← Фикх шафии

Фикх шафии · id 11813

المهذب في فقه الإمام الشافعي - الشيرازي

أبو إسحاق الشيرازي

Полный текст (1 598 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

يعتزلن المصلى ويشهدن الخير ودعوة المسلمين وإذا أردنا الحضور تنظفن بالماء ولا يتطيبن ولا يلبسن الشهرة من الثياب لقوله ﷺ "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" وليخرجن "تفلات" أي غير عطرات ولأنها إذا تطيبت ولبست الشهرة من الثياب دعا ذلك إلى الفساد قال الشافعي ﵀: ويزين الصبيان بالمصبغ والحلي ذكوراً أو إناثاً لأنه يوم زينة وليست على الصبيان تعبد فلا يمنعون من لبس الذهب. فصل: والسنة أن يبكر إلى الصلاة ليأخذ موضعه كما قلنا في الجمعة والمستحب أن يمشي ولا يركب لأن النبي ﷺ ما ركب في عيد ولا جنازة ولا بأس أن يركب في العود لأنه غير قاصد إلى قربة. فصل: وإذا حضر جاز أن يتنفل إلى أن يخرج الإمام لما روي عن أبي بردة وأنس والحسن وجابر بن زيد أنهم كانوا يصلون يوم العيد قبل خروج الإمام لأنه ليس بوقت منهي عن الصلاة فيه ولا هناك ما هو أهم من الصلاة فلم يمتنع من الصلاة كما بعد العيد والسنة أن لا يخرج الإمام إلا في الوقت الذي يوافي فيه الصلاة لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يخرج في يوم الفطر والأضحى إلى المصلى فأول شيء يبدأ به الصلاة والسنة أن يمضي إليهما في طريق ويرجع في أخرى لما روى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ كان يخرج يوم الفطر الأضحى فيخرج من طريق ويرجع في أخرى. فصل: ولا يؤذن لها ولا يقام لما روى ابن عباس ﵁ شهدت العيد مع النبي ﷺ ومع أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ فكلهم صلوا قبل الخطبة بلا أذان

стр. 247

ولا إقامة والسنة أن ينادي لها الصلاة جامعة لما روي عن الزهري أنه كان ينادي به. فصل: وصلاة العيد ركعتان لقول عمر ﵁ صلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة السفر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم وقد خاب من افترى والسنة أن تصلى جماعة لنقل الخلف عن السلف والسنة أن يكبر في الأولى سبع تكبيرات سوى تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع وفي الثانية خمس تكبيرات سوى تكبيرة القيام والركوع لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كان يكبر في الفطر في الأولى سبعاً وفي الثانية خمساً سوى تكبيرة الصلاة والتكبيرات قبل القراءة لما روى كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كان يكبر في العيدين في الركعة الأولى سبعاً وفي الثانية خمساً قبل القراءة فإن حضر وقد سبقه الإمام بالتكبيرات أو ببعضها لم يقض لأنه ذكر مسنون فات محله فلم يقضه كدعاء الاستفتاح وقال في القديم: يقضي لأن محله القيام وقد أدركه وليس بشيء والسنة أن يرفع يديه مع كل تكبيرة لما روي أن عمر ﵁ كان يرفع يديه في كل تكبيرة في العيد ويستحب أن يقف بين كل تكبيرتين بقدر أن يذكر الله تعالى لما روي أن الوليد بن عقبة خرج يوماً على عبد الله وحذيفة الأشعري وقال: إن هذا العيد غداً فكيف التكبير؟ فقال عبد الله بن مسعود: تكبر وتحمد ربك وتصلي على النبي ﷺ وتكبر وتفعل مثل ذلك فقال الأشعري وحذيفة: صدق والسنة أن يقرأ بعد الفاتحة بقاف واقتربت لما روى أبو واقد الليثي قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في الفطر والأضحى ب "ق" "واقتربت الساعة" والسنة أن يجهر فيهما بالقراءة لنقل الخلف عن السلف. فصل: والسنة إذا فرغ من الصلاة أن يخطب لما روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ ثم أبا بكر ثم عمر ﵄ كانوا يصلون العيد قبل الخطبة والمستحب أن يخطب على المنبر لما روى جابر ﵁ قال: شهدت مع النبي ﷺ الأضحى فلما قضى خطبته نزل عن منبره وسلم على الناس إذا أقبل عليهم كما قلنا في الجمعة وهل يجلس قبل الخطبة؟ فيه وجهان: أحدهما لا يجلس لأن في الجمعة إنما يجلس لفراغ المؤذن من الأذان وليس في العيد أذان والثاني يجلس وهو المنصوص في الأم لأنه يستريح بها ويخطب خطبتين يفصل بينهما بجلسة ويجوز أن يخطب من قعود لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ خطب يوم العيد على راحلته لأن صلاة العيد تجوز قاعداً فكذلك خطبتها بخلاف الجمعة والمستحب أن يستفتح الخطبة الأولى بتسع تكبيرات والثانية بسبع لما روي عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أنه قال:

стр. 248

هو من السنة ويأتي ببقية الخطبة على ما ذكرناه في الجمعة من ذكر الله تعالى وذكر رسوله ﷺ والوصية بتقوى الله وقراءة القرآن فإن كان في عيد الفطر علمهم صدقة الفطر وإن كان في الأضحى علمهم الأضحية لأن النبي ﷺ قال في خطبته "لا يذبحن أحدكم حتى يصلي١" ويستحب للناس استماع الخطبة لما روي عن ابن مسعود البدري أنه قال: يوم عيد من شهد الصلاة معنا فلا يبرح حتى يشهد الخطبة فإن دخل رجل والإمام يخطب فإن كان في المصلى استمع الخطبة ولا يشتغل بصلاة العيد لأن الخطبة من سنن العيد ويخشى فوتها فكان الاشتغال بالخطبة أولى وإن كان في المسجد ففيه وجهان: قال أبو علي بن أبي هريرة يصلي تحية المسجد ولا يصلي صلاة العيد لأن الإمام لم يفرغ من سنة العيد فلا يشتغل بالقضاء وقال أبو إسحاق المروزي: يصلي العيد لأنها أهم من تحية المسجد وآكد وإذا صلاها سقط بها التحية فكان الاشتغال بها أولى كما لو حضر وعليه مكتوبة. فصل: روى المزني أنه تجوز صلاة العيد للمنفرد والمسافر والعبد والمرأة وقال في الإملاء والقديم والصيد والذبائح: لا يصلي العبد حيث لا تصلى الجمعة فمن أصحابنا من قال فيها قولان: أحدهما أنهم لا يصلون لأن النبي ﷺ كان بمنى مسافراً يوم النحر فلم يصل ولأنها صلاة تشرع لها الخطبة واجتماع الكافة لم يفعلها المسافر كالجمعة والثاني أنهم يصلون وهو الصحيح لأنها صلاة نفل فجاز لهم فعلها كصلاة الكسوف ومن أصحابنا من قال: يجوز لهم فعلها قولاً واحداً وتأول ما قال في الإملاء والقديم على أنه أراد أن لا يصلي بالاجتماع والخطبة حيث لا تصلي الجمعة لأن في ذلك افتياتاً على السلطان. فصل:إذا شهد شاهدان يوم الثلاثين بعد الزوال برؤية الهلال ففيه قولان: أحدهما لا يقضي والثاني يقضي وهو الصحيح فإن أمكن جمع الناس صلى بهم في يومهم فإن لم يمكن صلى بهم من الغد لما روى أبو عمير بن أنس عن عمومته قالوا: قامت بينة عند النبي ﷺ بعد الظهر أنهم رأوا الهلال هلال شوال فأمرهم النبي ﷺ أن يفطروا وأن يخرجوا من الغد إلى المصلى وإن شهد ليلة الحادي والثلاثين صلوا قولاً واحداً ولا يكون ذلك قضاء لأن فطرهم غداً لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال:

стр. 249

"فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون وعرفتكم يوم تعرفون ١".

стр. 250

باب التكبير التكبير سنة في العيدين لما روى نافع عن عبد الله أن رسول الله ﷺ كان يخرج في العيدين مع الفضل بن العباس وعبد الله بن العباس وعلي وجعفر والحسن والحسين وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة وأيمن بن أم أيمن ﵃ رافعاً صوته بالتكبير فيأخذ طريق الحدادين حتى يأتي المصلى وأول وقت تكبير الفطر إذا غابت الشمس من ليلة الفطر لقوله : ﴿ولِتُكْمِلوا العِدّة ولِتُكبِّروا الله على مَا هَدَاكم﴾ "البقرة: ١٨٥" إكمال العدة بغروب الشمس من ليلة الفطر وأما آخره ففيه طريقان: من أصحابنا من قال: فيه ثلاثة أقوال: أحدها ما روى المزني أنه يكبر إلى أن يخرج الإمام إلى الصلاة لأنه إذا حضر فالسنة أن يشتغل بالصلاة فلا معنى للتكبير والثاني ما رواه البويطي أنه يكبر حتى تفتتح الصلاة لأن الكلام مباح قبل أن تفتتح الصلاة فكن التكبير مستحباً والثالث قاله في القديم حتى ينصرف الإمام لأن الإمام والمأمومين مشغولون بالذكر إلى أن يفرغوا من الصلاة فسن لمن لم يكن في الصلاة أن يكبر ومن أصحابنا من قال هو على قول واحد أنه يكبر إلى أن تفتتح الصلاة وتأول رواية المزني على ذلك لأنه إذا خرج إلى المصلى افتتح الصلاة وقوله في القديم حتى ينصرف الإمام لأنه ما لم ينصرف مشغول بالتكبير في الصلاة ويسن التكبير المطلق في عيد الفطر وهل يسن التكبير المقيد في أدبار الصلوات؟ فيه وجهان: أحدهما لا يسن لأنه لم ينقل ذلك عن رسول الله ﷺ والثاني أنه يسن لأنه عيد يسن له التكبير المطلق فيسن له التكبير المقيد كالأضحى والسنة في التكبير أن يقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثلاثاً لما روى ابن عباس أنه قال: الله أكبر ثلاثا وعن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم قال: رأيت الأئمة ﵃ يكبرون أيام التشريق بعد الصلاة ثلاثاً وعن الحسن مثله قال في الأم: وإن زاد زيادة فليقل بعد الثلاث الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرةً وأصيلاً لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده لا إله إلا الله والله أكبر لأن النبي ﷺ قال ذلك على الصفا ويستحب رفع الصوت بالتكبير لما روي أن

стр. 251

النبي ﷺ كان يخرج في العيدين رافعاً صوته بالتهليل والتكبير لأنه إذا رفع صوته سمع من لم يكبر فيكبر فصل: وأما التكبير الأضحى ففي وقته ثلاثة أقوال: أحدهما يبتدأ بعد الظهر من يوم النحر إلى أن يصلي الصبح من آخر أيام التشريق والدليل على أنه يبتدأ بعد الظهر قوله ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة:٢٠٠] المناسك تقضى يوم النحر ضحوة وأول صلاة تلقاهم الظهر والدليل على أنه يقطعه بعد الصبح أن الناس تبع للحاج وآخر صلاة يصليها الحاج بمنى صلاة الصبح ثم يخرج والثاني يبتدأ بعد غروب الشمس من ليلة العيد قياساً على عيد الفطر وبقطعه إذا صلى الصبح من آخر أيام التشريق لما ذكرناه والثالث أنه يبتدأ بعد صلاة الصبح من يوم عرفة ويقطعه بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق لما روى عمر وعلي ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يكبر في دبر كل صلاة بعد صلاة الصبح يوم عرفة إلى بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق. فصل: السنة أن يكبر في هذه الأيام خلف الفرائض لنقل الخلف عن السلف وهل يكبر خلف النوافل؟ فيه طريقان: من أصحابنا من قال يكبر قولاً واحداً لأنها صلاة راتبة فأشبهت الفرائض ومنهم من قال فيه قولان: أحدهما يكبر لما قلناه والثاني لا يكبر لأن النفل تابع للفرض والتابع لا يكون له تبع ومن فاتته صلاة في هذه الأيام فأراد قضاءها في غيرها لم يكبر خلفها لأن التكبير يختص بهذه الأيام فلا يفعل في غيرها وإن قضاها في هذه الأيام ففيه وجهان: أحدهما يكبر لأن وقت التكبير باق والثاني لا يكبر لأن التكبير خلف هذه الصلوات يختص بوقتها وقد فات الوقت فلم يقض.

стр. 252

باب صلاة الكسوف وصلاة الكسوف سنة لقوله ﷺ "إن الشمس والقمر لا يكسفان لموت أحد ولا

стр. 253

لحياته ولكنهما آيتان من آيات الله فإذا رأيتموها فقوموا وصلوا١" والسنة أن يغتسل لها لأنها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة فيسن لها الغسل كصلاة الجمعة والسنة أن تصلي حيث تصلى الجمعة لأن النبي ﷺ صلى في المسجد ولأنه يتفق في وقت لا يمكن قصد المصلي فيه وربما يجلى قبل أن يبلغ المصلي فيفوت فكان الجامع أولى والسنة أن يدعي لها الصلاة جامعة لما روت عائشة ﵂ قالت: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فأمر رجلا أن ينادي الصلاة جامعة. فصل: وهي ركعتان في كل ركعة قيامان وقراءتان وركوعان وسجودان والسنة أن يقرأ في القيام الأول بعد الفاتحة سورة البقرة أو بقدرها ثم يركع ويسبح بقدر مائة آية ثم يرفع ويقرأ فاتحة الكتاب ويقرأ بقدر مائتي آية ثم يركع ويسبح بقدر تسعين آية ثم يسجد كما يسجد في غيرها وقال أبو العباس: يطيل السجود كما يطيل الركوع وليس بشيء لأن الشافعي ﵀ لم يذكر ذلك ولا نقل في خبر ولو كان قد أطال لنقل كما نقل في القراءة والركوع ثم يصلي الركعة الثانية فيقرأ بعد الفاتحة قدر مائة آية وخمسين آية ثم يركع بقدر سبعين آية ثم يرفع ويقرأ بعد الفاتحة بقدر مائة آية ثم يركع بقدر خمسين آية ثم يسجد والدليل عليه ما روى ابن عباس ﵁ قال (كسفت الشمس فصلى رسول الله ﷺ والناس معه فقام قياماً طويلاً نحواً من سورة البقرة ثم ركع ركوعاً طويلاً ثم قام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول ثم سجد وانصرف وقد انجلت الشمس) والسنة أن يسر بالقراءة في كسوف الشمس لما روى ابن عباس قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فقام فصلى فقمت إلى جنبه فلم أسمع له قراءة ولأنها صلاة نهار لها نظير بالليل فلم يجهر فيها بالقراءة كالظهر ويجهر في كسوف القمر لأنها صلاة ليل لها نظير بالنهار فيسن لها الجهر كالعشاء. فصل: والسنة أن يخطب لها بعد الصلاة لما روت عائشة ﵂ الله عنها أن النبي ﷺ فرغ من صلاته فقام فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: "الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فصلوا وتصدقوا٢".

стр. 254

فصل: فإن لم يصل حتى تجلت لم يصل لما روى جابر أن النبي ﷺ قال: "إذا رأيتم ذلك فصلوا حتى تنجلي" فإن تجلت وهو في الصلاة أتمها لأنها صلاة أصل فلا يخرج منها بخروج وقتها كسائر الصلوات وإن تجللتها غمامة وهي كاسفة صلى لأن الأصل بقاء الكسوف وإن غربت الشمس كاسفة لم يصل لأنه لا سلطان لها بالليل وإن غاب القمر وهو كاسف فإن كان قبل طلوع الفجر صلى لأنه سلطان باق وإن غاب بعد طلوع الفجر ففيه قولان: قال في القديم: لا يصلي لأنه سلطانه بالليل وقد ذهب الليل وقال في الجديد: يصلي لأن سلطانه باق ما لم تطلع الشمس لأنه ينتفع بضوئه وإن صلى ولم تنجل مرة أخرى لأنه لم ينقل ذلك عن أحد ولا تسن صلاة الجماعة لآية غير الكسوف كالزلازل وغيرها لأن هذه الآيات قد كانت ولم ينقل أن النبي ﷺ صلى لها جماعة غير الكسوف. فصل: وإن اجتمعت صلاة الكسوف مع غيرها قدم أخوفهما فوتاً فإن استويا في الفوت قدم آكدهما فإن اجتمعت مع صلاة الجنازة قدمت صلاة الجنازة لأنها يخشى عليها التغير والانفجار وإن اجتمعت مع المكتوبة في أول الوقت بدأ بصلاة الكسوف لأنه يخاف فوتها بالتجلي وإذا فرغ بدأ بالمكتوبة قبل الخطبة للكسوف لأن المكتوبة يخاف فوتها والخطبة لا يخاف فوتها وإن اجتمعت معها في آخر الوقت بدأ بالمكتوبة لأنهما استويا في خوف الفوت والمكتوبة آكد فكان تقديمها أولى وإن اجتمعت مع الوتر في آخر وقتها قدمت صلاة الكسوف لأنهما استويا في الوقت وصلاة الكسوف آكد فكانت بالتقديم أولى.

стр. 255

باب صلاة الاستسقاء وصلاة الاستسقاء سنة لما روى عباد بن تميم عن عمه قال: خرج رسول الله ﷺ يستسقي فصلى ركعتين جهر بالقراءة فيهما وحول رداءه ورفع يديه واستسقى والسنة أن

стр. 256

يكون في المصلى لما روت عائشة ﵂ قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ولأن الجمع يكثر فكان في المصلى أرفق بهم. فصل: إذا أراد الإمام الخروج إلى الاستسقاء وعظ الناس وأمرهم بالخروج من المظالم والتوبة من المعاصي قبل أن يخرج لأن المظالم والمعاصي تمنع المطر والدليل عليه ما روى أبو وائل عن عبد الله أنه قال: "إذا بخس المكيال حبس القطر" وقال مجاهد في قوله ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة:١٥٩] قال دواب الأرض تلعنهم تقول تمنع القطر خطاياهم ويأمرهم بصوم ثلاثة أيام قبل الخروج ويخرجون في اليوم الرابع وهم صيام لقوله ﷺ "دعوة الصائم لا ترد" ويأمرهم بالصدقة لأنه أرجى للإجابة ويستسقى بالخيار من أقرباء رسول الله ﷺ لأن عمر ﵁ استسقى بالعباس وقال: اللهم إنا كنا إذا قحطنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك اليوم بعم نبينا فاسقنا فسقوا ويستسقى بأهل الصلاح لما روي أن معاوية استسقى بيزيد بن الأسود فقال: اللهم إنا نستسقي إليك بخيرنا وأفضلنا اللهم إنا نستسقي إليك بيزيد بن الأسود يا يزيد إرفع يديك إلى الله فرفع يديه ورفع الناس أيديهم فثارت سحابة من المغرب كأنها ترش وهبت لها ريح فسقوا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم ويستسقى بالشيوخ والصبيان لقوله ﷺ : "لولا صبيان رضع وبهائم رتع وعباد لله ركع لصب عليهم العذاب صبا" قال في الأم: ولا آمر بإخراج البهائم وقال أبو إسحاق: استحب إخراج البهائم لعل الله يرحمهما لما روي أن سليمان ﵇ خرج يستسقي فرأى نملة تستسقي فقال ارجعوا فإن الله تعالى سقاكم بغيركم ويكره إخرج الكفار للاستسقاء لأنهم أعداء الله فلا يجوز أن يتوسل بهم إليه فإن حضروا وتميزوا لم يمنعوا لأنهم جاؤوا في طلب الرزق والمستحب أن يتنظف للاستسقاء بغسل وسواك لأنها صلاة يسن لها الاجتماع

стр. 257

والخطبة فيشرع لها الغسل كصلاة الجمعة ولا يستحب أن يتطيب لها لأن الطيب للزينة وليس هذا وقت زينة ويخرج متواضعاً متبذلاً لما روى ابن عباس قال: خرج رسول الله ﷺ متواضعاً متبذلاً متخشعاً متضرعاً ولا يؤذن لها ولا يقام لما روى أبو هريرة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ يستسقي فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة ثم خطبنا والمستحب أن ينادي لها الصلاة جامعة لأنها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة ولا يسن لها الأذان والإقامة فيسن لها الصلاة جامعة كصلاة الكسوف. فصل: وصلاته ركعتان كصلاة العيد ومن أصحابنا من قال: يقرأ في الأولى بقاف وفي الثانية سورة نوح لأنها فيها ذكر الاستسقاء والمذهب أنه يقرأ فيها ما يقرأ في العيد لما روي أن مروان أرسل إلى ابن عباس سأله عن سنة الاستسقاء فقال: سنة الاستسقاء الصلاة في العيدين إلا أن رسول الله ﷺ قلب رداءه فجعل يمينه يساره ويساره يمينه وصلى ركعتين فكبر في الأولى سبع تكبيرات وقرأ سبح اسم ربك وقرأ في الثانية هل أتاك حديث الغاشية وكبر خمس تكبيرات والسنة أن يخطب لها بعد الصلاة لحديث أبي هريرة والمستحب أن يدعو في الخطبة الأولى فيقول: أللهم اسقنا غيثاً هنيئاً مريئاً مريعاً غدقاً مجللاً طبقاً سحاً عاماً دائماً أللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين أللهم إن بالعباد والبلاد من اللأواء والضنك والجهد ما لا نشكو إلا إليك أللهم أنبت لنا الزرع وأدر لنا الضرع واسقنا

стр. 258

من بركات السماء وأنبت لنا من بركات الأرض أللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعري واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك أللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً فأرسل الماء علينا مدراراً والمستحب أن يستقبل القبلة في أثناء الخطبة ويحول ما على الأيمن إلى الأيسر وما على الأيسر إلى الأيمن لما روى عبد الله بن زيد أن رسول الله ﷺ خرج إلى المصلى يستسقي فاستقبل القبلة ودعا وحول رداءه فجعل الأيمن على اليسر والأيسر على الأيمن فإن كان الرداء مربعاً نكسه فجعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه وإن كان مدوراً اقتصر على التحويل لما روى عبد الله بن زيد أن رسول الله ﷺ استسقى وعليه خميصة له سوداء فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه ويستحب للناس أن يفعلوا مثل ذلك لما روي في حديث عبد الله بن زيد أن رسول الله ﷺ حول رداءه وقلب ظهر البطن وحول الناس معه قال الشافعي ﵀: وإذا حولوا أرديتهم تركوها محولة لينزعوها مع الثياب لأنه لم ينقل أن النبي ﷺ غيرها بعد التحويل ويستحب أن يدعو في الخطبة الثانية سراً ليجمع في الدعاء بين الجهر والإسرار ليكون أبلغ ولهذا قال الله تعالى ﴿إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾ [نوح:٩] ويستحب أن يرفع اليد في الدعاء لما روى أنس أن النبي ﷺ كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا عند الاستسقاء فإنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه ويستحب أن يكثر من الاستغفار ومن قوله تعالى ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً﴾ [هود:٥٢] لما روى الشعبي أن عمر ﵁ خرج يستسقي فصعد المنبر فقال: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ

стр. 259

غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ [نوح:١٢] ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾ ثم نزل فقيل له يا أمير المؤمنين لو استسقيت فقال: لقد طلبت بمجاديح السماء التي يستنزل بها القطر. فصل: قال في الأم: فإن صلوا ولم يسقوا عادوا من الغد وصلوا واستسقوا فإن سقوا قبل أن يصلوا صلوا شكراً لله وطلباً للزيادة ويجوز الاستسقاء بالدعاء من غير صلاة لحديث عمر ﵁ ويستحب لأهل الخصب أن يدعوا لأهل الجدب ويستحب إذا جاء المطر أن يقول أللهم صيباً هنيئاً لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا رأى المطر قال ذلك ويستحب أن يتمطر لأول مطر لما روى أنس قال: أصابنا مطر ونحن مع رسول الله ﷺ فحسر رسول الله ﷺ حتى أصابه المطر فقلنا يا رسول الله ﷺ لم صنعت هذا؟ قال "إنه حديث عهد بربه" ويستحب إذا سال الوادي أن يغتسل فيه ويتوضأ لما روي أنه جرى الوادي فقال النبي ﷺ "اخرجوا بنا إلى هذا الذي سماه الله طهوراً حتى نتوضأ منه ونحمد الله عليه" ويستحب لمن سمع الرعد أن يسبح لما روى ابن عباس قال: كنا مع عمر ﵁ في سفر فأصابنا رعد وبرق وبرد فقال لنا كعب: من قال حين يسمع الرعد سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ثلاثاً عوفي من ذلك الرعد فقلنا فعوفينا.

стр. 260

كتاب الجنائز باب ما يفعل بالميت المستحب لكل احد أن يكثر ذكر الموت لما روى عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه "إستحيوا من الله حق الحياء" قالوا إنا نستحي يا نبي الله والحمد لله قال: "ليس كذلك ولكن من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما حوى وليحفظ البطن وما وعى وليذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء١" وينبغي أن يستعد للموت بالخروج من المظالم والإقلاع من المعاصي والإقبال على الطاعات لما روى البراء بن عازب أن النبي ﷺ أبصر جماعة يحفرون قبراً فبكى حتى بل الثرى بدموعه وقال: إخواني لمثل هذا فأعدوا. فصل: ومن مرض استحب له أن يصبر لما روي أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يشفيني؟ فقال "إن شئت دعوت الله فشفاك وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك" فقالت: أصبر ولا حساب علي ويستحب أن يتداوى لما

стр. 261

روى أبو الدرداء أن رسول الله ﷺ قال "إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تتداووا بالحرام١" ويكره أن يتمنى الموت لما روى أنس أن النبي ﷺ قال "لا يتمنين أحدكم الموت لضيق نزل به فإن كان لا بد متمنياً فليقل أللهم أحيني ما دامت الحياة خيراً لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي٢" وينبغي أن يكون حسن الظن بالله لما روى جابر أن النبي ﷺ قال: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل٣" ويستحب عيادة المريض لما روى البراء بن عازب قال: أمرنا رسول الله ﷺ باتباع الجنائز وعيادة المرضى فإن رجاه دعا له والمستحب أن يقول أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك سبع مرات لما روي أن النبي ﷺ قال: "من عاد مريضاً لم يحضره أجله فقال عنده سبع مرات أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك عافاه الله تعالى من ذلك المرض٤" وإن رآه منزولاً به فالمستحب أن يلقنه قول لا إله إلا الله لما روى أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله٥" وروى معاذ أن النبي ﷺ قال: "من كان أخر كلامه لا إله إلا الله وجبت له الجنة٦" ويستحب أن يقرأ عنده سورة يس لما روى معقل بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: "اقرؤوا على موتاكم يعني يس٧" ويستحب أن يضجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة لما روت سلمى أم ولد رافع قالت فاطمة بنت رسول الله ﷺ ضعي فراشي ههنا واستقبلي بي القبلة ثم قامت واغتسلت كأحسن ما يغتسل ولبست ثياباً جدداً ثم قالت: تعلمين أني مقبوضة الآن ثم استقبلت القبلة وتوسدت يمينها.

стр. 262

فصل: فإذا مات تولى أرفقهم به إغماض عينيه لما روت أم سلمة ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة فأغمض بصره ثم قال: "إن الروح إذا قبض تبعه البصر" ولأنه إذا لم يغمض بقيت مفتوحة فيقبح منظره ويشد حييه بعصابة لأنه إذا لم يفعل ذلك استرخى لحياه وانفتح فوه وقبح منظره وربما دخل إلى فيه شيء من الهوام وتلين مفاصله لأنه أسهل في الغسل ولأنها تبقى جافية فلا يمكن تكفينه وتخلع ثيابه لأن الثياب تحمى الجسم فيسرع إليه التغيير والفساد ويجعل على سرير أو لوح حتى لا تصيبه نداوة الأرض فتغيره ويجعل على بطنه حديدة لما روي أن مولى أنس مات فقال أنس: ضعوا على بطنه حديدة لئلا ينتفخ فإن لم تكن جديدة جعل عليه طين رطب ويسجى بثوب لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ سجي بثوب حبرة ويسارع إلى قضاء دينه والتوصل إلى إبرائه منه لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى" ويبادر إلى تجهيزه لما روى علي ﵇ أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاث لا تؤخر وهن الصلاة والجنازة والأيم إذا وجدت كفؤاً١" فإن مات فجأة ترك حتى يتيقن موته.

стр. 263

باب غسل الميت وغسل الميت فرض على الكفاية لقوله ﷺ في الذي سقط من بعيره إغسلوه بماء وسدر فإن كان الميت رجلاً لا زوجة له فأولى الناس بغسله الأب ثم الجد ثم الجد ثم الابن ثم ابن الابن ثم ابن الأخ ثم العم ثم ابن العم لأنهم أحق بالصلاة عليه فكانوا أحق بالغسل وإن كان له زوجة جاز لها غسله لما روت عائشة ﵂ أن أبا بكر الصديق ﵁ أوصى أسماء بنت عميس لتغسله وهل تقدم على العصبات؟ فيه وجهان: أحدهما أنها يقدم لأنها تنظر منه إلى ما لا تنظر العصبات وهو ما بين السرة والركبة والثاني يقدم العصبات لأنهم أحق بالصلاة عليه وإن ماتت امرأة ولم يكن لها زوج غسلها النساء وأولاهن ذات رحم محرم ثم ذات رحم غير محرم ثم الأجنبية فإن لم يكن نساء غسلها الأقرب فالأقرب من الرجال على ما ذكر وإن كان لها زوج جاز له أن يغسلها لما روت عائشة ﵂ قالت: رجع رسول الله ﷺ من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعاً وأقول وارأساه فقال: "بل أنا يا عائشة وارأساه ثم قال وما ضرك لم مت قبلي لغسلتك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك" وهل يقدم على النساء على وجهين: أحدهما يقدم لأنه ينظر إلى ما لا ينظر النساء منها والثاني تقدم النساء على الترتيب الذي ذكرناه فإن لم يكن نساء فأولى الأقرباء بالصلاة فإن لم يكن فالزوج وإن طلق زوجته طلقة رجعية ثم مات أحدهما قبل الرجعة لم يكن للآخر غسله لأنها محرمة عليه تحريم المبتوتة وإن مات رجل ولم يكن هناك إلا امرأة أجنبية أو ماتت امرأة وليس هناك إلا رجل أجنبي ففيه وجهان: أحدهما ييمم والثاني يستر بثوب ويجعل الغاسل على يده خرقة ثم يغسله فإن مات كافر فأقاربه الكفار أحق بغسله من أقاربه المسلمين لأن للكافر عليه ولاية وإن لم يكن أقارب من الكفار جاز لأقاربه من المسلمين غسله لأن النبي ﷺ أمر علياً أن يغسل أباه وإن ماتت ذمية ولها زوج مسلم كان له غسلها لأن النكاح كالنسب في الغسل وإن مات الزوج قال في الأم: كرهت لها أن تغسله فإن

стр. 264

غسلته أجزأه لأن القصد منه التنظيف وذلك يحصل بغسلها وإن مات هل لها غسله؟ فيه وجهان: قال أبو علي الطبري لا يجوز لأنها عتقت بموته فصارت أجنبية والثاني يجوز لأنه لما جاز له غسلها جاز لها غسله كالزوجة. فصل: وينبغي أن يكون الغاسل أميناً لما روي عن ابن عمر ﵁ أنه قال: لا يغسل موتاكم إلا المأمونون ولأنه إذا لم يكن أميناً لم يأمن أن لا يستوفي الغسل وربما ستر ما يظهر من جميل أو يظهر ما يرى من قبيح ويستحب أن يستر الميت عن العيون لأنه قد يكون في بدنه عيب كان يكتمه وربما اجتمع في موضع من بدنه دم فيراه من لا يعرف فيظن أن ذلك عقوبة وسوء عاقبة ويستحب أن لا يستعين بغيره إن كان فيه كفاية وإن احتاج إلى معين استعان بمن لا بد له منه ويستحب أن يكون بقربه مجمرة حتى إذا كانت له رائحة لم تظهر والأولى أن يغسل في قميص لما روت عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ غسلوه وعليه قميص يصبون عليه الماء ويدلكونه من فوقه ولأن ذلك أستر فكان أولى والماء البارد أولى من الماء المسخن لأن البارد يقويه والمسخن يرخيه وإن كان به وسخ لا يزيله إلا المسخن أو البرد شديداً ويخاف الغاسل من استعمال البارد غسله بالمسخن وهل تجب نية الغسل؟ فيه وجهان: أحدهما لا تجب لأن القصد منه التنظيف فلم تجب فيه النية كإزالة النجاسة والثاني تجب لأنه تطهير لا يتعلق بإزالة عين فوجبت فيه النية كغسل الجنابة ولا يجوز للغاسل أن ينظر إلى عورته لقوله ﷺ لعلي ﵁: لا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت ويستحب أن لا ينظر إلى سائر بدنه إلا فيما لا بد منه ولا يجوز أن يمس عورته لأنه إذا لم يجز النظر فالمس أولى ويستحب أن لا يمس سائر بدنه لما روي أن علياً كرم الله وجهه غسل النبي ﷺ وبيده خرقة يتبع بها ما تحت القميص. فصل: والمستحب أن يجلسه إجلاساً رفيقاً ويمسح بطنه مسحاً بليغاً لما روى القاسم بن محمد قال: توفي عبد الله بن عبد الرحمن فغسله ابن عمر فنفضه نفضاً شديداً عصره عصراً شديداً ثم غسله ولأنه ربما كان في جوفه شيء فإذا لم يعصره قبل الغسل خرج بعده وربما خرج بعد ما كفن فيفسد الكفن وكلما أمر اليد على البطن صب عليه ماء كثيراً حتى إن خرج شيء لم تظهر رائحته ثم يبدأ فيغسل أسافله كما يفعل الحي إذا أراد الغسل ثم يوضأ كما يتوضأ الحي لما روت أم عطية قالت: لما غسلنا ابنة رسول الله ﷺ قال لنا: إبدؤوا بميامنها ومواضع الوضوء ولأن الحي يتوضأ إذا أراد الغسل ويدخل أصبعه في فيه ويسوك بها أسنانه ولا يفغر فاه ويتتبع ما تحت أظافره

стр. 265

إن لم يكن قد قلم أظافره ويكون ذلك بعود لين لا يجرحه ثم يغسله ويكون كالمنحدر قليلاً حتى لا يجتمع الماء تحته فيستنقع فيه ويفسد بدنه ويغسله ثلاثاً كما يفعل الحي في وضوئه وغسله فيبدأ برأسه ولحيته كما يفعل الحي فإن كانت اللحية متلبدة سرحها حتى يصل الماء إلى الجميع ويكون بمشط منفرج السنان ويمشطه برفق حتى لا ينتف شعره ثم يغسل شقه الأيمن حتى ينتهي إلى رجله ثم شقه الأيسر حتى ينتهي إلى رجله ثم يجرفه على جنبه الأيسر فيغسل جانب ظهره كذلك لحديث أم عطية والمستحب أن تكون الغسلة الأولى بالماء والسدر لما روى ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال في المحرم الذي خر من بعيره: "إغسلوه بماء وسدر" ولأن السدر ينظف الجسم ثم يغسل بالماء القراح شيئاً من الكافور لما روت أم سليم أن النبي ﷺ قال: "إذا كان في آخر غسلة من الثلاث أو غيرها فاجعلي فيه شيئاً من الكافور" ولأن الكافور يقويه وهل يستحب الغسل بالسدر من الثلاث أم لا؟ فيه وجهان: قال أبو إسحاق: يعتد به لأنه غسل بما لم يخالطه شيء ومن أصحابنا من قال: لا يعتد به لأنه ربما غلب عليه السدر فعلى هذا يغسل ثلاث مرات أخر بالماء القراح والواجب منها مرة واحدة كما قلنا في الوضوء ويستحب أن يتعاهد إمرار اليد على البطن في كل مرة فإن غسل الثلاث ولم يتنظف زاد حتى يتنظف والسنة أن يجعله وتراً خمساً أو سبعاً لما روت أم عطية أن النبي ﷺ قال: "إغسلنها وتراً ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتن" والفرض مما ذكرناه النية وغسل مرة واحدة وإذا فرغ من غسله أعيد تليين أعضائه وينشف بثوب لأنه إذا كفن وهو رطب ابتل الكفن وفسد وإن غسل ثم خرج منه شيء ففيه ثلاث أوجه: أحدهما يكفيه غسل الموضع كما لو غسل ثم أصابته نجاسة من غيره والثاني يجب منه الوضوء لأنه حدث فأوجب الوضوء كحدث الحي والثالث يجب الغسل منه لأنه خاتمة أمره فكان بطهارة كاملة وإن تعذر غسله لعدم الماء أو غيره يمم لأنه تطهير لا يتعلق بإزالة عين فانتقل فيه عند العجز إلى التيمم كالوضوء وغسل الجنابة.

стр. 266

فصل: وفي تقليم أظافره وحف شاربه وحلق عانته قولان: أحدهما يفعل ذلك لأنه تنظيف فشرع في حقه كإزالة الوسخ والثاني يكره وهو قول المزني لأنه قطع جزء منه فهو كالختان قال الشافعي ﵀: ولا يحلق شعر رأسه وقال أبو إسحاق: إن لم يكن له جمة حلق رأسه لأنه تنظيف فهو كتقليم الأظافر والمذهب الأول لأن حلق الرأس يراد للزينة لا للتنظيف. فصل: وإن كانت امرأة غسلت كما يغسل الرجل وإن كان لها شعر جعل ثلاث ذوائب وتلقى خلفها لما روت أم عطية في وصف غسل بنت رسول الله ﷺ قالت: ضفرنا ناصيتها وقرناها ثلاث قرون ثم ألقيناها خلفها. فصل: ويستحب لمن غسل ميتاً أن يغتسل لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "من غسل ميتاً فليغتسل١" ولا يجب ذلك وقال في البويطي: إن صح الحديث قلت بوجوبه والأول أصح لأن الميت طاهر ومن غسل طاهراً لم يلزمه بغسله طهارة كالجنب وهل هو آكد أو غسل الجمعة؟ فيه قولان: قال في القديم: غسل الجمعة آكد لأن الأخبار فيه أصح وقال في الجديد: الغسل من غسل الميت آكد وهو الأصح لأن غسل الجمعة غير واجب والغسل من غسل الميت متردد بين الوجوب وغيره ويستحب للغاسل إذا رأى من الميت ما يعجبه أن يتحدث به وإن رأى ما يكره لم يجز أن يتحدث به لما روى أبو رافع أن رسول الله ﷺ قال: "من غسل ميتاً فكتم عليه غفر الله له أربعين مرة.

стр. 267

باب الكفن تكفين الميت فرض على الكفاية لقوله ﷺ في المحرم الذي خر من بعيره "كفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما" ويجب ذلك في ماله للخير ويقدم على الدين كما تقدم كسوة المفلس على ديون غرمائه فإن قال بعض الورثة أنا أكفنه من مالي وقال بعضهم بل يكفن

стр. 268

من التركة كفن من التركة لأن في تكفين بعض الورثة من ماله منة على الباقين فلا يلزم قبولها وإن كانت امرأة لها زوج ففيه وجهان: قال أبو إسحاق: يجب على الزوج لأنه من لزمه كسوتها في حال الحياة لزمه كفنها بعد الوفاة كالأمة مع السيد وقال أبو علي بن أبي هريرة: يجب في مالها لأنها بالموت صارت أجنبية منه فلم يلزمه كفنها والأول أصح لأن هذا يبطل بالأمة فإنها صارت بالموت أجنبية من مولاها ثم يجب عليه تكفينها فإن لم يكن لها مال ولا زوج فالكفن على من يلزمه نفقتها اعتباراً بالكسوة في حال الحياة. فصل: وأقل ما يجزيء ما يستر العورة كالحي ومن أصحابنا من قال أقله ثوب يعم البدن لأن ما دونه لا يسمى كفناً والأول أصح والمستحب أن يكفن الرجل في ثلاثة أثواب إزار ولفافتين لما روت عائشة ﵂ قالت: كفن رسول الله ﷺ في ثلاث أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة فإن كفن في خمسة أثواب لم يكره لأن ابن عمر ﵁ كان يكفن أهله في خمسة أثواب فيها قميص وعمامة ولأن أكمل ثياب الحي خمسة: قميصان وسراويل وعمامة ورداء وتكره الزيادة على ذلك لأنه سرف وإن قال بعض الورثة يكفن بثوب وقال بعضهم يكفن بثلاثة ففيه وجهان: أحدهما يكفن بثوب لأنه يعم ويستر والثاني يكفن بثلاثة أثواب لأنه هو الكفن المعروف المسنون والأفضل أن لا يكون فيه قميص ولا عمامة لحديث عائشة ﵂ فإن جعل فيها قميص وعمامة جعل ذلك تحت الثياب لأن إظهاره زينة وليس الحال حال زينة والمستحب أن يكون الكفن أبيض لحديث عائشة ﵂ والمستحب أن يكون حسناً لما روى جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه١" ويكره المغالاة في الكفن لما روى علي كرم الله وجهه أن النبي ﷺ قال: "لا

стр. 269

تغالوا في الكفن فإنه يسلب سلباً سريعاً١" والمستحب أن يبخر الكفن ثلاثاً لما روى جابر أن النبي ﷺ قال "إذا جمرتم الميت فجمروه ثلاثاً". فصل: والمستحب أن يبسط أحسنها وأوسعها ثم الثاني ثم الذي يلي الميت إعتباراً بالحي فإنه يجعل أحسن ثيابه وأوسعها فوق الثياب وكلما فرش ثوباً نثر فيه الحنوط ثم يحمل الميت إلى الأكفان مستوراً ويترك على الكفن مستلقياً على ظهره ويؤخذ قطن منزوع الحب فيجعل فيه الحنوط والكافور ويجعل بين أليتيه ويشد عليه كما يشد التبان ويستحب أن يؤخذ القطن ويجعل عليه الحنوط والكافور ويترك على الفم والمنخرين والعينين والأذنين وعلى خراج نافذ إن كان عليه ليخفي ما يظهر من رائحته ويجعل الحنوط والكافور على قطن ويترك على مواضع السجود لما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: يتتبع بالطيب مساجده ولأن هذه المواضع شرفت بالسجود فخصت بالطيب قال: وأحب أن يطيب جميع بدنه بالكافور لأن ذلك يقوي البدن ويشده ويستحب أن يحنط رأسه ولحيته بالكافور كما يفعل الحي إذا تطيب قال في البويطي: فإن حنط بالمسك فلا بأس لما روى أبو سعيد أن النبي ﷺ قال: "المسك من أطيب الطيب٢" وهل يجب الحنوط والكافور أم لا؟ فيه قولان وقيل فيه وجهان: أحدهما يجب لأنه جرت به العادة في الميت فكان واجباً كالكفن والثاني أنه لا يجب كما لا يجب الطيب في حق المفلس وإن وجبت الكسوة.

стр. 270

فصل: ثم يلف في الكفن ويجعل ما يلي الرأس أكثر كالحي ما على رأسه أكثر قال الشافعي ﵀: وتثنى صنفة الثوب التي تلي الميت فيبدأ بالأيسر على الأيمن وبالأيمن على الأيسر وقال في موضع: يبدأ بالأيمن على الأيسر ثم بالأيسر على الأيمن فمن أصحابنا من جعلها على قولين: أحدهما يبدأ بالأيسر على الأيمن والثاني يبدأ بالأيمن على الأيسر ومنهم من قال هي على قول واحد أنه تثنى صنفة الثوب الأيسر على جانبه الأيمن وصنفة الثوب الأيمن على جانبه الأيسر كما يفعل الحي بالساج وهو الطيلسان وهذا هو الأصح لأن في الطيلسان ما على الجانب الأيسر هو الظاهر ثم يفعل ذلك في بقية الأكفان وما يفضل من عند الرأس يثنى على وجهه وصدره فإن احتيج إلى شد الأكفان شدت ثم تحل عند الدفن لأنه يكره أن يكون معه في القبر شيء معقود فإن لم يكن له إلا ثوب قصير لا يعم البدن غطى رأسه وترك الرجل لما روي أن مصعب بن عمير قتل يوم أحد ولم يكن له إلا نمرة فكان إذا غطى بها رأسه بدت رجلاه وإن غطى بها رجلاه بدا رأسه فقال النبي ﷺ : "غطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه شيئاً من الإذخر". فصل: وأما المرأة فإنها يكفن بخمسة أثواب: إزار وخمار وثلاثة أثواب وهل يكون أحد الثلاثة درعاً؟ فيه قولان: أحدهما أن أحدها درع لما روي أن النبي ﷺ ناول أم عطية في كفن ابنته أم كلثوم إزار ودرعاً وخماراً وثوبين ملاء والثاني أنه لا يكون فيه درع لأن القميص إنما تحتاج إليه المرأة لتستتر به في تصرفها والميت لا يتصرف فإن قلنا لا درع فيها أزرت بإزار وتخمر بخمار وتدرج في ثلاثة أثواب فإذا قلنا يكون فيها درع أزرت بإزار وتلبس الدرع وتخمر بخمار وتدرج في ثوبين قال الشافعي ﵀: ويشد على صدرها ثوب ليضم ثيابها فلا تنتشر وهل يحل عنها الثوب عند الدفن أم لا؟ فيه وجهان: قال أبو العباس: يدفن معها وعليه يدل كلام الشافعي فإنه ذكر أنه يشد ولم يذكر أنه يحل وقال أبو إسحاق: ينحى عنها في القبر وهو الأصح لأنه ليس من جملة الكفن.

стр. 271

فصل: إذا مات محرم لم يقرب الطيب ولم يلبس المخيط ولم يخمر رأسه لما روى ابن عباس أن النبي ﷺ قال في المحرم الذي خر من بعيره إغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما ولا تقربوه طيباً فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً وإن ماتت معتدة عن وفاة ففيه وجهان: أحدهما لا تقرب الطيب لأنها ماتت والطيب محرم عليها فلم يسقط تحريمه بالموت كالمحرمة والثاني تقرب الطيب لأن الطيب حرم عليها في العدة حتى لا يدعو ذلك إلى نكاحها وقد زال ذلك بالموت.

стр. 272

باب الصلاة على الميت الصلاة على الميت فرض كفاية لقوله ﷺ : "صلوا خلف من قال لا إله إلا الله وعلى من قال لا إله إلا الله" وفي أدنى ما يكفي قولان: أحدهما ثلاثة لأن قوله صلوا خطاب جمع وأقل الجمع ثلاثة والثاني يكفي أن يصلي عليه واحد لأنها صلاة ليس من شرطها الجماعة فلم يكن من شرطها العدد كسائر الصلوات ويجوز فعلها في جميع الأوقات لأنها صلاة لها سبب فجاز فعلها في كل وقت ويجوز فعلها في المسجد وغيره لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد والسنة أن يصلي في جماعة لما روى مالك بن هبيرة أن النبي ﷺ قال: "ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا وجبت١" وتجوز فرادى لأن النبي ﷺ مات فصلى الناس فوجاً فوجاً وإن اجتمع نسوة لا رجل معهن صلين عليه فرادى لأن النساء لا يسن لهن الجماعة في الصلاة على الميت فإن صلين جماعة فلا بأس. فصل: ويكره نعي الميت للناس والنداء عليه للصلاة لما روي عن حذيفة أنه قال: إذا مت فلا تؤذنوا بي أحداً فإني أخاف أن يكون نعياً وقال عبد الله: الإيذان بالميت نعي الجاهلية. فصل: وأولى الناس بالصلاة عليه الأب ثم الجد ثم الابن ثم ابن الابن ثم الأخ

стр. 273

ثم ابن الأخ ثم العم ثم ابن العم على ترتيب العصبات لأن القصد من الصلاة على الميت الدعاء للميت ودعاء هؤلاء أرجى للإجابة فإنهم أفجع بالميت من غيرهم فكانوا بالتقديم أحق وإن اجتمع أخ من أب وأم وأخ من أب فالمنصوص أن الأخ من الأب والأم أولى ومن أصحابنا من قال فيه قولان: أحدهما هذا والثاني أنهما سواء لأن الأم لا مدخل لها في التقديم في الصلاة على الميت فكان في الترجيح بها قولان كما نقول في ولاية النكاح ومنهم من قال الأخ من الأب والأم أولى قولاً واحداً لأن الأم وإن لم يكن لها مدخل في التقديم إلا أن لها مدخلاً في الصلاة على الميت فرجح بها قولاً واحداً كما نقول في الميراث يقدم بها الأخ من الأب والأم على الأخ من الأب حين كان لها مدخل في الميراث وإن لم يكن لها مدخل في التعصيب قال الشافعي ﵀: وإن اجتمع وليان في درجة قدم الأسن لأن دعاءه أرجى إجابة فإن لم يوجد الأسن قدم الأقرأ الأفقه لأنه أفضل وصلاته أكمل فإن استويا أقرع بينهما لأنهما تساويا في التقديم فأقرع بينهما وإن اجتمع حر وعبد وهو أقرب إليه من الحر فالحر أولى لأن الحر من أهل الولاية والعبد ليس من أهل الولاية وإن اجتمع الوالي والولي المناسب ففيه قولان: قال في القديم: الوالي أولى لقوله ﷺ "لا يؤم الرجل في سلطانه" وقال في الجديد: الولي أولى لأنها ولاية ترتيب فيها العصبات فقدم على الوالي كولاية النكاح. فصل: ومن شرط صحة صلاة الجنازة الطهارة وستر العورة لأنها صلاة فشرط فيها الطهارة وستر العورة كسائر الصلوات ومن شرطها القيام واستقبال القبلة لأنها صلاة مفروضة فوجب فيها القيام واستقبال القبلة مع القدرة كسائر الفرائض والسنة أن يقف الإمام فيها عند رأس الرجل وعند عجيزة المرأة وقال أبو علي الطبري السنة أن يقف عند صدر الرجل وعند عجيزة المرأة والمذهب الأول لما روي أن أنساً صلى على رجل فقام عند رأسه وعلى امرأة فقام عند عجيزتها فقال له العلاء بن زياد هكذا كانت صلاة رسول الله ﷺ على المرأة عند عجيزتها وعلى الرجل عند رأسه؟ قال: نعم فإن اجتمع جنائز قدم إلى الإمام أفضلهم فإن كان رجل وصبي وامرأة وخنثى قدم الرجل إلى الأمام

стр. 274

ثم الصبي ثم الخنثى المشكل ثم المرأة لما روي عن ابن عمر ﵁ أنه صلى على تسع جنائز رجال ونساء فجعل الرجال مما يلي الإمام والنساء مما يلي القبلة وروى عمار بن أبي عمار أن زيد بن عمر بن الخطاب وأمه أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ﵄ ماتا فصلى عليهما سعيد بن العاص فجعل زيداً مما يليه وأمه مما يلي القبلة وفي القوم الحسن والحسين وأبو هريرة وابن عمر ونحو ثمانين من أصحاب محمد ﷺ ورضي عنهم أجمعين والأفضل أن يفرد كل واحد بصلاة فإن صلى عليهم صلاة واحدة جاز لأن القصد من الصلاة عليهم الدعاء لهم وذلك يحصل بالجمع في صلاة واحدة فصل: إذا أراد الصلاة نوى الصلاة على الميت وذلك فرض لأنها صلاة فوجب لها النية كسائر الصلوات ثم يكبر أربعاً لما روى جابر أن النبي ﷺ كبر على الميت أربعاً وقرأ بعد التكبيرة الأولى بأم القرآن والتكبيرات الأربع واجبة والدليل عليه أنها إذا فاتت وجب قضاؤها ولو لم تكن واجبة لم يجب قضاؤها كتكبيرات العيد والسنة أن يرفع يديه مع كل تكبيرة لما روي أن عمر ﵁ كان يرفع يديه على الجنازة في كل تكبيرة وعن عبد الله بن عمر والحسن بن علي ﵃ مثله وعن زيد ابن ثابت وقد رأى رجلاً فعل ذلك فقال أصاب السنة ولأنها تكبيرة لا يتصل طرفها بسجود ولا قعود فيسن لها رفع اليدين كتكبيرة الإحرام في سائر الصلوات. فصل: ويقرأ بعد التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب لما روى جابر وهي فرض من فروضها لأنها صلاة يجب فيها القيام فوجب فيها القراءة كسائر الصلوات وفي قراءة السورة وجهان: أحدهما يقرأ سورة قصيرة لأن كل صلاة قرأ فيها الفاتحة قرأ فيها السورة كسائر الصلوات والثاني أنه لا يقرأ لأنها مبنية على الحذف والاختصار والسنة في قراءتها الإسرار لما روي أن ابن عباس صلى بهم على جنازة فكبر ثم قرأ بأم القرآن فجهر بها ثم صلى على النبي ﷺ فلما انصرف قال: إنما جهرت بها لتعلموا أنها هكذا ولا فرق بين أن يصلي بالليل أو النهار وقال أبو القاسم الداركي: إن كانت الصلاة بالليل جهر فيها بالقراءة لأن لها نظيراً بالنهار يسر فيها فجهر فيها كالعشاء وهذا لا يصح لأن صلاة العشاء صلاة راتبة في وقت من الليل ولها نظير راتب في وقت من النهار يسن في نظيرها الإسرار فيسن فيها الجهر وصلاة الجنازة صلاة واحدة ليس لها وقت تختص به من ليل أو نهار بل يفعل ذلك في الوقت الذي يوجد فيه سببها وسنتها الإسرار فلم يختلف فيها الليل والنهار وفي دعاء التوجه والتعوذ عند القراءة في هذه التكبيرة وجهان: قال عامة أصحابنا: لا يأتي به لأنها مبنية على الحذف والاختصار فلا تحتمل التطويل

стр. 275

والإكثار وقال شيخنا القاضي أبو الطيب ﵀: يأتي به لأن التوجه يراد لافتتاح الصلاة والتعوذ يراد للقراءة وفي هذه الصلاة وافتتاح وقراءة فوجب أن يأتي بذكرهما. فصل: ويصلى على النبي ﷺ في التكبيرة الثانية لما ذكرناه من حديث ابن عباس وهو فرض من فروضها لأنها صلاة فوجب فيها الصلاة على النبي ﷺ كسائر الصلوات. فصل: ويدعو للميت في التكبيرة الثانية لما روى أبو قتادة قال: صلى ﷺ على جنازة فسمعته يقول: "اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا" وفي بعضها "اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام والإيمان" وهو فرض من فروضها لأن القصد من هذه الصلاة الدعاء للميت فلا يجوز الإخلاف بالمقصود وأدنى الدعاء ما يقع عليه الاسم والسنة أن يقول ما رواه أبو قتادة وذكره الشافعي ﵀ قال: يقول اللهم هذا عبدك وابن عبديك خرج من روح الدنيا وسعتها ومحبوبه وأحباؤه فيها إلى ظلمة القبر وما هو لاقيه كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمداً عبدك ورسولك وأنت أعلم به أللهم إنه نزل بك وأنت خير منزول به وأصبح فقيراً إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له أللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه ولقه برحمتك الأمن من عذابك حتى تبعثه إلى جنتك يا أرحم الراحمين وبأي شيء دعا جاز لأنه قد نقل عن رسول الله ﷺ أدعية مختلفة فدل على أن الجميع جائز. فصل: قال في الأم: يكبر في الرابعة ويسلم وقال في البويطي يقول: اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده والتسليم كالتسليم في سائر الصلوات لما روي عن عبد الله أنه قال: ثلاث خلال كان رسول الله ﷺ يفعلهن وتركهن الناس: إحداهن التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة والتسليم واجب لأنها صلاة يجب لها الإحرام فوجب الخروج منها بالسلام كسائر الصلوات وهل يسلم تسليمة أو تسليمتين على ما ذكرناه في سائر الصلوات.

стр. 276

فصل: إذا أدرك الإمام وقد سبقه ببعض الصلاة كبر ودخل في الصلاة لقوله ﷺ : "ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا١" ويقرأ ما يقتضيه ترتيب صلاته لا ما يقرؤه الإمام لأنه يمكنه أن يأتي بما يقتضيه ترتيب الصلاة مع المتابعة فإذا سلم الإمام أتى بما بقي من التكبيرات نسقاً من غير دعاء في أحد القولين لأن الجنازة ترفع قبل أن يفرغ فلا معنى للدعاء بعد غيبة الميت ويدعو للميت ثم يكبر ويسلم في القول الثاني لأن غيبة الميت لا تمنع من فعل الصلاة. فصل: إذا صلى على الميت بودر إلى دفنه ولا ينتظر حضور من يصلي عليه إلا الولي فإنه ينتظر إذا لم يخش على الميت التغير فإن خيف عليه التغير لم ينتظر وإن حضر من لم يصل عليه صلى عليه وإن حضر من صلى مرة فهل يعيد الصلاة مع من يصلي؟ فيه وجهان: أحدهما يستحب كما يستحب في سائر الصلوات أن يعيدها مع من يصلي جماعة والثاني وهو الصحيح أنه لا يعيد لأنه يصليها نافلة وصلاة الجنازة لا يتنفل بمثلها وإن حضر من لم يصل بعد الدفن صلى على القبر لما روي أن مسكينة ماتت ليلاً فدفنوها ولم يوقظوا رسول الله ﷺ فصلى رسول الله ﷺ على قبرها من الغد وإلى أي وقت تجوز الصلاة على القبر؟ فيه أربعة أوجه: أحدها يصلي عليه إلى شهر لأن النبي ﷺ صلى على أم سعد بن عبادة بعدما دفنت بشهر والثاني يصلي عليه ما لم يبل لأنه إذا بلي لم يبق ما يصلي عليه والثالث يصلي عليه من كان من أهل الفرض عند موته لأنه كان من أهل الخطاب بالصلاة عليه وأما من ولد بعده أو بلغ بعد موته فلا يصلي عليه لأنه لم يكن من أهل الخطاب بالصلاة عليه والرابع أنه يصلي عليه أبداً لأن القصد من الصلاة على الميت الدعاء والدعاء يجوز في كل وقت. فصل: وتجوز الصلاة على الميت الغائب لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ نعى النجاشي لأصحابه وهو بالمدينة فصلى عليه وصلوا خلفه وإن كان الميت معه في البلد لم يجز أن يصلي عليه حتى يحضر عنده لأنه يمكنه الحضور من غير مشقة. فصل: وإن وجد بعض الميت غسل وصلي عليه لأن عمر ﵁ صلى على عظام بالشام وصلى أبو عبيدة على رؤوس وصلت الصحابة ﵃ على يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد ألقاها طائر بمكة من وقعة الجمل.

стр. 277

فصل: إذا استهل السقط أو تحرك ثم مات غسل وصلي عليه لما روى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "إذا استهل السقط غسل وصلي عليه وورث١" ولأنه قد ثبت له حكم الدنيا في الإسلام والميراث والدية فغسل وصلى عليه كغيره وإن لم يستهل ولم يتحرك فإن لم يكن له أربعة أشهر كفن بخرقة ودفن وإن تم له أربعة أشهر ففيه قولان: قال في القديم: يصلى عليه لأنه نفخ فيه الروح فصار كمن استهل وقال في الأم: لا يصلى عليه وهو الأصح لأنه لم يثبت له حكم الدنيا في الإرث وغيره فلم يصل عليه فإن قلنا يصلى عليه غسل كغير السقط وإن قلنا لا يصلى عليه ففي غسله قولان: قال في البويطي: لا يغسل لأنه لا يصلى عليه فلا يغسل كالشهيد وقال في الأم: يغسل لأن الغسل قد ينفرد عن الصلاة كما نقول في الكافر. فصل: وإن مات كافر لم يصل عليه لقوله ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤] ولأن الصلاة لطلب المغفرة والكافر لا يغفر له فلا معنى للصلاة عليه ويجوز غسله وتكفينه لأن النبي ﷺ أمر علياً ﵇ أن يغسل أباه وأعطى قميصه ليكفن به عبد الله بن أبي سلول وإن اختلط المسلمون بالكفار ولم يتميزوا صلوا على المسلمين بالنية ولأن الصلاة تنصرف إلى الميت بالنية والاختلاط لا يؤثر في النية. فصل: ومن مات من المسلمين في جهاد الكفار بسبب من أسباب قتالهم قبل انقضاء الحرب فهو شهيد لا يغسل ولا يصلى عليه لما روى جابر أن رسول الله ﷺ أمر في قتلى أحد بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلوا وإن جرح في الحرب ومات بعد انقضاء الحرب غسل وصلي عليه لأنه مات بعد انقضاء الحرب ومن قتل في الحرب وهو جنب ففيه وجهان: قال أبو العباس بن سريج وأبو علي بن أبي هريرة: يغسل لما روي أن حنظلة بن الراهب قتل فقال النبي ﷺ : "ما شأن حنظلة فإني رأيت الملائكة تغسله" فقالوا: جامع فسمع الهيعة فخرج إلى القتال فلو لم يجب غسله لما غسلته الملائكة.

стр. 278

وقال أكثر أصحابنا: لا يغسل لأنه طهارة عن حدث فسقط حكمها بالشهادة كغسل الميت ومن قتل من أهل البغي في قتال أهل العدل غسل وصلي عليه لأنه مسلم قتل بحق فلم يسقط غسله والصلاة عليه كمن قتل في الزنا والقصاص ومن قتل من أهل العدل في حرب أهل البغي ففيه قولان: أحدهما يغسل ويصلي عليه لأنه مسلم قتل في غير حرب الكفار فهو كمن قتله اللصوص والثاني أنه لا يغسل ولا يصلى عليه لأنه قتل في حرب هو فيه على الحق وقاتله على الباطل فأشبه المقتول في معركة الكفار ومن قتله قطاع الطريق من أهل القافلة ففيه وجهان: أحدهما أنه يغسل ويصلى عليه والثاني لا يغسل ولا يصلى عليه لما ذكرناه في أهل العدل.

стр. 279

باب حمل الجنازة والدفن يجوز حمل الجنازة بين العمودين وهو أن يجعل الحامل رأسه بين عمودي مقدمة النعش ويجعلها على كاهله ويجوز الحمل من الجوانب الأربعة فيبدأ بياسرة المقدمة فيضع العمود على عاتقه الأيمن ثم يجيء إلى ياسرة المؤخرة فيضع العمود على عاتقه الأيسر ثم يجيء إلى يامنة المؤخرة فيضع العمود على عاتقه الأيسر والحمل بين العمودين أفضل لأن النبي ﷺ حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين ولأنه روي ذلك عن عثمان وسعد بن أبي

стр. 280

وقاص وأبي هريرة وابن الزبير ﵃ ويستحب الإسراع بالجنازة لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "أسرعوا بالجنازة فإن تكن صالحة فخيراً تقدمونها إليه وإن تكن سوى ذلك فشراً تضعون عن رقابكم١" ولا يبلغ به الخبب لما روى عبد الله بن مسعود قال: سألنا رسول الله ﷺ عن السير بالجنازة فقال: "دون الخبب فإن يكن خيراً يعجل إليه وإن يكن شراً فبعداً لأصحاب النار" وإجابة الداعي ونصر المظلوم والمستحب أن لا ينصرف من يتبع الجنازة حتى تدفن لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "من تبع جنازة فصلى عليها فله قيراط وإن شهد دفنها فله قيراطان٢" القيراط أعظم من أحد والسنة أن لا يركب لأن النبي ﷺ ما ركب في عيد ولا جنازة فإن ركب في الانصراف لم يكن به بأس لما روى جابر بن سمرة أن النبي ﷺ صلى على جنازة فلما انصرف أتى بفرس معرور فركبه والسنة أن يمشي أمام الجنازة لما روى ابن عمر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يمشي بين يديها وأبو بكر وعمر وعثمان ﵃ ولأنه شفيع للميت والشفيع يتقدم على المشفوع له والمستحب أن يمشي أمامها قريباً منها لأنه إذا بعد لم يكن معها وإن سبق إلى المقبرة فهو بالخيار إن شاء قام حتى توضع الجنازة وإن شاء قعد لما روى علي كرم الله وجهه قال: قام رسول الله ﷺ مع الجنازة حتى وضعت وقام الناس معه ثم قعد بعد ذلك وأمرهم بالقعود ولا يكره للمسلم اتباع جنازة أقاربه من

стр. 281

الكفار لما روي عن علي كرم الله وجهه قال: أتيت النبي ﷺ فقلت إن عمك الضال قد مات فقال: "اذهب فواره" ولا تتبع الجنازة بنار ولا نائحة لما روى عمرو بن العاص أنه قال: إذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار وعن أبي موسى أنه أوصى لا تتبعوني بصارخة ولا بمجمرة ولا تجعلوا بيني وبين الأرض شيئاً. فصل: دفن الميت فرض على الكفاية لأن في تركه على وجه الأرض هتكاً لحرمته ويتأذى الناس برائحته والدفن في المقبرة أفضل لأن النبي ﷺ كان يدفن الموتى بالبقيع ولأنه يكثر الدعاء له ممن يزوره ويجوز الدفن في البيت لأن النبي ﷺ دفن في حجرة عائشة ﵂ فإن قال بعض الورثة يدفن في المقبرة وقال بعضهم يدفن في البيت دفن في المقبرة لأن له حقاً في البيت فلا يجوز إسقاطه ويستحب أن يدفن في أفضل مقبرة لأن عمر ﵁ استأذن عائشة ﵂ أن يدفن مع صاحبيه ويستحب أن تجمع الأقارب في موضع واحد لما روي أن النبي ﷺ ترك عند رأس عثمان بن مظعون صخرة وقال أعلم بها على قبر أخي لأدفن إليه من مات وإن تشاح اثنان في مقبرة مسبلة قدم السابق منهما لقوله ﷺ : "مني مناخ من سبق" فإن استويا في السبق أقرع بينهما ولا يدفن ميت في موضع فيه ميت إلا أنه يعلم أنه قد بلي ولم يبقى منه شيء ويرجع فيه إلى أهل الخبرة بتلك الأرض ولا يدفن في قبر واحد اثنان لأن النبي ﷺ لم يدفن في كل قبر إلا واحداً فإن دعت إلى ذلك ضرورة جاز لأن النبي ﷺ كان يجمع الاثنين من قتلى أحد في قبر واحد ثم يقول أيهما كان أخذاً للقرآن فإذا أشير إلى أحدهما قدمه إلى اللحد وإن دعت الضرورة لأن يدفن مع الرجل امرأة جعل

стр. 282

بينهما حائل من التراب وجعل الرجل أمامها اعتباراً بحال الحياة ولا يدفن كافر بمقابر المسلمين ولا مسلم في مقبرة الكفار ومن مات في البحر ولم يكن بقرب ساحل فالأولى أن يجعل بين لوحين ويلقى في البحر لأنه ربما وقع إلى ساحل فيدفن وإن كان أهل الساحل كفاراً ألقي في البحر. فصل: والمستحب أن يعمق القبر قدر قامة وبسطة لما روي أن عمر ﵁ أوصى أن يعمق القبر قدر قامة وبسطة ويستحب أن يوسع من قبل رجليه ورأسه لما روي أن النبي ﷺ قال للحافر "أوسع من قبل رجليه وأوسع من قبل رأسه" فإن كانت الأرض صلبة ألحد لقوله صلى الله عنه وسلم "اللحد لنا والشق لغيرنا١" وإن كانت رخوة شق الوسط. فصل: والأولى أن يتولى الدفن الرجال لأنه يحتاج إلى بطش وقوة فكان الرجال أحق وأولاهم بذلك أولاهم بالصلاة عليه لأنهم أرفق به وإن كانت امرأة فزوجها أحق بدفنها لأنه أحق بغسلها فإن لم يكن لها زوج فالأب ثم الجد ثم الابن ثم ابن الابن ثم الأخ ثم ابن الأخ ثم العم فإن لم يكن لها ذو رحم محرم ولها مملوك كان المملوك أولى من ابن العم لأنه كالمحرم والخصي أولى من الفحل فإن لم يكن مملوك فابن العم ثم أهل الدين من المسلمين والمستحب أن يكون عدد الذي يدفن وتراً لأن النبي ﷺ دفنه علي والعباس وأسامة ﵃ والمستحب أن يسجى القبر بثوب عند الدفن لأن النبي ﷺ ستر قبر سعد بن معاذ بثوب لما دفنه. فصل: ويستحب أن يضع رأس الميت عند رجل القبر ثم يسل فيه سلاً لما روى ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ سل من قبل رأسه سلاً ولأن ذلك أسهل

стр. 283

ويستحب أن يقول عند إدخاله القبر بسم الله وعلى ملة رسول الله لما روى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ كان يقوله إذا أدخل الميت القبر والمستحب أن يضجع في القبر على جنبه الأيمن لقوله ﷺ "إذا نام أحدكم فليتوسد يمينه١" ولأنه يستقبل القبلة فكان أولى ويوسد رأسه بلبنة أو حجر كالحي إذا نام ويجعل خلفه شيء يسنده من لبن أو غيره حتى لا يستلقي على قفاه ويكره أن يجعل تحته مضربة أو مخدة أو في تابوت لما روي عن عمر ﵁ أنه قال: إذا أنزلتموني في اللحد فافضوا بخدي إلى الأرض وعن أبي موسى: لا تجعلوا بيني وبين الأرض شيئاً وينصب اللبن على اللحد نصباً لما روي عن سعد بن أبي وقاص قال: اصنعوا بي كما صنعتم برسول الله ﷺ إنصبوا علي اللبن وأهيلوا علي التراب ويستحب لمن على شفير القبر أن يحثو في القبر ثلاث حثيات من التراب لأن النبي ﷺ حثى في قبر ثلاث حثيات من التراب ويستحب أن يمكث على القبر بعد الدفن لما روى عثمان ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت يقف عليه وقال "استغفروا لأخيكم واسألوا الله له التثبيت فإنه الآن يسأل".

стр. 284

فصل: ولا يزاد في التراب الذي أخرج من القبر فإن زادوا فلا بأس ويشخص القبر من الأرض قدر شبر لما روى القاسم بن محمد قال: دخلت على عائشة ﵂ فقلت: اكشفي لي عن قبر رسول الله ﷺ وصاحبيه فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا واطئة ويسطح القبر ويوضع عليه الحصى لأن النبي ﷺ سطح قبر ابنه إبراهيم ﵇ ووضع عليه حصى من حصى العرصة وقال أبو علي الطبري: الأولى في زماننا أن يسنم لأن التسطيح من شعار الرافضة وهذا لا يصح لأن السنة قد صحت فيه فلا يعتبر بموافقة الرافضة ويرش عليه الماء لما روى جابر أن النبي ﷺ رش على قبر ابنه إبراهيم ﵇ ولأنه إذا لم يرش عليه الماء زال أثره فلا يعرف ويستحب أن يجعل عند رأسه علامة من حجر أو غيره لأن النبي ﷺ دفن عثمان بن مظعون ووضع عند رأسه حجراً ولأنه يعرف به فيزار ويكره أن يجصص القبر وأن يبنى عليه أو يعقد أو يكتب عليه لما روى جابر قال: نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر وأن يبنى عليه أو يعقد وأن يكتب عليه ولأن ذلك من الزينة. فصل: إذا دفن الميت قبل الصلاة صلي على القبر لأن الصلاة تصل إليه في القبر وإن دفن من غير غسل أو إلى غير القبلة ولم يخش عليه الفساد في نبشه نبش وغسل ووجه إلى القبلة لأنه واجب مقدور على فعله فوجب فعله وإن خشى عليه الفساد لم ينبش لأنه تعذر فعله فسقط كما يسقط وضوء الحي وإستقبال القبلة في الصلاة إذا تعذر فإن وقع في القبر مال لآدمي وطالب به صاحبه نبش القبر لما روي أن المغيرة بن شعبة طرح خاتمه في قبر رسول الله ﷺ فقال خاتمي ففتح موضعاً فيه فأخذه وكان يقول أنا أقربكم عهداً برسول الله ولأنه يمكن رد المال إلى صاحبه من غير ضرورة فوجب

стр. 285

رده عليه وإن بلع الميت جوهرة لغيره ومات وطالب صاحبها شق جوفه وردت الجوهرة وإن كانت الجوهرة له ففيه وجهان: أحدهما يشق لأنها صارت للورثة فهي كجوهرة الأجنبي والثاني لا يجب لأنه استهلكها في حياته فلم يتعلق بها حق الورثة وإن ماتت امرأة وفي جوفها جنين حي شق جوفها لأنه استبقاء حي بإتلاف جزء من الميت فأشبه إذا اضطر إلى أكل جزء من الميت.
следующие страницы →