الستين شاة وعلى صاحب العشرين نصف شاة يجب ها هنا على صاحب الستين شاة لأن غنمه يضم بعضها إلى بعض وتجعل كأنها منفردة فتجب فيها شاة ويجب على كل واحد من الثلاثة نصف شاة لأن الخلطة في حق كل واحد منهم ثابتة في العشرين التي له وفي العشرين التي لخليطه ومن قال في المسألة قبلها إنه يجب على صاحب الستين ثلاثة أرباع شاة وعلى صاحب العشرين نصف شاة يجب ها هنا على صاحب الستين ثلاثة أرباع شاة وعلى كل واحد من الشركاء نصف شاة لأنه لا يمكن ضم الأملاك الثلاثة بعضها إلى بعض لأنها متميزة في شروط الخلطة وأما الستون فإنه يضم بعضها إلى بعض بحكم الملك ولا يمكن ضم كل عشرين منها إلى واحد من الثلاثة فيقال لصاحب الستين قد انضم غنمك بعضها إلى بعض فضم الستين إلى غنم من شئت منهم فتصير ثمانين فتجب فيها شاة ثلاثة أرباعها على صاحب الستين وعلى كل واحد من الثلاثة نصف شاة لأن الخلطة ثابتة في حق كل واحد منهم في الأربعين.
فصل: فأما أخذ الزكاة من مال الخلطة ففيه وجهان: قال أبو إسحاق: إذا وجد ما يجب على كل واحد منهما في ماله لم يأخذه من مال الآخر وإن لم يجد الفرض إلا في مال أحدهما أو كان بينهما نصاب والواجب شاة جاز أن يأخذ من أي النصيبين شاء وقال أبو علي بن أبي هريرة: يجوز أن يأخذ من أي المالين شاء سواء وجد الفرض في نصيبهما أو في نصيب أحدهما لأنا جعلنا المالين كالمال الواحد فوجب أن يجوز الأخذ منهما فإن أخذ الفرض من نصب أحدهما رجع على خليطه بالقيمة فإن اختلفا في قيمة الفرض فالقول قول المرجوع عليه لأنه غارم فكان القول قوله كالغاصب وإن أخذ المصدق أكثر من الفرض بغير تأويل لم يرجع بالزيادة لأنه ظلمه فلا يرجع به على غير الظالم وإن أخذ أكثر من الحق بتأويل بأن أخذ الكبيرة من السخال على قول مالك فإنه يرجع عليه بنصف ما أخذ منه لأنه سلطان فلا ينقص عليه ما فعله باجتهاده وإن أخذ منه قيمة الفرض ففيه وجهان: من أصحابنا من قال لا يرجع عليه بشيء لأن القيمة لا تجزي في الزكاة بخلاف الكبيرة فإنها تجزئ عن الصغار ولهذا لو تطوع بالكبيرة قبلت منه والثاني يرجع وهو الصحيح لأنه أخذه باجتهاده فأشبه إذا أخذ الكبير عن السخال.
فصل: فأما الخلطة في غير المواشي وهي الأثمان والحبوب والثمار ففيها قولان: قال في القديم: لا تأثير للخلطة في زكاتها لأن النبي ﷺ قال: "والخليطان ما اجتمعا على الحوض والفحل والرعي" ولأن الخلطة إنما تصح في المواشي لأن فيها منفعة بإزاء
стр. 317
الضرر وفي غيرها لا يتصور غير الضرر لأنه لا وقص فيها بعد النصاب وقال في الجديد: تؤثر الخلطة لقوله ﷺ : "لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع"١ ولأنه مال تجب فيه الزكاة فأثرت الخلطة في زكاتها كالماشية ولأن المالين كالمال الواحد في المؤن فهي كالمواشي.
стр. 318
باب زكاة الثمار
وتجب الزكاة في ثمرة النخل والكرم لما روى عتاب بن أسيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في الكرم إنها تخرص كما يخرص النخل فتؤدى زكاته زبيباً كما تؤدى زكاة النخل تمراً ولأن ثمرة النخل والكرم يعظم منفعتهما لأنهما من الأقوات والأموال المدخرة فهي كالأنعام في المواشي.
فصل: ولا تجب فيما سوى ذلك من الثمار كالتين والتفاح والسفرجل والرمان لأنه ليس من الأقوات ولا من الأموال المدخرة المقتاتة ولا تجب في طلع الفحال لأنه لا يجيء منه الثمار واختلف قوله في الزيتون فقال في القديم تجب فيه الزكاة لما روي عن عمر ﵁ أنه جعل في الزيت العشر وعن ابن عباس أنه قال في الزيتون الزكاة وعلى هذا القول إن أخرج الزيت عنه جاز لقول عمر ﵁ ولأن الزيت أنفع من الزيتون فكان أولى بالجواز وقال في الجديد: لا زكاة فيه لأنه ليس بقوت فلا يجب فيه العشر كالخضراوات واختلف قوله في الورس وقال في الجديد لا زكاة فيه لأنه نبت لا يقتات به فأشبه الخضراوات قال الشافعي ﵀: من قال لا عشر في الورس لم يوجب في الزعفران ومن قال يجب في الورس فيحتمل أن يوجب في
стр. 319
الزعفران لأنهما طيبان ويحتمل أن لا يوجب في الزعفران ويفرق بينهما بأن الورس شجر له ساق والزعفران نبات واختلف قوله في العسل فقال في القديم: يحتمل أن يجب فيه ووجهه ما روي أن بني شبابة بطناً من فهم كانوا يؤدون إلى رسول الله ﷺ من نحل كان عندهم العشر من عشر قرب قربة وقال في الجديد لا تجب لأنه ليس بقوت فلا يجب فيه العشر كالبيض واختلف قولهم في القرطم وهو حب العصفر فقال في القديم: تجب إن صح فيه حديث أبي بكر ﵁ وقال في الجديد لا تجب لأنه ليس بقوت فأشبه الخضراوات
فصل: ولا تجب الزكاة في ثمر النخل والكرم إلا أن يكون نصاباً ونصابه خمسة أوسق لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة١" والخمسة الأوسق ثلثمائة صاع وهو ألف وستمائة رطل بالبغدادي وهل ذلك تقريب أو تحديد؟ فيه وجهان: أحدهما أنه قريب فلو نقص منه شيء يسير لم تسقط الزكاة والدليل عليه أن الوسق حمل البعير قال النابغة:
أين الشظاظان وأين المربعه ... وأين وسق الناقة المطبعه
وحمل البعير يزيد وينقص والثاني أنه تحديد فإن نقص منه شيء قليل لم تجب الزكاة لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الوسق ستون صاعا"
стр. 320
ولا تجب حتى يكون يابسه خمسة أوسق لحديث أبي سعيد "ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة" فإن كان رطباً لا يجيء منه ثمر أو عنباً لا يجيء منه زبيب ففيه وجهان: أحدهما يعتبر نصابه بنفسه وهو أن يبلغ يابسه خمسة أوسق لأن الزكاة تجب فيه فاعتبر النصاب من يابسه والثاني أنه يعتبر بغيره لأنه لا يمكن اعتباره بنفسه فاعتبره بغيره كالجناية التي ليس لها أرش مقدر في الحر فإنه يعتبر بالعبد وتضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض في إكمال النصاب وإن اختلفت أوقاته بأن كان له نخيل بتهامة ونخيل بنجد فأدرك ثمر التي بتهامة فجذها وحملت التي بنجد وأطلعت التي بتهامة وأدركت قبل أن يجذ التي بنجد لم يضم أحدهما إلى الآخر لأن ذلك ثمرة عام آخر وإن حملت نخل حملاً فجذها ثم حملت حملاً آخر لم يضم ذلك إلى الأول لأن النخل لا يحمل في عام مرتين فيعتبر كل واحد منهما بنفسه فإن بلغ نصاباً وجب فيه العشر وإن لم يبلغ لم يجب.
فصل: وزكاته العشر فيما سقى بغير مؤنة ثقيلة كماء السماء والأنهار وما يشرب بالعروق ونصف العشر فيما سقى بمؤنة ثقيلة كالنواضح والدواليب وما أشبههما لما روى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ فرض فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بعلاً وروى عثرياً العشر وفيما سقى بالنضح نصف العشر والبعل الشجر الذي يشرب بعروقه والعثري الشجر الذي يشرب من الماء الذي يجتمع في موضع فيجري كالساقية ولأن المؤنة في أحدهما تخف وفي الآخر تثقل ففرق بينهما في الزكاة وإن كان يسقي نصفه بالناضح ونصفه بالسيح ففيه ثلاثة أرباع العشر اعتباراً باليقين وإن سقى بأحدهما أكثر ففيه
стр. 321
قولان: أحدهما يعتبر فيه الغالب فإن كان الغالب السقي بماء السماء أو السيح وجب العشر وإن كان الغالب السقي بالناضح وجب فيه نصف العشر لأنه اجتمع الأمران ولأحدهما قوة بالغلبة فكان الحكم له كالماء إذا خالطه مائع والقول الثاني يقسط على عدد السقيات لأن ما وجب فيه الزكاة بالقسط عند التماثل وجب فيه بالقسط عند التفاضل كزكاة الفطر في العبد المشترك وإن جهل القدر الذي سقى بكل واحد منهما جعلا نصفين لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر فوجب التسوية بينهما كالدار في يد اثنين وإذا زادت الثمرة على خمسة أوسق وجب الفرض فيه بحسابه لأنه يتجزأ من غير ضرر فوجب فيه بحسابه كزكاة الأثمان.
فصل: ولا يجب العشر حتى يبدو الصلاح في الثمار وبدو الصلاح أن يحمر البسر أو يصفر ويتموه العنب لأن قبل بدو الصلاح لا يقصد أكله فهو كالرطبة وبعده يقتات ويؤكل فهو كالحبوب فإن أراد أن يبيع الثمرة قبل بدو الصلاح نظرت فإن كان لحاجة لم يكره وإن كان يبيع للفرار من الزكاة كره لأنه فرار من القربة ومواساة المساكين فإن باع صح البيع لأنه باع ولا حق لأحد فيه وإن باع بعد بدو الصلاح ففي البيع في قدر الفرض قولان: أحدهما أنه باطل لأن في أحد القولين تجب الزكاة في العين وقدر الفرض للمساكين فلا يجوز بيعه بغير إذنهم وفي الآخر تجب في الذمة والعين مرهونة به وبيع المرهون لا يجوز من غير إذن المرتهن والثاني أنه يصح لأنا إن قلنا إن الزكاة تتعلق بالعين إلا أن أحكام الملك كلها ثابتة والبيع من أحكام الملك وإن قلنا إنها تجب في الذمة والعين مرتهنة به إلا أنه رهن يثبت بغير اختياره فلم يمنع البيع كالجناية في رقبة العبد فإن قلنا يصح في قدر الفرض ففيما سواه أولى وإن قلنا لا يصح في قدر الفرض ففيما سواه قولان بناء على تفريق الصفقة فإن أكل شيئاً من الثمار أو استهلكه وهو عالم عزر وغرم وإن كان جاهلاً غرم ولم يعزر وإن أصاب النخل عطش بعد بدو الصلاح وخاف أن يهلك جاز أن يقطع الثمار لأن الزكاة تجب على سبيل المواساة فلو ألزمناه تركها لحق المساكين صار ذلك سبباً لهلاك ماله فيخرج عن حد المواساة ولأن حفظ النخيل أنفع للمساكين في مستقبل الأحوال ولا يجوز أن يقطع إلا بحضرة المصدق ولأن الثمرة مشتركة بينه وبين المساكين فلا يجوز إلا بمحضر من النائب عنهم ولا يقطع إلا ما تدعو الحاجة إليه فإن قطع من غير حضور المصدق وهو عالم عزره إن رأى ذلك ولا يغرمه ما نقص لأنه لو حضر لوجب عليه أن يأذن له في قطعه وإن نقص به الثمرة.
فصل: والمستحب إذا بدا الصلاح في النخل والكرم أن يبعث الإمام من يخرص
стр. 322
لحديث عتاب بن أسيد أن النبي ﷺ قال في الكرم يخرص كما يخرص النخل ويؤدى زكاته زبيباً كما يؤدى زكاة النخل تمراً ولأن في الخرص احتياطاً لرب المال والمساكين فإن رب المال يملك التصرف بالحرص ويعرف المصدق حق المساكين فيطالب به وهل يجوز خارص واحد أم لا؟ فيه قولان أحدهما يجوز وهو الصحيح كما يجوز حاكم واحد والثاني لا يجوز أقل من خارصين كما لا يجوز أقل من مقومين فإن كانت أنواعاً مختلفة خرص عليه نخلة نخلة وإن كانت نوعاً واحداً فهو بالخيار بين أن يخرص نخلة نخلة وبين أن يخرص الجميع دفعة فإذا عرف مبلغ الجميع ضمن رب المال حق الفقر فإن ضم حقهم جاز له أن يتصرف فيه بالبيع والأكل وغير ذلك فإن ادعى رب المال بعد الخرص هلاك الثمرة فإن كان ذلك لجائحة ظاهرة لم يقبل حتى يقيم البينة فإذا أقام البينة أخذ بما قال وإن لم يصدقه حلفه وهل اليمن مستحبة أو واجبة؟ فيه وجهان: أحدهما أنها واجبة فإن حلف سقطت الزكاة وإن نكل لزمته الزكاة والثاني أنها مستحبة فإن حلف سقطت الزكاة وإن نكل سقطت الزكاة وإن ادعى الهلاك بسبب يخفى كالسرقة وغيرها فالقول قوله مع يمينه وهل اليمين واجبة أو مستحبة على الوجهين فإن تصرف رب المال في الثمار وادعى أن الخارص قد أخطأ في الخرص نظرت فإن كان في قدر لا يخطئ فيه كالربع والثلث لم يقبل قوله وإن كان في قدر يجوز أن يخطئ فيه قبل قوله مع يمينه وهل تجب اليمين أو تستحب على الوجهين.
فصل: ولا تؤخذ زكاة الثمار إلا بعد أن تجفف لحديث عتاب بن أسيد في الكرم يخرص كما يخرص النخل ثم تؤدى زكاته زبيباً كما تؤدى زكاة النخل تمراً فإن أخذ الرطب وجب رده وإن فات وجب رد قيمته ومن أصحابنا من قال يجب رد مثله والمذهب الأول لأنه لا مثل له لأنه يتفاوت ولهذا لا يجوز بيع بعضه ببعض فإن كانت الثمار نوعاً واحداً أخذ الواجب منه لقوله ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٦٧] وإن كانت أنواعاً قليلة أخذ الزكاة من كل نوع بقسطه وإن كانت أنواعاً كثيرة أخرج من أوسطها لا من النوع الجيد ولا من النوع الرديء لأن أخذها من كل صنف بقسطه يشق فأخذ الوسط وإن كان رطباً لا يجيء منه التمر كالهلياث والسكر أو عنباً لا يجيء منه الزبيب أو أصاب النخل عطش فخاف عليها من ترك الثمار ففي القسمة قولان: إن قلنا إن القسمة فرز النصيبين جازت المقسمة فيجعل العشر في نخلات ثم المصدق ينظر فإن رأى أن يفرق عليهم فعل وإن رأى البيع
стр. 323
وقسمة الثمن فعل وإن قلنا إن القسمة بيع لم يجز لأنه يكون بيع رطب برطب وذلك ربا فعلى هذا يقبض المصدق عشرها مشاعاً بالتخلية بينه وبينها ويستقر عليه ملك المساكين ثم يبيعه ويأخذ ثمنه ويفرق عليهم وإن قطعت الثمار فإن قلنا إن القسمة تمييز الحقين تقاسموا كيلاً أو وزناً وإن قلنا إنها بيع لم تجز المقاسمة بل يسلم العشر إلى المصدق ثم يبيعه ويفرق ثمنه وقال أبو إسحاق وأبو علي بن أبي هريرة: تجوز المقاسمة كيلاً ووزناً على الأرض لأنه يمكنه أن يخلص حقوق المساكين بالكيل والوزن ولا يمكن ذلك في النخل والصحيح أنه لا فرق بين أن تكون على الشجر وبين أن تكون على الأرض لأنه بيع رطب برطب على هذا القول.
стр. 324
باب زكاة الزروع
وتجب الزكاة في كل ما تخرجه الأرض مما يقتات ويدخر وينبته الآدميون كالحنطة والشعير والدخن والذرة والجاورس والأرز وما أشبه ذلك لما روى معاذ ﵁ أن النبي ﷺ قال "فيما سقت السماء والبعل والسيل والعين العشر وفيما سقى بالنضح نصف العشر١" يكون ذلك في الثمر والحنطة والحبوب فأما القثاء والبطيخ والرمان والقصب والخضراوات فعفا عنها رسول الله ﷺ ولأن الأقوات تعظم منفعتها فهي كالأنعام في الماشية كذلك تجب الزكاة في القطنية وهي العدس والحمص والماش واللوبيا والباقلا
стр. 325
والهرطمان لأنه يصلح للإقتيات ويدخر للأكل فهو كالحنطة والشعير.
فصل: ولا تجب الزكاة إلا في نصاب لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر ولا حب صدقة١" ونصابه خمسة أوسق إلا الأرز والعلس فإن نصابها عشرة أوسق لأنهما يدخران في القشر ويجيء من كل وسقين وسق وزكاته العشر ونصف العشر على ما ذكرناه في الثمار فإن زاد على خمسة أوسق شيء وجب فيه بحسابه لأنه يتجزأ من غير ضرر فوجب فيما زاد على النصاب بحسابه كالأثمان وتضم النواع من جنس واحد بعضها إلى بعض في إكمال النصاب فيضم العلس إلى الحنطة لأنه صنف منه ولا يضم السلت إلى الشعير والسلت حب يشبه الحنطة في الملامسة ويشبه الشعير في طوله وبرودته وقال أبو علي الطبري: يضم السلت إلى الشعير كما يضم العلس إلى الحنطة والمنصوص في البويطي أنه لا يضم لأنهما جنسان بخلاف الحنطة والعلس.
فصل: وإن اختلفت أوقات الزرع ففي ضم بعضه إلى بعض أربعة أقوال: أحدهما أن الاعتبار بوقت الزراعة فكل زرعين زرعا في فصل واحد من صيف أو شتاء أو ربيع أو خريف ضم بعضه إلى بعض لأن الزراعة هي الأصل والحصاد فرع فكان اعتبار الأصل أولى والثاني أن الاعتبار بوقت الحصاد فإذا اتفق حصادهما في فصل ضم أحدهما إلى الآخر لأنه حالة الوجوب فكان اعتباره أولى والثالث يعتبر أن تكون زراعتهما في فصل وحصادهما في فصل لأن في زكاة المواشي والأثمان يعتبر الطرفان فكذلك ههنا والرابع يعتبر أن يكونا من زراعة عام واحد كما قلنا في الثمار.
فصل: ولا يجب العشر قبل أن ينعقد الحب فإذا انعقد الحب وجب لأنه قبل أن ينعقد الحب كالخضراوات وبعد الانعقاد صار قوتاً يصلح للإدخار فإن زرع الذرة فأدرك وحصد ثم سنبل مرة أخرى فهل يضم الثاني إلى الأول؟ فيه وجهان: أحدهما لا
стр. 326
يضم كما لو حملت النخل ثمرة فجذها ثم حملت حملاً آخر والثاني يضم ويخالف النخل لأنه يراد للتأبيد فجعل لكل حمل حكم والزرع لا يراد للتأبيد فكان الحملان لعام واحد.
فصل: ولا تؤخذ زكاة الحبوب إلا بعد التصفية كما لا تؤخذ زكاة الثمار إلا بعد الجفاف.
فصل: وإن كان الزرع لواحد والأرض لآخر وجب العشر على مالك الزرع عند الوجوب لأن الزكاة تجب في الزرع فوجبت على مالكه كزكاة التجارة تجب على مالك المال دون مالك الدكان.
فصل: فإن كان على أرض خراج وجب الخراج في وقته ويجب العشر في وقته ولا يمنع وجوب أحدهما وجوب الآخر لأن الخراج يجب للأرض والعشر يجب للزرع فلا يمنع أحدهما الآخر كأجرة المتجر وزكاة التجارة.
стр. 327
باب زكاة الذهب والفضة
وتجب الزكاة في الذهب والفضة لقوله ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة:٣٤] ولأن الذهب والفضة معدان للنماء فهو كالإبل والبقر السائمة ولا تجب فيما سواهما من الجواهر كالياقوت والفيروزج والؤلؤ والمرجان لأن ذلك معد للاستعمال فهو كالإبل والبقر العوامل ولا تجب فيما دون النصاب من الذهب والفضة ونصاب الذهب عشرون مثقالاً لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال "ولا يجب في اقل من عشرين مثقالاً من الذهب شيء" ونصاب الفضة مائتا درهم والدليل عليه ما روى ابن عمر رضي الله
стр. 328
عنهما أن النبي ﷺ قال "إذا بلغ مال أحدكم خمس أواق مائتي درهم ففيه خمسة دراهم١" والاعتبار بالمثقال الذي كان بمكة ودراهم الإسلام التي كانت كل عشرة بوزن سبعة مثاقيل وأن النبي ﷺ قال: "الميزان ميزان أهل مكة والمكيال مكيال أهل المدينة٢" ولا يضم أحدهما إلى الآخر في إكمال النصاب لأنهما جنسان فلم يضم أحدهما إلى الآخر كالإبل والبقر وزكاتهما ربع العشر نصف مثقال عن عشرين مثقالاً من الذهب وخمسة دراهم من مائتي درهم والدليل عليه قوله ﷺ في كتاب الصدقات "في الرقة ربع العشر٣" وروى عاصم بن ضمرة عن علي كرم الله وجهه أنه قال: ليس في أقل من عشرين ديناراً شيء وفي عشرين نصف دينار وتجب فيما زاد على النصاب بحسابه لأنه يتجزأ من غير ضرر فوجب فيما زاد بحسابه ويجب في الجيد الجيد وفي الرديء الرديء وإن كانت أنواعاً قليلة وجب في كل نوع بقسطه وإن كثرت الأنواع أخرج من الأوسط كما قلنا في الثمار وإن لم يعرف قدر ما فيه من الذهب أو الفضة فهو بالخيار إن شاء سبك الجميع ليعرف الواجب فيخرجه وإن شاء أخرج واستظهر ليسقط الفرض بيقين.
فصل: وإن كان له دين نظرت فإن كان ديناً غير لازم كمال الكتابة لم يلزمه زكاته لأن ملكه غير تام عليه فإن العبد يقدر أن يسقطه وإن كان لازماً نظرت فإن كان على مقر مليء لزمه زكاته لأنه مقدور على قبضه فهو كالوديعة وإن كان على مليء جاحد أو مقر معسر فهو كالمال المغصوب وفيه قولان وقد بيناه في الزكاة وإن كان له دين مؤجل
стр. 329
ففيه وجهان: قال أبو إسحاق هو كالدين الحال على فقير أو مليء جاحد فيكون على قولين وقال أبو علي بن أبي هريرة: لا تجب فيه الزكاة فإذا قبضه استقبل به الحول لأنه لا يستحقه ولو حلف أنه لا يستحقه كان باراً والأول أصح لأنه لو لم يستحقه لم ينفذ فيه إبراؤه وإن كان له مال غائب فإن كان مقدوراً على قبضه وجبت فيه الزكاة إلا أنه لا يلزمه إخراجها حتى يرجع إليه وإن لم يقدر عليه فهو كالمغصوب وإن كان معه أجرة دار لم يستوف المستأجر منفعتها وحال عليها الحول وجبت فيه الزكاة لأنه يملكها ملكاً تاماً وفي وجوب الإخراج قولان قال في البويطي يجب لأنه يملكه ملكاً تاماً فأشبه مهر المرأة وقال في الأم لا يجب لأن ملكه قبل استيفاء المنفعة غير مستقر لأنه قد تنهدم الدار فتسقط الأجرة فلم تجب الزكاة فيه كدين الكتابة والأول أصح لأن هذا يبطل بالصداق قبل الدخول فإنه يجوز أن يسقط بالردة ويسقط نصفه بالطلاق ثم يجب إخراج زكاته.
فصل: ومن ملك مصوغاً من الذهب والفضة فإن كان معداً للقنية وجبت فيه الزكاة لأنه مرصد للنماء فهو كغير المصوغ وإن كان معداً للاستعمال نظرت فإن كان لاستعمال محرم كأواني الذهب والفضة وما يتخذه الرجل لنفسه من سوار أو طوق أو خاتم ذهب أو ما يحلى به المصحف أو يؤزر به المسجد أو يموه به السقف أو كان مكروهاً كالتضبيب القليل للزينة وجبت فيه الزكاة لأنه عدل به عن أصله بفعل غير مباح فسقط كحلي النساء وما أعدلهن وخاتم الفضة للرجال ففيه قولان: أحدهما لا تجب فيه الزكاة لما روى جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال "ليس في الحلى زكاة" ولأنه معد لاستعمال مباح فلم تجب فيه الزكاة كالعوامل من الإبل والبقر والثاني تجب فيه الزكاة واستخار الله فيه الشافعي واختاره لما روي أن امرأة من اليمن جاءت إلى رسول الله ﷺ ومعها ابنتها في يدها
стр. 330
مسكتان غليظتان من الذهب فقال لها رسول الله ﷺ : "أتعطين زكاة هذا؟ فقالت لا فقال رسول الله ﷺ أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار؟ " فخلعتهما وألقتهما إلى النبي ﷺ وقالت: هما لله ولرسوله ولأنه من جنس الأثمان فأشبه الدراهم والدنانير وفيما لطخ به اللجام وجهان: قال أبو الطيب بن سلمة أنه مباح كالذي حلى به المنطقة والسيف فيكون على قولين وقال أبو إسحاق لا يحل وهو المنصوص لأن هذا حلية للدابة بخلاف السيف والمنطقة فإن ذلك حلية للرجل في الحرب فحل وإن كان للمرأة حلي فانكسر بحيث لا يمكن لبسه فوجبت فيه الزكاة كما لو تفتت والثاني لا تجب لأنه للإصلاح واللبس أقرب وإن كان لها حلي معد للإجارة ففيه طريقان: أحدهما أنه تجب فيه الزكاة قولاً واحداً لأنه معد لطلب النماء فأشبه إذا اشتراه للتجارة والثاني أنه على قولين لأن النماء المقصود قد فقد لأن ما يحصل من الأجرة قليل فلم يؤثر في إيجاب الزكاة كأجرة العوامل من الإبل والبقر وإذا وجبت الزكاة في حلى تنقص قيمته بالكسر ملك الفقراء ربع العشر منه ويسلمه إليهم بتسليم مثله ليستقر ملكهم عليه كما قلنا في الرطب الذي لا يجيء منه تمر وقال أبو العباس: يخرج زكاته لأنه يشق تسليم بعضه والأول أظهر.
стр. 331
باب زكاة التجارة
تجب الزكاة في عروض التجارة لما روى أبو ذر أن النبي ﷺ قال "في الإبل صدقتها وفي البقر صدقتها وفي الغنم صدقتها وفي البز صدقته" ولأن التجارة يطلب بها نماء المال فتعلقت بها الزكاة كالسوم في الماشية.
فصل: ولا يصير العرض للتجارة إلا بشرطين: أحدهما أن يملكه بعقد يجب فيه العوض كالبيع والإجارة والنكاح والخلع والثاني أن ينوي عند العقد أنه يتملكه للتجارة
стр. 332
فأما إذا ملكه بإرث أو وصية أوهبة من غير شرط الثواب لم يصر للتجارة بالنية وإن ملكه بالبيع والإجارة ولم ينو عند العقد أنه للتجارة لم يصر للتجارة وقال الكرابيسي من أصحابنا: إذا ملك عرضاً ثم نوى به التجارة صار للتجارة كما إذا كان عنده متاع للتجارة ثم نوى القنية صار للقنية بالنية والمذهب الأول لأن ما لا يكون الزكاة من أصله لم يصر للزكاة بمجرد النية كالمعلوفة إذا نوى إسامتها ويفارق إذا نوى القنية بمال التجارة لأن القنية هي الإمساك بنية القنية وقد وجد الإمساك والنية والتجارة هي التصرف بنية التجارة وقد وجدت النية ولم يوجد التصرف فلم يصر للتجارة.
فصل: إذا اشترى للتجارة ما تجب الزكاة في عينه كنصاب السائمة والكرم والنخل نظرت فإن وجد فيه نصاب إحدى الزكاتين دون الأخرى كخمس من الإبل لا تساوي مائتي درهم أو أربع من الإبل تساوي مائتي درهم وجبت فيه زكاة ما وجد نصابه لأنه وجد سببها ولم يوجد ما يعارضه فوجبت وإن وجد نصابهما ففيه طريقان: قال أبو إسحاق: إن سبق حول التجارة بأن يكون عنده نصاب من الأثمان مدة ثم اشترى به نصاباً من السائمة وجبت زكاة التجارة فيه وإن سبق وجوب زكاة العين بأن اشترى نخلاً للتجارة فبدا فيها الصلاح قبل أن يحول حول التجارة وجبت زكاة العين لأن السابق منهما قد وجد سبب وجوب زكاته وليس هناك زكاة تعارضها فوجبت كما قلنا في ما وجد فيه نصاب إحدى الزكاتين دون الأخرى وإن وجد سببهما في وقت واحد مثل أن يشتري بما تجب فيه الزكاة نصاباً من السائمة للتجارة ففيه قولان: قال في القديم: تجب زكاة التجارة لأنها أنفع للمساكين لأنها تزداد القيمة فكان إيجابها أولى وقال في الجديد تجب زكاة العين لأنها أقوى لأنها مجمع عليها وزكاة التجارة مختلف في وجوبها ولأن نصاب العين يعرف قطعاً ونصاب التجارة يعرف بالظن فكانت زكاة العين أولى وقال القاضي أبو حامد في المسألة قولان: سواء اتفق حولهما أو سبق حول أحدهما والأول أصح فإن كان المشتري نخيلاً وقلنا بقوله القديم قوم النخيل والثمرة وأخرج الزكاة عن قيمتهما وإن قلنا بقوله الجديد لزمه عشر الثمرة وهل يقوم النخيل؟ فيه قولان: أحدهما لا يقوم لأن
стр. 333
المقصود هو الثمار وقد أخرجنا عنها العشر والثاني يقوم ويخرج الزكاة من قيمتها لأن العشر زكاة الثمار فأما الأصول فلم يخرج زكاتها فوجب أن تقوم وتخرج عنها الزكاة وإن اشترى عبداً للتجارة وجبت عليه فطرته لوقتها وزكاة التجارة لحولها لأنهما حقان يجبان بسببين مختلفين فلم يمنع أحدهما الآخر كالجزاء والقيمة وحد الزنا والشرب وإن اشترى للتجارة عرضاً لا تجب فيه الزكاة لم يخل إما أن يشتري بعرض أو نقد فإن اشتراه بنقد نظرت فإن كان نصاباً جعل ابتداء الحول من حين ملك النصاب من النقد ويبني حول العرض الذي اشتراه عليه لأن النصاب هو الثمن وكان ظاهراً فصار في ثمن السلعة كامناً فبنى حوله عليه كما لو كان عيناً فأقرضه فصار ديناً وإن اشتراه بدون النصاب انعقد الحول عليه من حين الشراء سواء كانت قيمة العرض نصاباً أو أقل وقال أبو العباس: لا ينعقد الحول إلا أن يكون قيمته من أول الحول إلى آخره نصاباً كسائر الزكوات والمنصوص في الأم هو الأول لأن نصاب زكاة التجارة يتعلق بالقيمة وتقويم العرض في كل ساعة يشق فلم يعتبر إلا في حال الوجوب ويخالف سائر الزكوات فإن نصابها في عينها فلم يشق اعتباره في جميع الحول وإن اشتراه بعرض للقنية نظرت فإن كان من غير أموال الزكاة انعقد الحول عليه من يوم الشراء وإن اشتراه بنصاب من السائمة ففيه وجهان: قال أبو سعيد الاصطخري: يبني حول التجارة على حول السائمة لأن الشافعي ﵀ قال في المختصر: ولو اشترى عرضاً للتجارة بدراهم أو دنانير أو بشيء تجب فيه الصدقة لم يقوم عليه حتى يحول الحول من يوم ملك ثمن العرض والدليل عليه أنه ملكه بما يجزي في الحول فبنى حوله على حوله كما لو اشتراه بنصاب من الأثمان وقال أكثر أصحابنا: لا يبني على حول السائمة وتأولوا قوله في المختصر والدليل عليه أن الزكاة تتعلق بقيمة العرض والماشية ليست بقيمة فلم يبن حوله على حولها ويخالف الأثمان لأنها قيمة وإنما كانت عيناً ظاهرة فخفيت كالعين إذا صارت ديناً.
فصل: إذا باع عرضاً للتجارة في أثناء الحول بعرض للتجارة لم ينقطع الحول لأن زكاة التجارة تتعلق بالقيمة وقيمة الثاني وقيمة الأول واحدة وإنما انتقلت من سلعة إلى سلعة فلم ينقطع الحول كمائتي درهم من بيت إلى بيت وإن باع العرض بالدراهم أو الدنانير نظرت فإن باعه بقدر قيمته بنى حول الثمن على حول العرض كما يبني حول العرض على حول الثمن وإن باعه بزيادة مثل أن يشتري العرض بمائتين فباعه في أثناء الحول بثلثمائة ففيه طريقان: من أصحابنا من قال يزكي المائتين لحولها ويستأنف الحول
стр. 334
للزيادة قولاً واحداً وقال أبو إسحاق في الزيادة قولان: أحدهما يزكيها لحول الأصل لأنه نماء الأصل فزكى لحول الأصل كالسخال والثاني يستأنف الحول لأنها فائدة غير متولدة مما عنده فلا يزكي لحوله كما لو استفاد الزيادة بإرث أو هبة فإذا قلنا يستأنف الحول الزيادة ففي حولها وجهان: أحدهما من حين ينض لأنه لا يتحقق وجودها قبل أن ينض والثاني من حين يظهر وهو الأظهر لأنه قد ظهر فإذا نض علمنا أنه قد ملكه من ذلك الوقت وإن كان عنده نصاب من الدراهم فباعه بالدراهم أو الدنانير فإن فعل ذلك لغير تجارة انقطع الحول فيما باع واستقبل الحول فيما اشترى وإن فعله للتجارة كما يفعل الصيارف ففيه وجهان: أحدهما أنه ينقطع الحول لأنه مال تجب الزكاة في عينه فانقطع الحول فيه بالمبادلة كالماشية والثاني لا ينقطع الحول لأنه باع مال التجارة بمال للتجارة فلم ينقطع الحول كما لو باع عرضاً بعرض.
فصل: إذا حال الحول على عرض التجارة وجب تقويمه لإخراج الزكاة فإن اشتراه بنصاب من الأثمان قوم به لأنه فرع لما اشترى به فوجب التقويم به وإن اشتراه بعرض للقنية قوم بنقد البلد لأنه لا يمكن تقويمه بأصله فوجب تقويمه بنقد البلد فإن كان في البلد نقدان قوم بأكثرهما معاملة وإن كانا متساويين نظرت فإن كان بأحدهما يبلغ نصاباً وبالآخر لا يبلغ نصاباً قوم بما يبلغ به لأنه قد وجد نصاب تتعلق به الزكاة فوجب التقويم به وإن كان يبلغ بكل واحد منهما نصاباً ففيه أربعة أوجه: أحدها أنه يقوم بما شاء منهما وهو قول أبي إسحاق وهو الأظهر لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر فخير بينهما والثاني يقوم بما هو أنفع للمساكين كما إذا اجتمع في النصاب فرضان أخذ ما هو أنفع للمساكين والثالث يقوم بالدراهم لأنها أكثر استعمالاً والرابع يقوم بنقد أقرب البلاد إليه لأن النقدين تساويا فجعلا كالمعدومين فإن قومه ثم باعه بزيادة على قيمته قبل إخراج الزكاة ففيه وجهان: أحدهما لا يلزمه زكاة تلك الزيادة لأنها زيادة حدثت بعد الوجوب فلم تلزمه زكاتها كالسخال الحادثة بعد الحول والثاني تلزمه لأن الزيادة حصلت في نفس القيمة التي تعلق بها الوجوب فهو بمنزلة الماشية إذا سمنت بعد الحول فإنه يلزمه إخراج فرض سمين وإن اشتراه بما دون النصاب من الأثمان ففيه وجهان: أحدهما يقوم بنقد البلد لأنه ملكه بما لا تجب فيه الزكاة فأشبه إذا ملكه بعرض للقنية والثاني أنه يقوم بالنقد الذي اشتراه به لأنه أصل يمكن أن يقوم به فيقوم به كما لو كان نصاباً فإن حال الحول على
стр. 335
العرض فقوم فلم يبلغ النصاب لم تجب فيه الزكاة فإن زادت قيمته بعد الحول بشهر فبلغت نصاباً ففيه وجهان: قال أبو إسحاق لا تجب الزكاة حتى يحول عليه الحول والثاني من حين حال الحول الأول لأن الحول يبتدأ من حين الشراء وقد تم الحول وهو ناقص عن النصاب فلم تتعلق به الزكاة وقال أبو علي ابن أبي هريرة: إذا بلغت قيمته نصاباً بعد شهر وجبت فيه الزكاة لأنه مضى عليه حول بعد الشراء بشهر وهو نصاب فوجبت فيه الزكاة.
فصل: إذا قوم العرض فقد قال في الأم تخرج الزكاة مما قوم به وقال في القديم فيه قولان: أحدهما يخرج ربع عشر قيمته والثاني يخرج ربع عشر العرض وقال في موضع آخر لا يخرج إلا العين أو الورق أو العرض فمن أصحابنا من قال فيه ثلاثة أقوال: أحدها أنه يخرج مما قوم به لأن الوجوب تعلق به والثاني يخرج من العرض لأن الزكاة تجب لأجله والثالث يخير بينهما لأن الزكاة تتعلق بهما فخير بينهما وقال أبو إسحاق: فيه قولان: أحدهما أنه يخرج مما قوم به والثاني أنه بالخيار وقال أبو علي ابن أبي هريرة: فيه قولان: أحدهما أنه يخرج مما قوم به والثاني يخرج العرض.
فصل: إذا دفع إلى رجل ألف درهم قراضاً على أن الربح بينهما نصفان فحال الحول وقد صارت ألفين بنيت على أن المضارب متى يملك الربح وفيه قولان: أحدهما يملكه بالمقاسمة والثاني يملكه بالظهور فإن قلنا بالأول كانت زكاة الجميع على رب المال فإن أخرجها من عين المال فمن أين تحسب؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها أنه تحسب من الربح لأنها من رأس المال فتحسب من الربح كأجرة النقال والوزان والكيال والثاني تحسب من رأس المال لأن الزكاة دين عليه في الذمة في أحد القولين فإذا قضاه من المال حسب من رأس المال كسائر الديون والثالث أنها تحسب من رأس المال والربح جميعاً لأن الزكاة تجب في رأس المال والربح فحسب المخرج منهما وإن قلنا إن العامل يملك حصته من الربح بالظهور وجب على رب المال زكاة ألف وخمسمائة وإخراجها على ما ذكرناه وتجب على العامل زكاة خمسمائة غير أنه لا يلزمه إخراجها لأنه لا يدري هل يسلم له أم لا فلم يلزمه إخراج زكاته كالمال الغائب فإن أخرج زكاته من غير المال جاز وإن أراد إخراجه من المال ففيه وجهان: أحدهما ليس له لأن الربح وقاية لرأس المال فلا يخرج منه الزكاة والثاني أن له ذلك لأنهما دخلا على حكم الإسلام ووجوب الزكاة.
стр. 336
باب زكاة المعدن والركاز
إذا استخرج حر مسلم من معدن في موات أوفي أرض يملكها نصاباً من الذهب أو الفضة وجب عليه الزكاة لأن النبي ﷺ أقطع بلال بن الحارث المزني المعادن القبلية وأخذ منه الزكاة فإن استخرجه مكاتب أو ذمي لم يجب عليه شيء لأنه زكاة والزكاة لا تجب على المكاتب والذمي وإن وجده في أرض مملوكة لغيره فهو لصاحب الأرض ويجب دفعه إليه فإذا أخذه مالكه وجب عليه زكاته وإن وجد شيئاً غير الذهب والفضة كالحديد والرصاص والفيروزج والبلور وغيرها لم تجب فيها الزكاة لأنها ليست من أموال الزكاة فلم يجب فيها حق المعدن وإن وجده دون النصاب لم تلزمه الزكاة لأنا بينا أن ذلك زكاة فلم تجب في غير النصاب ولأنه حق يتعلق بالمستفاد من الأرض فاعتبر فيه النصاب كالعشر وإن وجد النصاب في دفعات نظرت فإن لم ينقطع العمل ولا النيل ضم بعضه إلى بعض في إكمال النصاب وإن انقطع العمل لعذر كالاستراحة أو إصلاح الأداة ضم ما وجده بعد زوال العذر إلى ما وجده قبله فإن ترك العمل لغير عذر لم يضم ما وجده بعد الترك إلى ما وجده قبله وإن اتصل العمل وانقطع النيل ثم عاد ففيه قولان: قال في القديم لا يضم الثاني إلى الأول لأنه إذا لم يضم ما وجده بعد قطع العمل إلى ما وجده قبله فلأن لا يضم ما وجده بعد انقطاع النيل وهو المقصود أولى وقال في الجديد يضم لأن انقطاع النيل بغير اختياره وانقطاع العمل باختياره.
فصل: ويجب حق المعدن بالوجود ولا يعتبر فيه الحول في أظهر القولين لأن الحول يراد لتكامل النماء وبالوجود يصل إلى النماء فلو يعتبر فيه الحول كالعشر وقال في البويطي: لا يجب حتى يحول عليه الحول لأنه زكاة في مال تتكرر فيه الزكاة فاعتبر فيها الحول كسائر الزكوات.
فصل: وفي زكاته ثلاثة أقوال: أحدها يجب ربع العشر لأنا قد بينا أنه زكاة وزكاة الذهب والفضة ربع العشر والثاني يجب فيه الخمس لأنه مال تجب الزكاة فيه بالوجود
стр. 337
فتقدرت زكاته بالخمس كالركاز والثالث أنه إن أصابه من غير تعب وجب فيه الخمس وإن أصابه بتعب وجب فيه بربع العشر لأنه حق يتعلق بالمستفاد من الأرض فاختلف قدره باختلاف المؤن كزكاة الزرع ويجب إخراج الحق بعد التمييز كما قلنا في العشر إنه يجب بعد التصفية والتجفيف.
فصل: ويجب في الركاز الخمس لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "وفي الركاز الخمس١" ولأنه يصل إليه من غير تعب ولا مؤنة فاحتمل الخمس ولا يجب ذلك إلا على من تجب عليه الزكاة لأنه زكاة ولا تجب إلا فيما وجده في موات أو مملوك لا يعرف مالكه لأن الموات لا مالك له وما لا يعرف مالكه بمنزلة ما لا مالك له فأما إذا وجده في أرض يعرف مالكها فإن كان ذلك لحربي فهو غنيمة وإن كان لمسلم أو لمعاهد فهو لمالك الأرض فإن لم يدعه مالك الأرض فهو لمن انتقلت الأرض منه إليه ولا يجب إلا في مال جاهلي يعلم أن مثله لا يضرب في الإسلام لأن الظاهر أنه لم يملكه مسلم إلى أن وجده وإن كان من ضرب الإسلام كالدراهم الأحدية وما عليها اسم المسلمين فهو لقطة وإن كان يمكن أن يكون من مال المسلمين ويمكن أن يكون من مال الجاهلية بأن لا يكون عليه علامة أحد فالمنصوص أنه لقطة لأنه يحتمل الأمرين فغلب حكم الإسلام ومن أصحابنا من قال هو ركاز لأن الموضع الذي وجد فيه موات يشهد بأنه ركاز ويجب حق الركاز في الأثمان وفي غير الأثمان قولان: قال في القديم يجب في الجميع لأنه حق مقدر بالخمس فلم يختص بالأثمان كخمس الغنيمة وقال في الجديد لا يجب لأنه حق يتعلق بالمستفاد من الأرض فاختص بالأثمان كحق المعدن ولا يعتبر فيه الحول لأن الحول يعتبر لتكامل النماء وهذا لا يوجد الركاز وهل يعتبر فيه النصاب؟ فيه قولان: قال في القديم يخمس قليله وكثيره لأن ما خمس كثيره خمس قليله كالغنيمة وقال في الجديد لا يخمس ما دون النصاب لأنه حق يتعلق بالمستفاد من الأرض فاعتبر
стр. 338
فيه النصاب كحق المعدن فعلى هذا إذا وجد مائة درهم ثم وجد مائة أخرى لم يجب الخمس في واحد منهما وإن وجد دون النصاب وعنده نصاب من جنسه نظرت فإن وجد الركاز مع تمام الحول في النصاب الذي عنده ضمه إلى ما عنده وأخرج الخمس من الركاز وربع العشر من النصاب لأن الحول لا يعتبر في الركاز فيصير الركاز مع النصاب كالزيادة مع نصاب حال الحول عليهما وإن وجده بعد الحول على النصاب ضمه إليه لأن الحول قد حال على ما معه الركاز كالزيادة التي حال عليها الحول وإن وجده قبل الحول على النصاب لم يخمس لأن الركاز كبعض نصاب حال عليه الحول وإذا تم حول البعض ولم يتم حول الباقي لم تجب الزكاة فإذا تم حول النصاب أخرج زكاته وإذا تم حول الركاز من حين وجده أخرج عنه ربع العشر وسقط الخمس فأما إذا كان الذي معه أقل من النصاب فإن كان وجد الركاز قبل تمام الحول على ما معه لم يضم إليه بل يستأنف الحول عليهما من حين تم النصاب فإذا تم الحول أخرج الزكاة وإن وافق وجود الركاز حال حول الحول فالمنصوص في الأم أنه يضم إلى ما عنده فإذا بلغ النصاب أخرج من الركاز الخمس ومن الذي معه ربع العشر لأن الركاز لا يعتبر فيه حول فيجعل كالموجود معه في جميع الحول ومن أصحابنا من قال لا يضم بل يستأنف الحول عليهما من حين تم النصاب فإذا حال الحول أخرج عنهما ربع العشرة.
стр. 339
باب زكاة الفطر
زكاة الفطر واجبة لما روى ابن عمر ﵄ قال: "فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر من رمضان على الناس صاعاً من قمح أو صاعاً شعير على كل ذكر وأنثى حر وعبد من المسلمين١" ولا يجب ذلك إلا على مسلم فأما الكافر فإنه إن كان أصلياً لم تجب عليه للخبر الوارد وإن كان مرتداً فعلى ما ذكرناه في أول الكتاب من الأقوال الثلاثة وأما المكاتب فالمذهب أنها لا تجب عليه لأنه لا يلزمه زكاة المال فلا يلزمه زكاة الفطر كالكافر ومن أصحابنا من قال يلزمه لأن زكاة الفطر تابعة للنفقة ونفقته على نفسه فكذلك فطرته وهذا يبطل بالذمي فإن نفقته على نفسه ولا تلزمه الفطرة ولا تجب إلا
стр. 340
على من فضل عن قوته وقوت من تلزمه نفقته وقت الوجوب ما يؤدي في الفطرة فإن لم يفضل عن نفقته شيء لم تلزمه لأنه غير قادر فإن فضل بعض ما يؤديه ففيه وجهان: أحدهما لا يلزمه لأنه عدم بعض ما يؤدي به الفرض فلم يلزمه كما لو وجبت عليه كفارة وهو يملك نصف رقبة والثاني تلزمه لأنه لو ملك نصف عبد لزمه نصف فطرته فإذا ملك نصف الفرض لزمه إخراجه في فطرته.
فصل: ومن وجبت عليه فطرته وجبت عليه فطرة من تلزمه نفقته إذا كانوا مسلمين ووجد ما يؤدي عنهم فاضلاً عن نفقته فتجب على الأب والأم وعلى أبيهما أمهما وإن علوا فطرة ولدهما وولد ولدهما وإن سفلوا وعلى الولد وولد الولد وإن سفلوا فطرة الأب والأم وأبيهما وأمهما وإن علوا إذا وجبت عليهم نفقتهم لما روى ابن عمر قال: أمرنا رسول الله ﷺ بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون فإن كان للولد أو الوالد عبد يحتاج إليه للخدمة وجبت عليه فطرته لأنه تجب عليه نفقته وتجب على السيد فطرة عبده وأمته لحديث ابن عمر وإن كان له عبد أبق ففيه طريقان: أحدهما أنه تجب فطرته قولاً واحداً لأن فطرته تجب بحق الملك والملك لا يزول بالإباق ومنهم من قال فيه قولان كالزكاة في المال المغصوب وإن كان عبد بين نفسين وجبت الفطرة عليهما لأن نفقته عليهما وإن كان نصفه حراً ونصفه عبداً وجب على السيد نصف فطرته وعلى العبد نصف فطرته لأن النفقة عليهما نصفان فكذلك الفطرة وإن كان له مكاتب لم تجب عليه فطرته لأنه لا تجب عليه نفقته وروى أبو ثور عن الشافعي ﵀ أنه قال: تجب فطرته لأنه باق على ملكه ويجب على الزوج فطرة زوجته إذا وجبت عليه نفقتها لحديث ابن عمر ﵄ ولأنه ملك يستحق به النفقة فجاز أن يستحق به الفطرة كمالك اليمين في العبد والأمة فإن كانت ممن تخدم ولها مملوك يخدمها وجبت عليه فطرته لأنه يجب عليه نفقته فلزمته فطرته فإن نشزت الزوجة لم يلزمه فطرتها لأنه لا يلزمه نفقتها ولا تجب عليه إلا فطرة مسلم فأما إذا كان المؤدي عنه كافراً لم تجب عليه فطرته لحديث ابن عمر على كل ذكر وأنثى حر وعبد من المسلمين ولأن القصد من
стр. 341
الفطرة تطهير المؤدي عنه لأن المؤدي قد طهر نفسه بالفطرة والكافر لا يلحقه التطهير ولا تجب حتى تفضل الفطرة على نفقته ونفقتة من تلزمه نفقته لأن النفقة أهم فوجبت في البداية بها ولهذا قال ﷺ : "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول١" فإن فضل ما يؤدي عن فطرة بعضهم ففيه أربعة أوجه: أحدها أنه يبدأ بمن يبدأ بنفقته فإن فضل صاع آخر أخرجه عن نفسه فإن فضل صاعاً آخر أخرجه عن زوجته فإن فضل صاع آخر أخرجه عن ولده الصغير فإن فضل صاع آخر أخرجه عن أبيه فإن فضل صاع آخر أخرجه عن أمه فإن فضل صاع آخر أخرجه عن ولده الكبير لأنا بينا أن الفطرة تابعة للنفقة وترتيبهم للنفقة على ما ذكرناه فكذلك في الفطرة والثاني يقدم فطرة الزوجة على فطرة نفسه لأنها تجب بحكم المعاوضة والثالث يبدأ بنفسه ثم بمن شاء والرابع أنه بالخيار في حقه وحق غيره لأن كل واحد منهم لو انفرد لزمته فطرته فإذا اجتمعوا تساووا ومن وجبت فطرته على غيره فهل يجب ذلك على المؤدي ابتداء أو يجب على المؤدي عنه ثم يتحمل المؤدي؟ فيه وجهان: أحدهما تجب على المؤدى ابتداء لأنها تجب في ماله والثاني تجب على المؤدي عنه لأنها تجب لتطهيره فإن تطوع المؤدي عنه وأخرج بغير إذن المؤدي ففيه وجهان: فإن قلنا إنها تجب على المؤدي ابتداء لم يجزه كما لو أخرج زكاة ماله عنه بغير إذنه وإن قلنا يتحمل جاز لأنه أخرج ما وجبت عليه وإن كان من يمونه مسلماً وهو كافر فعلى الوجهين فإن قلنا إنها تجب عليه ابتداء لم تجب لأنه إيجاب زكاة على كافر وإن قلنا إنه يتحمل وجب عليه لأن الفطرة وجبت على مسلم وإنما هو متحمل وإن كانت له زوجة موسرة وهو معسر فالمنصوص أنه لا يجب عليها وقال فيمن زوج أمته من معسر إن على المولى فطرتها فمن أصحابنا من نقل جواب كل واحدة من المسألتين إلى الأخرى وخرجها على قولين: أحدهما لا تجب لأنها زكاة تجب عليه مع القدرة فسقطت بالإعسار كفطرة نفسه والثاني تجب لأنه إذا كان معسراً جعل كالمعدوم ولو عدم الزوج وجبت فطرة الحرة على نفسها الأمة على مولاها وكذلك ههنا ومن أصحابنا من قال إن قلنا يتحمل وجب على الحرة وعلى مولى الأمة لأن الوجوب عليهما والزوج متحمل فإذا عجز عن التحمل بقي الوجوب في محله وإن قلنا تجب عليه ابتداء لم
стр. 342
تجب على الحرة لا على مولى الأمة لأنه لا حق عليهما وقال أبو إسحاق: تجب على مولى الأمة ولا تجب على الحرة لأن فطرتها على المولى لأن المولى عليه التبوئة التامة فإذا سلم كان متبرعاً فلا يسقط بذلك ما وجب عليه من الزكاة والحرة غير متبرعة بالتسليم لأنه يجب عليها تسليم نفسها وإن لم يقدر على فطرتها سقطت عنها الفطرة.
فصل: ومتى تجب الفطرة؟ فيه قولان: قال في القديم تجب بطلوع الفجر من يوم الفطر لأنها قربة تتعلق بالعيد فلا يتقدم وقتها على يومه كالصلاة والأضحية وقال في الجديد تجب بغروب الشمس من ليلة الفطر لما روى ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ فرض صدقة الفطر من رمضان والفطر من رمضان لا يكون إلا بعد غروب الشمس من ليلة العيد ولأن الفطر جعلت طهرة للصائم بدليل أن ما روي أن النبي ﷺ فرض صدقة الفطر طهرة للصائم من الرفث واللغو وطعمة للمساكين وانقضاء الصوم بغروب الشمس فإن رزق ولداً أو تزوج امرأة أو اشترى عبداً ودخل عليه الوقت وهم عنده وجبت عليه فطرتهم وإن رزق الولد أو تزوج امرأة أو اشترى العبد بعد دخول الوقت أو ماتوا قبل دخول الوقت لم تجب فطرتهم وإن دخل وقت الوجوب وهم عنده ثم ماتوا قبل إمكان الأداء ففيه وجهان: أحدهما تسقط كما تسقط زكاة المال والثاني لا تسقط لأنها تجب في الذمة فلم تسقط بموت المرأة ككفارة الظهار ويجوز تقديم الفطرة من أول شهر رمضان لأنها تجب بسببين: صوم شهر رمضان والفطر منه فإذا وجد أحدهما جاز تقديمها على الآخر كزكاة المال بعد ملك النصاب وقبل الحول ولا يجوز تقديمهما على شهر رمضان لأنه تقديم على السببين فهو كإخراج زكاة المال قبل الحول والنصاب والمستحب أن تخرج قبل صلاة العيد لما روى ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ أمر بزكاة الفطر أن يؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة ولا يجوز تأخيرها عن يومه لقوله ﷺ : "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم" فإن أخره حتى خرج اليوم أثم وعليه القضاء لأنه حق مال وجب عليه وتمكن من أدائه فلا يسقط عنه بفوات الوقت.
فصل: والواجب صاع بصاع رسول الله ﷺ لحديث ابن عمر ﵄ فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير والصاع خمسة أرطال وثلث
стр. 343
لما روى عمرو بن حبيب القاضي قال: حججت مع أبي جعفر فلما قدم المدينة قال ائتوني بصاع رسول الله ﷺ فعايره فوجده خمسة أرطال وثلثاً برطل أهل العراق.
فصل: وفي الحب الذي يخرجه ثلاثة أوجه: أحدها أنه يجوز من كل قوت لما روى أبو سعيد الخدري قال: كنا نخرج صاعاً من طعام أو صاعاً من أقط أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر أو صاعاً من زبيب ومعلوم أن ذلك كله لم يكن قوت أهل المدينة فدل على أنه مخير بين الجميع وقال أبو عبيد بن حرب: تجب من غالب قوته وهو ظاهر النص لأنه لما وجب أداء ما فضل عن قوته وجب أن تكون من قوته وقال أبو العباس وأبو إسحاق: تجب من غالب قوت البلد لأنه حق يجب في الذمة تعلق بالطعام فوجب من غالب قوت البلد كالطعام في الكفارة فإن عدل عن قوت البلد إلى قوت بلد آخر نظرت فإن كان الذي انتقل إليه أجود أجزأه وإن كان دونه لم يجزه فإن كان أهل البلد يقتاتون أجناساً مختلفة ليس بعضها بأغلب من بعض فالأفضل أن يخرج من أفضلها لقوله ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] ومن أيها أخرج أجزأه وإن كان في موضع قوتهم الأقط ففيه طريقان: قال أبو إسحاق يجزئه قولاً واحداً لحديث أبي سعيد وقال القاضي أبو حامد فيه قولان: أظهرهما أنه يجزئه للخبر والثاني لا يجزئه لأنه لا تجب فيه الزكاة فأشبه اللحم فإذا قلنا يجزئه فأخرج اللبن أجزأه لأنه أكمل منه ولأنه يجيء منه الأقط وغيره وإن أخرج الجبن جاز لأنه مثله وإن أخرج المصل لم يجزه لأنه أنقص من الأقط لأنه لبن منزوع الزبد وإن كان في موضع لا قوت فيه أخرج من قوت أقرب البلاد إليه فإن كان بقربه بلدان متساويان في القوت أخرج من قوت أيهما شاء ولا يجوز في فطرة واحدة أن يخرج من جنسين لأن ما خير فيه بين جنسين لم يجز أن يخرج من كل واحد منهما بعضه ككفارة اليمين لا يجوز أن يطعم خمسة ويكسو خمسة فإن كان عبد بين نفسين في بلدين قوتهما مختلف ففيه ثلاثة أوجه: أحدها لا يجوز أن يخرج كل واحد منهما من قوته بل يخرجان من أدنى القوتين وقال أبو إسحاق يجوز أن يخرج كل واحد منهما نصف صاع من قوته لأن كل واحد
стр. 344
منهما لم يبعض ما وجب عليه ومن أصحابنا من قال يعتبر فيه قوت العبد أو البلد الذي فيه العبد لأنها تجب لحقه فاعتبر فيه قوته أو قوت بلده كالحر في حق نفسه ولا يجوز إخراج حب مسوس لأن السوس أكل جوفه فيكون الصاع منه أقل من صاع ولا يجوز إحراج الدقيق وقال أبو القاسم الأنماطي: يجوز لأنه منصوص عليه في حديث أبي سعيد الخدري والمذهب أنه لا يجوز لأنه ناقص المنفعة عن الحب فلم يجز كالخبز وأما حديث أبي سعيد فقد قال أبو داود: روى سفيان الدقيق ووهم فيه ثم رجع عنه.
стр. 345
أحدهما لا يجزأه لأنه عجل الزكاة عن غير السخال فلا يجزئه عن زكاة السخال والثاني يجزئه لأنه لما كان حول الأمهات حول السخال كانت زكاة الأمهات زكاة عن السخال وإن اشترى بمائتي درهم عرضاً للتجارة فأخرج عنها زكاة أربعمائة درهم ثم حال الحول والعرض يساوي أربعمائة أجزأه لأن الاعتبار في زكاة التجارة بآخر الحول والدليل عليه أنه لو ملك سلعة تساوي مائة فحال الحول وهي تساوي مائتين وجبت فيه الزكاة وإن ملك مائة وعشرين شاة فعجل عنها شاة ثم نتجت شاة سخلة قبل الحول لزمته شاة أخرى وكذلك لو ملك مائتي شاة فأخرج شاتين ثم نتجت شاة سخلة أخرى قبل الحول لزمه شاة أخرى لأن المخرج كالباقي على ملكه ولهذا سقط به الفرض عند الحول فجعل كالباقي على ملكه في إيجاب الفرض.
فصل: إذا عجل زكاة ماله ثم هلك النصاب أو هلك بعضه قبل الحول خرج المدفوع عن أن يكون زكاة وهل يثبت له الرجوع فيما دفع؟ ينظر فيه فإن لم يبين أنها زكاة معجلة لم يجز له الرجوع فإن الظاهر أن ذلك زكاة واجبة أو صدقة تطوع وقد لزمت بالقبض فلم يملك الرجوع وإن بين أنها زكاة معجلة ثبت له الرجوع لأنه دفع عما يستقر في الثاني فإذا طرأ ما يمنع الاستقرار ثبت له الرجوع كما لو عجل أجرة دار ثم انهدمت الدار قبل انقضاء المدة وإن كان الذي عجل هو السلطان أو المصدق من قبله ثبت له الرجوع بين أو لم يبين لأن السلطان لا يسترجعه لنفسه فلم يلحقه تهمة وإن عجل الزكاة عن نصاب ثم ذبح شاة أو أتلفها فهل له أن يرجع؟ فيه وجهان أحدهما يرجع لأنه زال شرط الوجوب قبل الحول فثبت له الرجوع كما لو هلك بغير فعله والثاني لا يرجع لأنه مفرط وربما أتلف ليسترجع ما دفع فلم يجز له أن يرجع وإذا رجع فيما دفع وقد نقص في يد الفقير لم يلزمه ضمان ما نقص في أصح الوجهين لأنه نقص في ملكه فلم يلزمه ضمانه ومن أصحابنا من قال يلزمه لأن ما ضمن عينه إذا هلك ضمن نقصانه إذا نقص كالمغصوب فإن زاد المدفوع نظرت فإن كانت الزيادة لا تتميز كالسمن رجع فيه مع الزيادة لأن السمن يتبع الأصل في الرد كما نقول في الرد بالعيب وإن زادت زيادة تتميز كالولد واللبن لم يجب رد الزيادة لأنها زيادة حدثت في ملكه فلا يجب ردها مع الأصل كولد المبيعة في الرد بالعيب وإن هلك المدفوع في يد الفقير لزمته قيمته وفي القيمة وجهان: أحدهما يلزمه يوم التلف كالعارية والثاني يلزمه قيمته يوم الدفع لأن ما حصل فيه من زيادة حدثت في ملكه فلم يلزمه ضمانها.
стр. 346
فصل: وإن عجل الزكاة فدفعها إلى فقير فمات الفقير أو ارتد قبل الحول لم يجزه المدفوع عن الزكاة وعليه أن يخرج الزكاة ثانياً فإن لم يبين عند الدفع أنها زكاة معجلة لم يرجع وإن بين رجع فإذا رجع فيما دفع نظرت فإن كان من الذهب أو الفضة وإذا ضمه إلى ما عنده بلغ النصاب وجبت فيه الزكاة لأنه قبل أن يموت الفقير كان كالباقي على حكم ملكه ولهذا لو عجله عن نصاب سقط به الفرض عند الحول فلو لم يكن كالباقي على حكم ملكه لم يسقط به الفرض وقد نقص المال عن النصاب ولما مات صار كالدين في ذمته والذهب والفضة إذا صارا ديناً لم ينقطع الحول فيه فضم إلى ما عنده وزكاه وإن كان الذي عجل شاة ففيه وجهان: أحدهما يضم إلى ما عنده كما يضم الذهب والفضة والثاني لا يضم لأنه لما مات صار كالدين والحيوان إذا كان دين لا تجب فيه الزكاة.
فصل: وإن عجل الزكاة ودفعها إلى فقير واستغنى قبل الحول نظرت فإن استغنى بما دفع إليه أجزأه لأنه دفع إليه ليستغني به فلا يجوز أن يكون غناه به مانعاً من الإجزاء ولأنه زال شرط الزكاة من جهة الزكاة فلا يمنع الإجزاء كما لو كان عنده نصاب فعجل عنه شاة فإن المال قد نقص عن النصاب ولم يمنع الإجزاء عن الزكاة وإن استغنى من غيره لم يجزه عن الزكاة وعليه أن يخرج الزكاة ثانياً وهل يرجع على ما بيناه وإن دفع إلى فقير ثم استغنى ثم افتقر قبل الحول وحال الحول وهو فقير ففيه وجهان: أحدهما لا يجزئه كما لو عجل زكاة ماله ثم تلف ماله ثم استفاد غيره قبل الحول والثاني أنه يجزئه لأنه دفع إليه وهو فقير وحال الحول عليه وهو فقير.
فصل: وإن تسلف الوالي الزكاة وهلكت في يده نظرت فإن تسلف بغير مسألة ضمنها لأن الفقراء أهل رشد لا يولى عليهم فإذا قبض مالهم قبل محله بغير إذنهم وجب عليه الضمان كالوكيل إذا قبض مال موكله قبل محله بغير إذنه وإن تسلف بمسألة رب المال تلف من ضمان رب المال لأنه وكيل رب المال فكان الهلاك من ضمان الموكل كما لو وكل رجلاً في حمل شيء إلى موضع فهلك في يده وإن تسلف بمسألة الفقراء هلك من ضمانهم لأنه قبض بإذنهم فصار كالوكيل إذا قبض دين موكله بإذنه فهلك في يده وإن تسلف بمسألة الفقراء ورب المال ففيه وجهان: أحدهما أنه يتلف من ضمان رب المال لأن جنبته أقوى لأنه يملك المنع والدفع والثاني أنه ضمان الفقراء لأن
стр. 347
الضمان يجب على من له المنفعة ولهذا يجب ضمان العارية على المستعير والمنفعة ههنا للفقراء فكان الضمان عليهم.
فصل: فأما ما تجب الزكاة فيه من غير حول كالعشر وزكاة المعدن والركاز فلا يجوز فيه تعجيل الزكاة وقال أبو علي بن أبي هريرة: يجوز تعجيل العشر والصحيح أنه لا يجوز لأن العشر يجب بسبب واحد وهو إدراك الثمرة وانعقاد الحب فإذا عجله قدمه على سببه فلم يجز كما لو قدم زكاة المال على النصاب.
стр. 348
باب تعجيل الصدقة
كل مال وجبت فيه الزكاة الحول والنصاب لم يجز تقديم زكاته قبل أن يملك النصاب لأنه لم يوجد سبب وجوبها فلم يجز تقديمها كأداء الثمن قبل البيع والدية قبل القتل وإن ملك النصاب جاز تقديم زكاته قبل الحول لما روى علي كرم الله وجهه أن العباس ﵁ سأل رسول الله ﷺ ليجعل زكاة ماله قبل محلها فرخص له في ذلك ولأنه حق مال أجل للرفق فجاز تعجيله قبل محله كالدين المؤجل ودية الخطأ وفي تعجيل زكاة عامين وجهان: قال أبو إسحاق يجوز لما روى علي كرم الله وجهه أن النبي ﷺ تسلف من العباس ﵁ صدقة عامين ولأن ما جاز فيه تعجيل حق العام منه جاز تعجيل حق العامين كدية الخطأ ومن أصحابنا من قال لا يجوز لأنها زكاة لم ينعقد حولها فلم يجز تقديمها كالزكاة قبل أن يملك النصاب فإن ملك مائتي شاة فعجل عنها وعما يتولد من سخالها أربع شياه فتوالدت وصارت أربعمائة أجزأه زكاة المائتين وفي زكاة السخال وجهان: أحدهما لا يجوز لأنه تقديم زكاة على النصاب والثاني يجوز لأن السخال جعلت كالموجودة في الحول في وجوب زكاتها فجعلت كالموجودة في تعجيل زكاتها وإن ملك أربعين شاة فعجل عنها شاة ثم توالدت أربعين سخلة وماتت الأمهات وبقيت السخال فهل يجزئه ما أخرج عن الأمهات عن زكاة السخال؟ فيه وجهان:
стр. 349
باب قسم الصدقات
يجوز لرب المال أن يفرق زكاة الأموال الباطنة بنفسه وهي: الذهب والفضة وعروض التجارة والركاز لما روي عن عثمان ﵁ أنه قال في المحرم: هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليقض دينه أو ليزك بقية ماله ويجوز أن يوكل من يفرق لأنه حق مال فجاز أن يوكل في أدائه كديون الآدميين ويجوز أن يدفع إلى الإمام لأنه نائب عن الفقر فجاز الدفع إليه كولي اليتيم وفي الأفضل ثلاثة أوجه: أحدها أن الأفضل أن يفرق بنفسه وهو ظاهر النص لأنه على ثقة من أدائه وليس على ثقة من أداء غيره والثاني أن الأفضل أن يدفع إلى الإمام عادلاً كان أو جائراً لما روي أن المغيرة بن شعبة قال لمولى له وهو على أمواله بالطائف: كيف تصنع في صدقة مالي؟ قال: منها ما أتصدق به ومنها ما أدفع إلى السلطان فقال: وفيم أنت من ذلك قال: إنهم يشترون بها الأراضي ويتزوجون بها النساء فقال: إن كان عادلاً فالدفع إليه أفضل وإن كان جائراً فإن تفرقته بنفسه أفضل لقوله ﷺ "فمن سألها على وجهها فليعطها ومن سأل فوقها فلا يعطه١" ولأنه على ثقة من أدائه إلى العادل وليس على ثقة من أدائه إلى الجائر لأنه ربما
стр. 350
يصرفه في شهواته وأما الأموال الظاهرة وهي المواشي والزروع والثمار والمعادن ففي زكاتها قولان: قال في القديم يجب دفعها إلى الإمام فإن فرقها بنفسه لزمه الضمان لقوله ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] ولأنه مال للإمام فيه حق المطالبة فوجب الدفع إليه كالخراج والجزية وقال في الجديد يجوز أن يفرقها بنفسه لأنها زكاة فجاز أن يفرقها بنفسه كزكاة المال الباطن.
فصل: ويجب على الإمام أن يبعث السعاة لأخذ الصدقة لأن النبي ﷺ والخلفاء من بعده كانوا يبعثون السعاة ولأن في الناس من يملك المال ولا يعرف ما يجب عليه وفيهم من يبخل فوجب أن يبعث من يأخذ ولا يبعث إلا حراً عدلاً ثقة لأن هذا ولاية وأمانة والعبد والفاسق ليسا من أهل الأمانة والولاية ولا يبعث إلا فقيهاً لأنه يحتاج إلى معرفة ما يؤخذ وما لا يؤخذ ويحتاج إلى الاجتهاد فيما يعرض من مسائل الزكاة وأحكامها ولا يبعث هاشمياً أو مطالبياً ومن أصحابنا من قال يجوز لأن ما يأخذه على وجه العوض والمذهب الأول لما روي أن الفضل بن عباس ﵁ سأل رسول الله ﷺ أن يوليه العمالة على الصدقة فلم يوله وقال: "أليس في خمس الخمس ما يغنيكم عن أوساخ الناس١" وفي مواليهم وجهان: أحدهما لا يجوز لما روى أبو رافع قال: ولى رسول الله ﷺ رجلاً من بني مخزوم على الصدقة فقال: إتبعني تصب منها فقلت: حتى أسأل رسول الله ﷺ فسألته فقال: "إن موالي القوم من أنفسهم وإنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة٢" والثاني أنه يجوز لأن الصدقة إنما حرمت على بني هاشم وبني المطلب للشرف بالنسب وهذا لا يوجد في مواليهم وهو بالخيار أن يستأجر العامل بأجرة معلومة ثم يعطيه ذلك من الزكاة وبين أن يبعثه من غير شرط ثم يعطيه أجرة المثل من الزكاة.
стр. 351
ويبعث لقبض ما سوى زكاة الزرع والثمار في المحرم لما روي عن عثمان ﵁ أنه قال في شهر المحرم: هذا شهر زكاتكم ولأنه أول السنة فكان البعث فيه أولى والمستحب للساعي أن يعد الماشية على أهلها على الماء إذا كانت الماشية ترد الماء وفي أفنيتهم إن لم ترد الماء لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: "تؤخذ صدقات المسلمين عند مياههم وعند أفنيتهم" فإن أخبره صاحب المال بالعدد وهو ثقة عدل قبل منه وإن بذل له الزكاة أخذها ويستحب أن يدعو لقوله ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣] والمستحب أن يقول اللهم صل على آل فلان لما روى عبد الله بن أبي أوفى قال: جاء أبي إلى رسول الله ﷺ بصدقة ماله فقال له ﷺ "اللهم صل على آل أبي أوفى" وبأي شيء دعا له جاز قال الشافعي: وأحب أن يقول آجرك الله فيما أعطيت وجعله لك طهوراً وبارك لك فيما أبقيت وإن ترك الدعاء جاز لما روي أن النبي ﷺ قال لمعاذ أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم ولم يأمره بالدعاء وإن منع الزكاة أو غل أخذ منه الفرض وعزره على المنع والغلول وقال في القديم: يأخذ منه الزكاة وشطر ماله وقد مضى توجيه القولين في أول الزكاة وإن وصل الساعي قبل وجوب الزكاة ورأى أن يتسلف فعل وإن لم يسلفه رب المال لم يجبره على ذلك لأنها لم تجب بعد فلا يجبر على أدائه وإن رأى أن يوكل من يقبض إذا حال الحول فعل وإن رأى أن يتركه حتى يأخذه مع زكاة القابل فعل وإن قال رب المال لم يحل الحول على المال فالقول قوله فإن رأى أن يحلفه حلفه احتياطاً وإن قال بعته ثم اشتريته ولم يحل عليه الحول أو قال أخرجت الزكاة عنه وقلنا إنه يجوز أن يفرق بنفسه ففيه وجهان: أحدهما يجب تحليفه لأنه
стр. 352
يدعى خلاف الظاهر فإن نكل عن اليمين أخذت منه الزكاة والثاني أنه يستحب تحليفه ولا تجب لأن الزكاة موضوعة على الرفق فلو أوجبنا اليمين خرجت عن باب الرفق ويبعث الساعي لزكاة الثمار والزروع في الوقت الذي يصادف فيه الإدراك ويبعث معه من يخرص الثمار فإن وصل قبل وقت الإدراك ورأى أن يخرص الثمار ويضمن رب المال زكاتها فعل وإن وصل وقد وجبت الزكاة وبذلها له أخذه ودعا له فإن كان الإمام أذن للساعي في تفرقتها فرقها وإن لم يأذن له حملها إلى الإمام والمستحب أن يسم الماشية التي يأخذها في الزكاة لما روى أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يسم إبل الصدقة ولأن بالوسم تتميز عن غيره وإذا شردت ردت إلى موضعها ويستحب أن يسم التي يأخذها في زكاة الإبل والبقر في أفخاذها لأنه موضع صلب فيقل الألم بوسمه ويخف الشعر فيه فيظهر ويسم الغنم في أذنها ويستحب أن يكتب في ماشية الزكاة لله أو زكاة وفي ماشية الجزية جزيةً أو صغاراً لأن ذلك أسهل ما يمكن ولا يجوز للساعي وللإمام أن يتصرف فيما يحصل عنده من الفرائض حتى يوصلها إلى أهلها لأن الفقراء أهل رشد لا يولى عليهم فلا يجوز التصرف في مالهم بغير إذنهم فإن أخذ نصف شاة أو وقف عليه شيء من المواشي وخاف هلاكه أو خاف أن يؤخذ في الطريق جاز له بيعه لأنه موضع ضرورة وإن لم يبعث الإمام الساعي وجب على رب المال أن يفرق الزكاة بنفسه على المنصوص لأنه حق للفقراء والإمام نائب وإذا ترك النائب لم يترك من عليه أداءه ومن أصحابنا من قال: إن قلنا إن الأموال الظاهر يجب دفع زكاتها إلى الأمام لم يجز أن يفرق بنفسه لأنه مال توجه حق القبض فيه إلى الأمام فإذا لم يطلب الإمام لم يفرق كالخراج والجزية.
فصل: ولا يصح أداء الزكاة إلا بالنية لقوله ﷺ "إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى١" ولأنها عبادة محضة فلم تصح من غير نية كالصلاة وفي وقت النية وجهان:
стр. 353
أحدهما يجب أن ينوي حال الدفع لأنه عبادة يدخل فيها بفعله فوجبت النية في ابتدائها كالصلاة والثاني يجوز تقديم النية عليها لأنه يجوز التوكيل فيها ونيته غير مقارنة لأداء الوكيل فجاز تقديم النية عليها بخلاف الصلاة ويجب أن ينوي الزكاة أو الصدقة الواجبة أو صدقة المال فإن نوى صدقة مطلقة لم تجزه لأن الصدقة قد تكون نفلاً فلا تنصرف إلى الفرض إلا بالتعيين ولا يلزمه تعيين المال المزكى عنه وإن كان له نصاب حاضر ونصاب غائب فأخرج الفرض فقال هذا عن الحاضر أو الغائب أجزأه لأنه لو أطلق النية لكانت عن أحدهما فلم يضر تقييده بذلك فإن قال إن كان مالي الغائب سالماً فهذا عن زكاته وإن لم يكن سالماً فهو عن الحاضر فإن كان الغائب هالكاً أجزأه لأنه لو أطلق وكان الغائب هالكاً لكان هذا عن الحاضر وإن قال إن كان مالي الغائب سالماً فهذا عن زكاته أو تطوع لم يجزه لأنه لم يخلص النية للفرض ولأنه لو أطلق النية لكان هذا مقتضاه فلم يضر التقييد وإن كان له من يرثه فأخرج مالاً وقال إذا كان قد مات مورثي فهذا عن زكاة ما ورثته منه وكان قد مات لم يجزه لأنه لم يبن النية على أصل لأن الأصل بقاؤه وإن وكل من يؤدي الزكاة ونوى عند الدفع إلى الوكيل ونوى الوكيل عند الدفع إلى الفقراء أجزأه وإن نوى الوكيل ولم ينو الموكل لم يجزه لأن الزكاة فرض على رب المال فلم تصح من غير نية وإن نوى رب المال ولم ينو الوكيل ففيه طريقان: من أصحابنا من قال يجوز قولاً واحداً لأن الذي عليه الفرض قد نوى في وقت الدفع إلى الوكيل فتعين المدفوع للزكاة فلا يحتاج بعد ذلك إلى النية ومن أصحابنا من قال يبني على جواز تقديم النية فإن قلنا يجوز أجزأه وإن قلنا لا يجوز لم يجزه وإن دفعها إلى الإمام ولم ينو ففيه وجهان: أحدهما يجزئه وهو ظاهر النص لأن الإمام لا يدفع إليه إلا الفرض فاكتفى بهذا الظاهر عن النية ومن أصحابنا من قال لا يجزئه وهو الأظهر لأن الإمام وكيل للفقراء ولو دفع إلى الفقراء لم يجز إلا بالنية عند الدفع فكذلك إذا دفع إلى وكيلهم وتأول هذا القائل قول الشافعي ﵀ من امتنع من أداء الزكاة فأخذها الإمام منه قهراً فإنه يجزئه لأنه تعذرت النية من جهته فقامت نية الإمام مقام نيته.
فصل: ويجب صرف جميع الصدقات إلى ثمانية أصناف وهم: الفقراء والمساكين
стр. 354
والعاملون عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمون وفي سبيل الله وابن السبيل وقال المزني وأبو حفص الباب شامي: يصرف خمس الركاز إلى من يصرف إليه خمس الفيء والغنيمة لأنه حق مقدر بالخمس فأشبه خمس الفيء والغنيمة وقال أبو سعيد الأصطخري: تصرف زكاة الفطر إلى ثلاثة من الفقراء لأنه قدر قليل فإذا قسم على ثمانية أصناف لم يقع إلى ما يدفع إلى كل واحد منهم موقعاً من الكفاية والمذهب الأول والدليل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة:٦٠] فأضاف جميع الصدقات إليهم بلام التمليك وأشرك بينهم بواو التشريك فدل على أنه مملوك لهم مشترك بينهم فإن كان الذي يفرق كالزكاة هو الإمام قسمها على ثمانية أسهم: سهم للعامل وهو أول ما يبدأ به لأنه يأخذه على وجه العوض وغيره يأخذه على وجه المواساة فإن كان السهم قدر أجرته دفعه إليه وإن كان أكثر من أجرته رد الفضل على الأصناف وقسمه على سهامهم وإن كان أقل من أجرته تمم ومن أين يتمم؟ قال الشافعي: يتمم من سهم المصالح ولو قيل يتمم من حق سائر الأصناف لم يكن به بأس فمن أصحابنا من قال فيه قولان: أحدهما يتمم من سهم سائر الأصناف لأنه يعمل لهم فكانت أجرته عليهم والثاني يتمم من سهم المصالح لأن الله تعالى جعل لكل صنف سهماً فلو قسمنا ذلك على الأصناف نقصنا حقهم وفضلنا العامل عليهم ومن أصحابنا
стр. 355
من قال: الإمام بالخيار إن شاء تمم من سهم المصالح وإن شاء تمم من سهامهم لأنه يشبه الحاكم لأنه يستوفي به حق الغير على وجه الأمانة ويشبه الوكيل فخير بين حقيهما ومنهم من قال: إن كان قد بدأ بنصيبه فوجده ينقص تمم من سهامهم وإن كان قد بدأ بسهام الأصناف فأعطاهم ثم وجد سهم العامل ينقص تممه من سهم المصالح لأنه يشق استرجاع ما دفع إليهم ومنهم من قال إن فضل عن قدر حاجة الأصناف شيء تمم من الفضل وإن لم يفضل عنهم شيء تمم من سهم المصالح والصحيح هو الطريق الأول ويعطي الحاشر والعريف من سهم العامل لأنهم من جملة العمال وفي أجرة الكيال وجهان: قال أبو علي بن أبي هريرة: على رب المال لأنها تجب للإيفاء والإيفاء حق على رب المال فكانت أجرته عليه وقال أبو إسحاق: تكون من الصدقة لأنا لو أوجبنا ذلك على رب المال زدنا على الفرض الذي وجب عليه في الزكاة.
فصل: وسهم للفقراء والفقير هو الذي لا يجد ما يقع موقعاً من كفايته فيدفع إليه ما تزول به حاجته من أداة يعمل بها إن كان فيه قوة أو بضاعة يتجر فيها حتى لو احتاج إلى مال كثير للبضاعة التي تصلح له ويحسن التجارة فيها وجب أن يدفع إليه فإن عرف لرجل مال وادعى أنه افتقر لم يقبل قوله إلا ببينة لأنه ثبت غناه فلا يقبل دعوى الفقر إلا بينة كما لو وجب عليه دين آدمي وعرف له مال فادعى الإعسار فإن كان قوياً فادعى أنه لا كسب له أعطي لما روى عبيد الله بن عبيد الله بن عدي بن الخيار أن رجلين سألا رسول الله ﷺ الصدقة فصعد بصره إليهما وصوب ثم قال "أعطيكما بعد أن أعلمكما أنه لا حظ فيهما لغني ولا قوي مكتسب١" وهل يحلف؟ فيه وجهان أحدهما لا يحلف لأن