← Фикх шафии

Фикх шафии · id 11813

المهذب في فقه الإمام الشافعي - الشيرازي

أبو إسحاق الشيرازي

Полный текст (1 598 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ويبعث لقبض ما سوى زكاة الزرع والثمار في المحرم لما روي عن عثمان ﵁ أنه قال في شهر المحرم: هذا شهر زكاتكم ولأنه أول السنة فكان البعث فيه أولى والمستحب للساعي أن يعد الماشية على أهلها على الماء إذا كانت الماشية ترد الماء وفي أفنيتهم إن لم ترد الماء لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: "تؤخذ صدقات المسلمين عند مياههم وعند أفنيتهم" فإن أخبره صاحب المال بالعدد وهو ثقة عدل قبل منه وإن بذل له الزكاة أخذها ويستحب أن يدعو لقوله ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣] والمستحب أن يقول اللهم صل على آل فلان لما روى عبد الله بن أبي أوفى قال: جاء أبي إلى رسول الله ﷺ بصدقة ماله فقال له ﷺ "اللهم صل على آل أبي أوفى" وبأي شيء دعا له جاز قال الشافعي: وأحب أن يقول آجرك الله فيما أعطيت وجعله لك طهوراً وبارك لك فيما أبقيت وإن ترك الدعاء جاز لما روي أن النبي ﷺ قال لمعاذ أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم ولم يأمره بالدعاء وإن منع الزكاة أو غل أخذ منه الفرض وعزره على المنع والغلول وقال في القديم: يأخذ منه الزكاة وشطر ماله وقد مضى توجيه القولين في أول الزكاة وإن وصل الساعي قبل وجوب الزكاة ورأى أن يتسلف فعل وإن لم يسلفه رب المال لم يجبره على ذلك لأنها لم تجب بعد فلا يجبر على أدائه وإن رأى أن يوكل من يقبض إذا حال الحول فعل وإن رأى أن يتركه حتى يأخذه مع زكاة القابل فعل وإن قال رب المال لم يحل الحول على المال فالقول قوله فإن رأى أن يحلفه حلفه احتياطاً وإن قال بعته ثم اشتريته ولم يحل عليه الحول أو قال أخرجت الزكاة عنه وقلنا إنه يجوز أن يفرق بنفسه ففيه وجهان: أحدهما يجب تحليفه لأنه

стр. 352

يدعى خلاف الظاهر فإن نكل عن اليمين أخذت منه الزكاة والثاني أنه يستحب تحليفه ولا تجب لأن الزكاة موضوعة على الرفق فلو أوجبنا اليمين خرجت عن باب الرفق ويبعث الساعي لزكاة الثمار والزروع في الوقت الذي يصادف فيه الإدراك ويبعث معه من يخرص الثمار فإن وصل قبل وقت الإدراك ورأى أن يخرص الثمار ويضمن رب المال زكاتها فعل وإن وصل وقد وجبت الزكاة وبذلها له أخذه ودعا له فإن كان الإمام أذن للساعي في تفرقتها فرقها وإن لم يأذن له حملها إلى الإمام والمستحب أن يسم الماشية التي يأخذها في الزكاة لما روى أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يسم إبل الصدقة ولأن بالوسم تتميز عن غيره وإذا شردت ردت إلى موضعها ويستحب أن يسم التي يأخذها في زكاة الإبل والبقر في أفخاذها لأنه موضع صلب فيقل الألم بوسمه ويخف الشعر فيه فيظهر ويسم الغنم في أذنها ويستحب أن يكتب في ماشية الزكاة لله أو زكاة وفي ماشية الجزية جزيةً أو صغاراً لأن ذلك أسهل ما يمكن ولا يجوز للساعي وللإمام أن يتصرف فيما يحصل عنده من الفرائض حتى يوصلها إلى أهلها لأن الفقراء أهل رشد لا يولى عليهم فلا يجوز التصرف في مالهم بغير إذنهم فإن أخذ نصف شاة أو وقف عليه شيء من المواشي وخاف هلاكه أو خاف أن يؤخذ في الطريق جاز له بيعه لأنه موضع ضرورة وإن لم يبعث الإمام الساعي وجب على رب المال أن يفرق الزكاة بنفسه على المنصوص لأنه حق للفقراء والإمام نائب وإذا ترك النائب لم يترك من عليه أداءه ومن أصحابنا من قال: إن قلنا إن الأموال الظاهر يجب دفع زكاتها إلى الأمام لم يجز أن يفرق بنفسه لأنه مال توجه حق القبض فيه إلى الأمام فإذا لم يطلب الإمام لم يفرق كالخراج والجزية. فصل: ولا يصح أداء الزكاة إلا بالنية لقوله ﷺ "إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى١" ولأنها عبادة محضة فلم تصح من غير نية كالصلاة وفي وقت النية وجهان:

стр. 353

أحدهما يجب أن ينوي حال الدفع لأنه عبادة يدخل فيها بفعله فوجبت النية في ابتدائها كالصلاة والثاني يجوز تقديم النية عليها لأنه يجوز التوكيل فيها ونيته غير مقارنة لأداء الوكيل فجاز تقديم النية عليها بخلاف الصلاة ويجب أن ينوي الزكاة أو الصدقة الواجبة أو صدقة المال فإن نوى صدقة مطلقة لم تجزه لأن الصدقة قد تكون نفلاً فلا تنصرف إلى الفرض إلا بالتعيين ولا يلزمه تعيين المال المزكى عنه وإن كان له نصاب حاضر ونصاب غائب فأخرج الفرض فقال هذا عن الحاضر أو الغائب أجزأه لأنه لو أطلق النية لكانت عن أحدهما فلم يضر تقييده بذلك فإن قال إن كان مالي الغائب سالماً فهذا عن زكاته وإن لم يكن سالماً فهو عن الحاضر فإن كان الغائب هالكاً أجزأه لأنه لو أطلق وكان الغائب هالكاً لكان هذا عن الحاضر وإن قال إن كان مالي الغائب سالماً فهذا عن زكاته أو تطوع لم يجزه لأنه لم يخلص النية للفرض ولأنه لو أطلق النية لكان هذا مقتضاه فلم يضر التقييد وإن كان له من يرثه فأخرج مالاً وقال إذا كان قد مات مورثي فهذا عن زكاة ما ورثته منه وكان قد مات لم يجزه لأنه لم يبن النية على أصل لأن الأصل بقاؤه وإن وكل من يؤدي الزكاة ونوى عند الدفع إلى الوكيل ونوى الوكيل عند الدفع إلى الفقراء أجزأه وإن نوى الوكيل ولم ينو الموكل لم يجزه لأن الزكاة فرض على رب المال فلم تصح من غير نية وإن نوى رب المال ولم ينو الوكيل ففيه طريقان: من أصحابنا من قال يجوز قولاً واحداً لأن الذي عليه الفرض قد نوى في وقت الدفع إلى الوكيل فتعين المدفوع للزكاة فلا يحتاج بعد ذلك إلى النية ومن أصحابنا من قال يبني على جواز تقديم النية فإن قلنا يجوز أجزأه وإن قلنا لا يجوز لم يجزه وإن دفعها إلى الإمام ولم ينو ففيه وجهان: أحدهما يجزئه وهو ظاهر النص لأن الإمام لا يدفع إليه إلا الفرض فاكتفى بهذا الظاهر عن النية ومن أصحابنا من قال لا يجزئه وهو الأظهر لأن الإمام وكيل للفقراء ولو دفع إلى الفقراء لم يجز إلا بالنية عند الدفع فكذلك إذا دفع إلى وكيلهم وتأول هذا القائل قول الشافعي ﵀ من امتنع من أداء الزكاة فأخذها الإمام منه قهراً فإنه يجزئه لأنه تعذرت النية من جهته فقامت نية الإمام مقام نيته. فصل: ويجب صرف جميع الصدقات إلى ثمانية أصناف وهم: الفقراء والمساكين

стр. 354

والعاملون عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمون وفي سبيل الله وابن السبيل وقال المزني وأبو حفص الباب شامي: يصرف خمس الركاز إلى من يصرف إليه خمس الفيء والغنيمة لأنه حق مقدر بالخمس فأشبه خمس الفيء والغنيمة وقال أبو سعيد الأصطخري: تصرف زكاة الفطر إلى ثلاثة من الفقراء لأنه قدر قليل فإذا قسم على ثمانية أصناف لم يقع إلى ما يدفع إلى كل واحد منهم موقعاً من الكفاية والمذهب الأول والدليل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة:٦٠] فأضاف جميع الصدقات إليهم بلام التمليك وأشرك بينهم بواو التشريك فدل على أنه مملوك لهم مشترك بينهم فإن كان الذي يفرق كالزكاة هو الإمام قسمها على ثمانية أسهم: سهم للعامل وهو أول ما يبدأ به لأنه يأخذه على وجه العوض وغيره يأخذه على وجه المواساة فإن كان السهم قدر أجرته دفعه إليه وإن كان أكثر من أجرته رد الفضل على الأصناف وقسمه على سهامهم وإن كان أقل من أجرته تمم ومن أين يتمم؟ قال الشافعي: يتمم من سهم المصالح ولو قيل يتمم من حق سائر الأصناف لم يكن به بأس فمن أصحابنا من قال فيه قولان: أحدهما يتمم من سهم سائر الأصناف لأنه يعمل لهم فكانت أجرته عليهم والثاني يتمم من سهم المصالح لأن الله تعالى جعل لكل صنف سهماً فلو قسمنا ذلك على الأصناف نقصنا حقهم وفضلنا العامل عليهم ومن أصحابنا

стр. 355

من قال: الإمام بالخيار إن شاء تمم من سهم المصالح وإن شاء تمم من سهامهم لأنه يشبه الحاكم لأنه يستوفي به حق الغير على وجه الأمانة ويشبه الوكيل فخير بين حقيهما ومنهم من قال: إن كان قد بدأ بنصيبه فوجده ينقص تمم من سهامهم وإن كان قد بدأ بسهام الأصناف فأعطاهم ثم وجد سهم العامل ينقص تممه من سهم المصالح لأنه يشق استرجاع ما دفع إليهم ومنهم من قال إن فضل عن قدر حاجة الأصناف شيء تمم من الفضل وإن لم يفضل عنهم شيء تمم من سهم المصالح والصحيح هو الطريق الأول ويعطي الحاشر والعريف من سهم العامل لأنهم من جملة العمال وفي أجرة الكيال وجهان: قال أبو علي بن أبي هريرة: على رب المال لأنها تجب للإيفاء والإيفاء حق على رب المال فكانت أجرته عليه وقال أبو إسحاق: تكون من الصدقة لأنا لو أوجبنا ذلك على رب المال زدنا على الفرض الذي وجب عليه في الزكاة. فصل: وسهم للفقراء والفقير هو الذي لا يجد ما يقع موقعاً من كفايته فيدفع إليه ما تزول به حاجته من أداة يعمل بها إن كان فيه قوة أو بضاعة يتجر فيها حتى لو احتاج إلى مال كثير للبضاعة التي تصلح له ويحسن التجارة فيها وجب أن يدفع إليه فإن عرف لرجل مال وادعى أنه افتقر لم يقبل قوله إلا ببينة لأنه ثبت غناه فلا يقبل دعوى الفقر إلا بينة كما لو وجب عليه دين آدمي وعرف له مال فادعى الإعسار فإن كان قوياً فادعى أنه لا كسب له أعطي لما روى عبيد الله بن عبيد الله بن عدي بن الخيار أن رجلين سألا رسول الله ﷺ الصدقة فصعد بصره إليهما وصوب ثم قال "أعطيكما بعد أن أعلمكما أنه لا حظ فيهما لغني ولا قوي مكتسب١" وهل يحلف؟ فيه وجهان أحدهما لا يحلف لأن

стр. 356

النبي ﷺ لم يحلف الرجلين والثاني يحلف لأن الظاهر أنه يقدر على الكسب مع القوة فصل: وسهم للمساكين والمسكين هو الذي يقدر على ما يقع موقعاً من كفايته إلا أنه لا يكفيه وقال أبو إسحاق: المسكين هو الذي لا يجد ما يقع موقعاً من كفايته فأما الذي يجد ما يقع موقعاً من كفايته فهو الفقير والأول أظهر لأن الله تعالى بدأ بالفقراء والعرب لا تبدأ إلا بالأهم فالأهم فدل على أن الفقير أمس حاجة ولأن النبي ﷺ قال: "اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً" وكان ﷺ يتعوذ من الفقر فدل على أن الفقر أشد. فصل: ويدفع إلى المسكين تمام الكفاية فإن ادعى عيالاً لم يقبل إلا ببينة لأنه يدعي خلاف الظاهر. فصل: وسهم للمؤلفة وهم ضربان: مسلمون وكفار فأما الكفار فضربان: ضرب يرجى خيره وضرب يخاف شره وقد كان النبي ﷺ يعطيهم وهل يعطون بعده؟ فيه قولان: أحدهما يعطون لأن المعنى الذي أعطاهم به رسول الله ﷺ قد يوجد بعده والثاني لا يعطون لأن الخلفاء ﵃ بعد رسول الله ﷺ لم يعطوهم قال عمر ﵁: إنا لا نعطي على الإسلام شيئاً فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر فإذا قلنا إنهم يعطون فإنهم لا يعطون من الزكاة لأن الزكاة لا حق فيها لكافر وإنما يعطون من سهم المصالح وأما المسلمون فهم أربعة أضرب: أحدها قوم لهم شرف فيعطون ليرغب نظراؤهم في الإسلام لأن النبي ﷺ أعطى أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن لكل واحد منهم مائة من الإبل وهل يعطي هذان الفريقان بعد النبي ﷺ ؟ فيه قولان: أحدهما لا يعطون لأن الله تعالى أعز الإسلام فأغنى من التألف بالمال والثاني يعطون لأن المعنى الذي به أعطوا قد يوجد بعد النبي ﷺ ومن أين يعطون؟ فيه قولان: أحدهما من الصدقات للآية والثاني من خمس الخمس لأن ذلك مصلحة فكان من سهم المصالح والضرب الثالث قوم يليهم قوم من الكفار إن أعطوا قاتلوهم والضرب الرابع قوم يليهم قوم من أهل الصدقات إن أعطوا جلبوا الصدقات وفي هذين الضربين أربعة أقوال: أحدها يعطون من سهم المصالح لأن ذلك مصلحة والثاني من سهم المؤلفة من الصدقات للآية والثالث من سهم الغزاة لأنهم يغزون والرابع وهو الصحيح أنهم يعطون من سهم الغزاة ومن سهم المؤلفة لأنهم جمعوا معنى الفريقين. فصل: وسهم للرقاب وهم المكاتبون فإذا لم يكن مع المكاتب ما يؤدي في الكتابة

стр. 357

وقد حل عليه نجم أعطى ما يؤديه وإن كان معه ما يؤديه لم يعط لأنه غير محتاج إليه فإن لم يكن معه شيء ولا حل عليه نجم ففيه وجهان: أحدهما لا يعطى لأنه لا حاجة به إليه قبل حلول النجم والثاني يعطى لأنه يحل عليه النجم والأصل أنه ليس معه ما يؤدي فإن دفع إليه ثم أعتقه المولى أو أبرأه من المال أو عجز نفسه قبل أن يؤدي المال إلى المولى رجع عليه لأنه دفع إليه ليصرفه في دينه ولم يفعل فإن سلمه إلى المولى وبقيت عليه بقية فعجزه المولى ففيه وجهان: أحدهما لا يسترجع من المولى لأنه صرفه فيما عليه والثاني يسترجع لأنه إنما دفع إليه ذلك إقراراً على نفسه والثاني لا يقيل لأنه متهم لأنه ربما واطأه حتى يأخذ الزكاة. فصل: وسهم للغارمين وهم ضربان: غرم لإصلاح ذات البين وضرب غرم لمصلحة نفسه فأما الأول فضربان: أحدهما من تحمل دية مقتول فيعطى مع الفقر والغنى لقوله ﷺ "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة الغازي في سبيل الله أو العامل عليها أو الغارم أو لرجل اشتراها بماله أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين إليه١" والثاني من حمل مالاً في غير قتل لتسكين فتنة ففيه وجهان: أحدهما يعطى مع الغنى لأنه غرم لإصلاح ذات البين فأشبه إذا غرم دية مقتول والثاني لا يعطي مع الغنى لأنه مال حمله في غير قتل فأشبه إذا ضمر ثمناً في بيع وأما من غرم لمصلحة نفسه فإن كان قد أنفق في غير معصية دفع إليه مع الفقر وهل يعطى مع الغنى فيه قولان: قال في الأم: لا يعطى لأنه يأخذ لحاجته إلينا فلم يعط مع الغني كغير الغارم وقال في القديم والصدقات من الأم: يعطى لأنه غارم في غير معصية فأشبه إذا غرم لإصلاح ذات البين فإن غرم في معصية لم يعط مع الغنى وهل يعطى مع الفقر؟ ينظر فيه فإن كان مقيماً على المعصية لم يعط لأنه يستعين به على المعصية وإن تاب ففيه وجهان: أحدهما يعطى لأن المعصية قد زالت والثاني لا يعطى لأنه لا يؤمن أن يرجع إلى المعصية ولا يعطى الغارم إلا ما يقضي به الدين فإن أخذ ولم يقض به الدين أو أبرئ منه أو قضي عنه قبل تسليم المال استرجع منه وإن ادعى أنه غارم لم يقبل إلا ببينة فإن صدقه غريمه فعلى الوجهين كما ذكرنا في المكاتب إذا ادعى الكتابة وصدقة المولى. فصل: وسهم في سبيل الله وهم الغزاة الذين إذا انشطوا غزوا فأما من كان مرتبا

стр. 358

في ديوان السلطان من جيوش المسلمين فإنهم لا يعطون من الصدقة بسهم الغزاة لأنهم يأخذون أرزاقهم وكفايتهم من الفيء ويعطى الغازي مع الفقر والغنى للخبر الذي ذكرناه في الغارم ويعطى ما يستعين به على الغزو من نفقة الطريق وما يشتري به السلاح والفرس إن كان فارساً وما يعطى السائس وحمولة تحمله إن كان راجلاً والمسافة مما يقصر فيها الصلاة فإن أخذ ولم يغز استرجع منه. فصل: وسهم لابن السبيل وهو المسافر أو من ينشئ السفر وهو محتاج في سفره فإن كان سفره في طاعة أعطي ما يبلغ به مقصده وإن كان في معصية لم يعط لأن ذلك إعانة على معصية وإن كان سفره في مباح ففيه وجهان: أحدهما لا يعطى لأنه غير محتاج إلى هذا السفر والثاني يعطى لأن ما جعل رفقاً بالمسافر في طاعة الله جعل رفقاً بالمسافر في مباح كالفطر والقصر. فصل: ويجب أن يسوى بين الأصناف في السهام ولا يفضل صنفاً على صنف لأن الله تعالى سوى بينهم والمستحب أن يعم كل صنف إن أمكن وأقل ما يجزى أن يدفع إلى ثلاثة من كل صنف لأن الله تعالى أضاف إليهم بلفظ الجمع وأقل الجمع ثلاثة فإن دفع لاثنين ضمن نصيب الثالث وفي قدر الضمان قولان: أحدهما القدر المستحب وهو الثلث والثاني أقل جزء من السهم لأنه هذا القدر هو الواجب فلا يلزمه ضمان ما زاد وإن اجتمع في شخص واحد سببان ففيه ثلاثة طرق: من أصحابنا من قال لا يعطى بالسببين بل يقال له اختر أيهما شئت فنعطيك به ومنهم من قال إن كانا سببين متجانسين مثل أن يستحق بكل واحد منهما إلا بسبب واحد وإن كانا سببين مختلفين مثل أن يكون بأحدهما يستحق لحاجتنا إليه وبالآخر يستحق لحاجته إلينا أعطي بالسببين كما قلنا في الميراث إذا اجتمع في شخص واحد جهتا فرض لم يعط بهما وإن اجتمع فيه جهة فرض وجهة تعصيب أعطي بهما ومنهم من قال فيه قولان أحدهما يعطى بالسببين لأن الله تعالى جعل للفقير سهماً وللغارم سهماً وهذا فقير غارم والثاني يعطى بسبب واحد لأنه شخص واحد فلا يأخذ سهمين كما لو انفرد بمعنى واحد. فصل: وإن كان الذي يفرق الزكاة رب المال سقط سهم العامل لأنه لا عمل له فيقسم الصدقة على سبعة أصناف لكل صنف سهم على ما بيناه وإن كان في الأصناف

стр. 359

أقارب له لا تلزمه نفقتهم فالمستحب أن يخص الأقارب لما روت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الصدقة على المسلم صدقة وهي على ذي القرابة صدقة وصلة". فصل: ويجب صرف الزكاة إلى الأصناف في البلد الذي فيه المال لما روي أن النبي ﷺ بعث معاذاً إلى اليمن فقال: أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم فإن نقل إلى الأصناف في بلد آخر ففيه قولان: أحدهما يجزئه لأنهم من أهل الصدقة فأشبه أصناف البلد الذي فيه المال والثاني لا يجزئه لأنه حق واجب لأصناف بلد ومن أصحابنا من قال القولان في جواز النقل ففي أحدهما يجوز وفي الثاني لا يجوز فأما إذا نقل فإنه يجزئه قولاً واحداً والأول هو الصحيح فإن كان له أربعون شاة عشرون في بلد وعشرون في بلد آخر قال الشافعي: إذا أخرج الشاة في أحد البلدين كرهت وأجزأه فمن أصحابنا من قال إنما أجاز ذلك على القول الذي يقول يجوز نقل الصدقة فأما على القول الآخر فلا يجوز حتى يخرج في كل بلد نصف شاة ومنهم من قال يجزئه ذلك قولاً واحداً لأن في إخراج نصف الشاة في كل بلد ضرراً في التشريك بينه وبين الفقراء والصحيح هو الأول لأنه قال كرهت وأجزأه فدل على أنه أحد القولين ولو كان قولاً واحداً لم يقل كرهت وفي الموضع الذي تنقل إليه طريقان: من أصحابنا من قال القولان فيه إذا نقل إلى مسافة تقصر فيها الصلاة فأما إذا نقل إلى مسافة لا تقصر فيها الصلاة فإنه يجوز قولاً واحداً لأن ذلك في حكم البلد بدليل أنه لا يجوز فيه القصر والفطر والمسح على الخفين ومنهم من قال القولان في الجميع وهو الأظهر وإن وجبت عليه الزكاة وهو من أهل الخيم الذين ينتجعون لطلب الماء والكلأ فإنه ينظر فيه فإن كانوا متفرقين كان موضع الصدقة من عند المال إلى حيث تقصر فيه الصلاة فإذا بلغ حداً تقصر فيه الصلاة لم يكن ذلك موضع

стр. 360

الصدقة وإن كان في حال مجتمعة ففيه وجهان: أحدهما أنه كالقسم قبله والثاني أن كل حلة كالبلد وإن وجبت الزكاة وليس في البلد الذي فيه المال أحد من الأصناف نقلها إلى أقرب البلاد إليه لأنهم أقرب إلى المال وإن وجد فيه بعض الأصناف فيدفع إلى من في بلد المال من الأصناف سهمهم وينقل الباقي إلى بقية الأصناف في غير بلد المال وهو الصحيح لأن استحقاق الأصناف أقوى لأنه ثبت بنص الكتاب واعتبار البلد ثبت بخير الواحد فقدم من ثبت حقه بنص الكتاب. فصل: فإن قسم الصدقة على الأصناف فنقص نصيب بعضهم عن كفايتهم ونصيب الباقين على قدر كفايتهم دفع إلى كل واحد منهم ما قسم له ولا يدفع إلى من نقص سهمه عن كفايته من نصيب الباقين شيء لأن كل صنف منهم ملك سهمه فلا ينقص حقه لحاجة غيره وإن كان نصيب بعضهم ينقص عن كفايته ونصيب البعض يفضل عن كفايته فإن قلنا إن المغلب اعتبار البلد الذي فيه المال صرف ما فضل إلى بقية الأصناف في البلد وإن قلنا إن المغلب اعتبار الأصناف صرف الفاضل إلى ذلك الصنف الذي فضل عنهم بأقرب البلاد. فصل: وإن وجبت عليه الفطرة وهو في بلد وماله فيه وجب إخراجها إلى الأصناف في البلد وإن مصرفها مصرف سائر الزكوات وإن كل ماله في بلد وهو في بلد آخر ففيه وجهان: أحدهما أن الاعتبار بالبلد الذي فيه المال والثاني أن الاعتبار بالبلد الذي هو فيه لأن الزكاة تتعلق بعينه فاعتبر الموضع الذي هو فيه كالمال في سائر الزكوات. فصل: وإذا وجبت الزكاة لقوم معينين في بلد فلم يدفع إليهم حتى مات بعضهم انتقل حقه إلى ورثته لأنه تعين حقه في حال الحياة فانتقل بالموت إلى ورثته. فصل: ولا يجوز دفع الزكاة إلى هاشمي لقوله ﷺ "نحن أهل بيت لا تحل لنا الصدقة١" ولا يجوز دفعها إلى مطلبي لقوله ﷺ "إن بني هاشم وبني المطلب شيء

стр. 361

واحد" وشبك بين أصابعه ولأنه حكم متعلق بذوي القربى فاستوى فيه الهاشمي والمطلبي كاستحقاق الخمس وقال أبو سعيد الاصطخري: إن منعوا حقهم من الخمس جاز الدفع إليهم لأنهم إنما حرموا الزكاة لحقهم في خمس الخمس فإذا منعوا الخمس وجب أن يدفع إليهم والمذهب الأول لأن الزكاة حرمت عليهم لشرفهم برسول الله ﷺ وهذا المعنى لا يزول بمنع الخمس وفي مواليهم وجهان: أحدهما يدفع إليهم والثاني لا يدفع وقد بينا وجه المذهبين في سهم العامل. فصل: ولا يجوز دفعها إلى كافر لقوله ﵊ "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم". فصل: ولا يجوز دفعها إلى غني من سهم الفقراء لقوله ﷺ "لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب". فصل: ولا يجوز دفعها إلى من يقدر على كفايته بالكسب للخبر ولأن غناه بالكسب كغناه بالمال. فصل: ولا يجوز دفعها إلى من تلزمه نفقته من الأقارب والزوجات من سهم الفقراء لأن ذلك إنما جعل للحاجة ولا حاجة بهم مع وجوب النفقة. فصل: فإن دفع الإمام الزكاة إلى من ظاهره الفقر ثم بان أنه غني لم يجزه ذلك عن الفرض فإن كان باقياً استرجع منه ودفع إلى فقير وإن كان فائتاً أخذ للبدل وصرف إلى فقير فإن لم يكن للمدفوع إليه مال لم يجب على رب المال ضمانه لأنه قد سقط الفرض عنه بالدفع إلى الإمام ولا يجب على الإمام لأنه أمين غير مفرط فهو كالمال الذي يتلف في يد الوكيل وإن كان الذي دفع إليه رب المال فإن لم يبين عند الدفع أنه زكاة واجبة لم يكن له أن يرجع لأنه قد يدفع عن زكاة واجبة وعن تطوع فإذا ادعى الزكاة كان متهماً فلم يقبل قوله ويخالف الإمام فإن الظاهر من حاله أنه لا يدفع إلا الزكاة

стр. 362

فثبت له الرجوع وإن كان قد بين أنها زكاة رجع فيها إن كانت باقية وفي بدلها إن كانت فائتة فإن لم يكن له للمدفوع إليه مال فهل يضمن رب المال الزكاة؟ فيه قولان: أحدهما لا يضمن لأنه دفع إليه بالاجتهاد كالإمام والثاني يضمن لأنه كان يمكنه أن يسقط الفرض بيقين بأن يدفعها إلى الإمام فإذا فرط بنفسه فقد فرط فلزمه الضمان بخلاف الإمام وإن دفع الزكاة إلى رجل ظنه مسلماً وكان كافراً أو إلى رجل ظنه حراً فكان عبداً فالمذهب أن حكمه حكم ما لو دفع إلى رجل ظنه فقيراً فكان غنياً ومن أصحابنا من قال يجب الضمان ههنا قولاً واحداً لأن حال الكافر والعبد الكافر لا يخفى فكان مفرطاً في الدفع إليهما وحال الغني قد يخفى فلم يكن مفرطاً. فصل: ومن وجبت عليه الزكاة وتمكن من أدائها فلم يفعل حتى مات وجب قضاء ذلك من تركته لأنه حق مال لزمه في حال الحياة فلم يسقط بالموت كدين الآدمي فإن اجتمع مع الزكاة دين آدمي ولم يتسع المال للجميع ففيه ثلاثة أقوال: أحدها يقدم دين الآدمي لأنه مبناه على التشديد والتأكيد وحق الله تعالى مبني على التخفيف ولهذا لو وجب عليه قتل قصاص وقتل ردة فدم قتل القصاص والثاني تقدم الزكاة لقوله ﷺ في الحج "فدين الله أحق أن يقضى" والثالث أنه يقسم بينهما لأنهما تساويا في الوجوب فتساويا في القضاء وبالله التوفيق.

стр. 363

باب صدقة التطوع لا يجوز أن يتصدق بصدقة تطوع وهو محتاج إلى ما يتصدق به لنفقته أو نفقة عياله لما روى أبو هريرة ﵁ "أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: عندي دينار قال: أنفقه على نفسك قال: عندي آخر قال أنفقه على ولدك قال: عندي آخر قال أنفقه على أهلك قال: عندي آخر قال أنفقه على خادمك قال عندي آخر قال أنت أعلم به١" وقال ﷺ "كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت٢" ولا يجوز لمن عليه دين وهو محتاج إلى ما يتصدق لقوله ﷺ "وليتصدق الرجل من ديناره وليتصدق من درهمه وليتصدق من صاع بره وليتصدق من صاع تمره٣" وروى أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 364

"من أطعم مؤمناً جائعاً أطعمه الله من ثمار الجنة ومن سقى مؤمناً على ظمأ أسقاه الله تعالى من الرحيق المختوم يوم القيامة ومن كسى مؤمناً عارياً كساه الله تعالى من خضر الجنة" ويستحب الإكثار منه في شهر رمضان لما روى ابن عباس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في شهر رمضان فإن كان ممن يصبر على الإضاقة استحب له التصدق بجميع ماله لما روى عمر ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق فوافق ذلك مالاً عندي فقلت اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً فجئت بنصف مالي فقال لي رسول الله ﷺ : "ما أبقيت لأهلك؟ " فقلت: أبقيت لهم مثله وأتى أبو بكر ﵁ بجميع ماله فقال رسول الله ﷺ : "ما أبقيت لأهلك" فقال: أبقيت لهم الله ورسوله فقلت لا أسابقك إلى شيء أبداً وإن كان ممن لا يصبر على الإضافة كره له ذلك لما روى جابر قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذ جاء رجل بمثل البيضة من الذهب أصابها من بعض المغازي فأتاه من ركنه الأيسر فقال: يا رسول الله خذها صدقة فوالله ما أصبحت أملك مالاً غيرها فأعرض عنه ثم جاءه من ركنه الأيمن فقال له مثل ذلك فأعرض عنه ثم جاءه من بين يديه فقال له مثل ذلك فقال له رسول الله ﷺ "هاتها مغضباً فحذفه بها حذفة لو أصابه لأوجعه أو عقره ثم قال يأتي أحدكم بماله كله فيتصدق به ثم يجلس بعد ذلك يتكفف الناس إنما الصدقة عن ظهر غنى". فصل: والأفضل أن يخص بالصدقة الأقارب لقوله ﷺ لزينب امرأة عبد الله بن مسعود: "زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم" وفعلها في السر أفضل لقوله : ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١] ولما روى عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "صلة الرحم تزيد

стр. 365

في العمر وصدقة السر تطفيء غضب الرب وصنائع المعروف تقي مصارع السوء١" وتحل صدقة التطوع للأغنياء ولبني هاشم ولبني المطلب لما روي عن جعفر بن محمد عن أبيه ﵄ انه كان يشرب من سقايا بين مكة والمدينة فقيل له: أتشرب من الصدقة؟ فقال: إنما حرمت علينا الصدقة المفروضة.

стр. 366

كتاب الصيام مدخل ... كتاب الصيام صوم شهر رمضان ركن من أركان الإسلام وفرض من فروضه والدليل عليه ما روى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان١". فصل: ويتحتم وجوب ذلك على كل مسلم بالغ عاقل طاهر قادر مقيم فأما الكافر

стр. 367

فإنه إن كان أصلياً لم يخاطب به في حال كفره لأنه لا يصح منه وإن أسلم لم يجب عليه القضاء لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨] ولأن في إيجاب قضاء ما فات في حال الكفر تنفيراً عن الإسلام وإن كان مرتداً لم يخاطب به في حال الردة لا لأنه لا يصح منه وإن أسلم وجب عليه قضاء ما تركه في حال الكفر لأنه التزم ذلك فلم يسقط ذلك بالردة كحقوق الآدميين. فصل: وأما الصبي فلا تجب عليه لقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق١" ويؤمر بفعله لسبع سنين إذا أطاق الصوم ويضرب على تركه لعشر قياساً عن الصلاة فإن بلغ لم يجب عليه قضاء ما تركه في حال الصغر لأنه لو وجب عليه ذلك لوجب عليه أداؤه في الصغر لأنه يقدر على فعله ولأن أيام الصغر تطول فلو أوجبنا عليه قضاء ما يفوت لشق. ومن زال عقله بجنون لم يجب عليه الصوم لقوله صلى اله عليه وسلم "وعن المجنون حتى يفيق" فإن أفاق لم يجب عليه قضاء ما فاته في حال الجنون لأنه صوم فات في حال يسقط فيه التكليف لنقص فلم يجب قضاؤه كما لو فات في حال الصغر وإن زال عقله بالإغماء لم يجب عليه في الحال لأنه لا يصح منه فإن أفاق وجب عليه القضاء لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] والإغماء مرض ويخالف الجنون فإن نقص ولهذا لا يجوز الجنون على الأنبياء ويجوز عليهم الإغماء فإن أسلم الكافر أو أفاق المجنون في أثناء يوم من رمضان استحب لهما إمساك بقية النهار لحرمة الوقت ولا يلزمهم ذلك لأن المجنون أفطر لعذر والكافر وإن أفطر بغير عذر إلا أنه لما أسلم جعل كالمعذور فيما فعل في حال الكفر ولهذا لا يؤاخذ بقضاء ما تركه ولا بضمان بما أتلفه ولهذا قال الله : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨] ولا يأكل عند من لا يعرف عذره لأنه إذا تظاهر بالأكل عرض نفسه للتهمة

стр. 368

وعقوبة السلطان وهل يجب عليه قضاء ذلك اليوم أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما يجب لأنه أدرك جزءاً من وقت الفرض ولا يمكن فعل ذلك الجزء من الصوم إلا بيوم فوجب أن يقضيه بيوم كامل كما نقول في المحرم إذا وجب عليه في كفارة نصف مد فإنه يجب بقسطه صوم نصف يوم ولكن لما لم يمكن فعل ذلك إلا بيوم وجب عليه صوم يوم والثاني لا يجب ـ وهو المنصوص في البويطي ـ لأنه لم يدرك من الوقت ما يمكن الصوم فيه لأن الليل يدركه قبل التمام فلم يلزمه كمن أدرك من أول وقت الصلاة قدر الركعة ثم جن فإن بلغ الصبي في أثناء يوم من رمضان نظرت فإن كان مفطراً فهو كالكافر إذا أسلم والمجنون إذا أفاق في جميع ما ذكرناه وإن كان صائماً ففيه وجهان: أحدهما يستحب له إتمامه لأنه صوم نقل فاستجب إتمامه ويجب قضاؤه لأنه لم ينو به الفرض من أوله فوجب قضاؤه والثاني أنه يلزمه إتمامه ويستحب قضاؤه لأنه صار من أهل الوجوب في أثناء العبادة فلزمه إتمامها كما لو دخل في صوم التطوع ثم نذر إتمامه. فصل: وأما الحائض والنفساء فلا يجب عليهما الصوم لأنه لا يصح منهما فإذا طهرتا وجب عليهما القضاء لما روت عائشة ﵂ أنها قالت في الحيض كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة فوجب القضاء على الحائض بالخبر وقسنا النفساء عليها لأنها في معناها فإن طهرت في أثناء النهار استحب لها أن تمسك بقية النهار ولا يجب لما ذكرنه في الصبي إذا بلغ والمجنون إذا أفاق. فصل: ومن لا يقدر على الصوم بحال وهو الشيخ الكبير الذي يجهده الصوم والمريض الذي لا يرجى برؤه فإنه لا يجب عليهما الصوم لقوله : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] وفي الفدية قولان: أحدهما لا تجب لأنه أسقط عنهما فرض الصوم فلم تجب عليهما الفدية كالصبي والمجنون والثاني يجب عن كل يوم مد طعام وهو الصحيح لما روي عن ابن عباس ﵄: أنه قال: الشيخ الكبير يطعم عن كل يوم مسكيناً وعن أبي هريرة أنه قال: من أدركه الكبر فلم يستطع صوم رمضان فعليه لكل يوم مد من قمح وقال ابن عمر ﵄: إذا ضعفت عن الصوم أطعم عن كل يوم مداً وروي أن أنساً ضعف عن الصوم عاماً قبل وفاته فأفطر وأطعم وإن لم يقدر على الصوم لمرض يخاف زيادته ويرجو البرء لم يجب عليه الصوم للآية فإن برئ وجب عليه القضاء لقوله : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ

стр. 369

فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] وإن أصبح صائماً وهو صحيح ثم مرض أفطر لأنه أبيح له الفطر للضرورة والضرورة موجودة فجاز له الفطر. فصل: فأما المسافر إن كان سفره دون أربعة برد لم يجز له أن يفطر لأنه إسقاط فرض للسفر فلا يجوز فيما دون أربعة برد كالقصر وإن كان سفره في معصية لم يجز له أن يفطر لأن ذلك إعانة على المعصية وإن كان سفره أربع برد في غير معصية فله أن يصوم وله أن يفطر لما روت عائشة ﵂ أن حمزة بن عمرو والأسلمي قال يا رسول الله أصوم في السفر فقال رسول الله ﷺ : "إن شئت فصم وإن شئت فأفطر" فإن كان ممن لا يجهده الصوم في السفر فالأفضل أن يصوم لما روي عن أنس ﵁ أنه قال للصائم في السفر إن أفطرت فرخصة وإن صمت فهو أفضل وعن عثمان بن أبي العاص أنه قال: الصوم أحب إلي ولأنه إذا أفطر عرض الصوم للنسيان وحوادث الزمان فكان الصوم أفضل وإن كان يجهده الصوم فالأفضل أن يفطر لما روى جابر ﵁ قال: مر رسول الله ﷺ برجل تحت شجرة يرش عليه الماء فقال: ما بال هذا قالوا: صائم يا رسول الله فقال: "ليس من البر الصيام في السفر١" فإن صام المسافر ثم أراد أن يفطر فله أن يفطر لأن العذر قائم فجاز له أن يفطر كما لو صام المريض ثم أراد أن يفطر ويحتمل عندي أنه لا يجوز له أن يفطر في ذلك اليوم لأنه دخل في فرض المقيم فلا يجوز له أن يترخص برخص المسافر كما لو دخل في الصلاة بنية الإتمام ثم أراد أن يقصر ومن أصبح في الحضر صائماً ثم سافر لم يجز له أن يفطر في ذلك اليوم وقال المزني: له أن يفطر كما لو أصبح الصبح صائماً ثم مرض فله أن يفطر والمذهب الأول والدليل عليه أنه عبادة تختلف بالسفر والحضر فإذا بدأ بها في الحضر ثم سافر لم يثبت له رخصة السفر كما لو دخل في الصلاة في الحضر ثم سافر في أثنائها ويخالف المريض فإن ذلك مضطر إلى الإفطار والمسافر مختار وإن قدم المسافر وهو مفطر أو برء المريض وهو مفطر استحب لهما إمساك بقية النهار لحرمة الوقت ولا يجب ذلك لأنهما أفطرا لعذر ولا يأكلان عند من لا يعرف عذرهما لخوف التهمة والعقوبة وإن قدم

стр. 370

المسافر وهو صائم أو بريء المريض وهو صائم فهل لهما أن يفطرا؟ فيه وجهان: قال أبو علي بن أبي هريرة: يجوز لهما الإفطار لأنه أبيح لهما الفطر من أول النهار ظاهراً وباطناً فجاز لهما الإفطار في بقية النهار كما لو دام السفر والمرض وقال أبو إسحاق: لا يجوز لهما الإفطار لأنه زال سبب الرخصة قبل الترخص فلم يجز الترخص كما لو قدم المسافر وهو في الصلاة فإنه لا يجوز له القصر. فصل: وإن خافت الحامل أو المرضع على أنفسهما من الصوم أفطرتا وعليهما القضاء دون الكفارة لأنهما أفطرتا للخوف على أنفسهما فوجب عليهما القضاء دون الكفارة كالمريض وإن خافتا على ولديهما أفطرتا وعليهما القضاء بدلاً عن الصوم وفي الكفارة ثلاثة أقوال: قال في الأم: يجب عن كل يوم مد من طعام وهو الصحيح لقوله ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ "البقرة: ١٨٤" قال ابن عباس ﵁: نسخت هذه الآية وبقيت الرخصة للشيخ الكبير والعجوز والحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وأطعمتا مكان كل يوم مسكيناً والثاني أن الكفارة مستحبة غير واجبة - وهو قول المزني - لأنه إفطار لعذر فلم تجب به الكفارة كإفطار المريض والثالث أنه يجب على المريض دون الحامل لأن الحامل أفطرت لمعنى فيها كالمريض والمرضع أفطرت لمنفصل عنها فوجبت عليها الكفارة. فصل: ولا يجب صوم رمضان إلا برؤية الهلال فإن غم عليهم وجب عليهم استكمال شعبان ثلاثين يوماً ثم يصومون لما روى ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة ولا تستقبلوا الشهر استقبالاً١" فإن أصبحوا في يوم الثلاثين وهم يظنون أنه من شعبان فقامت البينة أنه من رمضان لزمهم قضاؤه لأنه بان أنه من رمضان وهل يلزمهم إمساك بقية النهار؟ فيه قولان: أحدهما لا يلزمهم لأنهم أفطروا لعذر فلم يلزمهم إمساك بقية النهار كالحائض إذا طهرت والمسافر إذا قدم والثاني يلزمهم لأنه أبيح لهم الفطر بشرط أنه من شعبان وقد بان أنه

стр. 371

من رمضان فلزمهم الإمساك فإن رأوا الهلال بالنهار فهو لليلة المستقبلة لما روى سفيان بن سلمة قال: أتانا كتاب عمر بن الخطاب ﵁ ونحن بخانقين أن الأهلة بعضهما أكبر من بعض فإذا رأيتم الهلال نهاراً فلا تفطروا حتى يشهد رجلان مسلمان أنهما رأياه بالأمس وإن رأوا الهلال في بلد ولم يروه في بلد آخر فإن كانا بلدين متقاربين وجب على أهل البلدين الصوم وإن كانا بلدين متباعدين وجب على من رأى ولا يجب على من لم ير لما روى كريب قال: قدمت الشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة فقال عبد الله بن عباس: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: ليلة الجمعة فقال: أنت رأيت؟ فقلت: نعم ورآه الناس وصاموا أو صام معاوية فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل العدة أو نراه قلت: أو لا تكتفي برؤية معاوية؟ قال: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ . فصل: وفي الشهادة التي يثبت بها رؤية هلال شهر رمضان قولان: قال في البويطي: لا تقبل إلا من عدلين لما روى الحسين بن حريث الجدلي جديلة قيس قال: خطبنا أمير مكة الحرث بن خاطب فقال: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننسك لرأيته فإن لم نره فهذان شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما وقال في القديم والجديد: يقبل من عدل واحد وهو الصحيح لما روى عبد الله بن عمر ﵁ قال: تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي ﷺ أني رأيته فصام رسول الله ﷺ وأمر الناس بالصيام ولأنه إيجاب عبادة فقبل من واحد احتياطاً للفرض فإن قلنا يقبل من واحد فهل من العبد والمرأة؟ فيه وجهان: أحدهما يقبل لأن ما قبل فيه قول الواحد قبل من العبد والمرأة كأخبار رسول الله ﷺ .

стр. 372

والثاني لا يقبل وهو الصحيح لأن طريقها طريق الشهادة بدليل أنه لا تقبل من شاهد الفرع مع حضور شاهد الأصل فلم يقبل من العبد والمرأة كسائر الشهادات ولا يقبل في هلال الفطر إلا شاهدان لأنه إسقاط فرض فاعتبر فيه العدد احتياطاً للفرض فإن شهد واحد على رؤية هلال رمضان فقبل قوله وصاموا ثلاثين يوماً وتغيمت السماء ففيه وجهان: أحدهما أنهم لا يفطرون لأنه إفطار بشاهد واحد والثاني أنهم يفطرون وهو المنصوص في الأم لأنه بينة ثبت بها الصوم فجاز الإفطار باستكمال العدد منها كالشاهدين وقوله إن هذا إفطار بشاهد لا يصح لأنه الذي ثبت بالشاهد هو الصوم والفطر ثبت على سبيل التبع وذلك يجوز كما تقول إن النسب لا يثبت بقول أربع نسوة ثم لو شهد أربع نسوة بالولادة ثبتت الولادة وثبت النسب على سبيل التبع للولادة وإن شهد اثنان على رؤية هلال رمضان فصاموا ثلاثين يوماً والسماء مصحية فلم يروا الهلال ففيه وجهان: قال أبو بكر بن الحداد: لا يفطرون لأن عدم الهلال مع الصحو يقين والحكم بالشاهدين ظن واليقين يقدم على الظن وقال أكثر أصحابنا: يفطرون لأن شهادة اثنين يثبت بها الصوم والفطر فوجب أن يثبت بها الفطر وإن غم عليهم الهلال وعرف رجل الحساب ومنازل القمر وعرف بالحساب أنه من شهر رمضان ففيه وجهان: قال أبو العباس: يلزمه الصوم لأنه عرف الشهر بدليل فأشبه إذا عرف بالبينة والثاني أنه لا يصوم لأنا لم نتعبد إلا بالرؤية ومن رأى هلال رمضان وحده صام وإن رأى هلال شوال وحده أفطر وحده لقوله ﷺ : "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" ويفطر لرؤية هلال شوال سراً لأنه إذا أظهر الفطر عرض نفسه للتهمة وعقوبة السلطان. فصل: وإن اشتبهت الشهور على أسير لزمه أن يتحرى ويصوم كما يلزمه أن يتحرى في وقت الصلاة وفي القبلة فإن تحرى وصام فوافق الشهر أو ما بعده أجزأه فإن وافق شهراً بالهلال ناقصاً وشهر رمضان الذي صامه الناس كان تاماً ففيه وجهان: أحدهما يجزئه وهو اختيار الشيخ أبي حامد الإسفراييني ﵀ لأن الشهر يقع على ما بين الهلالين ولهذا لو نذر صوم شهر فصام شهراً ناقصاً بالأهلة أجزأه والثاني أنه يجب عليه

стр. 373

صوم يوم - وهو اختيار شيخنا القاضي أبي الطيب الطبري ﵀ وهو الصحيح عندي لأنه فاته صوم ثلاثين يوماً وقد صام تسعة وعشرين يوماً فلزمه صوم يوم وإن وافق صومه شهر أقبل رمضان قال الشافعي ﵀: لا يجزئه ولو قال قائل يجزئه كان مذهباً قال أبو إسحاق المروزي لا يجزئه قولاً واحداً وقال سائر أصحابنا: فيه قولان: أحدهما يجزئه لأنه عبادة تفعل في السنة مرة فجاز أن يسقط فرضها بالفعل قبل الوقت عند الخطأ كالوقوف بعرفة إذا أخطأ الناس ووقفوا قبل يوم عرفة والثاني لا يجزئه وهو الصحيح لأنه تعين له تيقن الخطأ فيما يؤمن مثله في القضاء فلم يعتد بما فعله كما لو تحرى في وقت الصلاة فصلى قبل الوقت. فصل: ولا يصح صوم رمضان ولا غيره من الصيام إلا بالنية لقوله ﷺ "إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى" ولأنه عبادة محضة فلم يصح من غير نية كالصلاة وتجب النية لكل يوم لأن صوم كل يوم عبادة منفردة يدخل وقتها بطلوع الفجر ويخرج وقتها بغروب الشمس ولا يفسد بفساد ما قبله ولا بفساد ما بعده فلم تكفه نية واحدة كالصلاة ولا يصح صوم رمضان ولا غيره من الصوم الواجب إلا بنية من الليل لما روت حفصة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له١" وهل تجوز نية مع طلوع الفجر؟ فيه وجهان: من أصحابنا من قال يجوز لأنه عبادة فجاز بنية تقارن ابتداءها كسائر العبادات وقال أكثر أصحابنا: لا يجوز إلا بنية من الليل لحديث حفصة ﵂ ولأن أول وقت الصوم يخفى فوجب تقديم النية عليه بخلاف سائر العبادات فإذا قلنا بهذا فهل تجوز النية في جميع الليل؟ فيه وجهان: من أصحابنا من قال لا يجوز إلا في النصف الثاني قياساً على أذان الصبح والدفع من المزدلفة وقال أكثر أصحابنا تجوز في جميع الليل لحديث حفصة ولأنا لو أوجبنا النية في النصف الثاني ضاق ذلك على الناس وشق فإن نوى بالليل ثم أكل أو جامع لم تبطل نيته وحكي عن أبي إسحاق أنه قال: تبطل لأن الأكل ينافي الصوم فأبطل النية والمذهب الأول وقيل إن أبا إسحاق رجع عن ذلك والدليل عليه أن الله تعالى أحل

стр. 374

الأكل إلى طلوع الفجر فلو كان الأكل يبطل النية لما جاز أن يأكل إلى الفجر لأنه يبطل النية. فصل: وأما صوم التطوع فإنه يجوز بنية قبل الزوال وقال المزني: لا يجوز إلا بنية من الليل كالفرض والدليل على جوازه ما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال "أصبح عندكم اليوم شيء تطعموناه يا عائشة فقالت: لا فقال: إني إذاً صائم" ويخالف الفرض لأن النفل أخف من الفرض والدليل عليه أنه يجوز ترك القيام واستقبال القبلة في النفل مع القدرة ولا يجوز في الفرض وهل تجوز نيته بعد الزوال؟ فيه قولان: روى حرملة أنه يجوز لأنه جزء من النهار فجازت نية النفل فيه كالنصف الول وقال في القديم والجديد لا تجوز لأن النية لم تصحب معظم العبادة فأشبه إذا نوى مع غروب الشمس ويخالف النصف الأول لأن النية هناك صحبت معظم العبادة ومعظم الشيء يجوز أن يقوم مقام الجميع ولهذا لو أدرك معظم الركعة مع الإمام جعل مدركاً للركعة ولو أدرك دون المعظم لم يجعل مدركاً لها فإن صام التطوع بنية من النهار فهل يكون صائماً من أول النهار أو من وقت النية؟ فيه وجهان: قال أبو إسحاق يكون صائماً من وقت النية لأن ما قبل النية لم توجد فيه قصد القربة فلم يجعل صائماً فيه وقال أكثر أصحابنا إنه صائم من أول النهار لأنه لو كان صائماً من وقت النية لم يضره الأكل قبله. فصل: ولا يصح صوم رمضان إلا بتعيين النية وهو أن ينوي أنه صائم من رمضان لأنه فريضة وهو قربة مضافة إلى وقتها فوجب تعيين الوقت في نيتها كصلاة الظهر والعصر وهل يفتقر إلى نية الفرض؟ فيه وجهان: قال أبو إسحاق يلزمه أن ينوي صوم فرض رمضان لأن صوم رمضان قد يكون نفلاً في حق الصبي فيفتقر إلى نية الفرض لتميزه من صوم الصبي وقال أبو علي بن أبي هريرة: لا يفتقر إلى ذلك لأن رمضان في حق البالغ لا يكون إلا فرضاً فلا يفتقر إلى تعيين الفرض فإن نوى في ليلة الثلاثين من شعبان فقال: إن كان غد من رمضان فأنا صائم عن رمضان أو عن تطوع وكان من رمضان لم يصح لعلتين: إحداهما أنه لم يخلص النية لرمضان والثاني أن الأصل أنه من شعبان فلم تصح نية رمضان ولأنه شك في دخول وقت العبادة فلم تصح نيته كما لو شك في دخول وقت الصلاة وإن قال إن كان غد من رمضان فأنا صائم عن رمضان وإن لم يكن من رمضان فأنا صائم عن تطوع لم يصح لعلة واحدة وهو أن الأصل أنه من شعبان فلا يصح

стр. 375

بنية الفرض فإن قال ليلة الثلاثين من رمضان إن كان غد من رمضان فأنا صائم عن رمضان أو مفطر وكان من رمضان لم يصح صومه لأنه لم يخلص النية للصوم فإن قال إن كان غد من رمضان وإن لم يكن فأنا مفطر وكان من رمضان صح صومه لأنه أخلص النية للفرض وبنى عن الأصل لأن الأصل أنه من رمضان ومن دخل في الصوم ونوى الخروج منه بطل الصوم لأن النية شرط في جميعه فإذا قطعها في أثنائه بقي الباقي بغير نية فبطل وإذا بطل البعض بطل الجميع لأنه لا ينفرد بعضه عن بعض ومن أصحابنا من قال لا تبطل لأنه عبادة تتعلق الكفارة بجنسها فلم تبطل بنية الخروج كالحج والأول أظهر لأن الحج لا يخرج منه بما يفسده والصوم يخرج منه بما يفسده فكان كالصلاة. فصل: ويدخل في الصوم بطلوع الفجر ويخرج بغروب الشمس لما روى عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا أقبل الليل من هنا وأدبر النهار من هنا وغابت الشمس من ههنا فقد أفطر الصائم" ويجوز أن يأكل ويشرب ويباشر إلى طلوع الفجر لقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ "البقرة١٨٧" فإن جامع قبل طلوع الفجر وأصبح وهو جنب وجاز صومه لأنه لما أذن في المباشرة إلى طلوع الفجر ثم أمر بالصوم دل على أنه يجوز أن يصبح صائماً وهو جنب وروت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يصبح جنباً من جماع غير احتلام ثم يصوم فإن طلع الفجر وفيه طعام فأكله أو كان مجامعاً فاستدام بطل صومه وإن لفظ الطعام أو أخرج مع طلوع الفجر لم يصح صومه لأن الجماع إيلاج وإخراج وإن بطل بالإيلاج بطل بالإخراج والدليل على أنه يصح صومه هو أن الإخراج ترك الجماع وما علق على فعل شيء لا يتعلق بتركه كما لو حلف أن لا يلبس هذا الثوب وهو عليه فبدأ بنزعه لم يحنث وإن أكل وهو يشك في طلوع الفجر صح صومه لأن الأصل بقاء الليل وإن أكل وهو يشك في غروب الشمس لم يصح صومه لأن الأصل بقاء النهار. فصل: ويحرم على الصائم الأكل والشرب لقوله : ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ "البقرة ١٨٧" وإن أكل أو شرب وهو ذاكر للصوم عالم بالتحيم مختار بطل صومه لأنه فعل ما

стр. 376

ينافي الصوم من غير عذر فبطل فإذا استعط أو صب الماء في أذنه فوصل إلى دماغه بطل صومه لما روى لقيط بن صبرة أن النبي ﷺ قال: "إذا استنشقت فبالغ في الوضوء إلى أن تكون صائماًً١" فدل على أنه إذا وصل إلى الدماغ شيء بطل صومه ولأن الدماغ أحد الجوفين فبطل الصوم بالواصل إليه كالبطن وإن احتقن بطل صومه لأنه إذا بطل بما يصل إلى الدماغ لسعوط فلأن يبطل بما يصل إلى الجوف بالحقنة أولى وإن كانت به جائفة أو آمة فداواها فوصل الدواء إلى الجوف أو الدماغ أو طعن نفسه أوطعنه غيره بإذنه فوصلت الطعنة إلى جوفه بطل صومه لما ذكرناه في السعوط أو الحقنة وإن زرق في إحليله شيئاً أو دخل فيه ميلاً ففيه وجهان: أحدهما يبطل صومه لأنه منفذ يتعلق الفطر بالخارج منه فتعلق بالواصل إليه كالفم والثاني أنه لا يبطل لأنه ما يصل إلى المثانة لا يصل إلى الجوف فهو بمنزلة ما لو ترك في فيه شيئاً. فصل: ولا فرق بين أن يأكل ما يؤكل أو ما لا يؤكل فان استف تراباً وابتلع حصاة أو درهماً أو ديناراً بطل صومه لأن الصوم هو الإمساك عن كل ما يصل إلى الجوف وهذا ما أمسك ولهذا يقال: فلان يأكل الطين ويأكل الحجر ولأنه إذا بطل الصوم بما يصل إلى الجوف مما ليس يؤكل كالسعوط والحقنة وجب أيضاً أن يبطل بما يصل مما ليس بمأكول وإن قلع ما بقي بين أسنانه بلسانه وابتلعه بطل صومه وإن جمع في فيه ريقاً كثيراً فابتلعه ففيه وجهان: أحدهما أنه يبطل صومه لأنه ابتلع ما يمكنه الاحتراز منه مما لا حاجة به إليه فأشبه إذا قلع ما بين أسنانه وابتلعه والثاني لا يبطل لأنه

стр. 377

وصل إلى جوفه من معدنه فأشبه ما يبتلعه من ريقه على عادته فإن أخرج البلغم من صدره ثم ابتلعه أو جذبه من رأسه ثم ابتلعه بطل صومه وإن استقاء بطل صومه لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من استقاء فعليه القضاء ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه١" ولأن القيء إذا صعد ثم تردد فرجع بعضه إلى الجوف فيصير كطعام ابتلعه. فصل: ويحرم عليه المباشرة في الفرج لقوله ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧] إلى قوله تعالى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] فإن باشرها في الفرج بطل صومه لأنه أحد ما ينافي الصوم فهو كالأكل وإن باشرها فيما دون الفرج فأنزل أو قبل فأنزل بطل صومه وإن لم ينزل لم يبطل صومه لما روى جابر قال: قبلت وأنا صائم ثم أتيت النبي ﷺ فقلت: قبلت وأنا الصائم؟ فقال: "أرأيت لو تمضمضت وأنت صائم"؟ فشبه القبلة بالمضمضة وقد ثبت إذا تمضمض فوصل الماء إلى جوفه أفطر وإن لم يصل لم يفطر فدل على أن القبلة مثلها وإن جامع قبل طلوع الفجر فأخرج مع الطلوع وأنزل لم يبطل صومه لأن الإنزال تولد من مباشرة وهو مضطر إليها فلم يبطل الصوم وإن نظر وتلذذ فأنزل لم يبطل صومه لأنه إنزال من غير مباشرة فلم يبطل الصوم كما لو نام فاحتلم وإن استمنى فأنزل بطل صومه لأنه إنزال عن مباشرة فهو كالإنزال عن القبلة ولأن الاستمناء كالمباشرة فيما دون الفرج من الأجنبية في الإثم والتعزير فكذلك في الإفطار. فصل: وإن فعل ذلك كله ناسياً لم يبطل صومه لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من أكل ناسياً أو شرب ناسياً فلا يفطر فإنما هو رزق رزقه الله تعالى٢" فنص على الأكل والشرب وقسنا عليهما كل ما يبطل الصوم من الجماع وغيره فإن فعل ذلك وهو جاهل بتحريمه لم يبطل صومه لأنه يجهل تحريمه فهو كالناسي وإن فعل ذلك به بغير اختياره بأن أوجر الطعام في حلقه مكرهاً لم يبطل صومه وإن شد امرأته ووطئها وهي مكرهة لم يبطل صومها وإن استدخلت المرأة ذكر رجل وهو نائم لم يبطل صومه لحديت أبي هريرة ﵁ ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه فدل على أن كل ما حصل بغير اختياره لم يجب به القضاء ولأن النبي ﷺ

стр. 378

أضاف أكل الناسي إلى الله تعالى فأسقط به القضاء فدل على أن كل ما حصل بغير فعله لا يوجب القضاء وإن أكره حتى أكل بنفسه أو أكرهت المرأة حتى مكنت من الوطء فوطئها ففيه قولان: أحدهما يبطل الصوم لأنه فعل ما ينافي الصوم لدفع الضرر وهو ذاكر للصوم فبطل صومه كما لو أكل لخوف المرض أو شرب لدفع العطش والثاني لا يبطل لأنه وصل إلى جوفه بغير اختياره فأشبه إذا أوجر في حلقه وإن تمضمض أو استنشق فوصل الماء إلى جوفه أو دماغه فقد نص فيه على قولين: فمن أصحابنا من قال القولان إذا لم يبالغ فأما إذا بالغ بطل صومه قولاً واحداً وهو الصحيح لأن النبي ﷺ قال للقيط بن صبرة "إذا استنشقت فبالغ في الوضوء إلا أن تكون صائماً" فنهاه عن المبالغة فلو لم يكن وصول الماء في المبالغة يبطل الصوم لم يكن للنهي عن المبالغة معنى ولأن المبالغة منهي عنها في الصوم وما تولد من سبب منهي عنه فهو كالمباشرة والدليل عليه أنه إذا جرح إنساناً فمات جعل كأنه باشر قتله ومن أصحابنا من قال: هي على قولين بالغ أو يبالغ أحدهما أنه يبطل صومه لقوله ﷺ لمن قبل وهو صائم: "أرأيت لو تمضمضت" فشبه القبلة بالمضمضة وإذا قبل وأنزل بطل صومه فكذلك إذا تمضمض فنزل الماء إلى جوفه وجب أن يبطل صومه والثاني لا يبطل لأنه وصل إلى جوفه بغير اختياره فلم يبطل صومه كغبار الطريق وغربلة الدقيق وإن أكل أو جامع وهو يظن أن الفجر لم يطلع وكان قد طلع أو يظن أن الشمس قد غربت ولم تكن غربت لزمه القضاء لما روى حنظلة قال: كنا في المدينة في شهر رمضان وفي السماء شيء من السحاب فظننا أن الشمس قد غربت فأفطر بعض الناس فأمر عمر ﵁ من كان أفطر أن يصوم يوماً مكانه ولأنه مفرط لأنه كان يمكنه أن يمسك إلى أن يعلم فلم يعذر. فصل: ومن أفطر في رمضان بغير جماع من غير عذر وجب عليه القضاء لقوله ﷺ : "من استقاء فعليه القضاء١" ولأن الله تعالى أوجب القضاء على المريض والمسافر مع وجود العذر فلأن يجب مع عدم العذر أولى ويجب عليه إمساك بقية النهار لأنه أفطر بغير عذر فلزمه إمساك بقية النهار ولا تجب عليه الكفارة لأن الأصل

стр. 379

عدم الكفارة إلا فيما ورد به الشرع وقد ورد الشرع بإيجاب الكفارة في الجماع وما سواه ليس في معناه لأن الجماع أغلظ ولهذا يجب به الحد في ملك الغير ولا يجب فيما سواه فبقي على الأصل وإن بلغ ذلك السلطان عذره لأنه محرم ليس فيه حد ولا كفارة فثبت فيه التعزيز كالمباشرة فيما دون الفرج من الأجنبية. فصل: وإن أفطر بالجماع من غير عذر وجب عليه القضاء لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ أمر الذي واقع أهله في رمضان بقضائه ولأنه إذا وجب فالقضاء على المريض والمسافر وهما معذوران فعلى المجامع أولى ويجب عليه إمساك بقية النهار لأنه أفطر بغير عذر وفي الكفارة ثلاثة أقوال: أحدها يجب على الرجل دون المرأة لأنه حق مال يختص بالجماع فاختص به الرجل دون المرأة كالمهر والثاني يجب على كل واحد منهما كفارة لأنه عقوبة تتعلق بالجماع فاستوى فيها الرجل والمرأة كحد الزنا والثالث يجب عليه عنه وعنها كفارة لأن الأعرابي سأل النبي ﷺ عن فعل مشترك بينه وبينها فأوجب عتق رقبة فدل على أن ذلك عنه وعنها. فصل: والكفارة عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً والدليل عليه ما روى أبو هريرة ﵁ "أن النبي ﷺ أمر الذي وقع على امرأته في يوم من شهر رمضان أن يعتق رقبة قال لا أجد قال: صم شهرين متتابعين قال: لا أستطيع قال: اطعم ستين مسكيناً قال: لا أجد فأتى النبي ﷺ بعرق من تمر فيه خمسة عشر صاعاً قال: خذه وتصدق به قال: على أفقر من أهلي؟ والله ما بين لابتي المدينة أحوج من أهلي فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه قال: خذه واستغفر الله تعالى وأطعم أهلك١" فإن قلنا يجب على كل واحد منهما كفارة اعتبر حال كل واحد منهما بنفسه فمن كان من أهل العتق أعتق ومن كان من أهل الصوم صام ومن كان من أهل الإطعام أطعم كرجلين أفطرا بالجماع فإن قلنا يجب عليه كفارة عنه وعنها اعتبر حالهما فإن كانا من أهل العتق أعتق وإن كانا من أهل الإطعام أطعم وإن كانا من أهل الصيام وجب على كل واحد منهما صوم شهرين متتابعين لأن الصوم لا يتحمل وإن اختلف حالهما نظرت فإن كان الرجل من أهل العتق وهي من أهل الصوم

стр. 380

أعتق رقبة ويجزئ عنهما لأن من فرضه الصوم إذا أعتق أجزأه وكان ذلك أفضل من الصوم وإن كان من أهل الصوم وهي من أهل الإطعام لزمه أن يصوم شهرين ويطعم عنها ستين مسكيناً لأن النيابة تصح في الإطعام وإنما أوجبنا كفارتين لأن الكفارة لا تتبعض فوجب تكميل نصف كل واحدة منهما وإن كان الرجل من أهل الصوم وهي من أهل العتق صام عن نفسه شهرين وأعتق عنها رقبة وإن كان من أهل الإطعام وهي من أهل الصوم أطعم عن نفسه ولم يصم عنها لأن الصوم لا تدخله النيابة وإن كانت المرأة أمة وقلنا إن الأمة لا تملك المال فهي من أهل الصوم ولا يجزئ عنها عتق فإن قلنا إنها تملك المال أجزأ عنها العتق كالحرة والمعسرة وإن قدم الرجل من السفر وهو مفطر وهي صائمة فقالت أنا مفطرة فوطئها فإن قلنا إن الكفارة عليه لم يلزمه ولم يلزمها وإن قلنا إن الكفارة عنه وعنها وجب عليها الكفارة في مالها لأنها غرته بقولها إني مفطرة وإن أخبرته بصومها فوطئها وهي مطاوعة فإن قلنا إن الكفارة عنه دونها لم يجب عليه شيء وإن قلنا إن الكفارة عنه وعنها لزمه أن يكفر عنها إن كانت من أهل العتق أو الإطعام وإن كانت من أهل الصيام لزمها أن تصوم وإن وطئ المجنون زوجته وهي صائمة مختارة فإن قلنا إن الكفارة عنه دونها لم تجب وإن قلنا تجب عنه وعنها فهل يتحمل الزوج؟ فيه وجهان: قال أبو العباس لا يتحمل لا فعل له وقال أبو إسحاق يتحمل لأنها وجبت بوطئه والوطء كالجناية وجناية المجنون مضمونة في ماله وإن كان الزوج نائماً فاستدخلت المرأة ذكره فإن قلنا الكفارة عنه دونها فلا شيء عليه وإن قلنا عنهما لم يلزمه كفارة لأنه لم يفطر ويجب عليها أن تكفر ولا يتحمل الزوج لأنه لم يكن من جهته فعل وإن زنى بها في رمضان فإن قلنا إن الكفارة عنه دونها وجبت عليه كفارة وإن قلنا عنه وعنها وجب عليهما كفارتان ولا يتحمل الرجل كفارتهما لأن الكفارة إنما تتحمل بالملك ولا ملك ههنا. فصل: وإن جامع في يومين أو في أيام لكل يوم كفارة لأن صوم كل يوم عبادة منفردة فلم تتداخل كفاراتها كالعمرتين وإن جامع في يوم مرتين لم يلزمه للثاني كفارة لأن الجماع الثاني لم يصادف صوماً وإن رأى هلال رمضان ورد الحاكم شهادته

стр. 381

فصام وجامع وجبت عليه الكفارة لأنه أفطر في شهر رمضان بالجماع من غير عذر فأشبه إذا قبل الحاكم شهادته وإن طلع الفجر وهو مجامع فاستدام مع العلم بالفجر وجبت عليه الكفارة لأنه منع صحة يوم من رمضان بجماع من غير عذر فوجبت عليه الكفارة كما لو وطئ في أثناء النهار وإن جامع وعنده أن الفجر لم يطلع وكان قد طلع أو أن الشمس قد غربت ولم تكن غربت لم تجب الكفارة لأنه جامع وهو معتقد أنه يحل له ذلك وكفارة الصوم عقوبة تجب مع المأثم فلا تجب مع اعتقاد الإباحة كالحد وإن أكل ناسياً فظن أنه أفطر بذلك ثم جامع عامداً فالمنصوص في الصيام أنه لا تجب الكفارة لأنه وطئ وهو معتقد أنه غير صائم فأشبه إذا وطئ وعنده أنه ليل ثم بان أنه كان نهاراً وقال شيخنا القاضي أبو الطيب الطبري: يحتمل عندي أن تجب الكفارة لأن الذي ظنه لا يبيح الوطء بخلاف ما لو جامع وهو يظن أن الشمس قد غربت لأن الذي ظن هناك يبيح له الوطء وإن أفطر بالجماع وهو مريض أو مسافر لم تجب الكفارة لأنه يحل له الفطر فلا تجب الكفارة مع إباحة الفطر وإن أصبح المقيم صائماً ثم سافر وجامع وجبت عليه الكفارة لأن السفر لا يبيح له الفطر في هذا اليوم فكان وجوده كعدمه وإن أصبح صائماً ثم مرض وجامع لم تجب الكفارة لأن المرض يبيح له الفطر في هذا اليوم وإن جامع ثم سافر لم تسقط عنه الكفارة لأن السفر لا يبيح له الفطر في يومه فلا يسقط ما وجب فيه من الكفارة وإن جامع ثم مرض أو جن ففيه قولان: أحدهما أنه لا تسقط عنه الكفارة لأنه معنى طرأ بعد وجوب الكفارة فلا يسقط الكفارة السفر والثاني يسقط لأن اليوم يرتبط بعضه ببعض فإذا خرج جزؤه عن أن يكون صائماً فيه أو عن أن يكون الصوم فيه مستحقاً خرج أوله عن أن يكون صوماً أو مستحقاً فيكون جماعه في يوم فطر أو في يوم صوم غير مستحق فلا تجب به الكفارة. فصل: ووطء المرأة في الدبر واللواط كالوطء في الفرج في جميع ما ذكرناه من إفساد الصوم ووجوب الكفارة والقضاء لأن الجميع وطء ولأن الجميع في إيجاب الحد واحد فكذلك في إفساد الصوم وإيجاب الكفارة كالجماع في الفرج وإن قلنا يجب فيه التعزير لم يفسد الصوم ولم تجب به الكفارة لأنه كالوطء فيما دون الفرج في التعزير فكان مثله في إفساد الصوم وإيجاب الكفارة ومن أصحابنا من قال يفسد الصوم ويوجب الكفارة قولاً واحداً لأنه وطء يوجب الغسل فجاز أن يتعلق به إفساد الصوم وإيجاب الكفارة كوطء المرأة. فصل: ومن وطئ وطأ يوجب الكفارة ولم يقدر على الكفارة فيه قولان: أحدهما

стр. 382

لا يجب لقوله ﷺ للأعرابي: "خذه واستغفر الله وأطعم أهلك" ولنه حق مالي يجب لله تعالى لا على وجه البدل فلم يجب مع العجز كزكاة الفطر والثاني أنها تثبت في الذمة فإذا قدر لزمه أداؤها وهو الصحيح لأنه حق لله تعالى يجب بسبب من جهته فلم يسقط بالعجز كجزاء الصيد. فصل: إذا نوى الصوم من الليل ثم أغمي عليه جميع النهار لم يصح صومه وعليه القضاء وقال المزني: يصح صومه كما لو نوى الصوم ثم نام جميع النهار والدليل على أن الصوم لا يصح أن الصوم نية وترك ثم لو انفرد الترك عن النية لم يصح فإذا انفردت النية عن الترك لم يصح وأما النوم فإن أبا سعيد الاصطخري قال: إذا نام جميع النهار لم يصح صومه كما لا يصح إذا أغمي عليه جميع النهار والمذهب أنه يصح صومه إذا نام والفرق بينه وبين الإغماء أن النائم ثابت العقل لأنه إذا نبه انتبه والمغمى عليه بخلافه ولأن النائم كالمستيقظ ولهذا ولايته ثابتة على ماله بخلاف المغمى عليه وإن نوى الصوم ثم أغمي عليه في بعض النهار فقد قال في كتاب الظهار ومختصر البويطي: إذا كان في أوله مفيقاً صح صومه وقال في كتاب الصوم: إذا أفاق في بعضه أجزأه وقال في اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى: إذا كانت صائمة فأغمي عليها أو حاضت بطل صومها وخرج أبو العباس قولاً آخر أنه إن كان مفيقاً في طرفي النهار صح صومه فمن أصحابنا من قال المسألة على قول واحد أنه يعتبر أن يكون مفيقاً في أول النهار وتأول ما سواه من الأقوال على هذا ومن أصحابنا من قال فيه أربعة أقوال: أحدها إنه يعتبر الإفاقة في أوله كالنية تعتبر في أوله والثاني تعتبر الإفاقة في طرفيه كما أن في الصلاة يعتبر القصد في الطرفين في الدخول والخروج ولا يعتبر فيما بينهما والثالث أنه تعتبر الإفاقة في جميعه فإذا أغمي عليه في بعضه لم يصح صومه لأنه معنى إذا طرأ أسقط فرض الصلاة فأبطل الصوم كالحيض والرابع أنه تعتبر الإفاقة في جزء منه ولا أعرف له وجهاً وإن نوى الصوم ثم جن ففيه قولان: قال في الجديد يبطل الصوم لأنه عارض يسقط فرض الصلاة فأبطل الصوم كالحيض وقال في القديم هو كالإغماء لأنه يزيل العقل والولاية فهو كالإغماء. فصل: ويجوز للصائم أن ينزل إلى الماء ويغطس فيه لما روى أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: حدثني من رأى النبي ﷺ في يوم صائف يصب الماء على رأسه من شدة الحر والعطش وهو صائم ويجوز أن يكتحل لما روي عن أنس

стр. 383

رضي الله عنه أنه كان يكتحل وهو صائم ولأن العين ليس بمنفذ فلم يبطل الصوم بما وصل إليها ويجوز أن يحتجب لما روى ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم قال في الأم: ولو ترك كان أحب إلي لما روى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: إنما نهى رسول الله ﷺ عن الحجامة والوصال في الصوم إيقاء على أصحابه قال: وأكره له العلك لأنه يجفف الفم ويعطش ولا يفطر لأنه يدور في الفم ولا ينزل إلى الجوف منه شيء وإن تفرك وتفتت فوصل إلى الجوف منه شيء بطل الصوم ويكره له أن يمضغ الخبز فإن كان له ولد صغير ولم يكن له من يمضغ له غيره لم يكره له ذلك ومن حركت القبلة شهوته كره له أن يقبل وهو صائم والكراهة كراهية تحريم وإن لم تكن تحرك القبلة شهوته قال الشافعي ﵀: فلا بأس به وتركها أولى والأصل في ذلك ما روت عائشة ﵂: قالت: كان رسول ﷺ يقبل ويباشر وهو صائم ولكنه كان أملككم لإربه وعن ابن عباس ﵁ أنه أرخص فيها للشيخ وكرهها للشاب ولأن في حق أحدهما لا يؤمن أن ينزل فيفسد الصوم وفي الآخر يؤمن ففرق بينهما. فصل: وينبغي للصائم أن ينزه صومه عن الغيبة والشتم فإن شوتم فليقل إني صائم لما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان أحدكم صائماً فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم١".

стр. 384

فصل: ويكره الوصال في الصوم لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إياكم والوصال إياكم والوصال" قالوا: إنك تواصل يا رسول الله قال: "إني لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني١" وهل هو كراهية تنزيه أو تحريم؟ فيه وجهان: أحدهما أنه كراهة تحريم لأن النهي يقتضي التحريم والثاني أنه كراهية تنزيه لأنه إنما نهي عنه حتى لا يضعف عن الصوم وذلك أمر غير متحقق فلم يتعلق به إثم فإن واصل لم يبطل صومه لأن النهي لا يرجع إلى الصوم فلا يوجب بطلانه. فصل: والمستحب أن يتسحر للصوم لما روى أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "تسحروا فإن بالسحور بركة٢" ولأن فيه معونة على الصوم ويستحب تأخير السحور لما روي أنه قيل لعائشة ﵂ أن عبد الله يعجل الفطر وتؤخر السحور فقالت: هكذا كان رسول الله ﷺ يفعل ولأن السحور يراد ليتقوى به على الصوم فكان التأخير أبلغ في ذلك وأولى ويستحب أن يعجل الفطر إذا يتحقق غروب الشمس لحديث عائشة ﵂ الله عنها ولما روى أبو هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "لا يزال هذا الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر٣" لأن اليهود والنصارى يؤخرون والمستحب أن يفطر على تمر فإن لم يجد فعلى الماء روى سلمان بن عامر قال: قال

стр. 385

رسول الله ﷺ : "إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه طهور١" والمستحب أن يقول عند إفطاره: اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت لما روى أبو هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا صام أو أفطر قال: "أللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت٢" ويستحب أن يفطر الصائم لما روى زيد بن خالد الجهني أن النبي ﷺ قال: "من فطر صائماً فله مثل أجره ولا ينقص من أجر الصائم شيء٣". فصل: إذا كان عليه قضاء أيام من رمضان ولم يكن له عذر لم يجز له أن يؤخر إلى أن يدخل رمضان آخر فإن أخره حتى أدركه رمضان آخر وجب عليه لكل يوم مد من طعام لما روي عن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة ﵃ أنهم قالوا فيمن عليه صوم فلم يصمه حتى أدركه رمضان يطعم عن الأول فإن أخر سنين ففيه وجهان: أحدهما يجب لكل سنة مد لأنه تأخير سنة فأشبه السنة الأولى والثاني لا يجب للثانية شيء لأن القضاء القضاء مؤقت فيما بين رمضانين فإذا أخر عن السنة الأولى فقد أخره عن وقته فوجبت الكفارة وهذا المعنى لا يوجد فيما بعد السنة الأولى فلم يجب للتأخير كفارة والمستحب أن يقضي ما عليه متتابعاً لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "من كان عليه صوم من رمضان فليسرده ولا يقطعه" ولأن فيه مبادرة إلى أداء الفرض ولأن هذا أشبه بالأداء فإن قضاه متفرقاً جاز لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] ولم يفرق ولأنه تتابع وجب لأجل الوقت فسقط بفوات الوقت فإن كان عليه قضاء اليوم الأول فصام ونوى به اليوم الثاني فإنه محتمل أن يجزئه لأن تعيين اليوم غير واجب ويحتمل أن لا يجزئه لأنه نوى غير ما عليه فلم يجزه كما لو كان عليه عتق عن اليمين فنوى العتق عن الظهار. فصل: إذا كان عليه قضاء شيء من رمضان فلم يصم حتى مات نظرت فإما أخره لعذر اتصل حتى مات لم يجب عليه شيء لأنه فرض لم يتمكن منه إلى الموت فسقط حكمه كالحج وإن زال العذر وتمكن فلم يصم شيء حتى مات أطعم عنه لكل مسكين مد من طعام ومن أصحابنا من قال: فيه قول آخر أنه يصام عنه لما روت عائشة ﵂

стр. 386

أن النبي ﷺ قال: "من مات وعليه صوم رمضان صام عنه وليه١" ولأنها عبادة لا يدخلها النيابة في حال الحياة فلا يدخلها النيابة بعد الموت كالصلاة فإن قلنا إنه يصام عنه فصام عنه وليه أجزأه وإن أمر أجنبياً فصام عنه بأجرة أو بغير أجرة أجزأه كالحج وإن قلنا يطعم عنه نظرت فإن مات قبل أن يدركه رمضان آخر أطعم عنه عن كل يوم مسكين وإن مات بعد أن أدركه رمضان آخر ففيه وجهان: أحدهما يلزمه مدان مد للصوم ومد للتأخير والثاني أنه يكفيه مد واحد للتأخير لأنه إذا أخرج مداً للتأخير زال التفريط بالمد فيصير كما لو أخره من غير تفريط فلا تلزمه كفارة.

стр. 387

باب صوم التطوع والأيام التي نهى عن الصيام فيها يستحب لمن صام رمضان أن يتبعه بست من شوال لما روى أبو أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام من رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله٢" ويستحب لغير الحاج يوم عرفة لما روى أبو عقادة قال قال رسول الله ﷺ : "صوم يوم عاشوراء كفارة سنة وصوم يوم عرفة كفارة سنتين سنة قبلها ماضية وسنة بعدها مستقبلة٣" ولا يستحب ذلك للحاج لما روت أم الفضل بنت الحارث أن ناساً اختلفوا عندها في يوم عرفة في رسول الله ﷺ فقال بعضهم هو صائم وقال بعضهم ليس بصائم فأرسلت إليه بقدح من لبن وهو واقف على بعيره بعرفة فشرب منه ولأن الدعاء في هذا اليوم يعظم ثوابه والصوم يضعفه فكان الإفطار أفضل ويستحب صوم يوم عاشوراء لحديث أبي قتادة ويستحب أن يصوم تاسوعاء لما روى ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لئن بقيت إلى قابل - يعني يوم عاشوراء - لأصومن اليوم التاسع٤" ويستحب صيام أيام البيض وهي ثلاثة أيام: لما روى أبو هريرة

стр. 388

رضي الله عنه قال أوصاني خليلي ﷺ بصيام ثلاثة أيام من كل شهر ويستحب صوم يوم الاثنين ويوم الخميس لما روى أسامة بن زيد ﵁ أن النبي ﷺ كان يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس فسئل عن ذلك فقال: إن أعمال الناس تعرض يوم الاثنين ويوم الخميس. فصل: ولا يكره صوم الدهر إذا أفطر في أيام النهي ولم يترك فيه حقاً ولم يخف ضرراً لما روت أم كلثوم ﵂ مولاة أسماء قالت: قيل لعائشة ﵂ تصومين الدهر وقد نهى رسول الله ﷺ عن صيام الدهر قالت: نعم وقد سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن صيام الدهر ولكن من أفطر يوم النحر ويوم الفطر فلم يصم الدهر وسئل عبد الله بن عمر ﵄ عن صيام الدهر فقال: أولئك فينا من السابقين يعني من صام الدهر وإن خاف ضرراً أو تضييع حق كره لما روي أن رسول الله ﷺ آخى بين سلمان وبين أبي الدرداء فجاء سلمان يزور أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة فقال: ما شأنك؟ فقالت: إن أخاك ليس له حاجة في شيء من الدنيا فقال سلمان: يا أباالدرداء إن لربك عليك حقاً وإن لأهلك عليك حقاً ولجسدك عليك حقاً فصم وأفطر وقم ونم وائت أهلك وأعط كل ذي حق حقه فذكر أبو الدرداء لرسول الله ما قال سلمان فقال النبي ﷺ مثل ما قال سلمان ولا يجوز للمرأة أن تصوم التطوع وزوجها حاضر إلا بإذنه لما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تصومن المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه١" ولأن حق الزوج فرض فلا يجوز تركه لنفل. فصل: ومن دخل في صوم تطوع أو صلاة تطوع استحب له إتمامها فإن خرج

стр. 389

منها جاز لما روت عائشة ﵂ قالت: "دخل علي رسول الله ﷺ فقال هل عندك شيء فقلت لا فقال: إني اذاً أصوم ثم دخل علي يوماً آخر فقال: هل عندك شيء؟ فقلت: نعم فقال: إذاً أفطر وإن كنت قد فرضت الصوم". فصل: ولا يجوز صوم يوم الشك لما روى عمار ﵁ أنه قال: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ فإن صام يوم الشك عن رمضان لم يصح لقوله ﷺ : "ولا تستقبلوا الشهر استقبالاً" ولأنه يدخل في العبادة وهو يشك في وقتها فلم يصح كما لو دخل في الظهر وهو يشك في وقتها وإن صام فيه عن فرض عليه كره وأجزأه كما لو صلى في دار مغصوبة وإن صام عن تطوع نظرت فإن لم يصله بما قبله ولا وافق عادة له لم يصح لأن التطوع مجرد قربة فلا يحصل بفعل معصية وإن وافق عادة له جاز لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين إلا أن يوافق صوماً كان يصومه أحدكم١" فإن وصله بما قبل النصف جاز وإن وصله بما بعده لم يجز لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا انتصف شعبان فلا صيام حتى يكون رمضان٢". فصل: ويكره أن يصوم يوم الجمعة وحده فإن وصله بيوم قبله أو بيوم بعده لم يكره لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده " ٣. فصل: ولا يجوز صوم يوم الفطر ويوم النحر فإن صام فيه لم يصح لما روى عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام هذين اليومين أما يوم الأضحى فتأكلون فيه من لحم نسككم وأما يوم الفطر ففطركم من صيامكم. فصل: ولا يجوز أن يصوم في أيام التشريق صوماً غير صوم التمتع فإن صام لم

стр. 390

يصح لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن صيام ستة أيام يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق واليوم الذي يشك فيه من رمضان وهل يجوز فيها صوم التمتع؟ فيه قولان: قال في القديم يجوز لما روي عن ابن عمر وعائشة ﵄: أنهما قالا: لم يرخص في صوم أيام التشريق إلا لمتمتع لم يجد الهدي وقال في الجديد لا يجوز لأن كل يوم لا يجوز فيه صوم غير التمتع لا يجوز فيه صوم التمتع كيوم العيد. فصل: ولا يجوز أن يصوم في رمضان عن غير رمضان حاضراً كان أو مسافراً فإن صام عن غيره لم يصح صومه عن رمضان لأنه لم ينوه ولا يصح عما نواه لأن الزمان مستحق لصوم رمضان فلا يصح فيه غيره. فصل: ويستحب طلب ليلة القدر لما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه١" ويطلب ذلك في ليالي الوتر من العشر الأواخر من شهر رمضان لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "التمسوها في العشر الأواخر من شهر رمضان في كل وتر"٢ وقال الشافعي ﵀: والذي يشبه أن تكون ليلة إحدى وعشرين أو ليلة ثلاث وعشرين والدليل عليه ما روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "رأيت
следующие страницы →