءة للقيام بشؤون الوصية؛ لأن عمر ﵁ أوصى إلى حفصة ﵁ ولأن المرأة من أهل الشهادة، فيصح الإيصاء إليها كالرجل.
وتصح الوصية إلى من لا يقدر على العمل، لكن عنده
стр. 658
تفكير سليم، ويضم إليه قادرًا أمينا يتعاون معه.
ويصح أن يوصي إلى أكثر من واحد، سواء أوصى إليهم دفعة واحدة أو أوصى إليهم واحدًا بعد واحد؛ إذ لم يعزل الأول.
وإذا أوصى إلى جماعة؛ فإنهم يشتركون في العمل، وليس أحدهم التصرف في الوصية دون الآخر، وإن مات أحدهم أو غاب؛ أقام الحاكم مقامه من يصلح.
ويصح قبول الموصى إليه الوصية في حياة الموصي وبعد موته، وله عزل نفسه متى شاء في حياة الموصي وبعد موته، وللموصي أيضا عزل الموصى إليه متى شاء؛ لأنه وكيل.
ولا يجوز للموصي إليه أن يوصي إلى غيره؛ إلا أن يُجعل ذلك إليه؛ بأن يأذن له الموصي بالإيصاء إلى غيره متى شاء؛ كأن يقول: أذنت لك أن توصي إلى من شئت.
ويشترط لصحة الإيصاء: أن يكون في تصرف معلوم؛ ليعلم الموصي إليه ما أوصى به حتى يقوم بحفظه والتصرف فيه.
ويشترط أيضا: أن يكون التصرف الموصي به مما يصح للموصي فعله؛ كقضاء دينه، وتفرقة ثلثه، والنظر لصغار..ونحو ذلك؛ لأن الموصي إليه يتصرف بالإذن، فلم يجز له التصرف إلا فيما يملكه الموصي؛ كالوكالة، ولأن الموصي أصل والوصي فرع، ولا يملك الفرع ما لا يملكه الأصل؛ فلا تصح الوصية بما لا يملكه الوصي؛ كتوصية المرأة بالنظر في حق أولادها الأصاغر؛ لأنه لا ولاية عليهم لغير الأب.
стр. 659
وتتحدد الوصية بما عينت فيه؛ فمن وصي في شيء؛ لم يكن وصيا في غيره، فلو أوصي إلى شخص في قضاء ديونه؛ لم يكن وصيا على أولاده؛ لأن تصرفه يقتصر على ما أذن له فيه كالوكيل ,
وتصح وصية الكافر إلى مسلم إذا كانت تركته من المباح، فإن كانت من المحرم كالخمر والخنزير؛ لم تصح؛ لأن المسلم لا يجوز له أن يتولى ذلك.
وإن قال الموصي للموصى إليه: ضع ثلثي حيث شئت، أو: تصدق به على من شئت؛ لم يجز للوصي أن يأخذ منه شيئا؛ لأنه لم يأذن له بذلك، ولا يجوز له أيضا أن يعطيه لولده وورثته؛ لأنه متهم في حقهم.
ومن أحكام الوصايا: أن من مات بمكان لا حاكم فيه ولا وصي؛ كمن مات في برية؛ جاز لبعض من حضره من المسلمين تولي تركته، وعمل الأصلح من بيع وغيره؛ لأنه موضع ضرورة؛ إذ في تركه إتلاف له، وحفظه من فروض الكفايات، ويكفنه ويجهزه من تركته.
стр. 660
باب في أحكام المواريث
إن موضوع المواريث موضوع مهم وجدير بالعناية؛ فقد حث النبي ﷺ على تعلمه وتعليمه في أحاديث كثيرة.
منها: قوله ﷺ : "تعلموا الفرائض، وعلموها الناس؛ فإنها نصف العلم، وهو ينسي، وهو أول علم ينزع من أمتي"، رواه ابن ماجة، وفي رواية:: "فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن، حتى يختلف اثنان في الفريضة، فلا يجدان من يفصل بينهما"، رواه أحمد والترمذي والحاكم.
وقد وقع ما أخبر به ﷺ ، فقد أهمل هذا العلم ونسي؛ فلا وجود لتعليمه في المساجد إلا نادرًا، ولا في مدارس المسلمين إلا في بعض الجهات التعليمية على شكل ضعيف لا يفي بالغرض على شكل ضعيف لا يفي بالغرض ولا يضمن بقاء هذا العلم.
стр. 661
فيجب على المسلمين أن يهبوا لإحياء هذا العلم والحفاظ عليه في المساجد والمدارس والجامعات؛ فإنهم بأمس الحاجة إلي، وسيسألون عنه.
وقد ثبت أنه ﷺ قال: "العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فضل: آية محكمة، وسنة قائمة، وفريضة عادلة".
وعن عمر ﵁: "تعلموا الفرائض؛ فإنها من دينكم"، وقال عبد الله: "من تعلم القرآن؛ فليتعلم الفرائض".
ومعنى قوله ﷺ عن الفرائض: "إنها نصف العلم": أن للإنسان حالتين: حالة حياة، وحالة موت. وفي الفرائض معظم الأحكام المتعلقة بالموت، بينهما يتعلق باقي العلم بأحكام الحياة، وقيل: صارت نصف العلم؛ لأنها يحتاج إليها الناس كلهم، وقيل في معناه غير ذلك، والمهم أن في ذلك توجيها للاهتمام بهذا العلم.
ويسمى هذا العلم بالفرائض، جمع فريضة، مأخوذ من الفرض، وهو التقدير، لأن أنصباء الورثة مقدرة؛ فالفريضة نصيب مقدر شرعا لمستحقه، وعلم الفرائض هو العلم بقسمة المواريث من حيث فقه أحكامها ومعرفة الحساب الموصل إلى قسمتها.
стр. 662
ويتعلق بتركة الميت خمسة حقوق:
فيبدأ بمؤنة تجهيزه من ثمن كفن ومؤنة تغسيله وأجرة حفر قبره، ثم تقضى منها ديونه، سواء كانت لله كالزكوات والكفارات والنذور والحج الواجب أو كانت للآدميين، ثم تخرج وصاياه؛ بشرط أن تكون في حدود الثلث فأقل، ثم يقسم بعد ذلك بين الورثة حسبما شرعه الله يقدم أصحاب الفروض، فإن بقى شيء، فهو للعصبة على ما سيأتي بيانه.
ولا يجوز تغيير المواريث عن وضعها الشرعي، وذلك كفر بالله قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ .
قال الإمام الشوكاني ﵀ في تفسيره: "والإشارة بقوله: ﴿تِلْكَ﴾ إلى الأحكام المتقدمة [يعني: في المواريث] ، وسماها حدودًا؛ لكونها لا تجوز مجاوزتها ولا يحل تعديها، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في قسمة المواريث وغيرها من الأحكام الشرعية كما يفيده عموم اللفظ؛ ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ .." إلى أن قال: "وأخرج ابن ماجه عن أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قطع ميراث وارثه قطع الله ميراثه من الجنة يوم القيامة" انتهى.
стр. 663
فما تصرف في المواريث عن مجراها الشرعي، فورث غير وارث، أو حرم الوارث من كل حقه أو بعضه، أو ساوى بين الرجل والمرأة في الميراث؛ كما في بعض الأنظمة القانونية الكفرية؛ مخالفا بذلك حكم الله في جعله للذكر مثل حظ الأنثيين؛ فهو كافر مخلد في النار والعياذ بالله؛ إلا أن يتوب إلى الله قبل موته.
إن أهل الجاهلية كانوا يحرمون النساء والصغر من الميراث، ويجعلونه للذكور الكبار الذين يركبون الخيل ويحملون السلاح، فجاء الإسلام بإبطال ذلك، وقال الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضا﴾ ، وهذا لدفع ما كانت عليه الجاهلية من عدم توريث النساء والصغار، وفي قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْن﴾ ، وفي قوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ : إبطال لما عليه بعض الجاهليات المعاصرة من تسوية المرأة بالرجل في الميراث محادة لله ورسوله وتعديا لحدود الله؛ فالجاهلية القديمة منعت المرأة من الميراث بالكلية، والجاهلية المعاصرة أعطتها ما لا تستحق، ودين الإسلام أنصفها وأكرمها وأعطاها حقها اللائق بها، فقاتل الله الكفار والمنافقين والملحدين الذين ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ .
стр. 664
باب في أسباب الإرث وبيان الورثة
الإرث: هو انتقال مال الميت إلى حي بعده حسبما شرعه الله.
وله أسباب ثلاثة
أولها: الرحم، أي: القرابة، وهم قرابة النسب، قال الله تعالى: ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ ، سواء قربت القرابة من الميت أو بعدت، إذا لم يكن من يحجبها.
وتشمل أصولاً وفروعا وحواشي:
فالأصول هم الآباء والأجداد وإن علوا بمحض الذكور.
والفرع هم الأولاد البنين وإن نزلوا.
والحواشي هم الأخوة وبنوهم وإن نزلوا والأعمام وإن علوا وبنوهم وإن نزلوا.
والثاني: النكاح، وهو: عقد الزوجية الصحيح، لو لم يحصل به وطء ولا خلوة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ .
ويتوارث بعقد الزوجية الزوجان من الجانبين؛ فكل منهما يرث الآخر للآية الكريمة، ويتوارث به الزوجان أيضا في عدة الطلاق
стр. 665
الرجعي؛ لأن الرجعية زوجة، وقولهم: "عقد الزوجية الصحيح": يخرج به العقد غير الصحيح؛ فلا توارث بالنكاح الفاسد؛ لأن وجوده كعدمه.
والثالث: ولاء العتاقة، وهو عصوبة، سببها نعمة المعتق على رقيقه بالعتق، ويورث بها من جانب واحد فقط؛ فالمعنق يرث عتيقه دون العكس، ويخلف المعتق من بعده عصبته بالنفس دون العصبة بالغير أو مع الغير.
والدليل على التواريث بالولاء قوله ﷺ : "الولاء لحمة كلحمة النسب"، رواه ابن حبان في "صحيحة" والحاكم وصحيحه، فشبه الولاء بالنسب، والنسب يورث به؛ فكذا الولاء، وهذا بالإجماع، وفي "الصحيحين" أن النبي ﷺ قال: "إنما الولاء لمن أعتق".
أقسام الورثة باعتبار الجنس:
الورثة ينقسمون باعتبار الجنس إلى ذكور وإناث.
والوارثون من الذكور عشرة:
الابن وابنه وإن نزل بمحض الذكور؛ لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ ، وابن الإبن يعد ابنا؛ لقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ ، ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ﴾ .
стр. 666
والأب وأبوه وإن علا بمحص الذكور؛ كأبي الأب وأبي الجد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ ، والجد أب، وقد أعطاه النبي ﷺ السدس.
والأخ مطلقا، سواء كان شقيقا أو لأب أو لأم؛ لقوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ﴾ الآية؛ فهذه في الأخوة لغير الأم، وقال في الأخوة لأم: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ .
وابن الأخ لغير أم، أما ابن الأخ لأم؛ فلا يرث؛ لأنه من ذوي الأرحام.
والعم لغير أم وابنه وإن نزل بمحض الذكور؛ لقوله ﷺ : " ألحقوا الفائض بأهلها؛ فما بقي؛ فلأولى رجل ذكر".
والزوج؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُم﴾ .
والعاشر ذو الولاء، وهو المعتق أو من يحل محله؛ لقوله ﷺ :
стр. 667
"الولاء لحمة كلحمة النسب"، وقوله ﷺ : "وإنما الولاء لمن أعتق".
والوارثاث من النساء سبع:
البنت وبنت الابن وإن نزل أبوها بمحض الذكور؛ قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْف﴾ .
والأم والجدة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُس﴾ ، وعن بريدة مرفوعا: "للجدة السدس إذا لم يكن دونها أم"، رواه داود.
والأخت مطلقا شقيقة أو لأب أو لأم؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ ، ولقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ..﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ .
والزوجة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ الآية.
والمعتقة؛ لقوله ﷺ : "إنما الولاء لمن أعتق".
هذه جملة الوارثين من الذكور والإناث.
стр. 668
وعند التفصيل يبلغ الرجال خمسة عشر وتبلغ الإثاث عشرًا، ويعرف ذلك بالتأمل والرجوع إلى المصادر. والله تعالى أعلم.
أنواع الورثة باعتبار الإرث:
والورثة باعتبار الإرث ثلاثة أنواع:
نواع يرث بالفرض، ونوع يرث بالتعصيب، ونوع يرث لكونه من ذوي الأرحام.
فصاحب الفرض: هو الذي يأخذ نصيبا مقدرًا شرعا لا يزيد إلا بالرد ولا ينقص إلا بالعول.
والعصبة: هم الذين يرثون بلا تقدير.
وذوو الأرحام هم الذين يرثون عند عدم أصحاب الفروض غير الزوجين وعدم العصبات.
وذوو الفروض عشرة أصناف: الزوجان، والأبوان، والجد، والبنات، وبنات الابن، والأخوات من كل جهة، والأخوة من الأم ذكورًا وإناثا.
ونتكلم على كل صنف من هؤلاء بشيء من التفصيل:
стр. 669
باب في ميراث الأزواج والزوجات
وللزوج النصف مع عدم الولد وولد الابن، والربع مع وجود الولد أو ولد الابن، لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْن﴾ .
وللزوجة فأكثر الربع مع عدم الفرع الوارث، والثمن مع وجود: لقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْن﴾ .
والمراد بالفرع الوارث أولاد الميت وأولاد بنيه.
стр. 670
باب في ميراث الآباء والأجداد
ولكل من الأب والجد السدس فرضا مع ذكور الولد وولد الابن؛ لقوله تعالى: ﴿ولأبويه لكل وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ .
ويرث الأب والجد بالتعصيب مع عدم الولد وولد الابن؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ ، فأضاف الميراث إلى الأبوين الأب والأم، وقدر نصيب الأم، ولم يقدر نصيب الأب، فكان له الباقي تعصيبا.
ويرث الأب والجد بالفرض والتعصيب معا مع إناث الأولاد وأولاد البنين؛ لقوله ﷺ : "ألحقوا الفرائض بأهلها؛ فما بقي؛ فلأولى رجل ذكر"؛ أي: فلأقرب رجل من الميت، والأب هو أقرب ذكر بعد الابن وابنه.
فتلخص أن للأب ثلاث حالات:
الحالة الأولى: يرث فيها بالفرض فقط، وذلك مع وجود ابن الميت لصلبه أو ابن ابنه وإن نزل.
следующие страницы →