مسألة: يصح جعل١ الاسم علة [مستتنبطة]
وإن كان علما نص عليه وهو قول الحنفية فيما ذكره الجرجاني والشافعية فيما ذكره الاسفرايينى وذكر أبوالخطاب أن العلة قد تكون صفة ذاتية وصفة شرعية وقد تكون اسما ولم يذكر الخلاف٢ إلا في الاسماء وقال قوم لا يجوز ذلك في اللقب وقال أبو الخطاب وحكى عن بعضهم أنه لا يجوز ذلك في الاسم سواء كان علما أو مشتقا وذكر القاضي أنه حكى عن قوم أنه لا يجوز مطلقا وذكر ابن برهان الجواز عندهم قال وقال أبو حنيفة لا يجوز واتفقوا على جواز كونه علة
стр. 737
منصوصا عليها ذكره أبوالخطاب وغيره [واختاره القاضي يعقوب] ١.
стр. 738
مسألة: يجوز اثبات الاسماء بالقياس
عند أكثر أصحابنا وأكثر الشافعية قاله القاضي وابن برهان وقالت الحنفية وأكثر المتكلمين لا يجوز منهم الجوينى وجماعة من الشافعية وأبو الطيب ونصره وهذا اختيار أبي الخطاب أعنى منع القياس في اللغة وذكر أبو الخطاب في ضمن مسألة اثبات الاسماء قياسا أنه لا خلاف أن الاسماء والألقاب لا يجوز اثباتها بالقياس ثم ذكر أن الفريقين قالوا إن الالقاب لم توضع على المعنى وإنما وضعت اصطلاحا بخلاف الاسماء المشتقة فانها وضعت علىالمعنى وهذا يقتضي الفرق بين الالقاب العلمية والجنسية ثم ذكر في أثناء الكلام ما يدل على أن ألقاب الاجناس كأعلامها وكذلك أيضا قد استثنى الاستعارة المجازية مثل تسمية البليد حمارا والشجاع أسدا والسخى٢ بحرا وقال بعضهم وأطنه قول ابن الباقلاني لا يجوز التوصل بالعلل إلى اثبات الاسماء فأما التعبد بوضع اسم لشيء من جهة التعليل فصحيح مثل أن يرد السمع بوضع بعض الاسماء لشيء بعلة ويعلق الحكم عليه لأجل تلك العلة ثم ينظر٣ في حال غيره فإن وجد ذلك المعنى فيه أجرى الاسم عليه وعلق الحكم به٤.
стр. 739
مسألة: يجوز القياس على أصل ثبت بالقياس
ولا يشترط كونه مجمعا عليه وبهذا قالت الشافعية والرازي والجرجاني وكذلك ذكر القاضي في ضمن مسألة القياس أنه يجوز في الشرعيات أن يكون الشيء أصلا لغيره في حكم وفرعا لغيره في حكم آخر فأما في حكم واحد فلا يتصور وقال قوم لا يجوز
стр. 740
إلا على أصل ثبت حكمه بدليل مقطوع به من نص أو إجماع وهذا قول القاضي في مقدمة المجرد وذكر عن أحمد ما يدل عليه قال القاضي في المقدمه التي ذكرها في الأصول في آخر المجرد ولا يجوز رد الفرع إلى الأصل إلا أن يثبت الحكم في الأصل بديل مقطوع عليه من كتاب أو سنة أو إجماع هذا ظاهر كلام أحمد في رواية مهنا وقد سئل [هل] ١ يقيس الرجل بالرأى فقال: لا هو أن يسمع الرجل الحديث فيقيس عليه قال وقد لايمتنع أن يقال٢ إذا ثبت الحكم في الأصل لمعنى انه يرد ما شركه في ذلك المعنى من الفروع٣ إليه ثم قال وإذا ثبت الحكم في أصل من الأصول بكتاب أو سنة واستنبط منه معنى قيس به فرع من الفروع٤ جاز أن يستنبط من الفرع علة لا توجد في الأصل ويقاس عليه فرع آخر بتلك العلة لأن الفرع قد ساوى الأصل في ثبوت حكم الوفاقية وجواز استنباط٥ المعنى الذي ذكرناه منه فيصح قياس أحدهما على الآخر وإن اختلفا في كيفية ذلك المعنى الذي ذكرناه.
فتحرر لاصحابنا في القياس على ما لا نص فيه ولا إجماع بل ثبت بالقياس أقوال.
أحدها: لا يجوز مطلقا.
والثاني: يجوز إن اتفق عليه الخصمان كما اختاره أبو محمد وأبو البركات وأكثر الجدليين.
الثالث: أنه يجوز مطلقا وإن كانت العلة في الأصل المحض غير العلة
стр. 741
في الفرع المحض بل في الفرع المتوسط علتان كما ذكره القاضي وابن عقيل والفخر إسماعيل.
والصواب أن العلة إذا كانت واحدة فقد يكون فيه ايضاح وإن كانت في مضمونها بأن كان أحدهما قياس أو كلاهما قياس دلالة جاز لأن الدليل لا ينعكس وإن كانا قياس علة لم يجز وحكى أبو الخطاب عن بعض الشافعية أنه لا يجوز القياس على أصل ثبت بالاجماع بل يختص بما ثبت بكتاب أو سنة وستأتي مفردة واختار المقدسي أنه لا بد أن يكون الأصل ثابتا بنص أو باتفاق الخصمين فأما إن كان مختلفا فيه ولا نص فيه فلا يصح اثباته بالقياس لأنه إن كان بعلة توجد في الأصل والفرع فذكر الأصل المختلف فيه تطويل بلا فائدة وإن كان بعلة لا توحد في الفرع امتنعت علة الفرع وهذا أحسن وأصح١ وكذلك ذكر أبوالخطاب في سؤال القياس٢ أن الأصل إذا لم يكن فيه دليل يخصه فلا يصح القياس عليه إذا كان الخلاف فيه ٣ [كالخلاف في الفرع وكذلك ذكر أبو الخطاب أن الفروع] ٣ لا يقاس بعضها على بعض لأنه ليس أحدها بأن يقاس على الآخر بأولى من العكس في ضمن مسألة تأثير العلة في غير أصلها ثم صرح في سؤال المعارضة بأن الحكم الذي ثبت بالقياس إنما يقاس عليه لغير العلة التي ثبت بها فإن قاس٤ عليه بعلته التي ثبت بها كان باطلا وهذا والله أعلم إذا قاس بدليل العلة فأما إن قاس بعلة لا تستلزم العلة المثبتة فهو باطل لكن قد صرح أبو الخطاب وغيره في المسألة بأنه يجوز القياس بغير علة الأصل لجواز تعليل الحكم بعلتين وإنما يجوز القياس بنقيض علة الأصل٥ وفيها قول
стр. 742
آخر وهو أنه يجوز القياس على أصل ثبت بقياس إن كانت علته دون ما إذا اختلفا في العلة لأنه قد يكون ذلك أسهل على القائس وأوضح وقال الكرخي لا يجوز حمل الذرة على الأرز بل يحملان على البر إذ ليس حمل أحدهما على الآخر بأولى من العكس لتساويهما في أن حكمهما يعرف من جهة واحدة وصور١ القاضي في مقدمة المجرد وابن عقيل المسألة بقوله إذا ثبت الحكم في فرع بالقياس على أصل جاز أن يجعل هذا الفرع أصلا لفرع آخر يقاس عليه بعلة أخرى على أصلنا قال وبه قال أبو عبد الله البصرى فأما القاضي فانما جوزه بالعلة المشتركة بين الفرعين والاصل ولم يتعرض للعلتين وتصوير٢ القاضي هذه المسألة بهذه العبارة ينافى ما ذكره قبل هذا من اشتراط كونه ثبت بنص أو إجماع ولفظ أبي الخطاب يقول انا متعبدون بالقياس على الأصل وإن لم ينص لنا على القياس عليه ولا [أجمعت] ٣ الأمة على تعليله وبه قال أكثرهم وقال بشر بن غياث المريسي لا يجوز القياس على أصل لم تجمع الأمة على تعليله ولم ينص لنا٤ على القياس عليه وقال أبو هاشم لا يقاس إلا على أصل قد ورد النص فيه في الجملة فيقاس في التفصيل مثل ميراث الأخ مع الجد وكلامه في أثناء المسألة يقتضي أن المعتبر عند المريسي كون التعليل ثابتا بنص أو إجماع [فهو يمنع من القياس على أصل لم يثبت بنص أو إجماع] ٥ أنه معلل قال القاضي في مقدمة المجرد إذا ثبت خبر عن النبي ﷺ في حكم يخالف قياس الأصول لم يجز أن يستنبط من ذلك الخبر معنى يجرى في معلولاته إلا أن يرد الخبر معلولا بعلة فيقاس
стр. 743
عليه أو يحصل اتفاق على علته أو يكون مثالا فمضمون قوله أنه لا بد أن يعلم جواز القياس على الأصل المعين بأصل آخر موافق بنص أو إجماع وإن لم يدلا على عين العلة ثم قال وإذا خص العموم جاز أن يستنبط من اللفظ المخصوص معنى يقاس عليه.
قلت وهذا هو القول الذي حكاه القاضي عن ابن حامد أو قول ابن حامد خص منه فانه يشترط أن تكون العلة منصوصة كما يمنع أبو هاشم من اثبات أصل الحكم بقياس فكلاهما متفقان في أن القياس يكون في التفصيل الأول يقول في تعيين العلة والثاني فىتعيين الحكم فيجوز القاضي لموافقته ذلك الأصل وقد أومأ أحمد إلى هذا في مواضع وقال أبو الحسن الكرخي لا يجوز ذلك وعن الشافعية وجهان كالمذهبين وقال ابن برهان يجوز القياس على أصل ثبت بالقياس عندنا خلافا لاصحاب أبي حنيفة وأبى بكر الصيرفى من أصحابنا قال وحرف المسألة جواز تعليل الحكم بعلتين.
[شيخنا] فصل:
الاصول التي ثبت حكمها بنص أو إجماع ذكر أبو الخطاب أنها كلها معللة وإنما تخفى علينا العلة في النادر منها ولفظ القاضي الأصل هو تعليل الأصول وإنما ترك تعليلها نادرا فصار الأصل هو العام الظاهر دون غيره ومن الناس من قال الأصول منقسمة إلى معلل وغير معلل.
стр. 744
مسألة: يجوز اثبات الحدود والكفارات والابدال والمقدرات١ بالقياس
وبه قالت الشافعية خلافا للحنفية إلا أبا يوسف فقد حكى عنه كقولنا ومنصوص
стр. 745
الشافعية كقولنا وقد رد عليهم وأبان تناقضهم بكلام مبسوط ذكره عنه الجويني وعندهم يثبت بالاستدلال وهذا يعود إلى تنقيح المناط وحكى القاضي عنهم أن التقدير لا يثبت إلا بتوقيف أو اتفاق قال وعندنا يثبت بذلك وبالقياس وكلام أحمد في الحدود والكفارات على ما ذكره القاضي قال في رواية المروذي فيمن سرق من الذهب أقل من ربع دينار أقطعه قيل له ولم قال لأنه لو سرق عروضا قومتها بالدراهم كذلك إذا سرق ذهبا أقل من ربع دينار قومته بالدراهم فقد أثبت القطع بالقياس وكذلك نقل عنه الميموني في النصراني إذا زنى وهو محصن يرجم قيل لم قال لأنه زان بعد احصان ونقل عنه جعفر بن محمد في يهودي مر بمؤذن وهو يؤذن فقال كذبت قال يقتل لأنه شتم١ وبعض هذه النصوص قد تكون من باب تحقيق المناط ولا خلاف فيه.
стр. 746
مسألة: ذكرها الجوينى بعد القياس في المقدرات في قياس طهارة النجاسة على طهارة الحدث
وهل هما تعبد أو معقولتا المعنى أو أحدهما دون الأخرى مسألة يجرى القياس في الاسباب عندنا ومنع منه قوم.
стр. 747
مسألة: القياس المركب أصله ليس بحجة
عند المحققين من الشافعية والحنفية وصار الاستاذ أبو إسحاق من الشافعية وجماعة من الطرديين إلى صحتة وجواز التمسك به وهو كثير في كلام القاضي [أبي يعلى وغيره من أصحابنا] وقد أشار إلى الأول أبو الخطاب١.
стр. 748
مسألة: يجوز القياس على أصل مخصوص من جملة القياس وهوالذي تسميه الحنفية موضع الاستحسان١ خلافا لهم في قولهم لا يجوز إلا أن يكون معللا
стр. 749
أو مجمعا على القياس عليه أو يكون هناك أصل آخر يوافقه فيجوز القياس عليه وقول الشافعية وبعض الحنفية واسماعيل بن إسحاق كقولنا وذكر لنا١ أبو الخطاب وجها كالحنفية وقول أكثر المالكية كالحنفية.
стр. 750
مسألة: قال القاضي المخصوص من جملة القياس يقاس عليه ويقاس على غيره
أما القياس عليه فإن أحمد قال في رواية ابن منصور إذا نذر أن يذبح نفسه١ يفدى نفسه بذبح كبش فقاس من نذر ذبح نفسه على من نذر ذبح ولده وإن كان ذلك مخصوصا من جملة القياس وإنما ثبت بقول ابن عباس.
قلت بل هو على وفق القياس في أن نذر المعصية ينعقد٢ وموجبه البدل الشرعي أو كفارة يمين وأما قياسه على غيره فإن أحمد قال في رواية المروذي يجوز شراء أرض السواد ولا يجوز بيعها فقيل له كيف تشترى ممن لا يملك فقال القياس كما تقول ولكن استحسانا٣ واحتج بأن أصحاب النبي ﷺ رخصوا في شراء المصاحف وكرهوا بيعها وهذا يشبه ذاك فقد قاس مخصوصا من جملة القياس٤ [على مخصوص من جملة القياس] ٤.
قلت مضمونه أن موضع الاستحسان يجوز أن يثت بقياس معدول أقوى من القياس الجاري أن تكون الصورة المخصوصة مساوية لصورة يخالف حكمها حكم سائر الصور وبهذا قال أصحاب الشافعي وقال أصحاب أبي حنيفة المخصوص من جملة القياس لا يقاس على غيره ولا يقاس عليه إلا أن يكون معللا كقوله إنها
стр. 751
من الطوافين أو مجمعا على جواز القياس عليه كالمخالف بالاجارة قياسا على البيع ثم ناظرهم في قياسه على غيره مناظرة من ينكر الاستحسان وليس بجيد١ على أصله واعترف في أثناء المسألة٢ بأنه لا يقاس على غيره في اسقاط حكم النص بخلاف قياس غيره عليه.
стр. 752
مسألة: إذا منع المستدل حكم الأصل لم ينقطع
وله الدلالة عليه عند الأكثرين وفرق أبوإسحاق الاسفرائينى بين المنع المشهور والخفي١ وقال قوم يكون منقطعا.
стр. 753
مسألة: ليس من شرط الأصل أن يكون منصوصا على علته في المؤثر والملائم ولا مجمعا على تعليله
وقال بشر بن غياث١ إذا يكن منصوصا على علته ولا مجمعا٢ على تعليله لم يجز القياس عليه حكاه القاضي وابن برهان وهذا هو بشر المريس قال القاضي في المقدمة التي ذكرها في آخر المجرد والعلة المستنبطة لا بد من دليل بدل على صحتها وذلك الدليل هو كونها مؤثرة في الحكم وسلامتها على الأصول من نقص٣ أو معارضة.
قلت ذكر الخلاف أولا في العلة المستنبطة ثم في أثناء الكلام جعل الخلاف فيما علمت بالاستدلال ومورد الخلاف القطعية والمستدل عليها بلفظ الشارع وايمائه لا تكون قطعية فتكون الاقوال ثلاثة حدها لا بد من العلة المنصوصة أو المجمع عليها والثاني لا بد أن يدل عليها دليل شرعى وهو ظاهر ما قاله ابن حامد والثالث يعلم بالعقل تارة وبالشرع أخرى كما اختاره
стр. 754
القاضي وعلى رواية [أنه] لا يستدل على العلة بالدوران ولا بالمناسبة وإن كانت مؤثرة فإن غاية ذلك أن هذا الوصف قد علمنا أن الشرع علق الحكم به في ذلك الموضع فمن أين نعلم أن هذا الحكم أيضا علقه به هذا محض تمثيل فكأنه اثبات لصحة هذا القياس بمجرد القياس والشيء لا يثبت بنفسه فقد صار لاصحابنا في المناسب المؤثر والغريب ثلاثة أقوال وإذا كان هذا في أقيسة المعاني والتعليل ففى أقيسة الأشباه١ والتمثيل أولى ونصه رضى الله عنه أنه لا يقاس الشىء على الشىء إلا إذا كان مثله في جميع أحواله يوافق في قياس التمثيل هذه الرواية في قياس التعليل وأما ما ذكر عن الصحابة فقصة أبي بكر هى من باب الأولى كما دل عليه لفظهم وأما الحرام فلم يختلفوا في علة شىء من الأصول فإن اليمين٢ والطلاق اللذين ألحقوا الحرام بهما حكمهما وعلتهما معروفة بالنص لكن هذا الفرع هل معناه معنى الطلاق أو معنى اليمين فالخلاف كان بينهم في ثبوت الوصف في الفرع الذي هو أحد مقدمتي القياس وهو من باب تحقيق مناط لا من تخريجه وثبوت الوصف في الفرع يعلم بالاستنباط بلا خلاف كما يعلم ثبوت المناط في أعيان الأفعال بالاستنباط بلا خلاف كما قد يختلف في بعض الالفاظ هل هو تصريح أو كناية وكما يختلف في وقوع الطلاق بالفراق والسراح والذي قاله القاضي له وجه كأن منشأ الخلاف استنباط العلة من الأصول المنصوصة أو تحقيقها في الفروع ولو فرض أنهم اختلفوا في علة الطلاق واليمين لكن إنما استفادوا العلة من ايماء القرآن مثل قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ أما مجرد الاستنباط من غير اللفظ ففيه نظر وقد قدمت أن ابن حامد لا يخالف في الاستنباط السمعي كفحوى الخطاب وايمائه واشارته ولحنه وإنما يخالف في أنا بالعقل نعرف علة الحكم.
стр. 755
[شيخنا] فصل:
ثم قال بعد هذا مسألة في العلة المستنبطة كعلة الربا ونحوها الشىء الدال على صحتها يخرج علىوجهين أحدهما أن يوجد الحكم بوجودها ويزول بزوالها وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية أحمد بن الحسين بن حسان فقال القياس أن يقاس الشىء على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله وأقبل به وأدبر فأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال فهذا خطأ قال أبو بكر يعنى في كل أحواله في نفس الحكم لا في عينه لأنه لا بد من المخالفة بينهما والوجه الثاني يفتقر إلى شيئين دلالة عليها ودلالة على صحتها وهو أن يكون الوصف مؤثرا في الحكم المعلل فاذا عرف افتقر إلى سلامته على الأصول وهو أن يسلم من نقض ومعارضة [١فإن عارضها قياس مثلها أو أقوى منها وقفت ولم تكن علة وجه الأول أن العلل يستمر١] هذا الأصل فيها بدلالة المعنى الموجب لكون المحل أسود وجود السواد فالشرعية أولى أن يجوز هذا فيها وقد اتفقت الأمة على أن زنى المحصن هو المعنى الموجب للرجم لما كان الرجم يجب بوجوده ويعدم بعدمه قال ووجه الثاني في أن وجود الحكم بوجودها وعدمه بعدمها لا يدل على صحتها أننا قدجعلنا علة تحريم الخمر وجود الشدة فيه لوجود الحكم بوجودها وعدمه بعدمها فصارت هذه العلة [هى العلة] الموجبة لتكفير المستحل للخمر وإن كانت الشدة توجد في النبيذ ولا يوجد تكفير مستحله والدلالة على٢ أن صحتها تأثير الوصف وسلامتها هو أننا وجدنا أن التي لها أوصاف مكيل ومطعوم ومقتات ومزروع وموزون وله مثل وأجمعنا أن العلة هوالوصف المؤثر في الحكم [دون غيره] .
стр. 756
[شيخنا] فصل:
ذكر القاضي في كتاب الروايتين والوجهين اختلافا في المذهب في صحة العلة المستنبطة فقال إذا ثبت معنى الحكم مقطوعا عليه بنص كتاب أوسنة أو إجماع رد غيره إليه إذا كان معناه فيه وهذا لا اشكال فيه فأما إن كان معنى الأصل عرف بالاستنباط مثل علة الربا [في الزائدة] بكيل أو مطعوم فهل يجب رد غيره إليه أم لا فقال شيخنا أبو عبد الله لا يجب رد غيره إليه فعلى قوله يكون القول ببعض القياس دون بعض وقد أومأ أحمد إليه في رواية مهنا وقد سأله هل نقيس بالرأى فقال لا هو أن يسمع الرجل الحديث فيقيس عليه قال معنى قوله لا يقيس بالرأى يعنى ما ثبت أصله بالرأى لا نقيس عليه.
قلت فكأن القاضي يقول إن اثبات علة الحكم في الأصل هو مثل اثبات نفس الحكم في الأصل بالرأى وهذا قريب وأحمد أراد أنه لا بد في القياس من أصل يرد الحكم عليه يرد بذلك مخالفة ما عليه أهل الرأى من الاستحسان الذي أنكره عليهم وهو وضع المسائل بالرأى والمناسبة المجردة ثم التفريع عليها ومثل هذا قوله إنما القياس أن يقيس على أصل أما أن تجىء إلى الأصل فتهدمه ثم تقول قياس فعلى أى شىء قست وتجد كثيرا من الكوفيين فرعوا١ على أصول موضوعة بعلل ومناسبات تشبه الاستحسان العقلي٢ والمصالح المرسلة وقد يؤخذ من كلامه هذا انكار الاستحسان الحنفي٣ والاستصلاح المالكي وكلامه هذا موافق لكلام الشافعي ويؤخذ من كلامه هذا أنه لا يقاس على أصل ثبت بالقياس كلما اختاره طائفة من الأصحاب وقوله لا يقاس بالرأى قد يؤخذ منه نفى الرأى في حكم الأصل ونفى الرأى في علة الحكم فإن استنباط العلة قياس بالرأى وقوله
стр. 757
أن تسمع الحديث فنقيس عليه اما بتعليل دل كلام الشارع عليه واما تمسك١ بعدم الفارق قال القاضي وعندى أنه يجب رد غيره إليه وقد أومأ إليه في رواية ابن القاسم فقال لا يجوز الحديد والرصاص متفاضلا قياس علىالذهب والفضة قال فقد قاس الحديد والرصاص على الذهب والفضة والعلة في الأصل غير مقطوع عليها لأن العلة عند بعضهم كونها قيم المتلفات وعند ابن عباس٢ معنى آخر.
قال وجه الأول٣ أنه إذا كان معنى الأصل عرف بالاستدلال وغالب الظن فاذا رددنا غيره إليه عرفناه بالاستدلال وغالب الظن من غير أصل مقطوع على معناه وهذا لا يجوز وتحريره أن المعنى المستنبط غير مقعطوع على صحته فلم يجز القياس عليه ووجه الثانية أن الله أمرنا بالاعتبار ولم يفصل بل هذا أولى فإن هذا اعتبار حكمه٤ والذي قالوه اعتبار الفرع فقط فكان بالأمر أخص وإجماع الصحابة أن عمر وعليا قالا لأبي بكر رضيك رسول الله لديننا أفلا نرضاك لدنيانا وهذا قياس على معنى استنبطاه وكذلك قالوا لعمر إنما أنت مؤدب فلا شىء عليك وكذلك اختلافهم في الحرام حيث قال بعضهم يمين يكفر وبعضهم ظهار وبعضهم طلقة واحدة وبعضهم ثلاث فلك فريق إنما راعى معنى استنبطه فرد إليه في هذه الحادثة وكذلك اختلفوا في الخرقاء على خمسة مذاهب على هذا المعنى ولأن الاستدلال إلى القبلة فرض والناس فيه على ضربين من كان قريبا منها بالمعاينة ومن كان بعيدا بالاجتهاد بالدلائل٥ وكلها علامات مستنبطة كذلك الشرع٦ يؤخذ نطقا وهو ما ثبت بنص كتاب أو خبر متواتر ويؤخذ استدلالا وغلبة الظن وهو ما ثبت بأخبار الآحاد وكذلك هاهنا إذ صح
стр. 758
رد الفرع إلى الأصل عرف معناه قطعا صح رده إليه وإن كان معناه عرف استدلالا دون غيره وإن كنا مختلف١ في التأثير فاذا كان الوصف المؤثر معتبرا فلا بد من اعتباره بالأصول فإن سلم من نقض أو معارضة دل على صحتها وإن وقف في أحدهما ثبت أنه ليس بعلة حقيقة الأمر ما ذكره المراغي٢ وقبله الغزالي وقبلهما أبو زيد وهو أن الدوران هل هو دليل على العلية فيه وجهان أحدهما ليس بحجة وسمونه الطرد كما يسمى الحنفية المطرد المحض الدوران وقد جعله ليس بحجة في أحد الوجهين والثاني هو قول أبي الخطاب وابن عقيل أنه حجة وأما التأثير ببعض له مناسبة ثبت تأثيرة في غير تلك الصورة ولم يتعرض القاضي للمناسبة.
قلت هذا الكلام يعود إلى الطرد السالم عن المعارضة وهذا هو القياس الذي كثيرا ما يستعمله القاضي وأهل زمانه من العراقيين وقبله وبعده ويسميه أبو زيد الطرد وذويه٣ الطرديين لكن ما أراد به والله أعلم الطرد المحض الذي يعلم انتفاء٤ علة الأصل معه وإنما أراد به الطرد الشبهي٥ وهو ما يجوز أن يكون متضمنا للعلة لكن اشتراط سلامته عن المعارض يحتمل شيئن أحدهما تعرض المستدل لذلك وهو السبر والتقسيم وهو أن يقال هذا الوصف قد اقترن به الحكم طردا٦ وليس هنا ما يصلح للتعليل غيره والثاني أن لا يتعرض له لكن المعترض ينقض ويعارض وفى الحقيقة فهو سواء في حق المناظر٧ وإنما يختلف في ترتيب المناظرة وهو يعود إلى الجمع والفرق بما بين الأصل والفرع من الصفات وقوله دلالة عليها يريد به التأثير [٨الذي هو وجود الوصف حيث وجد الحكم فإن عدم التأثير٨] عندهم وجود الحكم بلا وصف ولا علة أخرى
стр. 759
كأنه استغنى عنه وقوله دلالة صحتها يريد به السلامة عن النقض والفرق وجعل الأول دليلا عليها لأن العلة المؤثرة في الحكم لا بد أن تكون معه حيث ما كان فهذا أولى ما يعرف به.
ثم قال القاضي [وأبو الطيب١] فأما إذا نازعه الخصم في وصف علته وامتنع من تسليمه ففسره بما يوافقه ويسلمه له وكان اللفظ محتملا لما فسره به قبل منه كما لو قال الحج لا يسقط بالموت لأنه فعل تدخله النيابة [وقد استقر عليه حال الحياة فلا يسقط بالموت كالدين فقيل له لا يثبت لأنه تدخله النيابة] ٢ لأنه يقع عن الحاج عندنا فقال أردت به أنه يأمره بفعله ويقصد المأمور فعله للآمر.
قلت فقد فرقوا بين نقض العلة٣ الذي هو معارضة وبين المنع والذي ذكره أبو محمد في جدله أن له أن يفسر كلامه في جواب النقض بما يوافق الظاهر وبما٤ يخالفه وإن كان النقض لمقدمة قياس الاستدلال الكلي٥.
[شيخنا] فصل:
تلخيص هذا الباب أن الفرع إذا قيس٦ على أصل فاما أن يعلم تأثير ذلك الوصف في الحكم الذي في الأصل بنص كتاب أو سنة٧ أو إجماع أو غير ذلك أما الأول فلا خلاف فيه عند القياسيين وإنما الخلاف هل دليل لغوى مفهوم من اللفظ أو موقوف على دليل القياس؟
стр. 760
وإن علم تأثير الوصف في الحكم الأصل بالاستنباط وكان الوصف مناسبا فاما أن يعلم تأثيره في غير الأصل بنص أو إجماع أو لا يعلم له تأثير في غير الأصل فالاول هو المناسب المؤثر والملائم والثاني هو الغريب ولاصحابنا في هذا الباب ثلاثة أقوال أحدها القول بالجميع كما قرره أبو محمد المقدسي وأبو محمد البغدادي والثاني١ نفى القول بالغريب كما ذكره أبو الخطاب في موضع الثالث عدم بالجميع كما قاله ابن حامد وعلى هذا يتبين لك أن أبا محمد والغزالي قبله يدخلان في قسم المستنبط المناسب المؤثر والمنصوص المناسب المؤثر وهو غلط فإن الأول فيه قياسان وهذا فيه قياس واحد وحقيقة الأمر أن المثبت بالقياس إن كان هو الحكم فقط فهو المنصوص وإن كان الحكم وعلة الأصل٢ فهو المؤثر وأما الغريب فاثبات بمجرد المناسبة غير المؤثرة وحقيقة الأمر في المؤثر أنه قياس لهذا الوصف على ذلك الوصف في علته فهو اثبات للعلة بالقياس وعلى هذا فلا يشترط في المؤثر أن يكون مناسبا وأبو محمد جعله من قسم المناسب ونظير هذا تعليق الحكم بالوصف المشتق هل يشترط فيه المناسبة على وجهين وكلام القاضي والعراقيين يقتضي أنهم لا يحتجون بالمناسب الغريب٣ ويحتجون بالمؤثر مناسبا كان أو غير مناسب ولهم في الدوران خلاف وجميع أدلتهم٤ تقتضي هذا فصار المؤثر المناسب لم يخالف فيه إلا ابن حامد وأما الموثر غير المناسب أو المناسب غير المؤثر ففيهما ثلاثة أوجه وقال ابن عقيل الذي لا شبه له هو الذي يقول الفقهاء لا تأثير له ويقول الخراسانيون الإخالة له فجعل المؤثر هو المحل.
стр. 761
مسألة: إذا جمعت الأمة على حكم جاز القياس عليه
وإن لم يكن فيه نص في قول الجمهور قاله ابن برهان وقال بعض أصحابنا لا يجوز.
стр. 762
مسألة: إذا كان الأصل المجمع عليه لم يجمع على تعليله
بل علله البعض واختلف من علله فمنهم من علل بعلة وعلل بعضهم بأخرى فهل إذا فسدت احداهما يدل على صحة الأخرى ذكر أبو الخطاب فيه مذهبين أحدهما لا يدل وهو ظاهر قول الجوينى والثاني يدل لانها إذا فسدت مع كون القياس والتعليل هو الأصل والتعبد بخلافه يلزم منه تعين الأخرى والاول اختيار أبي الخطاب فيما ذكره المقدسي.
стр. 763
مسألة: وشهادة الأصول طريق في اثبات العلة
كقولنا في الخيل لا يجب الزكاة في ذكورها فلا تجب في اناثها والدليل عليه بقية الأصول من الحيوانات نفيا واثباتا ذكره أصحابنا وعلل أبوالخطاب بأنه يشبه الطرد والعكس وحكى عن الشافعية وجهين.
стр. 764
مسألة: إذا قلنا بأن العلة تتخصص فنقضت على١ المستدل لزمه أن يبين المخصص
وأنه لم يوجد٢ في الفرع ذكره أبو الخطاب في مسألة التخصيص وحكى شيخنا في الجدل قولا آحر أنه لا يلزمه ذلك.
[شيخنا] فصل:
فأما إذا أفسد٣ أحد المتناظرين علة خصمه لم يكن دليلا على صحة علته إذا كان من الفقهاء من يعلل بغير علتيهما كمسألة لربا إلا أن ذلك يكون طريقا في ابطال مذهب خصمه والزامه تصحيح علته.
стр. 765
مسألة: يجوز جعل صفة الإجماع والاختلاف علة كقولنا في المتولد بين الظباء والغنم١ متولد من أصلين تجب الزكاة في أحدهما بالاجماع فوجبت فيه
стр. 766
كالمتولد بين السائمة والمعلوفة وكقول الحنفية مختلف في اباحة لحمه فطهر جلده بالدباغ كالسبع وهذا قول الأكثرين وقال بعض العلماء لا يجوز لأن الاتفاق والخلاف حادث بعد الأحكام.
وهذا هو الذي ذكره القاضي في خلافه في ضمن مسألة النبيذ.
فصل:
قال القاضيان أبو يعلى وأبو الطيب في العلة المنصوص عليها صريحا أو ايماء إذا دل كلام صاحب الشريعة على علة الحكم فإن كان وصفا مطردا فهو كمال العلة وإن انتقض وجب ضم وصف آخر إليه وعلم أن صاحب الشرع لم ينص على كمال العلة وإنما نص على بعضها ووكل الثاني إلى اجتهاد أهل العلم.
وهذا دليل من كلامهما على أن العلة المنصوص عليها يبطلها النقض أيضا وقد صرحا بذلك في أثناء المسألة١.
[٢وذكر القاضي في ضمن مسألة قتل الراهب أن تعليل النبي يجوز تخصيصه٢] وذكر القاضي فيها قولين كما ذكر أبو الخطاب وذكر أبوالخطاب أن من قال بابطال المستنبطة بالنقض لهم في المنصوصة وجهان أحدهما كما ذكرنا والثاني أنها لاتبطل بالتخصيص بخلاف المستنبطة.
وأبومحمد البغدادي إنما حكى الوجهين في العلة المستنبطة فأما المنصوصة فلا تنتقض وأجاب عن النقض بأجوبة أحدها منع وجوب الاطراد بعد دلالة صحتها والثاني منعه في المنصوصة والثالث تسليمه لكن إذا كان التخلف لغير عارض وهل يجب على المستدل بيان المعارض على مذهبين ذكر القاضي بخطه
стр. 767
في التعليل على آخر العدة إذا قلنا لا يحتج بالعلة المقصورة فهل يحكم ببطلانها أو تجعل المتعدية أولى منها يحتمل وجهين.
стр. 768
مسألة: قال أبوالخطاب يجوز عند أصحابنا أن يكون الحكم علة
لحكم آخر كقولنا من صح طلاقه صح ظهاره وقال بعض المتأخرين لا يجوز أن يكون علة وإنما هو قياس دلالة لا علة فيه وعلل أبوالخطاب بأن علل الشارع أمارات وهذه والله أعلم منازعة في عبارة وهذا القول الثاني اختيار ابن عقيل فيما يغلب على ظنى وفخر الدين ابن المنى [والمتأخرين فينظر] .
стр. 769
مسألة: يجوز القياس فيما لم ينص على حكمه أصلا
كقياس لفظ الحرام على الظهار وقال بعض المتكلمين لا يجوز القياس إلا فيما نص على حكمه في الجملة وقال لولا النص على ميراث الأخوة في الجملة لم أجوز اثبات مشاركتهم مع الجد [بالمقايسة١] هذا قول أبي هاشم.
стр. 770
مسألة: لا يصح التعليل بعلة قاصرة على محل النص عند أكثر أصحابنا والحنفية خلافا للشافعى وأبى الخطاب والمالكية ووافقنا بعض الشافعية وعندي أنها علة صحيحة وقد ثبت ذلك مذهبا لاحمد حيث علل في النقدين في رواية عنه بالثمنية وكونه علل بالوزن في الرواية المشهورة فلدليل اقتضى ذلك ولا يلزم منه فساد القاصرة واختيار أبي الخطاب كاختيار المقدسي وذكر أبو الخطاب في موضع آخر أن الجميع رجحوا المتعدية ذكره في مسألة جعل المعلول علة وهذا في المستنبطة فأما القاصرة المنصوصة فيجوز التعليل بها وفاقا ذكره أبو الخطاب مع أن تعليل أحمد بالقاصرة في مثل نهيه أن يبيع الرجل على بيع أخيه كثير جدا بل هو من أكثر القائلين بذلك وذكر القاضي في ضمن مسألة العلة القاصرة لا تفيد الحكم فلا تعتبر فنقض علته بالعلة المنصوصة فقال وأما العلة المنصوص عليها فيحمل الأمر فيها على أنها بيان لعلة المصلحة التي لأجلها
стр. 771
أبيح أو حظر وعلل المصالح لا تعلم بالاستخراج وإنما تعلم بالتوقيف وكلامنا في العلة التي تستخرج من علل الاحكام وليست بمتعدية فقد فرق القاضي بين علل المصالح وعلل الأحكام وكأنه أراد بعلل المصالح الحكم وهذا يقتضي أنه لا يقول بالمناسب الغريب وقد لا يثبت القياس في الاسباب بالحكم ثم أعاد هذا المعنى وبسط القول في هذه المسألة.
стр. 772
مسألة: لا يجوز تخصيص العلة المستنبطة وتخصيصها نقض لها
نص عليه واختلف فيه أصحابنا علىوجهين ذكرهما أبوإسحاق ابن شاقلا في شرح الخرقي وذكرهما الخرزي وأبو حفص البرمكي أحدهما كالمنصوص اختاره القاضي وأبو الحسن١ بن الخرزي وبه قال المالكية وأكثر الشافعية وجماعة من المتكلمين وبعض الحنفية وذكر القاضي كلام أحمد الدال على منع تخصيص العلة من قوله القياس أن يقاس الشىء على الشىء إذا كان مثله في كل أحواله إلى آخره.
[قال شيخنا] وفيه نظر فانه ذكر هذا أنه احدى الروايتين في مسألة قياس الشبه مع أن التخصيص لا يمنع أن يكون الفرع مثل الأصل في كل أحواله إذا جبر النقض بالفرق ثم ذكر أن أبا إسحاق حكى فيها وجهين قال وقول أحمد القياس يقتضي أن لا يجوز شراء أرض السواد لأنه لا يجوز بيعها ليس بموجب لتخصيص العلة لأن تخصيص العلة لا يمنع من جريانها في حكم خاص وماذكره أحمد إنما هو اعتراض النص على قياس الأصول في الحكم العام وقد يترك قياس الأصول للخبر.
قلت هذا أحد الاقوال الخمسة والثاني يجوز تخصيصها ذكره أبوإسحاق ابن شاقلا عن بعض أصحابنا وقال القاضي في مقدمة المجرد وهذا ظاهر كلامه في كثير من المواضع ولم يذكر غيره واختاره أبو الخطاب [٢وقد ذكر الشيخ هنا وغيره أن أحمد نص على امتناع تخصيصها.
стр. 773
قلت وقد ذكر القاضي في مقدمة المجرد أن القول بجواز تخصيصها هو ظاهر كلام أحمد في كثير من المواضع.
قلت فصارت على روايتين منصوصتين١] ولفظه هى صحيحة٢ حجة فيما عدا المخصوص وبه قالت الحنفية وبعض الشافعية ومالك وكذا قال أصحابنا وأبو الطيب وأنكر عبد الوهاب صحة هذا عنهم وحكى ابن برهان عن الشافعي نفسه والمتقدمين من الحنفية كالاول ونصره وقال أبوالخطاب كلام أحمد يحتمل القولين معا.
[قال شيخنا] تلخيص قول أبي الخطاب في تخصيص العلة أنه لا يجوز تخصيصها إلا بدليل شرعى يدل على موضع التخصيص وسواء كان المخصص نصا أو غير نص وهذا يقتضي جواز تخصيصها وإن لم يبن في صورة التخصيص مانع يقتضي استثناء تلك الصورة من مواضع العلة فهو يخصها بعموم الادلة لا بخصوص العلل وقال إن مدعى العلة يحتاج إلى تبيين ما يدل عليها في الأصل ويبين أن الموضع الذي يخص دلت عليه دلالة صحيحة منعت من تعليقه على العلة فأما إذا لم يبين ذلك ووجدت علته مع عدم حكمها فهى منتقضة فاسدة وكلامه في المسألة يقتضي أنها تخص لا أن العلة مانعة لكن يكفى في صحتها وجود الحكم معها في الأغلب كما يكفى في صحة الدليل وجود مدلوله في الأغلب وجعل عمدة قوله إن العلة أمارة والامارة لا يجب وجود حكمها معها على كل حال وإن كان ترك الدليل والعلة لا يجوز إلا الموجب.
وهذا القول عندي خطأ وهو قول من أبي تخصيص العلة فأما جواز تخصيص المانع فلا ينبغي أن يشك فيه والخلاف فيه لفظي اصطلاحي واختار أبو محمد أنه يجوز تخصيص المنصوصة بالدليل مطلقا كاللفظ وأما المستنبطة فلا يجوز تخصيصها إلا لفوات شرط أو وجود مانع أو ما علم أنه مستثنى تعبدا وهل على المستدل أن يحترز في الأصطلاح اختار استحسان ذلك في الشرط دون المانع لأن
стр. 774
الشرط أمر وجودي فيصير في هذا ثلاثة أقوال واختيار أبي محمد البغدادي اشتراط الاطراد إلا في المنصوصة أو فيما استثنى عن القواعد كالمصراة والعاقلة.
[قال شيخنا] الذي يظهر في تخصيص العلة أن تخصيصها يدل على فسادها إلا أن يكون لعلة مانعة فانه إذا كان لعلة مانعة فهذا في الحقيقة ليس تخصيصا وإنما عدم المانع شرط في حكمها فإن كان التخصيص بدليل ولم يظهر بين صورة التخصيص وبين غيره فرق مؤثر فإن كانت العلة مستنبطة بطلت وكان قيام الدليل علىانتفاء الحكم عنها دليلا على فسادها وإن كانت العلة منصوصة وجب العمل بمقتضى عمومها١ إلا في كل موضع يعلم أنه مستثنى بمعنى النص الآخر.
وحاصلة أن التخصيص بغير علة مانع مبطل لكونها علة وإذا تعارض نص الأصل المعلل ونص النقض وهو معلل فلا كلام وإن لم يكن معللا بقى التردد فى الفرع هل هو في معنى الأصل أو هو في معنى النقض وقد علم تبعه للاصل دون النقض.
وتلخيصه أن العلة لا تخص إلا العلة٢ كما أن الدليل لا يخص إلا بدليل فإن كانت مستنبطة فلا بد من بيان العلة المخصصة وإن كانت العلة منصوصة كفى بيان دليل مخصص فهذا لمن تأمل حقيقة الأمر.
وأخصر منه أن العلة المستنبطة لا يجوز تخصيصها إلا لعلة مانعة وأما المنصوصة فيجوز تخصيصها لعلة مانعة أو دليل٣ مخصص وهذا في الحقيقة قول المتقدمين الذين منعوا تخصيص العلة.
وقال القاضي فى كتاب القولين هل يجوز تخصيص العلة الشرعية وهو أن
стр. 775
توجد العلة ولا حكم قال شيخنا أبوعبد الله لا يجوز ومتى دخلها التخصيص لم تكن علة وقد أومأ إليه أحمد ف رواية الحسين بن حسان فقال القياس أن يقاس الشىء على الشىء إذا كان مثله في كل أحواله فأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال فهذا خطأ قال ومن أصحابنا من قال يجوز تخصيصها فيكون دلالة على الحكم في عين دون عين قال وهو المذهب١ الصحيح ومسائل أصحابنا تدل عليه قال في رواية بكر بن محمد في المذي يغسل ذكره كما جاء في لأثر ولو كان القياس لكان يغسل موضع المذى وإنما هو الاتباع قال فقد بين أن القياس كان يقتضى غسل نفس الموضع ولكن ترك القياس في ذلك لدليل أولى منه وهو حديث علي وإذا كان من مذهبه جواز ترك القياس لدليل أقوى منه جاز تخصيصه في موضع لدليل وذكر نصه في رواية أبي طالب والمروذى في أموال الكفار وفى أرض السواد لثقته في قول الصحابي قال ومن أصحابنا من منع تخصيص العلة فقوله يفضي الىترك قل أحمد في المسائل التي ترك القياس فيها٢.
[شيخنا] فصل:
القائلون بتخصيص العلة لا تفسد العلة بالنقض عندهم إذا كان التخصيص بدليل فأما المانعون من تخصيصها فالنقض مفسد للعلة عندهم ثم تارة يكون التعليل لجنس الحكم فيكون كالحد وتارة لعين الحكم٣ فإن كانت لالحاق الحكم انتقضت بأعيان المسائل وإن كان التعليل لاثبات حكم مجمل لم ينتفض إلا بالنفى المجمل٤ وإن كان التعليل لنفى مجمل انتقض باثبات مجمل أو مفصل وإن كان