مسألة: والعلم الحاصل بالتواتر ضروري لا مكتسب وهو قول أكثر أهل العلم من الفقهاء والمتكلمين.
والد شيخنا وحكى القاضي أبو يعلى في الكفاية عن البلخي أنه مكتسب أعنى العلم الحاصل بالتواتر واختاره القاضي ونصره وكذلك نصره أبو الخطاب في التمهيد والذي ذكره في العدة وابن عقيل وسائر الأصحاب أنه ضروري فصارت المسألة على وجهين وقال البلخى وهو أبو القاسم المعروف بالكعبي وغيره من المعتزلة يقع اكتسابا لا ضرورة وحكاه ابن برهان عن الكعبى وحده وقال في الأول اتفق عليه الفقهاء والمتكلمون قاطبة وحكى أبو الطيب مثل الكعبي عن بعض أصحابه قال: وإليه ذهب أبو بكر الدقاق وحكاه أبو الخطاب [عن أبي الحسين البصري ونصره أبو الخطاب] ١ واختاره فصار في المسألة وجهان ورجحه الجوبني بشرط ذكره.
فصل:
من شرط حصول العلم بالتواتر أن يكون مستنده ضروريا من سماع أو مشاهدة
стр. 422
فأما ما مستنده تصديق فلا كأخبار الجم الغفير عن قدم العالم١ ونحوه وكذلك قال الجويني: وابن برهان والمقدسي.
[والد شيخنا] فصل:
وقد يكون التواتر من جهة المعنى مثاله أن يروى واحد أن حاتما وهب لرجل مائة من الإبل وأخبر آخر أنه وهب خمسين من العبيد وأخبر آخر أنه وهب عشرة دنانير ولا يزال يروى كل واحد من الأخبار شيئا فهذه الإخبار تدل على سخاء حاتم.
فصل:
[والد شيخنا] ومن شرط حصول العلم بالتواتر أن يستوي منه الطرفان والوسط في عدد يقع العلم بخبره.
стр. 423
مسألة: وخبر التواتر لا يولد العلم فينا
وإنما يقع عنده بفعل الله وهو بمنزلة إجراء العادة بخلق الولد من المنى وهو قادر على خلقه بدون ذلك خلافا لمن قال بالتولد.
стр. 424
مسألة: لا يجوز على الجماعة العظيمة كتمان ما يحتاج إلى نقله ومعرفته
وهو قول جماعة من العلماء وزعمت الإمامية أنه جائز وعلى ذلك بنوا كلامهم في ترك نقل النص في على.
قال والد شيخنا وبسط القول معهم في ذلك الرازي في المحصول.
стр. 425
مسألة: ولا يعتبر في التواتر عدد محصور بل يعتبر ما يفيد العلم على حسب العادة في سكون النفس إليهم وعدم تأتى التواطؤ على الكذب منهم إما لفرط كثرتهم وإما لصلاحهم ودينهم ونحو ذلك.
стр. 426
قال القاضي وأبو الطيب لكن يجب أن يكونوا أكثر من أربعة وكذلك قال ابن الباقلاني: وقال الجبائي يعتبر عدد يزيد على شهود الزنا وقال بعضهم اثنا عشر بعدد النقباء وقال بعض الأصوليين يعتبر العدد سبعين بعدد المختارين من قوم موسى وقال بعضهم ثلاثمائة ونيف بعدد أهل بدر وقال قوم عشرة لأن التسعة آخر عقود الآحاد وقال قوم كأهل بيعة الرضوان ألف وسبعمائة وقال قوم أربعون لأنه الذي تنعقد به الجمعة وقال ابن برهان والإجماع منعقد على أن الأربعة ليس من العدد المتواتر وحكى أبو الخطاب والقاضي قولا عن قوم بحصوله بقول اثنين وعن قوم بالأربعة وعن قوم بخمسة فصاعدا وقال قوم من الفقهاء يشترط أن يكونوا عددا لا يحويهم بلد ولا يحصيهم عدد وقرر الجويني مذهب النظام وتأوله١.
[شيخنا] فصل:٢
قال القاضي أبو يعلى متابعة لأبي الطيب وقاله قبلهما ابن الباقلاني متابعة للجبائي يجب أن يكونوا أكثر من أربعة لأن خبر الأربعة لو جاز أن يكون موجبا للعلم لوجب أن يكون خبر كل أربعة موجبا لذلك ولو كان هكذا لوجب إذا شهد أربعة على رجل بالزنا أن يعلم الحاكم صدقهم ضرورة ويكون ما ورد به الشرع من السؤال عن عدالتهم باطلا.
قال شيخنا رضى الله عنه قلت: وقد ألحق القاضي لا يتأتى منهم التواطؤ على الكذب إما لكثرتهم أو لدينهم وصلاحهم وقال في مسألة خبر الواحد لا يفيد العلم لو كان موجبا للعلم لأوجبه على أي صفة وجد من المسلم والكافر والعدل والفاسق والحر والعبد والصغير والكبير كما أن الخبر المتواتر لما أوجب العلم لم
стр. 427
يختلف باختلاف صفات المخبرين بل استوى في ذلك الكفار والمسلمون والصغار والكبار والعدول والفساق.
قال شيخنا قلت: هذا الكلام مع أنه في غاية السقوط مناقض لقوله إما لكثرتهم وإما لدينهم وصلاحهم وهذا الثاني أصح ثم انه كما تقدم فرق في وجوب العمل أو في غلبة الظن بين مخبر ومخبر فكذلك في العلم والعلم بتأثير الصفات ضروري وجحوده عناد وهذا الحق١ يمنع أن يستوي الأربعة٢ ثم هذا باطل من وجوه أحدها أن العشرة وأكثر منها لو شهدوا بالزنا لوجب عليه أن يسأل فلا اختصاص بالأربعة الثاني أنه لو علم أنه زنا اضطرارا بالمشاهدة لم يرجمه إلا بالثقات فكذلك إذا أخبره من يعلم صدقه اضطرارا لأن القاضي إنما يقضى بأمر مضبوط نعم لو شهد بالأمر عدد يفيد خبرهم العلم لكل أحد فهذا فيه نظر لكنه لا يكاد يقع لإمكان التواطؤ وأما الشاهد نفسه يجوز أن يستند إلى التواتر وكذلك الحاكم فيما يحكم فيه بعلمه كعدالة الشهود وفسقهم فمناط الشهادة علم الشاهد بأي طريق حصل ومناط الحكم طريق ظاهرة مضبوطة وإن لم تفد العلم لأجل العدل بين الناس.
стр. 428
مسألة: يجوز التعبد بأخبار الآحاد عقلا
في قول الجمهور ومنع منه قوم قال ابن عقيل: وأظنه قول الجبائي وقال ابن برهان صار إليه طائفة من المتكلمين وقال أبو الخطاب العقل يقتضى وجوب قبول خبر الواحد.
والد شيخنا وكذلك القاضي في الكفاية قصر أن العقل دل على وجوب قبوله والأكثرون قالوا: لا يجب التعبد بخبر الواحد عقلا.
стр. 429
[شيخنا] فصل:
قال ابن عقيل المحققون من العلماء يمنعون رد الإخبار بالاستدلال ومثله برد خبر القهقهة استدلالا بفضل الصحابة المانع من الضحك وكذلك لو شهدت بينة عادلة على معروف بالخير بإتلاف أو غصب لم ترد شهادتهم بالاستبعاد ومثله برد عائشة قول ابن عباس في حديث الرؤية بقولها لقد قف شعري قال: فردت خبره بالاستدلال فلم يعول أهل التحقيق على ردها ومثله أيضا بقوله لأزيدن على السبعين حيث قيل له هذا يفيد الصحة فقال هذا رد للأخبار بالاستدلال ولا يجوز ذلك لأن السند يأتي بالعجائب وهي من أكثر الدلائل لإثبات الأحكام.
стр. 430
مسألة: يجوز العمل١ بخبر الواحد الذي فيه الصفات المعتبرة شرعا
نص عليه وهو قول عامة الفقهاء وجمهور المتكلمين وقال قوم من أهل البدعة من الروافض ومن المعتزلة ذكره الجويني لا يجوز العمل به وقال القاشاني وأبو بكر بن داود والرافضة لا يجوز العمل به شرعا وإن كان يجوز [ورود] ٢ التعبد به وقال الجبائي لا يقبل في الشرعيات أقل من اثنين وحكى ابن برهان كقول القاشاني عن النهرواني وإبراهيم بن إسماعيل بن علية والشيعة وأفرد الكلام مع الجبائي في مسألة وكذلك أفرد أبو الخطاب وابن عقيل والجوب واختلف نفاة العمل بخبر الواحد شرعا هل يجوز التعبد به عقلا على مذهبين ومن أجازه عقلا اختلفوا هل ورد فى الشرع بما يمنع العمل به أو لم يرد فيه ما يوجب العمل به على مذهبين حكى الكل الجوينى.
стр. 431
مسألة يقبل خبر الواحد فيما تعم به البلوى
وبه قال عامة الفقهاء والمتكلمين قاله ابن برهان خلافا للحنفية وقال ابن برهان خلافا لبعض الحنفية وقال أبو الخطاب أكثر الحنفية وعزاه الجوينى الى أبى حنفية ورد عليه.
стр. 432
[شيخنا] فصل:
قال أبو الخطاب الحكم بخبر الواحد عن الرسول لمن يمكنه١ سؤاله مثل الحكم باجتهاده واختياره أنه لا يجوز والذي ذكره بقية أصحابنا القاضي وابن عقيل جواز العمل بخبر الواحد لمن أمكنه سؤاله أو أمكنه الرجوع إلى التواتر محتجين به في المسألة بمقتضى أنه إجماع وهذا مثل قول بعض أصحابنا أنه لا يعمل بقول المؤذن مع إمكان العلم بالوقت وهذا القول خلاف مذهب أحمد وسائر العلماء المعتبرين وخلاف ما شهدت به النصوص وذكر في مسألة منع التقليد أن المتمكن من العلم لا يجوز له العدول إلى الظن وجعله محل وفاق واحتج به في المسألة.
стр. 433
مسألة: يقبل خبر الواحد فيما يعم فرضه١خلافا للحنفية
ذكره القاضي.
стр. 434
مسألة: يقبل خبر الواحد في إثبات الحدود
نص عليه وبه قالت الشافعية وحكاه أبو سفيان عن أبي يوسف واختاره أبو بكر الرازي وحكي عن الكرخي أنه لا يقبل.
стр. 435
مسألة: خبر الواحد مقدم على القياس نص عليه وهو قول الشافعي وأصحابه وقالت الحنفية متى خالف الأصول أو معنى الأصول لم يقبل [١ويقبل قياس إذا خالف الأصول] ١ وحكي عن مالك تقديم القياس الواضح عليه وحكاه أبو الطيب عن أبي بكر الأبهرى من المالكية.
والد شيخنا وقال البستى من الحنفية تقدم رواية الفقيه على القياس فأما غير الفقيه فيقدم القياس عليه.
стр. 436
مسألة: خبر الواحد يوجب العمل وغلبة الظن دون القطع في قول الجمهور وارتضى الجويني من العبارة أن يقال لا يفيد [العلم] ولكن يجب العمل عنده لا به بل بالأدلة القطعية على وجوب العمل بمقتضاه ثم قال هذه مناقشة في اللفظ ونقل عن أحمد ما يدل على أنه يفيد القطع إذا صح واختاره جماعة من أصحابنا.
قال والد شيخنا ونصره القاضي في الكفاية وقال شيخنا وهو الذي ذكره ابن أبي موسى في الإرشاد وتأول القاضي كلامه على أن القطع قد يحصل استدلالا بأمور انضمت إليه من تلقى الأمة له بالقبول أو دعوى المخبر عن النبي ﷺ أنه سمعه منه في حضرته فيسكت ولا ينكر عليه أو دعواه على جماعة حاضرين السماع معه فلا ينكرونه ونحو ذلك وحصر ذلك بأقسام أربعة هو وأبو الطيب جميعا ومن أطلق القول بأنه يفيد العلم فسره بعضهم بأنه العلم الظاهر دون المقطوع به وسلم القاضي العلم الظاهر وقال النظام إبراهيم خبر الواحد يجوز أن يفيد العلم الضروري إذا قارنته أمارة وكذلك قال بعض أهل الحديث منه ما يوجب العلم كرواية مالك عن نافع عن ابن عمر وما أشبهه وأثبت أبو إسحاق الاسفرائيني فيما ذكره الجويني قسما بين المتواتر والآحاد سماه المستفيض وزعم أنه يفيد العلم نظرا والمتواتر يفيد العلم ضرورة وأنكر عليه الجويني ذلك وحكي عن الأستاذ أبي بكر أن الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول محكوم بصدقه وأنه في بعض مصنفاته.
وقال إن اتفقوا على العمل به لم يحكم بصدقه لجواز العمل بالظاهر وإن قبلوه [١قولا وقطعا حكم به وقال ابن الباقلانى لا يحكم بصدقه وإن تلقوه بالقبول
стр. 437
قولا وقطعا] ١ لأن تصحيح الأئمة للخبر يجرى على حكم الظاهر فقيل له لو رفعوا هذا الظن وباحوا بالصدق ماذا تقول؟ فقال مجيبا لا يتصور ذلك.
[والد شيخنا والقطع بصحة الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول أو عملت بموجبه لأجله قول عامة الفقهاء من المالكية ذكره عبد الوهاب والحنفية فيما أظن والشافعية والحنبلية] واختلف هؤلاء في إجماعهم على العمل به هل يدل على علمهم بصحته قبل العمل به على قولين أحدهما يشترط والثاني لا يشترط وعلى الأول لا يجوز انعقاد الإجماع عن خبر الواحد وإن عمل به الجمهور وقال عيسى بن أبان ذلك يدل على قيام الحجة به وصحته وخالفه الأكثرون بناء على الاعتداد بخلاف الواحد والإثنين [وذكره أبو الحسن البستى من الحنفية في كتاب اللباب فقال وتقدم رواية الفقيه على القياس ولا يجوز ذلك لغير الفقيه بل يقدم القياس على روايته] وفى كتاب اللامع لابن حاتم صاحب ابن الباقلاني قال عيسى ابن أبان ان كان راوي الخبر متيقظا ترك القياس لأجله وإن لم يكن كذلك وجب الاجتهاد في الترجيح ومن الناس من قال القياس أولى بالمصير إليه واليه صار جماعة من أصحاب مالك وأما الشافعي وأكثر أصحابه فيترك عندهم الخبر للقياس الجلي ويترك الخفي للخبر قال وكل هذه الأقوال عندنا باطلة.
قال الأثرم في كتاب معاني الحديث الذي يذهب إليه أحمد بن حنبل أنه إذا طعنت في الحيضة الثالثة فقد بريء منها وبرئت منه وقال إذا جاء الحديث عن النبي ﷺ بإسناد صحيح فيه حكم أو فرض عملت بالحكم والفرض ودنت الله تعالى به ولا أشهد أن النبي ﷺ قال ذلك قال شيخنا نقلته من خط القاضي على ظهر المجلد الثاني من العدة وذكر أنه نقله من كتاب بخط أبي حفص العكبري رواية أبي حفص عمر بن زيد٢ وقال أيضا قال أحمد
стр. 438
ابن حنبل إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة ولم يصب منه فليأكل وإن كان قد تناول وأقيمت الصلاة فليقوموا فليصلوا وفيه أيضا في حديث ابن عباس كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبى بكر وصدرا من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فقال أبو عبد الله أدفع هذا الحديث بأنه قد روى عن ابن عباس خلافه من عشرة وجوه أنه كان يرى طلاق الثلاث ثلاثا.
قال شيخنا قلت: أبو عبد الله يشهد للعشرة بالجنة والخبر خبر واحد وبنى ذلك على أن الشهادة والخبر واحد ولفظ القاضي في العدة خبر الواحد لا يوجب العلم الضروري وقد رأيت في كتاب معاني الحديث للأثرم بخط أبي حفص العكبري وساق الرواية كما تقدم قال فقد صرح القول بأنه لا يقطع به ورأيت في كتاب الرسالة لابى العباس أحمد بن جعفر الفارسي فقال ولا نشهد على أحد من أهل القبلة أنه في النار لذنب عمله ولا لكبيرة أتاها إلا أن يكون ذلك في حديث كما جاء نصدقه ونعلم أنه كما جاء ولا ننص الشهادة ولا نشهد على أحد أنه في الجنة لصالح عمله ولا لخير أتاه إلا أن يكون ذلك في حديث كما جاء [بصدقه] ١ على ما روى ولا ننص قال القاضي قوله ولا ننص الشهادة معناه عندى والله أعلم لا نقطع على ذلك.
قال شيخنا قلت: لفظ ننص هو المشهور ومعناه لا نشهد على المعين وإلا فقد قال نعلم أنه كما جاء وهذا يقتضى أنه يفيد العلم وأيضا فإن من أصله أن يشهد للعشرة بالجنة للخبر الوارد وهو خبر واحد وقال أشهد وأعلم واحد وهذا دليل على أنه يشهد بموجب خبر الواحد وقد خالفه ابن المدينى وغيره.
قال القاضي وقد نقل أبوبكر المروذى قال قلت: لأبي عبد الله هاهنا إنسان يقول ان الخبر يوجب عملا ولا يوجب علما فعابه وقال ما أدري
стр. 439
ما١ هذا قال وظاهر هذا أنه سوى فيه بين العمل والعلم.
قال شيخنا قلت: قد يكون من هذا قوله ذو اليدين أخبر بخلاف نفسه ونحن ليس عندنا علم برده وإنما هو علم يأتينا به.
قال القاضي وقال في رواية حنبل في أحاديث الرؤية نؤمن بها ونعلم أنها حق نقطع على العلم بها قال وذهب إلى ظاهر هذا الكلام جماعة من أصحابنا وقالوا خبر الواحد ان كان شرعيا أوجب العلم قال وهذا عندى محمول على وجه صحيح من كلام أحمد وأنه يوجب العلم من طريق الاستدلال لا من جهة الضرورة والاستدلال يوجب العلم من أربعة أوجه أحدها أن تتلقاه الأمة بالقبول فيدل ذلك على أنه حق لأن الأمة لا تجتمع على الخطأ ولان قبول الأمة له يدل على أن الحجة قد قامت عندهم بصحته لأن العادة أن خبر الواحد الذي لم تقم الحجة به لا تجتمع الأمة على قبوله وإنما يقبله قوم ويرده قوم والثاني خبر النبي ﷺ وهو واحد فنقطع بصدقه لأن الدليل قد دل على عصمته وصدق لهجته الثالث أن يخبر الواحد ويدعى على النبي ﷺ أنه سمعه منه فلا ينكره فيدل على أنه حق لأن النبي ﷺ لا يقر على الكذب الرابع أن يخبر الواحد ويدعى على عدد كثير أنهم سمعوه معه فلا ينكر منهم أحد فيدل على أنه صدق لأنه لو كان كذبا لم تتفق دواعيهم على السكوت عن تكذيبه والعلم الواقع عن ذلك كله مكتسب لأنه واقع عن نظر واستدلال وقال إبراهيم النظام خبر الواحد يجوز أن يوجب العلم الضرورى إذا قارنته أمارة.
قال شيخنا قلت: حصره لاخبار الآحاد الموجبة للعلم في أربعة أقسام ليس بجامع لأن مما يوجب العلم أيضا ما تلقاه الرسول ﷺ بالقبول كإخباره عن
стр. 440
تميم الداري ما أخبر به ومنه اخبار شخصين عن قضية يعلم أنهما لم يتواطآ عليها ويتعذر في العادة الاتفاق على الكذب فيها أو الخطأ ومنه غير ذلك.
ثم أفرد ابن برهان فصلين في آخر كتاب الأخبار أحدهما فيما إذا أجمع الناس على العمل بخبر الواحد هل يصير كالمتواتر واختار أنه لا يصير والثاني إذا ادعى الواحد على جماعة بحضرتهم صدقه فسكتوا فقال قوم يصير كالمتواتر واختار هو أن ذلك لا يتصور لأن الدواعى في مثل ذلك لا تنفك عن تصديق أو تكذيب ولو من البعض.
[شيخنا] فصل:
يتعلق بمسألة خبر الواحد المقبول في الشرع.
هل يفيد العلم فإن أحدا من العقلاء لم يقل ان خبر كل واحد يفيد العلم وبحث كثير من الناس إنما هو في رد هذا القول.
قال ابن عبد البر اختلف أصحابنا وغيرهم في خبر الواحد العدل هل يوجب العلم والعمل جميعا أم يوجب العمل دون العلم قال والذي عليه أكثر أهل الحذق منهم أنه يوجب العمل دون العلم وهو قول الشافعي وجمهور أهل الفقه والنظر ولا يوجب العلم عندهم إلا ما شهد به الله وقطع [العذر لمجيئه مجيئا] ١ لا اختلاف فيه قال وقال قوم كثير من أهل الأثر وبعض أهل النظر انه يوجب العلم والعمل جميعا منهم الحسين الكرابيسي [وغيره وذكر ابن خواز منداد أن هذا القول يخرج على مذهب مالك] .
قلت وحكاه الباجي عن داود بن خواز منداد٢ وهو اختيار ابن حزم قال ابن عبد البر الذي نقول به أنه يوجب العمل دون العلم كشهادة الشاهدين والأربعة
стр. 441
سواء قال وعلى ذلك أكثر أهل الفقه والنظر [والأثر] ١ قال وكلهم يروى خبر الواحد [العدل] في الإعتقادات ويعادى ويوالى عليها ويجعلها شرعا وحكما ودينا في معتقده على ذلك جماعة أهل السنة ولهم في الأحكام ما ذكرنا.
قلت هذا الإجماع الذي ذكره في خبر الواحد العدل في الإعتقادات يؤيد قول من يقول انه يوجب العلم وإلا فما لا يفيد علما ولا عملا كيف يجعل شرعا ودينا يوالى عليه ويعادى.
وقد اختلف العلماء في تكفير من يجحد ما ثبت بخبر الواحد العدل وذكر ابن حامد في أصوله عن أصحابنا في ذلك وجهين والتكفير منقول عن إسحاق بن راهويه.
قلت الفرق بين الشاهد الذي يشهد بقضية معينة وبين المخبر عن الرسول بشرع يجب على جميع الأمة العمل بين هذا لو قدر أنه كذب على الرسول ولم يظهر ما يدل على كذبه للزم من ذلك اضلال الخلق والكلام إنما هو في الخبر الذي يجب قبوله شرعا وما يجب قبوله شرعا لا يكون باطلا في نفس الأمر يبقى الكلام في كون المخبر المعين هل يجب قبول قوله وذاك بحث آخر وهكذا يجب أن يقال في القياس والعموم أن كل دليل يجب اتباعه شرعا لا يكون إلا حقا ويكون مدلوله ثابتا في نفس الأمر والله تعالى لم يأمرنا باتباع ما ليس بحق والمجتهد عليه أن يعمل بأقوى الدليلين وهذا عمل بالعلم فإن رجحان الدليل مما يمكن العمل به ولا يجوز أن يتكافأ دليل الحق والباطل فأما إذا اعتقد ماليس براجح راجحا فهذا خطأ منه وبهذا يتبين أن الفقه الذي أمر الله به من باب العلم لا من باب الظن وإن الدليل ينقسم إلى ما يستلزم مدلوله والى ما يجوز تخلف مدلوله عنه لمعارض راجح كما أن العلة تنقسم إلى موجبة ومقتضية فأما تقسيم الادلة إلى قطعي وظني فليس هو تقسيما باعتبار صفتها في أنفسسها بل باعتبار
стр. 442
اعتقاد المعتقدين فيها وهذا١ مما يختلف باختلاف المستدلين فقد يكون قطعيا عند هذا ما ليس قطعيا عند هذا وبالعكس وأما كون الدليل مستلزما لمدلوله أو مرجحا لمدلوله فهو صفة له في نفسه مثل كون العلة قد تكون تامة موجبة للمعلول وقد تكون مقتضية يتخلف٢ عنها المعلول لفوات شرط أو وجود مانع فخبر العدل مرجح لمخبره ليس هو مستلزما لمخبره وكذلك الغيم الرطب في الشتاء وأمثال ذلك فالحاكم عليه أن يحكم بما ظهر من الحجج وقد يكون أحد الخصمين ألحن بحجته من خصمه فاذا قضى له بشىء فلا يأخذه فانما يقطع له قطعة من النار ثبت ذلك عن النبي ﷺ و ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ٣ وكذلك العالم عليه أن يتبع ما ظهر من أدلة الشرع ويتبع أقوى الادلة وهذا كله يمكن أن يعلمه فيكون عاملا بعلمه ويمكن أن يعجز عن العلم فيتبع ما يظنه وحينئذ فعمله بما يمكن أن يعلمه عمل بعلم وخطأ المجتهد تارة يكون لعدوله عن أرجح الأدلة كعدوله في غير ذلك عن الدليل المستلزم لمدلوله إلى ماليس كذلك وقد يكون عملا بأرجحها لكن اختلف عليه فهذا يقع في الحكم والحاكم معذور بأن لا ينصب له دليل على صدق الصادق فى نفس الأمر وأما الاحكام العامة الكلية فهل يجوز أن لا ينصب الله عليها دليلا بل يكون الذي جعله راجحا من الادلة ليس مدلوله ثابتا في نفس الأمر ولم يقم دليل على أنه مرجوح هذا موضع تنازع الناس فيه فيدخل في هذا الواحد العدل الذي أوجب الله على المسلمين العمل به هل يجوز أن يكون في نفس الأمر كاذبا أو مخطئا ولا ينصب الله دليلا يوجب العدول عن العمل به فهذا ومن قال أنه يوجب العلم يقول لا يجوز ذلك بل متى ثبتت الشروط الموجبة للعمل به وجب ثبوت مخبره في نفس الأمر وعلى هذا تنازعوا في كفر
стр. 443
تاركه لكونه عندهم من الحجج العلمية كما تكلموا في كفر جاحد الإجماع لكن الإجماع لما اعتقدوا أنه لا يكون خطأ فى نفس الأمر كان تكفير مخالفه أقوى من تكفير مخالف الخبر الصحيح فهم يقولون امكان كذبه أو خطئه ليس مثل امكان خطأ أهل الإجماع ولهذا كان الصواب أن من رد الخبر الصحيح كما كانت ترده الصحابة اعتقادا لغلط الناقل أو كذبه لاعتقاد الراد أن الدليل قد دل على أن الرسول لا يقول هذا فإن هذا لا يكفر ولا يفسق وإن لم يكن اعتقاده مطابقا فقد رد غير واحد من الصحابة غير واحد من الأخبار التي هى صحيحة عند أهل الحديث.
ومما يحقق أن خبر الواحد الواجب قبوله يوجب العلم قيام الحجة القوية على جواز نسخ المقطوع به كما في رجوع أهل قباء عن القبلة التي كانوا يعلمونها ضرورة من دين الرسول بخبر واحد١ وكذلك في اراقة الخمر وغير كذلك وإذا قيل الخبر هناك أفادهم العلم بقرائن اختفت به قيل فقد سلمتم المسألة فإن النزاع ليس في مجرد خبر الواحد بل في أنه [قد] ٢ يفيد العلم والباجي مع تغليظه على من أعدى حصول العلم به جوز النسخ به في عهد رسول الله ﷺ .
قال القاضي في مقدمة المجرد خبر الواحد يوجب العلم إذا صح سنده ولم تختلف الرواية به وتلقته الأمة بالقبول وأصحابنا يطلقون القول فيه وأنه يوجب العلم وإن لم تتلقه٣ بالقبول والمذهب على ما حكيت لا غير.
وقال القاضي في ضمن مسألة انعقاد الإجماع على القياس إنما لم يفسق مخالفه إذا لم يتأيد بالاجماع عليه فأما إذا تأيد بالاجماع عليه قوى بالمصير إليه فيفسق جاحده
стр. 444
وهذا كما قلنا في خبر الواحد من جحده لا يفسق ومع هذا إذا انعقد الإجماع عليه فسق جاحد وهكذا من منع صيغة العموم لا يفسق فإذا انعقد الإجماع عليه فسق مانعه ومخالفه.
стр. 445
مسألة١ قال ابن الباقلاني إذ لم نجد مقطوعا به في العمل بخبر الواحد قطع برده
وإن لم يظهر نص قاطع في الرد لأن العمل بخبر الواحد مستنده الإجماع القطعي فإذا لم يوجد القطع أدى إلى العمل بالخبر بدون قاطع وهذا محال.
وقال الجوينى لا يقطع برده بل يجرى٢ فيه كل مجتهد على موجب اجتهاده وهذا أصح.
[شيخنا] فصل:
مذهب أصحابنا أن أخبار الآحاد المتلقاة بالقبول تصلح لإثبات أصول الديانات قال القاضي في مقدمة المجرد وخر الواحد يوجب العلم إذا صح ولم تختلف الرواية فيه وتلقته الأمة بالقبول وأصحابنا يطلقون القول به وأنه يوجب العلم وإن لم تتلقه بالقبول والمذهب على ما حكيت لا غير.
[شيخنا] فصل:
قال ابن عقيل أخبار الآحاد إذا جاءت بما ظاهره التشبيه وللتأويل فيها مجال لكن يبعد عن اللغة حتى يكون كأنه لغز٣ هل يجب ردها رأسا أم يجب قبولها ويكلف العلماء تأويلها اختلف الأصوليون في ذلك على ثلاثة مذاهب فقوم قالوا بظاهرها وضعفه بأن ظاهرها يعطى الأعضاء والانتقالات وحمل الأعراض
стр. 446
والمذهب الثاني رد الأخبار صفحا واتهموا رواتها اما بالوضع أو بعدم الضبط والمذهب الثالث قال يجب قبولها حيث تلقاها أصحاب الحديث بالقبول ويجب تأويلنا لبعضها على ما يدفعها عن ظاهرها وإن كان من بعيد اللغة ونادرها قال وهذا هو اعتقادنا قال ولا يختلف العلماء أنه إذا كان طريق ذلك قطعيا كآى القرآن وأخبار التواتر أنه لا يرد بل يبقى على مذهبين اما التأويل أو الحمل على الظاهر.
قال شيخنا قلت: هذا خلاف ما قرره في انتصاره لاصحاب الحديث وإن كان كلامه في هذا الباب كثير الاختلاف وخلاف ما عليه عامة أهل السنة المتقدمين من السلف وناقشه ابن غنيمة١ فقال قد فرض الكلام في الأخبار التي ظاهرها التشبيه وحملها على الظاهر يوجب التشبيه فلم يبق إلا التأويل أو حملها على ما جاءت لا على الظاهر ومن متأخري أصحابنا وغيرهم كابن الجوزى من يجوز التأويل ولا يوجبه فهذا قول آخر والمقالات فيها تبلغ سبعة أو أزيد.
فصل: في شرائط الراوي
فيه كلام المعتزلة فيمن قاتل عليا من الصحابة وغير ذلك وللجوينى فصل في ذكر تعديل الصحابة والرد على من طعن في أحد منهم.
فصل
ينبغي أن يذكر فيه انقسام التواتر إلى خاص وعام أعنى بالنسبة إلى السامعين للخبر وبه يتحقق أن كثيرا من الأخبار متواترة عند أهل الحديث دون من لا يعرفه
стр. 447
مسألة: الخبر المرسل
حجة نص عليه في مواضع وبه قال مالك وأبو حنيفة حكاه عنه أبو الطيب والقاضى في أول مسألة الرضاع في تعليقه والكرخى الحنفي والمعتزلة وذكر أصحابنا رواية أخرى أنه ليس بحجة وهو قول الشافعي وأخذها القاضي من كون أحمد سئل عن حديث فقال ليس بصحيح وعلل بأنه مرسل وهذا لا يخرجه عن كونه حجة فإن أهل الحديث لا يطلقون عليه الصحة وإن احتجوا به وأخذه أيضا من رواية إسحاق بن إبراهيم وقد سئل عن حديث عن النبي ﷺ مرسل برجال ثبت أحب اليك أو حديث عن الصحابة متصل برجال ثبت فقال عن الصحابة أحب إلى وهذا عندى يدل على خلاف ما قال القاضي لأن الترجيح بينهما عند التعارض دليل الأكتفاء بكل واحد منهما عند الانفراد وقد ذكر القاضي في أثناء المسألة عن الشافعي قبول المرسل في أربعة مواضع بشروط ذكرها.
والد شيخنا وأخذ ابن عقيل هذه الرواية أعنى عدم قبوله من روايات ذكرها هى أدل مما ذكره القاضي عن الشافعي١.
وقال شيخنا ذكر القاضي عن الشافعي أنه قال ان كان الظاهر من حال المرسل الثقة من التابعين أن ما يرسله مسند عند غيره قبل منه وقال أيضا المرسل مقبول ممن وجد لاكثر مراسيله أصول في المسانيد وقال المرسل يقبل٢ إذا عمل به بعض الصحابة وقال مرة المرسل يعمل به إذا أفتى به عوام العلماء وقال مراسيل ابن المسيب مقبولة لأنه وجد مراسيله مسانيد فقيل ان الشافعي أراد به قوته من الترجيح لا اثبات حكم٣ به وقيل ان الترجيح لا يجوز بما لا يثبت به حكم ذكره القاضي.
стр. 448
قال شيخنا وليس بجيد وذكر الباجي أن المرسل عندهم إنما يكون حجة إذا كان عادته أنه لا يرسل إلا عن ثقة لأنه قال وربما كان المنقطع أقوى اسنادا من المتصل ولم يفرق.
стр. 449
مسألة: إذا أسند الراوى مرة وأرسل أخرى أو وقف مرة ووصل مرة قبل المسند والمتصل
وبه قالت الشافعية خلافا لبعض أهل الحديث.
стр. 450
مسألة: ومرسل أهل عصرنا وغيره سواء
عند أصحابنا قال ابن عقيل وهو ظاهر كلام أحمد وبه قال الكرخي والجرجاني وقال أبو سفيان مذهب أصحابنا أنه يقبل مرسل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين يشير إلى القرون الثلاثة المثنى عليهم وقال عيسى بن أبان من أرسل من أهل عصرنا حديثا وهو من الائمة الذين يحمل عنهم العلم قبل مرسله ومن حمل عنه الناس المسندون المرسل وقف مرسله وقبل مرسل القرون الثلاثة مطلقا.
فصل:
قال شيخنا قلت: ما ذكره القاضي وابن عقيل أن مرسل أهل عصرنا مقبول كغيره ليس مذهب أحمد فانا نجزم أنه لم يكن يحتج بمراسيل محدثى وقته وعلمائهم بل يطالبهم بالاسناد نعم المجتهدون في الحديث الذين يعرفون صحيحه وضعيفه إذا قال أحدهم ثبت هذا أو صح هذا أو قال أحدهم قال رسول الله ﷺ كذا واحتج بذلك فهذا نعم كتعليق١ البخاري المجزوم به وبحث القاضي يدل على أنه أراد بالمرسل من أهل عصرنا ما أرسله عن واحد فهذا قريب بخلاف ما أرسله عن النبي ﷺ فإن سقوط واحد أو اثنين٢
стр. 451
أليس كسقوط عشرة وحجته لا تتناول إلا ماسقط منه واحد فانه قال المرسل إذا كان ثقة فظاهره أن الذي أرسل عنه عدل وهذا المعنى موجود في أهل الإعصار.
فصل:
قال أحمد مرسلات سعيد بن المسيب أصح المرسلات ومرسلات إبراهيم لا بأس بها وليس في المرسلات أضعف من مراسيل الحسن وعطاء بن أبي رباح فانهما يأخذان عن كل أحد وذكر كلاما كثيرا في ذلك من كلام أحمد.
فصل:١
قال الشافعي في باب بيع اللحم بالحيوان ارسال سعيد بن المسيب عندنا حسن واختلف أصحابه [في ذلك] فمنهم من قال مرسل سعيد وغيره سواء لا يحتج به [وإنما نرجح به] ويقع الترجيح بالمرسل وإن كان لا يجوز أن يحتج به استقلالا ومنهم من قال هو حجة قال أبو الطيب وعليه يدل كلام الشافعي لأنه رواه واحتج به في بيع اللحم بالحيوان وجعله أصلا ولم يذكر غيره ومن قال بهذا قال تتبعت مراسيله فوجدتها [صحيحة] مسانيد.
فصل:
وذكر أبو الطيب في الترجيح أنا نرجح احدى العلتين على الأخرى لموافقتها لحديث مرسل أو قول صحابي مع كونهما ليسا بحجة عنده ولم يذكر فيه خلافا.
стр. 452
مسألة: وإذا كان في الاسناد رجل مجهول الحال فهو على الخلاف
стр. 453
المذكور في المرسل كذا ذكره القاضي وابن عقيل في ضمن مسألة الارسال وذكرا في موضع آخر المسألة مستقلة أنه لا يقبل خبر مستور الحال وذكر القاضي أنه ظاهر كلام أحمد وذكر الخلال في الفتن من العلل مهنا قلت: لاحمد حدثنا سعيد بن سليمان ثنا أبوعقيل يحيى بن المتوكل عن عمربن هارون الأنصاري [عن أبيه] ١ عن أبي هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ : "أشراط الساعة سوء الجوار وقطيعة الأرحام وإن يعطل السير عن الجهاد وإن تختل الدنيا بالدين" فقال ليس بصحيح قلت: لم قال من عمر ابن هارون قلت: لا يعرف قال القاضي هذا الرواية تدل على أن رواية العدل عن غيره ليس بتعديل وتدل على أن الجهالة بعين الراوى تمنع من صحة الحديث مهنا سألت أحمد عن حاتم بن زيد٢ الهمذاني ثقة هو قال [كان يزيد بن هارون يحدث عنه قلت: ثقة هو] ٣ قال لا أدري وكرهه قال وهذه الرواية تمنع أيضا أن تكون رواية العدل تعديلا وقال أبو حنيفة يقبل خبره إذا عرف اسلامه وعدم القبول مذهب الشافعي وذكر المقدسي في قبول رواية مجهول العدالة٤ روايتين [إحداهما لا تقبل والثانية يقبل مجهول العدالة خاصة دون بقية الشروط وكذلك ذكرها أبوالخطاب كشيخه واختار الجوينى الوقف فيه بتفسير ذكره] ٥.
والد شيخنا وذكر القاضي في الكفاية أنه تقبل رواية من عرف اسلامه وجهلت عدالته في الزمن الذي لم تكثر فيه الجنايات فأما مع كثرة الجنايات فلا بد من معرفة العدالة٦.
стр. 454
شيخنا وقال القاضي في ضمن مسألة ما لا نفس له سائلة لما احتج بحديث سلمان فطعن فيه المخالف بأن بقية ضعيف فقال القاضي قولك ضعيف لا يوجب رد الخبر لانك لم تبين [عن] وجه ضعفه [فقال المخالف فيجب أن تتوقفوا عنه حتى يتبين سبب ضعفه] ١ كالبينة إذا طعن فيها المشهود عليه وجب على الحاكم أن يتوقف عن الحكم حتى يبين وجه الطعن فقال القاضي حكم الخبر أوسع من الشهادة إلا ترى أنه يسمع ممن ظاهره العدالة ولا تسمع الشهادة ممن ظاهره العدالة
والد شيخنا الفرق بين رد رواية المستور٢ وقبول الحديث إذا كان في اسناده مستور على طريقة القاضي وغيره ثابت وليس تناقضا لأنه يقول إذا روى العدل عمن لا نعرفه نحن كان هو الذي شافهنا بالرواية فانه ليس [هنا] ما يوجب عدالته كالشاهد المستور عند القاضي [هذا معنى كلام القاضي وغيره] وهو مبني على أن الرواية تعديل [وقد صرح بذلك في ضمن مسألة المرسل] والصحيح في هذه المسألة الذي يوجبه كلام الإمام أن من عرف من حاله الأخذ٣ عن الثقات كمالك وعبد الرحمن [بن مهدي] كان تعديلا٤ دون غيره ويمكن تثبيت رواية المستور في وسط الاسناد على هذا القول بأنه إذا سمى المحدث فقد أزال العذر بخلاف ما إذا قال رجل من بنى فلان فانه لولا اعتقاده عدالته كانت روايته ضياعا.
[شيخنا] ثم رأيت القاضي قد صرح بهذا الفرق في مسألة المستور وأما في مقدمة المجرد فقال الخبر المرسل أن يروى عن رجل ولا يذكر اسمه
стр. 455
أو عمن لم يلقه ثم قال ولا يقبل خبر من لم تعرف عدالته وإن عرف مجرد اسلامه على نصوص أحمد فلأن يعرف١ فيجعل ذلك حجة في رد حديثه فالأول فيمن لم يعرف اسمه وهنا قد عرف.
[شيخنا] فصل٢:
قد ذكر القاضي أن من صور المرسل أن يروى عن مجهول لم يعرف عينه كقوله: "رجل من بنى فلان" فاحتج مخالفه بأن الجهل بعين الراوى أكبر من الجهل بصفته لأن من جهلت عينه جهلت عينه وصفته ثم ثبت أنه لو كان معروف العين مجهول الصفة مثل أن يقول أخبرني به فلان ولا أعرف أثقة هو أم غير ثقة لم يقبل خبره فبأن لا يقبل خبره إذا لم يذكره أصلا أولى فقال القاضي والجواب أنا لا نسلم أن صفته مجهولة لأن رواية العدل عن رجل تعديل له لا يجوز في حقه أن يروى عن فاسق وقد قيل إذا كان فلان معروفا بالاسلام فانه يقبل خبره لأن ظاهر أمره العدالة وترك مواقعة المحظور وجواز أن يكون فعل ما يوجب جرحا في شهادته غير معلوم فلم يكن في معرفة عدالته أكثر من عدم العلم بجرحه فإن قيل فيجب أن تقبل شهادته وإن لم يبحث عن عدالته للمعنى الذي ذكرته قيل تقبل شهادته في احدى الروايتين فعلى هذا لا فرق ولا نقبلها في الأخرى احتياطا للشهادة [كما احتطنا لها] من الوجوه التي ذكرناها.
قال شيخنا قلت: فقد ذكر أنه تقبل رواية المستور وإن لم تقبل شهادته وجعل المجهول العين أجود إذ الرواية عنه تعديل بخلاف المعين الذي صرح بعدم العلم بعدالته فيكون المرسل طبقات أحدها أن يجزم بأن النبي ﷺ قاله الثاني أن يقول حدثنى رجل أو فلان ألا ترى أن شهود
стр. 456
الفرع لو شهدوا بما سمعوه من شهود الأصل جاز وكانت شهادة استفاضة ومتى قالوا أشهدنا فلان أو شاهد فلان فلا بد من البحث عن الأصول الثالث أن يقول ولا أعلم حاله وأما إذا قال حدثني الثقة ففى كونه مرسلا وجهان أصحهما أنه ليس بمرسل ولو قال حدثنى فلان وهو ثقة لم يكن مرسلا بالاتفاق ثم ذكر القاضي مسألة مستقلة أنه لا يقبل خبر من لم تعرف عدالته وإن عرف إسلامه وقد قال أحمد في رواية الفضل بن زياد وقد سأله عن ابن حميد يروى عن مشايخ لانعرفهم وأهل البلد يثنون عليهم فقال إذا أثنوا عليهم قبل ذلك منهم هم أعرف بهم قال وظاهر هذا أنه لا يقبل خبره إذا لم تعرف عدالته لأنه اعتبر تعديل أهل البلد لهم.
قال شيخنا قلت: هذا في كلام حمد كثير جدا قال وحكى عن أبي حنيفة أنه يقبل خبر من لم تعرف عدالته إذا عرف اسلامه واحتج القاضي بأن كل خبر لم يقبل من فاسق كان من شروطه معرفة عدالة المخبر كالشهادة قال ولا يلزم عليه الخبر المرسل لأن رواية العدل عنه تعديل قال وخبر الأعرابي الشاهد بالهلال يحتمل أن يكون النبي ﷺ عرف من حال الشاهد أنه عدل ثقة فلذلك حكم بشهادته قال وليس من شرطه معرفة العدالة الباطنة لأن اعتبارها يشق ويفارق الشهادة لأن اعتبارها لا يشق لأن لها معتبرا وهو الحاكم والاعتبار إليه وليس كل من سمع الحديث حاكما.
قال شيخنا فقد رتبهم أربع مراتب مسلم وعدل الظاهر وباطن وفاسق وكأنه يعنى بالعدالة الباطنة ما يثبت عنه الحاكم وبالظاهرة ما ثبت عند الناس بلا حاكم١ واعتبار هذا في شهادة النكاح قول حسن.
стр. 457
مسألة١ إذا قال العدل
حدثنى الثقة أو من لا أتهمه أو رجل
стр. 458
عدل ونحو ذلك فانه يقبل وإن رددنا المرسل والمجهول لأن ذلك تعديل صريح عندنا وذهب أبو الطيب إلى أنه لا يقبل فانه قال في ضمن مسألة المرسل ان قال قائل قد قال الشافعي أخبرنى الثقة وأخبرنى من لا أتهم ولا يكفى عندكم أن يكون ثقة عنده١ قال فالجواب أنه ذكره لبيان مذهبه وما وجب عليه بما صح عنده من الخبر ولم يذكره احتجاجا على غيره.
وهذا والله أعلم لا يبنى على التعديل المطلق لأنه قد صرح في موضع آخر بأنه يقبل لكن يحتمل أن تكون علته كونه تعديل واحد فإن لهم فيه وجهين ويحتمل أن لا تكون العلة ذلك بل ترك تسمية المروى عنه لأنه إذا سمى وعدل أمكن استعلام جرحه ان كان فيه جرح فإذا لم يعرف فيه جرح مع التصريح بالتعديل قوى أمره بخلاف من لم يسم وهذا أشبه بكلامه وتعليله فعلى هذا لو قال الراوى أخبرنا رجل ثقة أو من لم نتهمه٢ لم يقبل أيضا وقد صرح القاضي والجوينى وأبو الخطاب بهذه الصورة فجعلوها من صور المرسل٣ وحكوا فيها مع غيرها الروايتين والمذاهب واختار الجوينى أن يعمل بالمرسل إذا قال أخبرنى الثقة أو من لا أتهم أوقال الإمام الراوي قال رسول الله ﷺ : إذا كان ممن يوثق بتعديله وتركه فيما عدا ذلك وحكى عن الشافعي كلاما كثيرا مفرقا يشير إلى ذلك.
стр. 459
مسألة: وعدالة الراوي معتبرة
قال الجوينى والحنفية وإن قبلوا شهادة الفاسق لم يجسروا أن يبوحوا بقبول روايته فإن قال به قائل فهو مسبوق بالاجماع وقال مسلم في صحيحه خبر الفاسق غير مقبول عند أهل العلم كما أن شهادته مردودة عند جميعهم.
стр. 460
مسألة: فأما خبر الصبى المميز فقد اختلف فيه الأصوليون
وتردد فيه الفقهاء والجمهور على أنه مردود وذكره القاضي ولم يذكر فيه خلافا وقد يتخرج فيه روايتان كشهادته وولايته واختاره الجوينى وغالى فيه بأن قطع بالرد ومال ابن الباقلانى إلى الحاق هذه [المسألة] ١ بالمظنونات وهذا ظاهر رأى الفقهاء كذا قال الجوينى.
[والد شيخنا] فصل:
فإن تحمل صغيرا وروى كبيرا أو تحمل كافرا أو فاسقا وروى مسلما عدلا قبلت روايته.
قال والد شيخنا١ ويغلب على ظني أن فيه خلافا في مذهبنا٢.
قال شيخنا وكذلك هو ذكره ابن الباقلاني وذكر القاضي أنه إذا تحمل وهو مميز ورواه بعد البلوغ جاز لاجماع السلف على عملهم بخبر ابن عباس وابن الزبير والنعمان بن بشير وغيرهم من أحداث الصحابة وقياسا على الشهادة قال أحمد في رواية أبي الحارث والمروذي وحنبل يصح سماع الصغير إذا عقل وضبط وذكر القاضي حديث محمود بن الربيع في المجة٣ قال وهذا يدل على أن ابن خمس يعقل فيصح سماعه.