أن النبي ﷺ قال: "من مات وعليه صوم رمضان صام عنه وليه١" ولأنها عبادة لا يدخلها النيابة في حال الحياة فلا يدخلها النيابة بعد الموت كالصلاة فإن قلنا إنه يصام عنه فصام عنه وليه أجزأه وإن أمر أجنبياً فصام عنه بأجرة أو بغير أجرة أجزأه كالحج وإن قلنا يطعم عنه نظرت فإن مات قبل أن يدركه رمضان آخر أطعم عنه عن كل يوم مسكين وإن مات بعد أن أدركه رمضان آخر ففيه وجهان: أحدهما يلزمه مدان مد للصوم ومد للتأخير والثاني أنه يكفيه مد واحد للتأخير لأنه إذا أخرج مداً للتأخير زال التفريط بالمد فيصير كما لو أخره من غير تفريط فلا تلزمه كفارة.
стр. 387
باب صوم التطوع والأيام التي نهى عن الصيام فيها
يستحب لمن صام رمضان أن يتبعه بست من شوال لما روى أبو أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام من رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله٢" ويستحب لغير الحاج يوم عرفة لما روى أبو عقادة قال قال رسول الله ﷺ : "صوم يوم عاشوراء كفارة سنة وصوم يوم عرفة كفارة سنتين سنة قبلها ماضية وسنة بعدها مستقبلة٣" ولا يستحب ذلك للحاج لما روت أم الفضل بنت الحارث أن ناساً اختلفوا عندها في يوم عرفة في رسول الله ﷺ فقال بعضهم هو صائم وقال بعضهم ليس بصائم فأرسلت إليه بقدح من لبن وهو واقف على بعيره بعرفة فشرب منه ولأن الدعاء في هذا اليوم يعظم ثوابه والصوم يضعفه فكان الإفطار أفضل ويستحب صوم يوم عاشوراء لحديث أبي قتادة ويستحب أن يصوم تاسوعاء لما روى ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لئن بقيت إلى قابل - يعني يوم عاشوراء - لأصومن اليوم التاسع٤" ويستحب صيام أيام البيض وهي ثلاثة أيام: لما روى أبو هريرة
стр. 388
رضي الله عنه قال أوصاني خليلي ﷺ بصيام ثلاثة أيام من كل شهر ويستحب صوم يوم الاثنين ويوم الخميس لما روى أسامة بن زيد ﵁ أن النبي ﷺ كان يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس فسئل عن ذلك فقال: إن أعمال الناس تعرض يوم الاثنين ويوم الخميس.
فصل: ولا يكره صوم الدهر إذا أفطر في أيام النهي ولم يترك فيه حقاً ولم يخف ضرراً لما روت أم كلثوم ﵂ مولاة أسماء قالت: قيل لعائشة ﵂ تصومين الدهر وقد نهى رسول الله ﷺ عن صيام الدهر قالت: نعم وقد سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن صيام الدهر ولكن من أفطر يوم النحر ويوم الفطر فلم يصم الدهر وسئل عبد الله بن عمر ﵄ عن صيام الدهر فقال: أولئك فينا من السابقين يعني من صام الدهر وإن خاف ضرراً أو تضييع حق كره لما روي أن رسول الله ﷺ آخى بين سلمان وبين أبي الدرداء فجاء سلمان يزور أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة فقال: ما شأنك؟ فقالت: إن أخاك ليس له حاجة في شيء من الدنيا فقال سلمان: يا أباالدرداء إن لربك عليك حقاً وإن لأهلك عليك حقاً ولجسدك عليك حقاً فصم وأفطر وقم ونم وائت أهلك وأعط كل ذي حق حقه فذكر أبو الدرداء لرسول الله ما قال سلمان فقال النبي ﷺ مثل ما قال سلمان ولا يجوز للمرأة أن تصوم التطوع وزوجها حاضر إلا بإذنه لما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تصومن المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه١" ولأن حق الزوج فرض فلا يجوز تركه لنفل.
فصل: ومن دخل في صوم تطوع أو صلاة تطوع استحب له إتمامها فإن خرج
стр. 389
منها جاز لما روت عائشة ﵂ قالت: "دخل علي رسول الله ﷺ فقال هل عندك شيء فقلت لا فقال: إني اذاً أصوم ثم دخل علي يوماً آخر فقال: هل عندك شيء؟ فقلت: نعم فقال: إذاً أفطر وإن كنت قد فرضت الصوم".
فصل: ولا يجوز صوم يوم الشك لما روى عمار ﵁ أنه قال: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ فإن صام يوم الشك عن رمضان لم يصح لقوله ﷺ : "ولا تستقبلوا الشهر استقبالاً" ولأنه يدخل في العبادة وهو يشك في وقتها فلم يصح كما لو دخل في الظهر وهو يشك في وقتها وإن صام فيه عن فرض عليه كره وأجزأه كما لو صلى في دار مغصوبة وإن صام عن تطوع نظرت فإن لم يصله بما قبله ولا وافق عادة له لم يصح لأن التطوع مجرد قربة فلا يحصل بفعل معصية وإن وافق عادة له جاز لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين إلا أن يوافق صوماً كان يصومه أحدكم١" فإن وصله بما قبل النصف جاز وإن وصله بما بعده لم يجز لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا انتصف شعبان فلا صيام حتى يكون رمضان٢".
فصل: ويكره أن يصوم يوم الجمعة وحده فإن وصله بيوم قبله أو بيوم بعده لم يكره لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده " ٣.
فصل: ولا يجوز صوم يوم الفطر ويوم النحر فإن صام فيه لم يصح لما روى عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام هذين اليومين أما يوم الأضحى فتأكلون فيه من لحم نسككم وأما يوم الفطر ففطركم من صيامكم.
فصل: ولا يجوز أن يصوم في أيام التشريق صوماً غير صوم التمتع فإن صام لم
стр. 390
يصح لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن صيام ستة أيام يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق واليوم الذي يشك فيه من رمضان وهل يجوز فيها صوم التمتع؟ فيه قولان: قال في القديم يجوز لما روي عن ابن عمر وعائشة ﵄: أنهما قالا: لم يرخص في صوم أيام التشريق إلا لمتمتع لم يجد الهدي وقال في الجديد لا يجوز لأن كل يوم لا يجوز فيه صوم غير التمتع لا يجوز فيه صوم التمتع كيوم العيد.
فصل: ولا يجوز أن يصوم في رمضان عن غير رمضان حاضراً كان أو مسافراً فإن صام عن غيره لم يصح صومه عن رمضان لأنه لم ينوه ولا يصح عما نواه لأن الزمان مستحق لصوم رمضان فلا يصح فيه غيره.
فصل: ويستحب طلب ليلة القدر لما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه١" ويطلب ذلك في ليالي الوتر من العشر الأواخر من شهر رمضان لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "التمسوها في العشر الأواخر من شهر رمضان في كل وتر"٢ وقال الشافعي ﵀: والذي يشبه أن تكون ليلة إحدى وعشرين أو ليلة ثلاث وعشرين والدليل عليه ما روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "رأيت
стр. 391
هذه الليلة ثم أنسيتها ورأيتني في صبيحتها في ماء وطين١" قال أبو سعيد: وانصرف علينا وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين في صبيحة يوم إحدى وعشرين وروى عبد الله بن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أريت ليلة القدر ثم أنسيتها ورأيتني أسجد في ماء وطين" فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين" فصلى رسول الله ﷺ وإن أثر الماء والطين على جبهته قال الشافعي ﵀: ولا أحب ترك طلبها فيها كلها قال أصحابنا: إذا قال لامرأته أنت طالق ليلة القدر فإن كان ذلك في رمضان قبل مضي ليلة من ليالي العشر حكم بالطلاق في الليلة الأخيرة من الشهر وإن كان قد مضت ليلة وقع الطلاق في السنة الثانية في مثل تلك الليلة التي قال فيها ذلك والمستحب أن يقول فيها: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني لما روت عائشة ﵂ قالت يا رسول الله أرأيت إن وافقت ليلة القدر ماذا أقول؟ قال: "تقولين اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني٢"
стр. 392
كتاب الاعتكاف
الاعتكاف سنة حسنة لما روى أبي بن كعب وعائشة ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان وفي حديث عائشة ﵂ فلم يزل يعتكف حتى مات ويجب بالنذر لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله تعالى فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه١".
فصل: ولا يصح إلا من مسلم عاقل فأما الكافر فلا يصح منه لأنه من فروع الإيمان ولا يصح من الكافر كالصوم وأما من زال عقله كالمجنون والمترسم فلا يصح منه لأنه ليس من أهل العبادات فلم يصح منه الاعتكاف كالكافر.
فصل: ولا يجوز للمرأة أن تعتكف بغير إذن الزوج لأن إستمتاعها ملك له فلا يجوز إبطاله عليه بغير إذنه ولا يجوز للعبد أن يعتكف بغير إذن مولاه لأن منفعته لمولاه فلا يجوز إبطالها عليه بغير إذن فإن نذرت المرأة الاعتكاف بإذن الزوج أو نذر العبد بإذن مولاه نظرت فإن كان غير متعلق بزمان يعينه لم يجز أن يدخل فيه بغير إذنه لأن الاعتكاف ليس على الفور وحق الزوج والمولى على الفور فقدم على الاعتكاف وإن كان النذر متعلقاً بزمان يعينه جاز أن يدخل فيه بغير إذنه لأنه تعين عليه فعله بإذنه وإن اعتكفت المرأة بإذن الزوج أو العبد بإذن مولاه نظرت فإن كان في تطوع جاز له أن يخرجه منه لأنه لا يلزمه بالدخول فجاز إخراجه منه وإن كان في فرض متعلق بزمان يعينه لم يجز له إخراجه منه لأنه تعين عليه فعله في وقته فلا يجوز إخراجه منه وإن كان في فرض غير متعلق بزمان يعينه ففيه وجهان: أحدهما لا يجوز إخراجه منه لأنه وجب بإذنه ودخل فيه بإذنه فلم يجز إخراجه منه والثاني أنه إن كان متتابعاً لم يجز إخراجه منه لأنه لا يجوز له الخروج منه فلا يجوز إخراجه منه كالمنذور في زمان بعينه وإن كان غير متتابع جاز إخراجه منه لأنه يجوز له الخروج منه فجاز إخراجه منه كالتطوع.
فصل: وأما المكاتب فإنه يجوز له أن يعتكف بغير إذن مولاه لأنه لا حق للمولى في منفعته فجاز أن يعتكف بغير إذنه كالحر ومن نصفه حر ونصفه عبد ينظر فيه فإن
стр. 393
لم يكن وبين المولى مهايأة فهو كالعبد وإن كان بينهما مهايأة ففي اليوم الذي هو للمولى كالعبد لا يعتكف لأن حق السيد متعلق بمنفعته وفي اليوم الذي هو له كالمكاتب لأن حق المولى لا يتعلق بمنفعته.
فصل: ولا يصح الاعتكاف من الرجل إلا في المسجد لقوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧] فدل على أنه لا يكون إلا في المسجد ولا يصح الاعتكاف من المرأة إلا في المسجد لأن من صح اعتكافه في المسجد لم يصح اعتكافه في غير المسجد كالرجل.
فصل: والأفضل أن يعتكف في المسجد الجامع لأن رسول الله ﷺ اعتكف في المسجد الجامع ولأن الجماعة في صلاته أكثر ولأنه يخرج من الخلاف فإن الزهري قال: لا يجوز في غيره وإن نذر أن يعتكف في مسجد غير المساجد الثلاثة بعينه - وهي المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى - جاز أن يعتكف في غيره - لأنه لا مزية لبعضها على بعض فلم يتعين وإن نذر أن يعتكف في المسجد الحرام لزمه أن يعتكف فيه لما روي أن عمر ﵁ قال: قلت لرسول الله ﷺ إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال له النبي ﷺ : "أوف بنذرك" ولأنه أفضل من سائر المساجد ولا يجوز أن يسقط فرضه بما دونه وإن نذر أن يعتكف في مسجد المدينة أو المسجد الأقصى ففيه قولان: أحدهما أنه يلزمه أن يعتكف فيه لأنه مسجد ورد الشرع بشد الرحال إليه فتعين بالنذر كالمسجد الحرام والثاني لا يتعين لأنه مسجد لا يجب قصده بالشرع فلم يتعين بالنذر كسائر المساجد.
فصل: والأفضل أن يعتكف بصوم لأن النبي ﷺ كان يعتكف في شهر رمضان فإن اعتكف بغير صوم جاز لحديث عمر ﵁ إني نذرت أن أعتكف ليلة في الجاهلية فقال له النبي ﷺ : "أوف بنذرك" ولو كان الصوم شرطاً فيه لم يجزه بالليل وحده فإن نذر أن يعتكف يوماً بصوم فاعتكف بغير صوم ففيه وجهان: قال أبو علي الطبري يجزيه الاعتكاف عن النذر وعليه أن يصوم يوماً لأنهما عبادتان تنفرد كل واحدة منهما عن الأخرى فلم يلزمه الجمع بينهما بالنذر كالصوم والصلاة وقال عامة أصحابنا لا يجزئه - وهو المنصوص في الأم - لأن الصوم صفة مقصودة في الاعتكاف فلزمه بالنذر كالتتابع ويخالف الصوم والصلاة لأن إحداهما ليست بصفة مقصودة في الأخرى
فصل: ويجوز الاعتكاف في جميع الأزمان والأفضل أن يعتكف في العشر
стр. 394
الأواخر من شهر رمضان لحديث أبي بن كعب وعائشة ﵄ ويجوز أن يعتكف ما شاء من ساعة ويوم وشهر كما يجوز أن يتصدق بما شاء من قليل وكثير وإن نذر اعتكافاً مطلقاً أجزأه ما يقع عليه الاسم كما يجزئه في نذر الصوم والصدقة ما يقع عليه الاسم قال الشافعي ﵀: وأحب أن يعتكف يوماً وإنما استحب ذلك ليخرج من الخلاف فإن أبا حنيفة ﵀ لا يجيز أقل من يوم وإن نذر اعتكاف العشر الآخر دخل فيه ليلة الحادي والعشرين قبل غروب الشمس ليستوفي الفرض بيقين كما يغسل جزءاً من رأسه ليستوفي غسل الوجه بيقين وخرج منه بهلال شوال - تاماً كان الشهر أو ناقصاً - لأن العشر عبارة عما بين العشرين إلى آخر الشهر وإن نذر اعتكاف عشرة أيام من آخره وكان الشهر ناقصاً اعتكف بعد الشهر يوماً آخر لتمام العشرة لأن العشرة عبارة عن عشرة آحاد بخلاف العشر.
فصل: وإن نذر أن يعتكف شهراً نظرت فإن كان شهراً بعينه لزمه اعتكافه ليلاً ونهاراً سواء الشهر تاماً أو ناقصاً لأن الشهر عبارة عما بين الهلالين تم أو نقص وإن نذر اعتكاف نهار الشهر لزمه بالنهار دون الليل لأنه خص النهار فلم يلزمه بالليل فإن فاته الشهر ولم يعتكف فيه لزمه قضاؤه ويجوز أن يقضيه متتابعاً ومتفرقاً لأن التتابع في أدائه بحكم الوقت فإذا فات سقط كالتتابع في صوم رمضان وإن نذر أن يعتكف متتابعاً لزمه قضاؤه متتابعاً لأن التتابع ههنا بحكم النذر فلم يسقط بفوات الوقت قال في الأم: إذا نذر اعتكاف شهر وكان قد مضى الشهر لم يلزمه لأن الاعتكاف في شهر ماض محال وإن نذر اعتكاف شهر غير معين واعتكف شهراً بالأهلة أجزأه تم الشهر أو نقص لأن اسم الشهر يقع عليه وإن اعتكف شهراً بالعدد لزمه ثلاثون يوماً لأن الشهر بالعدد ثلاثون يوماً ثم ينظر فيه فإن شرط التتابع لزمه متتابعاً لقوله ﷺ "من نذر نذراً سماه لزمه الوفاء به" وإن شرط أن يكون متفرقاً جاز أن يكون متفرقاً ومتتابعاً لأن المتتابع أفضل من المتفرق فجاز أن يسقط أدنى الفرضين بأفضلهما كما لو نذر أن يعتكف في غير المسجد الحرام فإن له أن يعتكف في المسجد الحرام وإن أطلق النذر جاز متفرقاً ومتتابعاً كما لو نذر صوم شهر وإن نذر اعتكاف يوم لزمه أن يدخل فيه قبل طلوع الفجر ويخرج منه بعد غروب الشمس ليستوفي الفرض بيقين وهل يجوز له أن يفرقه في ساعات أيام؟ فيه وجهان: أحدهما يجوز كما يجوز أن يعتكف شهراً من شهور والثاني لا يجوز لأن اليوم عبارة عما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
стр. 395
فصل: وإن نذر اعتكاف يومين لزمه اعتكافهما وفي الليلة التي بينهما ثلاثة أوجه: أحدها أن يلزمه اعتكافها لأنه ليل يتخلل نهاري الاعتكاف فلزمه اعتكافه كاليالي العشر والثاني أنه إن شرط التتابع لزمه الاعتكاف لأنه لا ينفك منه اليومان فلزمه اعتكافه وإن لم يشرط التتابع لم يلزمه اعتكافه لأنه قد ينفك منه اليومان ولا يلزمه اعتكافه والثالث أنه لا يلزمه - شرط التتابع فيه أو أطلق - وهو الأظهر لأنه زمان لم يتناوله نذره فلم يلزمه اعتكافه دليله ما قبله وما بعده - وإن نذر اعتكاف ليلتين لزمه اعتكافهما وفي اليوم الذي بينهما الأوجه الثلاثة وإن نذر اعتكاف ثلاثين يوماً لزمه اعتكاف ثلاثين يوماً وفي لياليها الأوجه الثلاثة.
فصل: ولا يصح الاعتكاف إلا بالنية لقوله ﷺ "إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى" ولأنها عبادة محضة فلم تصح من غير نية كالصوم والصلاة فإن كان الاعتكاف فرضاً لزمه تعيين النية للفرض لتمييزه عن التطوع وإن دخل في الاعتكاف ثم نوى الخروج منه ففيه وجهان: أحدهما يبطل لأنه قطع شرط صحته فأشبه إذا قطع نية الصلاة والثاني لا يبطل لأنه قربة تتعلق بمكان فلم يخرج منه بنية الخروج كالحج.
فصل: ولا يجوز للمعتكف أن يخرج من المسجد لغير عذر لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يدني إلي رأسه لأرجله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان فإن خرج من غير عذر بطل اعتكافه لأن الاعتكاف هو اللبث في المسجد فإذا خرج منه فقد فعل ما ينافيه من غير عذر فبطل كما لو أكل في الصوم ويجوز أن يخرج رأسه ورجله ولا يبطل اعتكافه لحديث عائشة ﵂ ولأن بإخراج الرأس والرجل لا يصير خارجاً ولهذا لو حلف لا خرجت من الدار فأخرج رأسه أو رجله لم يحنث.
فصل: ويجوز أن يخرج لحاجة الإنسان ولا يبطل اعتكافه لحديث عائشة ﵂ ولأن ذلك خروج لما لابد له منه فلم يمنع منه وإن كان للمسجد سقاية لم يلزمه قضاء الحاجة فيها لأن ذلك نقصان مروءة وعليه في ذلك مشقة فلم يلزمه وإن كان بقربه
стр. 396
بيت صديق له لم يلزمه قضاء الحاجة فيه لأنه ربما احتشم وشق عليه فلم يكلف ذلك وإن كان له بيتان قريب وبعيد ففيه وجهان: أظهرهما أنه لا يجوز أن يمضي إلى البعيد فإن خرج إليه بطل اعتكافه لأنه لا حاجة له إليه فأشبه إذا خرج لغير حاجة وقال أبو علي بن أبي هريرة: يجوز أن يمضي إلى الأبعد ولا يبطل اعتكافه لأنه خروج لحاجة الإنسان فأشبه إذا لم يكن له غيره.
فصل: ويجوز أن يمضي إلى البيت للأكل ولا يبطل اعتكافه وقال أبو العباس لا يجوز فإن خرج بطل اعتكافه لأنه يمكنه أن يأكل في المسجد فلا حاجة به إلى الخروج والمنصوص هو الأول لأن الأكل في المسجد ينقص من المروءة فلم يلزمه.
فصل: وفي الخروج إلى المنارة الخارجة عند رحبة المسجد ليؤذن ثلاثة أوجه: أحدها يجوز فإن خرج لم يبطل اعتكافه لأنها بنيت للمسجد فصارت كالمنارة التي في رحبة المسجد والثاني لا يجوز لأنها خارجة من المسجد فأشبه غير المنارة وقال أبو إسحاق المروزي: إن كان المؤذن ممن قد ألف الناس صوته جاز أن يخرج ولا يبطل اعتكافه لأن الحاجة تدعو إليه لإعلام الناس بالوقت وإن لم يألفوا صوته لم يجز أن يخرج فإن خرج بطل اعتكافه لأنه لا حاجة به إليه.
فصل: وإن عرضت صلاة الجنازة نظرت فإن كان في اعتكاف تطوع فالأفضل أن يخرج لأن صلاة الجنازة فرض على الكفاية فقدمت على الاعتكاف وإن كان في اعتكاف فرض لم يخرج لأنه تعين عليه فرضه فلا يجوز تركه لصلاة الجنازة التي لم يتعين عليه فرضها فإن خرج اعتكافه لأنه غير مضطر إلى الخروج فإن غيره يقوم مقامه فيه.
فصل: ويجوز أن يخرج في اعتكاف التطوع لعيادة المريض لأنها تطوع والاعتكاف تطوع فخير بينهما فإن اختار الخروج بطل اعتكافه لأنه خروج غير مضطر إليه وإن خرج لما يجوز الخروج له من حاجة الإنسان والأكل فسأل عن المريض في الطريق ولم يعرج عليه جاز ولم يبطل اعتكافه وإن وقف بطل اعتكافه لما روي عن عائشة ﵂ أنها كانت إذا اعتكفت لا تسأل عن المريض إلا وهي تمشي ولا تقف ولأنه لم يترك الاعتكاف بالمسألة فلم يبطل اعتكافه وبالوقوف يترك الاعتكاف فبطل.
стр. 397
فصل: وإن حضرت الجمعة وهو من أهل الفرض والاعتكاف في غير الجامع لزمه أن يخرج إليها لأن الجمعة فرض بالشرع فلا يجوز تركها بالاعتكاف وهل يبطل اعتكافه بذلك بذلك أم لا؟ فيه قولان: قال في البويطي: لا يبطل لأنه خروج لا بد له منه فلم يبطل الاعتكاف كالخروج لقضاء حاجة الإنسان وقال في عامة كتبه يبطل اعتكافه لأنه كان يمكنه الاحتراز من الخروج بأن يعتكف في الجامع فإن لم يفعل بطل اعتكافه كما لو دخل صوم الشهرين المتتابعين في شعبان فخرج منه بصوم رمضان فإن تعين عليه أداء شهادة لزمه الخروج لأدائها لأنه تعين لحق آدمي فقدم على الاعتكاف وهل يبطل اعتكافه بذلك؟ ينظر فيه فإن كان قد تعين عليه تحملها لم يبطل لأنه مضطر إلى الخروج وإلى تسببه وإن لم يتعين عليه تحملها فقد روى المزني ﵁ أنه قال يبطل الاعتكاف وقال في المعتكفة إذا طلقت تخرج وتعتد ولا يبطل اعتكافها فنقل أبو العباس جواب كل واحدة من المسألتين إلى الأخرى وجعلهما على قولين: أحدهما يبطل فيهما لأن التسبب حصل باختياره والثاني لا يبطل لأنه مضطر إلى الخروج وحمل أبو إسحاق المسألتين على ظاهرهما فقال في الشهادة يبطل وفي العدة لا يبطل لأن المرأة لا تتزوج لتطلق فتعتد والشاهد إنما يتحمل ليؤدي ولأن المرأة محتاجة إلى التسبب وهو النكاح للنفقة والعفة والشاهد غير محتاج إلى التحمل.
فصل: ومن مرض مرضاً لا يؤمن معه تلويث المسجد كإطلاق الجوف وسلس البول خرج كما يخرج لحاجة الإنسان وإن كان مرضاً يسيراً يمكن معه المقام في المسجد من غير مشقة لم يخرج فإن خرج بطل اعتكافه وإن كان مرضاً حتى يحتاج فيه إلى الفراش ويشق معه المقام في المسجد ففيه قولان: بناء على القولين في المريض إذا أفطر في صوم الشهرين المتتابعين وإن أغمي عليه فأخرج من المسجد لم يبطل اعتكافه قولاً واحداً لأنه لم يخرج باختياره.
فصل: قال في الأم: وإن سكر فسد اعتكافه ثم قال: وإن ارتد ثم أسلم بنى على اعتكافه واختلف أصحابنا فيه على ثلاث طرق: فمنهم من قال لا يبطل فيهما قولاً واحداً لأنهما لم يخرجا من المسجد وتأول قوله في السكران إذا سكر فأخرج لأنه لا يجوز إقراره في المسجد أو أخرج ليقام عليه الحد ومنهم من قال يبطل فيهما لأن السكران خرج عن أن يكون من أهل المقام في المسجد والمرتد خرج عن أن يكون من أهل العبادات وتأول قوله في المرتد إذا ارتد في اعتكاف غير متتابع أنه يرجع ويتم ما بقي.
стр. 398
ومنهم من حمل المسألتين على ظاهرهما فقال في السكران يبطل لأنه ليس من أهل المقام في المسجد لأنه لا يجوز إقراره فيه فصار كما لو خرج من المسجد والمرتد من أهل المقام لأنه يجوز لإقراره فيه.
فصل: وإن حاضت المعتكفة خرجت من المسجد لأنه لا يمكنها المقام في المسجد وهل يبطل اعتكافها؟ ينظر فيه فإن كان الاعتكاف في مدة لا يمكن حفظها من الحيض لم يبطل وإذا طهرت بنت عليه كما لو حاضت في صوم شهرين متتابعين وإن كان في مدة يمكن حفظها من الحيض بطل كما لو حاضت في صوم ثلاثة أيام متتابعة.
فصل: وإن أحرم المعتكف بالحج فإن أمكنه أن يتم الاعتكاف ثم يخرج لم يجز أن يخرج فإن خرج بطل اعتكافه لأنه غير محتاج إلى الخروج وإن خاف فوت الحج خرج إلى الحج لأن الحج يجب بالشرع فلا يتركه بالاعتكاف فإذا خرج بطل اعتكافه لأن الخروج حصل باختياره لأنه كان يسعه أن يؤخره.
فصل: وإن خرج من المسجد ناسياً لم يبطل اعتكافه لقوله ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه١" ولأنه لو أكل في الصوم ناسياً لم يبطل فكذلك إذا خرج من الاعتكاف ناسياً لم يبطل وإن أخرج مكرهاً محمولاً لم يبطل اعتكافه للخبر ولأنه لو أوجر الصائم في فيه طعاماً لم يبطل صومه فكذلك هذا وإن أكره حتى خرج بنفسه ففيه قولان كالصائم إذا أكره حتى أكل بنفسه وإن أخرجه السلطان لإقامة الحد عليه فإن كان قد ثبت الحد بإقراره بطل اعتكافه لأنه خرج باختياره وإن ثبت بالبينة ففيه وجهان: أحدهما يبطل لأنه اختار سببه وهو الشرب والسرقة والثاني لا يبطل لأنه لم يشرب ولم يسرق ليخرج ويقام عليه الحد.
فصل: وإن خاف من ظالم فخرج واستتر لم يبطل اعتكافه لأنه مضطر إلى الخروج بسبب هو معذور فيه فلم يبطل اعتكافه.
فصل: وإن خرج لعذر ثم زال العذر وتمكن من العود فلم يعد بطل اعتكافه لأنه ترك الاعتكاف من غير عذر فأشبه إذا خرج من غير عذر.
فصل: ولا يجوز للمعتكف المباشرة بشهوة لقوله ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ
стр. 399
عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧] فإن جامع في الفرج ذاكراً للاعتكاف عالماً بالتحريم فسد اعتكافه لأنه أحد ما ينافي الاعتكاف فأشبه الخروج من المسجد وإن باشر فيما دون الفرج بشهوة أو قبل بشهوة ففيه قولان: قال في الإملاء يبطل وهو الصحيح لأنها مباشرة محرمة في الاعتكاف فبطل بها كالجماع وقال في الأم لا يبطل لأنها مباشرة لا تبطل الحج فلم تبطل الاعتكاف كالقبلة بغير شهوة وقال أبو إسحاق لو قال قائل إنه لو أنزل بطل وإن لم ينزل لم تبطل كالقبلة في الصوم كان مذهباً وهذا قول لم يذهب إليه أحد من أصحابنا ويخالف الصوم فإن القبلة فيه لا تحرم على الإطلاق فلم تبطل على الإطلاق والقبلة في الاعتكاف محرمة على الإطلاق فأبطلته على الإطلاق.
فصل: ويجوز أن يباشر من غير شهوة ولا يبطل اعتكافه لحديث عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ كان يدني إلي رأسه لأرجله فإن باشر ناسياً لم يبطل اعتكافه لقوله ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه١" ولأن كل عبادة أبطلتها مباشرة العامد لم تبطلها مباشرة الناسي كالصوم وإن باشر وهو جاهل بالتحريم لم يبطل لأن الجاهل كالناسي وقد بينا ذلك في الصلاة والصوم.
فصل: ويجوز للمعتكف أن يلبس ما يلبسه في غير الاعتكاف لأن النبي ﷺ اعتكف ولم ينقل أنه غير شيئاً من ملابسه ولو فعل لنقل ويجوز أن يتطيب لأنه لو حرم التطيب عليه لحرم ترجيل الشعر كالأحرام وقد روت عائشة ﵂ أنها كانت ترجل شعر رسول الله ﷺ في الاعتكاف فدل على أنه لا يحرم عليه التطيب ويجوز أن يتزوج ويزوج لأنها عبادة لا تحرم الطيب فلا تحرم النكاح كالصوم ويجوز أن يقرأ القرآن ويقرئ غيره ويدرس العلم ويدرس غيره لأن ذلك كله زيادة خير لا يترك به شرط من شروط الاعتكاف ويجوز أن يأمر بالأمر الخفيف في ماله وضيعته ويبيع ويبتاع لكنه لا يكثر منه لأن المسجد ينزه عن أن يتخذ موضعاً للبيع والشراء فإن أكثر من ذلك كره لأجل المسجد ولم يبطل به الاعتكاف وقال في القديم: إن فعل ذلك والاعتكاف منذور رأيت أن يستقبله ووجهه أن الاعتكاف هو حبس النفس على الله فإذا أكثر من البيع والشراء صار قعوده في المسجد للبيع والشراء لا للاعتكاف والصحيح أنه لا يبطل والأول مرجوع عنه لأن ما لا يبطل قليله الاعتكاف لم يبطل كثيره كالقراءة والذكر.
стр. 400
فصل: ويجوز أن يأكل في المسجد لأنه عمل قليل لا بد منه ويجوز أن يضع فيه المائدة لأن ذلك أنظف للمسجد ويغسل فيه اليد وإن غسل في الطست فهو أحسن.
فصل: إذا فعل في الاعتكاف ما يبطله من خروج أو مباشرة أو مقام في البيت بعد زوال العذر نظرت فإن كان ذلك في تطوع لم يبطل ما مضى من الاعتكاف لأن ذلك القدر لو أفرده واقتصر عليه أجزأه ولا يجب عليه إتمامه لأنه لا يجب عليه المضي في فاسدة فلا يلزمه بالشروع كالصوم وإن كان اعتكافه منذوراً نظرت فإن لم يشرط فيه التتابع لم يبطل ما مضى من اعتكافه لما ذكرناه في التطوع ويلزمه أن يتمم لأن الجميع قد وجب عليه وقد فعل البعض فوجب الباقي وإن كان قد شرط التتابع بطل التتابع ويجب عليه أن يستأنف ليأتي به على الصفة التي وجبت عليه والله أعلم.
стр. 401
كتاب الحج
مدخل
...
كتاب الحج
الحج ركن من أركان الإسلام وفرض من فروضه لما روى ابن عمر ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان" وفي العمرة قولان: قال في الجديد: هي فرض لما روت عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله أعلى النساء جهاد؟ قال: جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة وقال في القديم: ليست بفرض لما روى جابر أن النبي ﷺ سئل عن العمرة أهي واجبة قال: لا وأن تعتمر خير لك والصحيح هو الأول لأن هذا الحديث يرفعه ابن لهيعة وهو ضعيف ففيما ينفرد به ولا يجب في العمر أكثر من حجة وعمرة بالشرع لما روى ابن عباس ﵄ أن الأقرع بن حابس سأل رسول الله ﷺ قال: الحج كل عام قال: "لا بل حجة واحدة" وروى سراقة بن مالك قال: قلت يا رسول الله أعمرتنا هذه لعامنا أم للأبد؟ قال: بل للأبد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ومن حج واعتمر حجة الإسلام وغمرته ثم أراد دخول مكة لحاجة نظرت فإن كان لقتال أو دخلها خائفاً من ظالم يطلبه ولا يمكنه أن يظهر لأداء النسك جاز أن يدخل بغير إحرام لأن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح بغير إحرام لأنه كان لا يأمن أن يقاتل ويمنع النسك وإن كان دخوله لتجارة أو زيارة ففيه قولان: أشهرهما أنه لا يجوز أن يدخل إلا بحج أو عمرة لما روى ابن عباس ﵄ قال: لا يدخل أحدكم مكة إلا محرماً ورخص للحطابين والثاني أنه يجوز لحديث الأقرع بن حابس وسراقة بن مالك وإن كان دخوله لحاجة تتكرر كالحطابين والصيادين
стр. 402
جاز بغير نسك لحديث ابن عباس ولأن في إيجاب الإحرام على هؤلاء مشقة فإن دخل بتجارة وقلنا إنه يجب عليه الإحرام فدخل بغير إحرام لم يلزمه القضاء لأنا لو ألزمناه القضاء لزمه لدخوله للقضاء قضاء ولا يتناهى قال أبو العباس بن القاص: فإن دخل بغير إحرام ثم صار حطاباً أو صياداً لزمه القضاء لأنه لا يلزمه للقضاء قضاء.
فصل: ولا يجب الحج والعمرة إلا على مسلم عاقل بالغ حر مستطيع فأما الكافر فإن كان أصلياً لم يصح منه لأن ذلك من فروع الإيمان فلم يصح من الكافر ولا يخاطب به في حال الكفر لأنه لا يصح منه وإن أسلم لم يخاطب بما فاته في حال الكفر لقوله ﷺ "الإسلام يجب ما قبله١" ولأنه لم يلتزم وجوبه فلم يلزمه ضمائنه كحقوق الآدميين وإن كان مرتداً لم يصح منه لما ذكرناه ويجب عليه لأنه التزم وجوبه فلم يسقط عنه بالردة كحقوق الآدميين وأما المجنون فلا يصح منه لأنه ليس من أهل العبادات فلم يصح حجه ولا يجب عليه لقوله ﷺ "رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق" وأما الصبي فلا يجب عليه للخبر ويصح منه لما روى ابن عباس أن امرأة رفعت صبياً لها من محفتها فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر فإن كان مميزاً فأحرم بإذن الولي صح إحرامه وإن أحرم بغير إذنه ففيه وجهان: قال أبو إسحاق: يصح كما يصح إحرامه في الصلاة وقال أكثر أصحابنا لا يصح لأنه يفتقر في أدائه إلى المال فلا يصح من غير إذن الولي بخلاف الصلاة وإن كان غير مميز جاز لأمه أن تحرم عنه لحديث ابن عباس ويجوز لأبيه قياساً على الأم ولا يجوز للأخ والعم أن يحرما عنه لأنه لا ولاية لهما على الصغير فإن عقد له الإحرام فعل بنفسه ما يقدر عليه ويفعل عنه وليه ما لا يقدر عليه لما روى جابر قال: حججنا مع رسول الله ﷺ ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم وعن ابن عمر ﵄ قال: كنا نحج بصبياننا فمن استطاع منهم رمى ومن لم يستطع رمي عنه وفي نفقة الحج وما يلزمه من الكفارة قولان: أحدهما يجب في مال الولي لأنه هو الذي أدخله فيه والثاني يجب في مال الصبي لأنه وجب لمصلحته فكان
стр. 403
في ماله كأجرة المعلم وأما العبد فلا يجب عليه الحج لأن منافعه مستحقة لمولاه وفي إيجاب الحج عليه إضرار بالمولى ويصح منه لأنه من أهل العبادة فصح منه الحج كالحر فإن أحرم بإذن السيد وفعل ما يوجب الكفارة فإن ملكه السيد مالاً وقلنا إنه يملك لزمه الهدي وإن قلنا لا يملك أو لم يملكه السيد وجب عليه الصوم ويجوز للسيد أن يمنعه من الصوم لأنه لم يأذن في سببه وإن أذن في التمتع أو القران وقلنا أنه لا يملك المال صام وليس للمولى منعه من الصوم لأنه وجب بإذنه فإن قلنا إنه يملك ففي الهدى قولان: أحدهما يجب في مال السيدة لأنه أذن في سببه والثاني لا يجب لأن أذنه رضا بوجوبه على عبده لا في ماله ولأن بوجوب التمتع في حق العبد هو الصوم لأنه لا يقدر على الهدي فلا يجب عليه الهدى فإن حج الصبي ثم بلغ أو حج العبد ثم أعتق لم يجزه ذلك عن حجة الإسلام لما روى ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى" وإن بلغ الصبي أو أعتق العبد في الإحرام نظرت فإن كان قبل الوقوف بعرفة أو في حال الوقوف بعرفة أجزأه عن حجة الإسلام لأنه أتى بأفعال النسك في حال الكمال فأجزأه وإن كان ذلك بعد فوات الوقوف لم يجزه وإن كان بعد الوقوف وقبل فوات وقته ولم يرجع إلى الموقف فقد قال أبو عباس: يجزئه لأن إدراك وقت العبادة في حال الكمال كفعلها في حال الكمال والدليل عليه أنه لو أحرم كمل جعل كأنه بدأ بالإحرام حال الكمال ولو صلى في أول الوقت ثم بلغ في آخر الوقت جعل كأنه صلى في حال بلوغه والمذهب أنه لا يجزيه لأنه لم يدرك الوقوف في حال الكمال فأشبهه إذا كمل في يوم النحر ويخالف الإحرام لأن هناك أدرك الكمال والإحرام
стр. 404
قائم فوازنه من مسألتنا أن يدرك الكمال وهو واقف بعرفة فيجزئه وههنا أدرك الكمال وقد انقضى الوقوف فلم يجزه كما لو أدرك الكمال بعد التحلل عن الإحرام ويخالف الصلاة فإن الصلاة تجزئه بإدراك الكمال بعد الفراغ منها ولو فرغ من الحج ثم أدرك الكمال لم يجزه.
فصل: فأما غير المستطيع فلا يجب عليه لقوله ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٧] فدل على أنه لا يجب على غير المستطيع والمستطيع اثنان: مستطيع بنفسه ومستطيع بغيره والمستطيع بنفسه ينظر فيه فإن كان من مكة على مسافة تقصر فيها الصلاة فهو أن يكون صحيحاً واجداً للزاد والماء بثمن المثل في المواضع التي جرت العادة أن يكون فيها في ذهابه ورجوعه واجداً لراحلة تصلح لمثله بثمن المثل أو بأجرة المثل وأن يكون الطريق آمنا من غير خفارة وأن يكون عليه من الوقت ما يتمكن فيه من السير والأداء فأما إذا كان مريضاً تلحقه مشقة غير معتادة لم يلزمه لما روى أبو أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من لم يمنعه من الحج مرض حابس أو سلطان جائر فمات فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً١".
فصل: فإن لم يجد الزاد لم يلزمه لما روى ابن عمر ﵄ قال: قام رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ما يوجب الحج فقال: الزاد والراحلة فإن لم يجد الماء لم يلزمه لأن الحاجة إلى الماء أشد من الحاجة إلى الزاد فإذا لم يجب على من لم يجد الزاد فلأن لا يجد على من لم يجد الماء أولى وإن وجد الزاد والماء بأكثر من ثمن المثل لم يلزمه لأنه لو لزم ذلك لم يأمن أنه لا يباع منه ذلك إلا بما يذهب به جميع ماله في إيجاب ذلك إضرار فلم يلزمه وإن لم يجد راحلة لم يلزمه لحديث ابن عمر وإن وجد راحلة لا تصلح لمثله بأن يكون ممن لا يمكنه الثبوت على القتب والزاملة لم يلزمه
стр. 405
حتى يجد عمارية أو هودجاً وإن بذل له رجل راحلة من غير عرض لم يلزمه قبولها لأن عليه في قبول ذلك منة وفي تحمل المنة مشقة فلا يلزمه وإن وجد بأكثر من ثمن المثل ولو بأكثر من أجرة المثل لم يلزمه لما ذكرناه في الزاد وإن وجد الزاد والراحلة لذهابه ولم يجد لرجوعه نظرت فإن كان له أهل في بلده لم يلزمه وإن لم يكن له أهل ففيه وجهان: أحدهما يلزمه لأن البلاد كلها في حقه واحدة والثاني لا يلزمه لأنه يستوحش بالانقطاع عن الوطن والمقام في الغربة لم يلزمه وإن وجد ما يشتري به الزاد والراحلة وهو محتاج إليه لدين عليه لم يلزمه حالاً كان الدين أو مؤجلاً لأن الدين الحال على الفور والحج على التراخي فقدم عليه والمؤجل يحل عليه فإذا صرف ما معه في الحج لم يجد ما يقضي به الدين وإن كان محتاجاً إليه لنفقة من تلزمه نفقة لم يلزمه الحج لأن النفقة على الفور والحج على التراخي وإن احتاج إليه لمسكن لا بد له من مثله أو خادم يحتاج إلى خدمته لم يلزمه وإن احتاج إلى النكاح وهو يخاف العنت قدم النكاح لأن الحاجة إلى ذلك الفور والحج ليس على الفور وإن احتاج إليه في بضاعة يتجر فيهل ليحصل منها على ما يحتاج إليه للنفقة ففيه وجهان: قال أبو العباس بن سريج لا يلزمه الحج أنه محتاج إليه فهو كالمسكن والخادم ومن أصحابنا من قال يلزمه لأنه واجد للزاد والراحلة وإن لم يجد الزاد والراحلة وهو قادر على المشي وله صنعة يكتسب بها ما يكفيه لنفقته استحب له أن يحج لأنه يقدر على إسقاط الفرض بمشقة لا يكره تحملها فاستحب له إسقاط الفرض كالمسافر إذا قدر على الصوم في السفر وإن لم يكن له صنعة ويحتاج إلى مسألة الناس كره له أن يحج لأن المسألة مكروهة ولأن في المسألة تحمل مشقة شديدة فكره وإن كان الطريق غير آمن لم يلزمه لحديث أبي أمامة ولأن في إيجاب الحج مع الخوف تغريراً بالنفس والمال وإن كان الطريق آمناً إلا أنه يحتاج فيه إلى خفارة لم يلزمه لأن ما يؤخذ في الخفارة بمنزلة ما زاد على ثمن المثل وأجرة المثل
стр. 406
في الزاد والراحلة فلا يلزمه ولأنه رشوة على واجب فلا يلزمه وإن لم يكن له طريق إلا في البحر فقد قال في الأم: لا يجب عليه وقال في الإملاء: إن كان أكثر معاشه في البحر لزمه فمن أصحابنا من قال فيه قولان: أحدهما يجب لأنه طريق مسلوك فأشبه البر والثاني لا يجب لأن فيه تغريراً بالنفس والمال فلا يجب كالطريق المخوف ومنهم من قال إن كان الغالب منه السلامة لزمه وإن كان الغالب منه الهلاك لم يلزمه كطريق البر ومنهم من قال إن كان عادة بركوبه لزمه وإن لم يكن له عادة بركوبه لم يلزمه لأن من له عادة لا يشق عليه ومن لا عادة له يشق عليه وإن كان أعمى لم يجب عليه إلا أن يكون معه قائد فإن الأعمى من غير قائد كالزمن ومع القائد كالبصير وإن كانت امرأة لم يلزمها إلا أن تأمن على نفسها بزوج أو محرم أو نساء ثقات قال في الإملاء أو امرأة واحدة وروى الكرابيسي عنه إذا كان الطريق آمناً جاز من غير نساء وهو الصحيح لما روى عدي بن حاتم أن النبي ﷺ قال: حتى لتوشك الظعينة أن تخرج منها بغير جوار حتى تطوف بالكعبة قال عدي: فلقد رأيت الظعينة تخرج من الحيرة حتى تطوف بالكعبة بغير جوار ولأنها تصير مستطيعة بما ذكرناه ولا تصير مستطيعة بغيره فإن لم يبق من الوقت ما يتمكن فيه من السير لأداء الحج لم يلزمه لأنه إذا ضاق الوقت لم يقدر على الحج فلا يلزمه فرضه.
فصل: وإن كان من مكة على مسافة لا تقصر فيها الصلاة لم يجد راحلة نظرت فإن كان قادراً على المشي وجب عليه لأنه يمكنه الحج من غير مشقة شديدة وإن كان زمناً على المشي ويقدر على الحبو لم يلزمه لأن المشقة في الحبو في المسافة القريبة أكثر من المشقة في المسافة البعيدة في السير.
стр. 407
فصل: وإن كان من أهل لمكة وقدر على المشي إلى مواضع النسك من غير خوف وجب عليه لأنه بصير مستطيعاً بذلك.
فصل: ومن قدر على الحج راكباً أو ماشياً فالأفضل أن يحج راكباً لأن النبي ﷺ حج راكباً ولأن الركوب أعون على المناسك.
فصل: والمستطيع بغيره اثنان: أحدهما من لا يقدر على الحج بنفسه لزمانه أو كبر وله مال يدفع إلى من يحج عنه فيجب عليه فرض الحج لأنه يقدر على أداء الحج بغيره كما يقدر على أدائه بنفسه فيلزمه فرض الحج والثاني من لا يقدر على الحج بنفسه وليس له مال ولكن له ولد يطيعه إذا أمره بالحج فينظر فيه فإن كان الولد مستطيعاً بالزاد والراحلة وجب على الأب الحج ويلزمه أن يأمر الولد بأدائه عنه لأنه قادر على أداء الحج بولده كما يقدر على أدائه بنفسه وإن لم يكن للولد مال ففيه وجهان: أحدهما يلزمه لأنه قادر على تحصيل الحج بطاعته والثاني لا يلزمه لأن الصحيح لا يلزمه فرض الحج من غير زاد ولا راحلة فالمغصوب أولى أن لا يلزمه وإن كان الذي يطيعه غير الولد ففيه وجهان: أحدهما أن الحاكم ينوب عنه في الإذان كما ينوب عنه إذا امتنع من إخراج الزكاة والثاني لا ينوب عنه كما إذا كان له مال ولم يجهز من يحج عنه ينب الحاكم عنه في تجهيز من يحج عنه وإن بذل له الطاعة ثم رجع الباذل ففيه وجهان: أحدهما أنه لا يجوز لأنه لما لم يجز للمبذول له أن يرد لم يجز للباذل أن يرجع والثاني أنه يجوز وهو الصحيح لأنه متبرع بالبذل فلا يلزمه الوفاء بما بذل وأما إذا بذل له مالاً يدفعه إلى من يحج عنه ففيه وجهان: أحدهما أنه يلزمه قبوله كما يلزمه قبول الطاعة والثاني لا يلزمه وهو الصحيح لأنه إيجاب كسب لإيجاب الحج فلم يلزمه كالكسب بالتجارة.
فصل: والمستحب لمن وجب عليه الحج بنفسه أو بغيره أن يقدمه لقوله تعالى:
стр. 408
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨] ولأنه إذا أخره عرضه للفوات ولحوادث الزمان ويجوز أن يؤخره من سنة إلى سنة لأن فريضة الحج نزلت سنة ست فأخر النبي ﷺ إلى سنة عشر من غير عذر فلو لم يجز التأخير لما أخره.
فصل: ومن وجب عليه الحج فلم يحج حتى مات نظرت فإن مات قبل أن يتمكن من الأداء سقط فرضه ولم يجب القضاء وقال أبو يحيى البلخي: يجب القضاء وأخرج إليه أبو إسحاق نص الشافعي ﵀ فرجع عنه والدليل على أنه يسقط أنه هلك ما تعلق به الفرض قبل التمكن من الأداء فسقط الفرض كما لو هلك النصاب قبل أن يتمكن من إخراج الزكاة وإن مات بعد التمكن من الأداء لم يسقط الفرض ويجب قضاؤه من تركته لما روى بريدة قال: أتت النبي ﷺ امرأة فقالت يا رسول الله إن أمي ماتت ولم تحج قال: حجي عن أمك ولأنه حق تدخله النيابة لزمه في حال الحياة فلم يسقط بالموت كدين الآدمي ويجب قضاؤه عنه من الميقات لأن الحج يجب من الميقات ويجب من رأس المال لأنه دين واجب فكان من رأس المال كدين الآدمي وإن اجتمع الحج ودين الآدمي والتركة لا تتسع لهما ففيه الأقوال الثلاثة التي ذكرناها في آخر الزكاة.
فصل: وتجوز النيابة في حج الفرض في موضعين: أحدهما في حق الميت إذا مات وعليه حج والدليل عليه حديث بريدة والثاني في حق من لا يقدر على الثبوت على الراحلة إلا بمشقة غير معتادة كالزمن والشيخ الكبير والدليل عليه ما روى ابن عباس ﵄ أن امرأة من خثعم أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم قالت: أينفعه ذلك؟ قال نعم كما لو كان على أبيك دين فقضيته نفعه ولأنه أيس من الحج بنفسه فتاب عنه غيره كالميت وفي حج التطوع قولان: أحدهما لا يجوز لأنه غير مضطر إلى الاستنابة فيه فلم تجز الاستنابة فيه كالصحيح والثاني أنه يجوز وهو الصحيح لأن كل عبادة جازت النيابة في فرضها جازت النيابة في نفلها كالصدقة فإن استأجر من يتطوع عنه وقلنا لا يجوز فإن الحج للحاج وهل يستحق الأجرة؟ فيه قولان: أحدهما أنه لا يستحق لأن الحج قد انعقد له فلا يستحق الأجرة كالصرورة والثاني أنه يستحق لأنه لم يحصل له بهذا الحج منفعة لأنه لم يسقط به عنه فرض ولا حصل له به ثواب بخلاف الصرورة فإن هناك قد سقط عنه الفرض فأما الصحيح الذي يقدر على الثبوت على الراحلة فلا يجوز النيابة عنه في الحج لأن الفرض عليه في بدنه فلا ينتقل الفرض إلى غيره إلا في الموضع الذي وردت فيه الرخصة وهو إذا أيس وبقي فيما سواه
стр. 409
على الأصل فلا تجوز النيابة عنه فيه وأما المريض فينظر فيه فإن كان غير مأيوس منه لم يجز أن يحج عنه غيره لأنه لم ييأس من فعله بنفسه فلا تجوز النيابة عنه فيه كالصحيح فإن خالف أو حج عن نفسه ثم مات فهل يجزئه عن حجة الإسلام؟ فيه قولان: أحدهما يجزئه لأنه مات تبينا أنه كان مأيوساً منه والثاني لا يجزئه لأنه حج وهو غير مأيوس منه في الحال فلم يجزه كما لو برأ منه وإن كان مريضاً مأيوساً منه جازت النيابة عنه في الحج لأنه مأيوس منه فأشبه الزمن والشيخ الكبير فإن حج عن نفسه ثم برأ من المرض ففيه طريقان: أحدهما أنه كالمسألة التي قبلها وفيها قولان والثاني أنه يلزمه الإعادة قولاً واحداً لأنا تبينا الخطا في الأياس ويخالف إذا كان غير مأيوس منه فمات لأنا لم نتبين الخطأ لأنه يجوز أنه لم يكن مأيوساً منه ثم زاد المرض فصار مأيوساً منه ولا يجوز أن يكون مأيوساً منه ثم يصير غير مأيوس منه.
فصل: ولا يحج عن الغير من لم يحج عن نفسه لما روى ابن عباس ﵄ قال: سمع رسول الله ﷺ رجلاً يقول لبيك عن شبرمة فقال: "حججت عن نفسك قال: لا قال: فحج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" ولا يجوز أن يعتمر عن غيره من لم يعتمر عن نفسه قياساً على الحج قال الشافعي ﵀: وأكره أن يسمي من لم يحج صرورة لما روى ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا صرورة في الإسلام" ولا يجوز أن يتنفل بالحج والعمرة وعليه فرضهما ولا يحج ويعتمر عن النذر وعليه فرض حجة الإسلام لأن النفل والنذر أضعف من حجة الإسلام فلا يجوز تقديمهما عليها كحج غيره على حجة فإن أحرم من غيره وعليه فرضه انعقد إحرامه لنفسه لما روي في حديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال له: "أحججت عن نفسك؟ قال: لا قال: "فاجعل هذه عن نفسك ثم حج عن شبرمة" فإن أحرم بالنفل وعليه فرضه انعقد إحرامه عن الفرض وإن أحرم عن النذر وعليه فرض الإسلام انعقد إحرامه عن فرض الإسلام قياساً على من أحرم عن غيره وعليه فرضه فإن أمر المعضوب من يحج عنه عن النذر وعليه حجة الإسلام فأحرم عنه انصرف إلى حجة الإسلام لأنه نائب عنه ولو أحرم هو عن النذر انصرف إلى حجة الإسلام فكذلك النائب عنه.
стр. 410
فصل: فإن كان عليه حجة الإسلام وحجة نذر فاستأجر رجلين يحجان عنه في سنة واحدة فقد نص في الأم أنه يجوز وكان أولى لأنه لم يقدم النذر على حجة الإسلام ومن أصحابنا من قال: لا يجوز لأنه يحج بنفسه حجتين في سنة وليس بشيء.
فصل: ولا يجوز الإحرام بالحج إلا في أشهر الحج والدليل عليه قوله ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] والمراد به وقت إحرام الحج لأن الحج لا يحتاج إلى أشهر فدل على أنه أراد به وقت الإحرام ولأن الإحرام نسك من مناسك الحج فكان مؤقتاً كالوقوف والطواف وأشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة وهو إلى أن يطلع الفجر من يوم النحر لما روى عن ابن مسعود وجابر وابن الزبير ﵃ أنهم قالوا: أشهر الحج معلومات شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة فإن أحرم بالحج في غير أشهره انعقد إحرامه بالعمرة لأنها عبادة مؤقتة فإذا عقدها في غير وقتها انعقد غيرها من جنسها كصلاة الظهر إذا أحرم بها قبل الزوال فإنه ينعقد إحرامه بالنفل ولا يصح في سنة واحدة أكثر من حجة لأن الوقت يستغرق أفعال الحجة الواحدة فلا يمكن أداء الحجة الأخرى.
فصل: وأما العمرة فإنها تجوز في أشهر الحج وغيرها لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ اعتمر عمرتين في ذي القعدة وفي شوال وروى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "عمرة في رمضان تعدل حجة١" ولا يكره فعل عمرتين وأكثر في سنة لما ذكرناه من حديث عائشة ﵂.
стр. 411
فصل: ويجوز إفراد الحج عن العمرة والتمتع بالعمرة إلى الحج والقران بينهما لما روت عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ فمنا من أهل بالحج ومنا من أهل بالعمرة ومنا من أهل بالحج والعمرة.
فصل: والإفراد والتمتع من القران وقال المزني القران أفضل والدليل على ما قلناه أن المفرد والمتمتع يأتي بكل واحد من النسكين بكمال أفعاله والقارن يقتصر على عمل الحج وحده فكان الإفراد والتمتع أفضل.
فصل: وفي التمتع والإفراد قولان: أحدهما أن التمتع أفضل لما روى ابن عمر ﵄ قال تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج والثاني أن الإفراد أفضل لما روى جابر قال أهل رسول الله ﷺ بحج ليس معه عمرة ولأن التمتع يتعلق به وجوب دم فكان الإفراد أفضل منه كالقران وأما حديث ابن عمر ﵄ فإنه يحتمل أنه أمر بالتمتع كما روي أنه رجم ماعزاً وأراد أنه يرجمه والدليل عليه أن ابن عمر هو الراوي وقد روي أن النبي ﷺ أفرد بالحج.
فصل: والإفراد أن يحج ثم يعتمر والتمتع أن يعتمر في أشهر الحج ثم يحج من عامه والقران أن يحرم بهما معاً فإن أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحج قبل الطواف جاز ويصير قارناً لما روي أن عائشة ﵂ أحرمت بالعمرة فحاضت فدخل عليها رسول الله ﷺ وهي تبكي فقال لها رسول الله ﷺ : "أهلي بالحج واصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ولا تصلي" وإن أدخل عليها الحج بعد الطواف لم يجز واختلف أصحابنا في علته فمنهم من قال لا يجوز لأنه قد أخذ في التحلل ومنهم قال لا يجوز لأنه قد أتى بمقصود العمرة وإن أحرم بالحج وأدخل عليه بالعمرة ففيه قولان: أحدهما يجوز لأنه أحد النسكين فجاز إدخاله على الآخر كالحج والثاني لا يجوز لأن أفعال العمرة استحقت بإحرام الحج فلا يعد إحرام العمرة شيئاً فإن قلنا إنه يجوز فهل
стр. 412
يجوز بعد الوقوف أن يبني على العلتين في إدخال الحج على العمرة بعد الطواف؟ فإن قلنا لا يجوز إدخال الحج على العمرة بعد الطواف لأنه أخذ في التحلل ههنا بعد الوقوف لأنه لم يأخذ في التحلل وإن قلنا لا يجوز لأنه أتى بالمقصود لم يجز ههنا لأنه قد أتى بمعظم المقصود وهو الوقوف فإن أحرم بالعمرة فأفسدها ثم أدخل عليها الحج ففيه وجهان: أحدهما ينعقد الحج ويكون فاسداً لأنه إدخال حج على عمرة فأشبه إذا كان صحيحاً والثاني لا ينعقد لأنه لا يجوز أن يصح لأنه إدخال حج على إحرام فاسد ولا يجوز أن يفسد لأن إحرامه لم يصادفه الوطء فلا يجوز إفساده.
فصل: ويجب على المتمتع الدم لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦] ولا يجب عليه إلا بخمسة شروط: أحدها أن يعتمر في أشهر الحج فإن اعتمر في غير أشهر الحج لم يلزمه دم لأنه لم يجمع بين النسكين في أشهر الحج فلم يلزمه دم كالمفرد وإن أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج وأتى بأفعالها في أشهر الحج ففيه قولان: قال في القديم والإملاء: يجب عليه دم لأن استدامة الإحرام بمنزلة الابتداء ولو ابتدأ الإحرام بالعمرة في أشهر الحج لزمه الدم فكذلك إذا استدام وقال في الأم: لا يجب عليه الدم لأن الإحرام نسك لا تتم العمرة إلا به أتى به في غير أشهر الحج فلم يلزمه دم التمتع كالطواف والثاني أن يحج من سنته فأما إذا حج في سنة اخرى لم يلزمه الدم لما روى سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب النبي ﷺ يعتمرون في أشهر الحج فإذا لم يحجوا من عامهم ذلك لم يهدوا ولأن الدم إنما يجب بترك الإحرام بالحج من الميقات وهذا لم يترك الإحرام بالحج من الميقات فإنه إن أقام بمكة صارت مكة ميقاته وإن رجع إلى بلده وعاد فقد أحرم من الميقات والثالث أن لا يعود لإحرام إلى الميقات فأما إذا رجع لإحرام الحج إلى الميقات فأحرم لم يلزمه الدم لأن الدم توجب بترك الإحرام من الميقات وهذا لم يترك الميقات فإن أحرم بالحج من جوف مكة ثم رجع إلى الميقات قبل أن يقف ففيه وجهان: أحدهما لا دم عليه لأنه حصل محرماً من الميقات قبل التلبس بنسك فأشبه من جاوز الميقات غير محرم ثم أحرم وعاد إلى الميقات والثاني يلزمه لأنه وجب عليه الدم بالإحرام من مكة فلا يسقط بالعود إلى الميقات كما لو ترك الميقات وأحرم دونه ثم عاد بعد التلبس بالنسك والرابع أن يكون من غير حاضري المسجد الحرام فأما إذا كان من حاضري المسجد الحرام فلا دم عليه لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وحاضر المسجد الحرام أهل الحرم ومن بينه وبينه مسافة لا تقصر فيها الصلاة لأن الحاضر في اللغة هو
стр. 413
القريب ولا يكون قريباً إلا في مسافة لا تقصر فيها الصلاة وفي الخامس وهو نية التمتع وجهان: أحدهما أنه لا يحتاج إليها لأن الدم يتعلق بترك الإحرام بالحج من الميقات وذلك يوجد من غير نية والثاني أنه يحتاج إلى نية التمتع لأنه جمع بين العبادتين في وقت إحداهما فافتقر إلى نية الجمع كالجمع بين الصلاتين فإذا قلنا بهذا ففي وقت النية وجهان: أحدهما أنه يحتاج أن ينوي عند الإحرام بالعمرة والثاني يجوز أن ينوي ما لم يفرغ من العمرة بناء على القولين في وقت نية الجمع بين الصلاتين فإن في ذلك قولين: أحدهما ينوي في ابتداء الأولى منهما والثاني ما لم يفرغ من الأولى.
فصل: ويجب دم التمتع بالإحرام بالحج لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦] ولأن شرائط الدم إنما توجد بوجود الإحرام فوجب أن يتعلق الوجوب به وفي وقت جوازه قولان: أحدهما لا يجوز قبل أن يحرم بالحج لأن الذبح قربة تتعلق بالبدن فلا يجوز قبل وجوبها كالصوم والصلاة والثاني يجوز بعد الفراغ من العمرة لأنه حق مال يجب بشيئين فجاز تقديمه على أحدهما كالزكاة بعد ملك النصاب.
فصل: فإن لم يكن واجداً للهدي في موضعه انتقل إلى الصوم وهو صوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع لقوله تعالى ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة:١٩٦] فأما صوم ثلاثة أيام في الحج فلا يجوز قبل الإحرام بالحج لأنه صوم واجب فلا يجوز قبل وجوبه كصوم رمضان ويجوز بعد الإحرام بالحج إلى يوم النحر والمستحب أن يفرغ منه قبل يوم عرفة فإنه يكره للحاج صوم عرفة وهل يجوز صيامها في أيام التشريق على قولين وقد ذكرناهما في كتاب الصيام وأما صوم السبعة ففيه قولان: قال في حرملة: لا يجوز حتى يرجع إلى أهله لما روى جابر أن النبي ﷺ قال: من كان معه هدي فليهد ومن لم يجد فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله وقال في الإملاء: يصوم إذا أخذ في السير خارجاً من مكة لقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة:١٩٦] وابتداء الرجوع إذا ابتدأ بالسير من مكة فإذا قلنا بهذا ففي الأفضل قولان: أحدهما الأفضل أن يصوم بعد الابتداء بالسير لأن تقديم العبادة في أول وقتها أفضل والثاني الأفضل أن يؤخر إلى يرجع إلى الوطن ليخرج من الخلاف فإن لم يصم الثلاثة حتى رجع إلى أهله لزمه صوم عشرة أيام وهل يشترط التفريق بينهما: فيه وجهان: أحدهما أنه ليس بشرط لأن التفريق وجب بحكم الوقت وقد فات فسقط كالتفريق بين الصلوات والثاني أنه يشترط وهو المذهب لأن ترتيب أحدهما
стр. 414
على الآخر لا يتعلق بوقت فلم يسقط بالفوات كترتيب أفعال الصلاة فإن قلنا بالوجه الأول صام عشرة أيام كيف شاء وإن قلنا بالمذهب فرق بينهما بمقدار ما وجب التفريق بينهما في الأداء.
فصل: فإن دخل في الصوم ثم وجد الهدي فالأفضل أن يهدي ولا يلزمه وقال المزني: يلزمه كالمتيمم إذا رأى الماء فإن وجد الهدى بعد الإحرام بالحج وقبل الدخول في الصوم فهو مبني على الأقوال الثلاثة في الكفارات: أحدها أن الاعتبار بحال الوجوب ففرضه الصوم والثاني أن الاعتبار بحال الأداء ففرضه الهدي والثالث الاعتبار بأغلظ الحالين ففرضه الهدي.
فصل: ويجب على القارن دم لأنه روى ذلك عن ابن مسعود وابن عمر ﵄ ولأنه إذا وجب على المتمتع لأنه جمع بين النسكين في وقت أحدهما فلأن يجب على القارن وقد جمع بينهما في الإحرام أولى فإن لم يجد الهدي فعليه صوم التمتع ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع على ما بيناه وبالله التوفيق.
стр. 415
باب المواقيت
ميقات أهل المدينة ذو الحليفة وميقات أهل الشام الجحفة وميقات أهل نجد قرن وميقات أهل اليمن يلملم لما روى عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "يهل أهل المدينة من ذي الحليفة وأهل الشام من الجحفة وأهل نجد من قرن" قال ابن عمر ﵄: وبلغني أن رسول الله ﷺ قال: "يهل أهل
стр. 416
اليمن من يلملم وأهل الشام من الجحفة وأما أهل العراق فميقاتهم ذات عرق١" وهل هو منصوص عليه أو مجتهد فيه؟ قال الشافعي ﵀ في الأم: هو غير منصوص عليه ووجهه ما روي عن ابن عمر قال: لما فتح المصران أتوا عمر ﵁ فقالوا: إن رسول الله ﷺ حد لأهل نجد قرناً وإنا إذ أردنا أن نأتي قرناً شق علينا فقال: فانظروا حذوها من طريقكم قال: فحد لهم ذات عرق ومن أصحابنا من قال هو منصوص عليه ومذهبه ما ثبتت به السنة والدليل عليه ما روى جابر بن عبد الله قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "يهل أهل المشرق من ذات عرق" وروت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق وقال الشافعي ﵀: ولو أهل أهل المشرق من العقيق كان أحب إلي لأنه روي عن ابن عباس قال: وقت رسول الله ﷺ لأهل المشرق العقيق ولأنه أبعد من ذات عرق فكان أفضل وهذه المواقيت لأهلها ولكل من مر بها من غير أهلها لما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرناً ولأهل اليمن يلملم وقال: "هذه المواقيت لأهلها ولكل من أتى عليها من غير أهلها ممن أراد الحج والعمرة" ومن كان داره دون ذلك فمن حيث ينشيء ثم كذلك أهل مكة يهلون من مكة ومن سلك طريقاً لا ميقات فيه من بر أو بحر فميقاته إذا حاذى أقرب المواقيت إليه لأن عمر ﵁ لما اجتهد في ميقات أهل العراق اعتبر ما ذكرناه.
فصل: ومن كانت داره فوق الميقات فله أن يحرم من الميقات وله أن يحرم من فوق الميقات لما روي عن عمر وعلي ﵄ أنهما قالا: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك وفي الأفضل قولان: أحدهما أن الأفضل أن يحرم من الميقات لأن رسول الله ﷺ أحرم من ذي الحليفة ولم يحرم من المدينة ولأنه إذا أحرم من بلده لم يأمن أن يرتكب محظورات الإحرام فإذا أحرم من الميقات أمن من ذلك فكان الإحرام من الميقات أفضل والثاني أن الأفضل أن يحرم من داره لما روت أم سلمة رضي الله
стр. 417
عنها أن رسول الله ﷺ قال: "من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ووجبت له الجنة١" ومن كانت داره دون الميقات فيمقاته موضعه ومن جاوز الميقات قاصداً إلى موضع قبل مكة ثم أراد النسك أحرم من موضعه كما إذا دخل مكة لحاجة ثم أراد الإحرام كان ميقاته من مكة ومن كان من أهل مكة وأراد أن يحج فميقاته من مكة وإن أراد العمرة فميقاته من أدنى الحل والأفضل أن يحرم من الجعرانة لأن النبي ﷺ اعتمر منها فإن أخطأها فمن التنعيم لأن النبي ﷺ أعمر عائشة من التنعيم ومن بلغ الميقات مريداً للنسك لم يجز أن يجاوزه حتى يحرم لما ذكرناه من حديث ابن عباس ﵄ فإن جاوزه وأحرم دونه نظرت فإن كان له عذر بأن يخشى أن يفوته الحج أو الطريق مخوف لم يعد وعليه دم وإن لم يخش شيئاً لزمه أن يعود لأنه نسك واجب مقدور عليه فلزمه الاتيان به فإن لم يرجع لزمه الدم وإن رجع نظرت فإن كان قبل أن يتلبس بنسك سقط عنه الدم لأنه قطع المسافة بالإحرام وزاد عليه فلم يلزمه دم وإن عاد بعد ما وقف أو بعد ما طاف لم يسقط عنه الدم لأنه عاد بعد فوات الوقت فلم يسقط عنه الدم كما لو دفع من الموقف قبل الغروب ثم عاد في غير وقته وإن نذر الإحرام من موضع فوق الميقات لزمه الإحرام منه فإن جاوزه وأحرم دونه كان كمن جاوز الميقات وأحرم دونه في وجوب العود والدم لأنه وجب الإحرام منه كما وجب الإحرام من الميقات فكان حكمه حكم الميقات وإن مر كافر بالميقات مريداً للحج فأسلم دونه وأحرم ولم يعد إلى الميقات لزمه الدم وقال المزني ﵀: لا يلزمه لأنه مر بالميقات وليس هو من أهل النسك فأشبه إذا مر به غير مريد للنسك ثم أسلم دونه وأحرم وهذا لا يصح لأنه ترك الإحرام من الميقات وهو مريد للنسك فلزمه الدم كالمسلم وإن مر بالميقات صبي وهو محرم أو عبد وهو محرم فبلغ الصبي أو عتق العبد ففيه قولان: أحدهما أنه يجب عليه دم لأنه ترك الإحرام بحجة الإسلام من الميقات والثاني لا يلزمه لأنه جاوز الميقات وهو محرم فلم
стр. 418
يلزمه دم كالحر البالغ فإن كان من أهل مكة فخرج لإحرام الحج إلى أدنى الحل وأحرم فإن رجع إلى مكة قبل أن يقف بعرفة لم يلزمه دم وإن لم يرجع حتى وقف وجب عليه دم لأنه ترك الإحرام من الميقات فأشبه غير المكي إذا أحرم من دون الميقات وإن خرج من مكة إلى خارج البلد وأحرم من موضع من الحرم ففيه وجهان: أحدهما لا يلزمه الدم لأن مكة والحرم في الحرمة سواء والثاني يلزمه وهو الصحيح لأن الميقات هو البلد وقد تركه فلزمه الدم وإن أراد العمرة وأحرم من جوف مكة نظرت فإن خرج إلى أدنى الحل قبل أن يطوف لم يلزمه دم لأنه دخل الحرم محرماً فأشبه إذا أحرم من الحل وإن طاف وسعى ولم يخرج إلى الحل ففيه قولان: أحدهما لا يعتد بالطواف والسعي عن العمرة لأنه لم يقصد الحرم بإحرام فلا يعتد بالطواف والسعي والثاني أنه يعتد بالطواف وعليه دم لترك الميقات كغير المكي إذا جاوز ميقات بلده غير محرم ثم أحرم ودخل مكة وطاف وسعى والله أعلم.
стр. 419
باب الإحرام وما يحرم فيه
إذا أراد أن يحرم فالمستحب أن يغتسل لما روى زيد بن ثابت ﵁ أن رسول الله ﷺ اغتسل لإحرامه وإن كانت امرأة حائضاً أو نفساء اغتسلت للإحرام لما روى القاسم بن محمد أن أسماء بنت عميس ولدت محمد بن أبي بكر ﵄ بالبيداء فذكر ذلك أبو بكر ﵁ لرسول الله ﷺ فقال: "مروها فلتغتسل ثم لتهل" ولأنه غسل يراد للنسك فاستوى فيه الحائض والطاهر ومن لم يجد الماء تيمم لأنه غسل مشروع فانتقل منه إلى التيمم عند عدم الماء كغسل الجنابة قال في الأم: ويغتسل لسبعة مواطن: للإحرام ولدخول مكة والوقوف بعرفة والوقوف بمزدلفة ولرمي الجمار الثلاث لأن هذه المواطن تجتمع لها الناس فاستحب لها الاغتسال ولا يغتسل لرمي جمرة العقبة لأن وقته من نصف الليل إلى آخر النهار فلا يجتمع لها الناس في وقت واحد وأضاف إليها في القديم الغسل لطواف الزيارة وطواف الوداع لأن الناس يجتمعون لهما ولم يستحبه في الجديد لأن وقتهما متسع فلا يتفق اجتماع الناس فيهما.
стр. 420
فصل: ثم يتجرد عن المخيط في إزار ورداء أبيضين ونعلين لما روى بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: ليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين والمستحب أن يكون ذلك بياضاً لما روى ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خيار ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم١" والمستحب أن يتطيب في بدنه لما روت عائشة ﵂ قالت: كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت ولا يطيب ثوبه لأنه ربما نزعه للغسل فيطرحه على بدنه فتجب به الفدية والمستحب أن يصلي ركعتين لما روى ابن عباس وجابر ﵃ أن النبي ﷺ صلى في ذي الحليفة ركعتين ثم أحرم وفي الأفضل قولان: قال في القديم: الأفضل أن يحرم عقيب الركعتين لما روي عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ أهل في دبر الصلاة وقال في الأم: الأفضل أن يحرم إذا انبعث به راحلته إن كان راكباً وإذا ابتدأ بالسير إن كان راجلاً لما روى جابر أن رسول الله ﷺ قال: "إذا رحتم إلى منى متوجهين فأهلوا بالحج" ولأنه إذا لبى مع السير وافق قوله فعله وإذا لبى في مصلاه لم يوافق فعله فكان ما قلناه أولى وينوي الإحرام ولا يصح الإحرام إلا بالنية لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى" ولأنه عبادة محضة فلم تصح من غير نية كالصوم ويلبي لنقل الخلف عن السلف فإن اقتصر على النية ولم يلب أجزأه وقال أبو إسحاق وأبو عبد الله الزبيري: لا ينعقد إلا بالنية والتلبية كما لا تنعقد الصلاة إلا بالنية والتكبيرة والمذهب الأول لأنها عبادة لا يجب النطق في آخرها فلم يجب النطق في أولها كالصوم وله أن يعين ما يحرم به من الحج والعمرة لأن النبي ﷺ أهل بالحج فإن لبى بنسك ونوى غيره انعقد ما نواه لأن النية في القلب وله أن يحرم إحراماً مبهماً لما روى أبو موسى قال: قدمت على رسول الله ﷺ فقال: كيف أهللت قال: قلت لبيك بإهلال كإهلال النبي ﷺ فقال: أحسنت وفي الأفضل قولان: قال في
стр. 421
الأم: التعيين أفضل لأنه إذا عين عرف ما دخل فيه والثاني أن الإبهام أفضل لأنه أحوط فإنه ربما عرض مرض أو إحضار فيصرفه إلى ما هو أسهل عليه فإن عين انعقد بما عينه والأفضل أن يذكر ما أحرم به في تلبيته على المنصوص لما روى نافع قال: سئل ابن عمر أيسمى أحدنا حجاً أو عمرة فقال: أتنبئون الله بما في قلوبكم إنما هي نية أحدكم ومن أصحابنا من قال الأفضل أن ينطق به لما روى أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لبيك بحجة وعمرة ولأنه إذا نطق به كان أبعد من السهو فإن أبهم الإحرام جاز أن يصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة لأنه يصلح لهما فصرف إلى ما شاء منهما فإن قال إهلالاً كإهلال فلان إنعقد إحرامه بما عقد به فلان إحرامه فإن مات الرجل الذي علق إهلاله بإهلاله أو جن ولم يعلم ما أهل به لزمه أن يقرن ليسقط ما لزمه بيقين فإن بان أن فلاناً لم يحرم انعقد إحراماً مطلقاً فيصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة لأنه عقد الإحرام وإن علق عين النسك على إحرام فلان فإذا سقط إحرام فلان بقي إحرامه مطلقاً فيصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة وإن أحرم بحجتين أو بعمرتين لم ينعقد الإحرام بهما لأنه لا يمكن المضي فيهما وينعقد بإحداهما لأنه يمكن المضي في إحداهما قال في الأم إذا استأجره رجلان للحج فأحرم بهما انعقد إحرامه عن نفسه لأنه لا يمكن الجمع بينهما ولا تقديم أحدهما على الآخر فتعارضا وسقطا وبقي إحرام مطلق فانعقد له قال: ولو استأجره رجل ليحج عنه فأحرم عنه وعن نفسه انعقد الإحرام عن نفسه لأنه تعارض التعيينان فسقطا وبقي مطلق الإحرام فانعقد له وإن أحرم بنسك معين ثم نسيه قبل أن يأتي بنسك ففيه قولان: قال في الأم: يلزمه أن يقرن لأنه شك لحقه بعد الدخول في العبادة فيبني فيه على اليقين كما لو شك في عدد ركعات الصلاة وقال في القديم: يتحرى لأنه يمكنه أن يدرك بالتحري فيتحرى فيه كالقبلة فإن قلنا يقرن لزمه أن ينوي القران فإذا قرن أجزأه ذلك عن الحج وهل يجزئه عن العمرة؟ إذ قلنا يجوز إدخال العمرة على الحج أجزأه عن العمرة أيضاً وإن قلنا لا يجوز ففيه وجهان: أحدهما لا يجزئه لأنه يجوز أن يكون أحرم بالحج وأدخل عليه العمرة فلم يصح وإذا شك لم يسقط الفرض والثاني أنه يجزئه لأن العمرة إنما لا يجوز إدخالها على الحج من غير
стр. 422
حاجة وهاهنا به حاجة إلى إدخال العمرة على الحج والمذهب الأول وإن قلنا إنه يجزئه عن العمرة لزمه الدم لأنه قارن وإن قلنا لا يجزئه عن العمرة هل يلزمه دم ففيه وجهان: أحدهما لا دم عليه وهو المذهب لأنا لم نحكم له بالقران فلا يلزمه دم والثاني يلزمه دم لجواز أنه يكون قارناً فوجب عليه الدم احتياطاً وإن نسي بعد الوقوف وقبل طواف القدوم فإن نوى القران وعاد قبل طواف القدوم أجزأه الحج لأنه إن كان حاجاً أو قارناً فقد إنعقد إحرامه بالحج وإن كان معتمراً فقد أدخل الحج على العمرة قبل طواف العمرة فصح حجه ولا يجزئه عن العمرة لأن إدخال العمرة على الحج لا يصح في أحد القولين ويصح في الآخر ما لم يقف بعرفة فإذا وقف بعرفة لم يصح فلم يجزه وإن نسي بعد طواف القدوم وقبل الوقوف فإن قلنا إن إدخال العمرة على الحج لا يجوز لم يصح له الحج ولا العمرة لأنه يحتمل أنه كان معتمراً فلا يصح إدخال الحج على العمرة بعد الطواف فلم يسقط فرض الحج مع الشك ولا تصح العمرة لأنه يحتمل أن لا يكون أحرم بها أو أحرم بها على حج فلا يصح وإن قلنا إنه يجوز إدخال العمرة على الحج لم يصح له الحج لجواز أن يكون أحرم بالعمرة وطاف لها فلا يجوز أن يدخل الحج عليها وتصح له العمرة لأنه أدخلها على الحج قبل الوقوف فإن أراد أن يجزئه الحج طاف وسعى لعمرته ويحلق ثم يحرم بالحج ويجزئه لأنه إن كان معتمراً فقد حل من العمرة وأحرم بالحج وإن كان حاجاً أو قارناً فلا يضره تجديد الإحرام بالحج ويجب عليه دم واحد لأنه إن كان معتمراً فقد حلق في وقته وصار متمتعاً فعليه دم التمتع دون الدم الحلاق وإن كان حاجاً فقد حلق في غير وقته فعليه دم الحلاق دون دم التمتع وإن كان قارناً فعليه دم الحلاق ودم القران فلا يجب عليه دمان بالشك ومن أصحابنا من قال: يجب عليه دمان احتياطاً وليس بشيء.
فصل: ويستحب أن يكثر من التلبية ويلبي عند اجتماع الرفاق وفي كل صعود وهبوط وفي أدبار الصلوات وإقبال الليل والنهار لما روى جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 423
يلبي إذا رأى ركباً أو صعد وهبط وادياً وفي أدبار المكتوبة وآخر الليل ولأن في هذه المواضع ترفع الأصوات ويكثر الضجيج وقد قال النبي ﷺ : "أفضل الحج العج والثج١" ويستحب في مسجد مكة ومنى وعرفات وفيما عداها من المساجد قولان: قال في القديم لا يلبي وقال في الجديد يلبي لأنه مسجد بني للصلاة فاستحب فيه التلبية كالمساجد الثلاثة وفي حال الطواف قولان: قال في القديم يلبي ويخفض صوته وقال في الأم لا يلبي لأن للطواف ذكراً يختص به فكان الاشتغال به أولى ويستحب أن يرفع صوته بالتلبية لما روى زيد بن خالد الجهني أن رسول الله قال: "جاءني جبريل ﵇ فقال: يا محمد مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها من شعار الحاج" وإن كانت امرأة لم ترفع الصوت بالتلبية لأنه يخاف عليها الافتتان.
فصل: والتلبية أن يقول لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لما روى ابن عمر ﵄ أن تلبية رسول الله ﷺ : لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك
стр. 424
والملك لا شريك لك قال الشافعي ﵀: فإن زاد على هذا فلا بأس لما روي أن ابن عمر ﵄ كان يزيد فيها لبيك وسعديك والخير كله بيديك والرغبة إليك وإذا رأى شيئاً يعجبه قال لبيك إن العيش عيش الآخرة لما روي أن النبي ﷺ كان ذات يوم والناس يصرفون عنه كأنهم أعجبه ما هم فيه فقال: لبيك إن العيش عيش الآخرة والمستحب إذا فرغ من التلبية أن يصلي على النبي ﷺ لأنه موضع شرع فيه ذكر الله تعالى فشرع فيه ذكر الرسول ﷺ كالأذان ثم يسأل الله تعالى رضوانه والجنة ويستعيذ برحمته من النار لما روى خزيمة بن ثابت ﵁ قال: كان الرسول ﷺ إذا فرغ من تلبيته في حج أو عمرة سأل الله رضوانه والجنة واستعاذ برحمته من النار ثم يدعو بما أحب.
فصل: وإذا أحرم الرجل حرم عليه حرم الرأس لقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦] ويحرم عليه حلق شعر سائر البدن لأنه حلق يتنظف به ويترفه به فلم يجز كحلق الرأس ويجب به الفدية لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]
стр. 425
ولما روى كعب بن عجرة أن رسول الله ﷺ قال: "لعلك آذاك هوام رأسك فقلت: نعم يا رسول الله فقال: أحلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو انسك شاة" ويجوز له أن يحلق شعر الحلال لأن نفعه يعود إلى الحلال فلم يمنع منه كما لو أراد أن يعممه أو يطيبه.
فصل: ويحرم عليه أن يقلم أظفاره لأنه جزء ينمى وفي قطعة ترفيه وتنظيف فمنع الإحرام منه كحلق الشعر ويجب به الفدية قياساً على الحلق.
فصل: ويحرم عليه أن يستر رأسه لما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال في المحرم الذي خر من بعيره "لا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً١" وتجب به الفدية لأنه فعل محرم في الإحرام فتعلقت به الفدية كالحلق ويجوز أن يحمل على رأسه مكتلاً لأنه لا يقصد به الستر فلم يمنع منه كما لا يمنع المحدث من حمل المصحف في عيبة المتاع حين لم يقصد المصحف ويجوز أن يترك يده على رأسه لأنه يحتاج إلى وضع اليد على الرأس في المسح فعفى عنه ويحرم عليه لبس القميص لما روى ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال في المحرم: "لا يلبس القميص ولا السراويل ولا البرنس ولا العمامة ولا الخف إلا أن لا يجد نعلين فيقطعهما أسفل من الكعبين ولا يلبس من الثياب ما مسه ورس أو زعفران" وتجب به الفدية لأنه فعل محظور في الإحرام فتعلقت به الفدية كالحلق ولا فرق بين أن يكون ما يلبسه من الخرق أو الجلود أو اللبود أو الورق ولا فرق بين أن يكون مخيطاً بالإبرة أو ملصقاً بعضه إلى بعض لأنه في معنى المخيط والعباءة والدراعة كالقميص فيما ذكرناه لأنه في معنى القميص ويحرم عليه لبس السراويل لحديث ابن عمر ﵁ وتجب به الفدية لما ذكرناه من المعنى والتبان والران كالسراويل فيما ذكرناه لأنه في معنى السراويل وإن