← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 11814

المسودة في أصول الفقه

مجد الدين بن تيمية

Полный текст (1 027 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

مسألة: لا يجوز أن يعتدل قياسان أو أمارتان في المسألة الواحدة أو خبران يختلفان على شىء واحد بأن يوجب أحدهما الحظر والاخر الاباحة بل لا بد من وجود المزية في أحدهما فإن ظهرت للمجتهد صار اليها وإن خفيت عنه وجب أن يجتهد في طلبها ويقف إلى أن يتبينه وهذا قول أصحابنا القاضي وابن عقيل وأبى الخطاب وغيرهم وبهذا قالت الشافعية والكرخي وأبو سفيان السرخسي وحكاه الاسفرائيني عن أصحابه وقال أبوبكر الرازي والجرجاني والجبائي وابنه وابن الباقلاني وزعم أن هذا بحكى عن الحسن البصري وعبد الله العنبري١ وإن أبا حنيفة حكى عنه التخيير في وجوب زكاة الخيل وتركه وقال إن هذا قول من يقول كل مجتهد مصيب وهو قول الأشعري ذكره في كتاب الاجتهاد قال وليس للمفتى أن يخير المستفتى ولا للحاكم أن يخير الخصوم ولا أن يحكم في وقت بحكم وفى وقت آخر بحكم آخر بل يلزم أحد القولين وذكر أن هذا قول هؤلاء ثم هل يتعين عليه وعلى العامي إذا خير بين المفتين أحد الاقوال بالشروع فيه كالكفارات أو بالالتزام كالنذور لهم فيها قولان. قلت هما نظير الوجهين لنا في جواز انتقال الإنسان عنه. وذكر أبو الخطاب أن الأمة مجمعة أن مسائل الاجتهاد ليس المجتهد مخيرا فيها

стр. 842

وبعض المتكلمين يجوز ذلك وإذا تساويا في نفس المجتهد خير في الأخذ بأيهما شاء وهذا قول أبي علي الجبائي وأبي هاشم حكاه ابن عقيل قال وبالاول قال الفقهاء وكذلك حكاه عنه أبو الخطاب وهذا قول ابن عقيل في ضمن مسألة القياس فانه قال ولسنا نمنع تكافؤ الصفات التي يقيس١ بها القائسون وكون الصفة لها دلالة على تعلق الحكم بها في حق من غلب على ظنه منهم أن الحكم متعلق بها دون ما عداها وإن تكون أحكام الله في الحادثة وتعليل حكمه مختلفة في حقوق المجتهدين وفرضه عليهم في ذلك مختلف لأن ذلك ليس بمستبعد وسنورد في ذلك ما يقتضيه في موضعه حتى انه إذا تساويا عنده تساويا يمتنع معه الترجيح كان المجتهد مخيرا كما خير المكفر ثم ذكر قول أصحابنا ثم قال في أثناء المسألة فإن قيل قد يشبه الفرع أصلين متضادي الحكم أحدهما حلال والآخر حرام ويشارك كل واحد منهما في صفة من الصفات يقتضي عند المجتهد الحكم فيها بحكمهما جميعا فما الذي تصنعون فيه قيل يكون عندنا مخيرا في الحكم بأيهما شاء على ما نبينه بعد إن شاء الله ثم ذكر أنا وكل من يقول إن الحق في جهة واحدة وليس كل مجتهد مصيبا وهم أكثر القياسين يمنع من تكافؤ القياسين وأما من قال بالتساوي فحكمه التخيير وإنما يجىء على قول من يقول كل مجتهد مصيب وحكى الجرجاني قول الكرخي وقال هذا خلاف ما قاله أبو حنيفة في سؤر الجمار لما تساوى فيه الدليلان توقف فيه. قلت وليس هذا بصحيح لأن أبا حنيفة لم يخير في الأخذ بأيهما شاء بل عمل بالاحوط وجمع بين الدليلين حسب الامكان حيث قال يتوضأ به ويتيمم والقول بالتكافؤ والتخيير قول أبي هاشم من المعتزلة ذكره ابن برهان وأبو الخطاب بعد مسألة كل مجتهد مصيب.

стр. 843

وقال القاضي في مسألة تعارض البينتين وأيضا فإن البينة حجة في الشرع والحجتان إذا تعارضتا ولم يكن لاحداهما مزية على الأخرى كان حظهما السقوط كالنصين والقياسين إذا تعارضا. وقال أيضا في حديث أبي موسى لما روى فيه أنه قسم مع قيام البينتين وروى أنه لا بينة لهما فقال وإذا تعارضت الروايتان سقطتا وكذلك قد يذكر مثل هذا في كثير من الروايات المختلفة انها تتساقط١ فهذا إن أخذ على ظاهره صار قولا ثالثا بأن الادلة تتكافأ فتتساقط وقد جعله محل وفاق مع الحنفية وغيرهم فكيف والخلاف في التكافؤ والتوقف والتخيير مشهور والتوقف المشهور من قولنا في الادلة هو احدى الروايتين عن مالك وقول للشافعى في البينات وإن تأول هذا على تعارض حديثين معينين أو قياسين معينين مع أنه لا بد له في المسألة من دليل غيرهما يعمل به فهذا ممكن ويحمل على حديثين أو قياسين ليس مع أحدهما ما يرجح به لكن هذا يمنع الترجيح بدليل منفصل ويوجب أنه إذا تعارض دليلان متكافئان وعلمنا بثالث كان لسقوطهما لا لرجحان أحدهما فهو مشكل أيضا اللهم إلا أن يفسر ترجيح أحدهما بسقوطهما لكن هذا يخرم عليه ما ذكره في البينات من الفرق بين التساقط والترجيح. [شيخنا] فصل: اتفقوا على أنه لا يجوز تعادل الادلة القطعية لوجوب وجود مدلولاتها وهو محال وكذاك الادلة الظنية عندنا ذكره القاضي وأبو الخطاب وبه قال الكرخي وأبو سفيان السرخسي وأكثر الشافعية وقال الرازي والجرجاني والجبائي وابنه يجوز ذلك وذهب قوم إلى جوازه في القطعيات ذكره يوسف ابن الجوزي وقد ذكر

стр. 844

القاضي فيما اختصره من اصول الدين والفقه رأيته بخطه لا يجوز تكافؤ الادلة في أدلة التوحيد وصفات الله وأسمائه والقضاء والقدر وأما دلائل الفروع مثل الصلاة والصيام والحج والزكاة وغير ذلك فيجوز أن تتكافأ وقال بعد هذا والمجتهد إذا أداه اجتهاده إلى أمرين متناقضين فحكمه حكم العامي يجب عليه أن يقلد غيره ولا يجوز القول بالتخيير. قلت وكذا يجب أن يقال إذا تكافأت عنده وعجز عن الترجيح فعلى هذا يكون التقليد بدلا لا يصار إليه إلا عند العجز عن الاجتهاد.

стр. 845

مسألة: إذا تعادلت الادلة عند المجتهد فحكمه الوقف عند أصحابنا قال صالح كنت أسمع أبي كثيرا يسأل عن الشىء فيقول لا أدري وربما قال سل غيرى ومن قال بجواز تعادل الامارات قال يتخير بين الإعتقادين كما خير العامي بين المفتيين إذا اختلفا. قال أبو الخطاب وأما القبلة فلا يجوز أن تتساوى الأمارات عنده [فيها] ومتى وجد ذلك جعلناه بمنزلة الأعمى يقتدى بغيره فيها ولا يتخير [أى الجهات شاء كما نقول في مسألتنا إذا تساوت عنه وقف حتى يذاكر غيره أو يفكر فتترجح عنده احدى الامارتين ولا يتخير١] وإن سلم التخيير في جهات القبلة فلان حكم القبلة أخف ولهذا يجوز تركها مع العلم في حال المسايفة وفى النافلة وقد ذكر ابن عقيل في موضع أنه إذا اعتدل عنده القياسان يخير ولكن هل يجوز تساويهما في نفس الأمر لابن عقيل فيه قولان وقياس ما ذكره أبو الخطاب في القبلة أنه يقلد إذا استويا عنده كما قلنا على وجه انه يقلد عند ضيق الوقت وقد ذكرت لاصحابنا كلاما في ذلك عند مسألة التقليد. وذكر أبو المعالي أنه إذا تكافأ عنده وجها الاجتهاد فكل واحد من المصوبة والمخطئة اختلفوا هل يقلد عالما أكبر كالعامي أو يتوقف أو يتخير على ثلاثة أقوال.

стр. 846

[والد شيخنا] مسألة: يجوز للمجتهد أن يحكم في الحادثة وإن لم يحكم فيها قبله وهل الأفضل به ذلك أو التوقف إذا وجد غيره اختلف أصحابنا في ذلك فيما حكاه عنهم ابن حامد فذهب طائفة منهم إلى أن التوقف أفضل مطلقا وذهب بعضهم إلى أن ما كان من الفروع حكم فيه وما كان من الأصول توقف [فيه] وذهب ابن حامد إلى أن الأفضل أن يحكم في الجميع مطلقا وتعلق الأولون بقول أحمد في رواية الميموني إياك أن تتكلم بكلمة واحدة ليس لك فيها إمام وتعلق الآخرون بغير ذلك وتعليل كل قول في تهذيب الأجوبة لابن حامد وقد صرح١ ابن عقيل والدينورى عن أحمد رواية أن كل مجتهد مصيب من دلالته على استفتاء غيره. قلت ويؤخذ ذلك أيضا من قوله للذى صنف ما في الحديث من الاختلاف [والأحاديث] المتضادة وسماه كتاب الاختلاف قال لا تسمه كتاب الاختلاف ولكن سمه كتاب السعة٢ وروى الخلال ذلك عن طلحة بن مصرف وقال عمر ابن عبد العزيز ما أحب أن لى باختلاف أصحاب محمد حمر النعم وقد بسط ابن عقيل ذلك.

стр. 847

مسألة: لا يجوز للمجتهد أن يقول في شىء واحد ووقت واحد بقولين مختلفين وحكى عن الشافعي أنه أجاز ذلك ذكره في مواضع من كتبه وقسم أبو الطيب ما كان منه إلى أربعة أقسام.

стр. 848

مسألة: المصالح المرسلة لا يجوز بناء الاحكام عليها قاله ابن الباقلاني ني وجماعة المتكلمين وهوقول متأخري أصحابنا أهل الأصول والجدل وقال مالك يجوز ذلك وقد ذكر أبو الخطاب في تقسيم الادلة الشرعية أن الاستنباط قياس

стр. 849

واستدلال والاستدلال يكون بأمارة أو علة ويكون بشهادة الأصول والاستدلال بالعلة أو الامارة هو المصالح قال ابن برهان الحق ما قاله الشافعي قال إن كانت ملائمة لأصل كلي [من أصول] الشريعة أو لاصل جزئي جاز لنا بناء الاحكام عليها وإلا فلا قال وسنبين أن مالكا لا يخالف هذا المذهب وقسم المقدسي في ذلك تقاسيم كثيرة وأنكر بعض أصحابنا أن يكون فيها مذهب ثالث وذكر مثل قول مالك قولا قديما للشافعى وحكى ذلك عن أبي حنيفة.

стр. 850

مسألة: الاستحسان كان أبو حنيفة وأصحابه يقولون به وأنكره الشافعي عليهم وبسط أبو الخطاب القول فيه عقيب تخصيص العلة قال القاضي عبد الوهاب المالكي ليس بمنصوص عن مالك إلا أن كتب أصحابنا مملوءة من ذكره والقول به ونص عليه ابن القاسم وأشهب وغيرهما. وفسره الحلواني بأوجه ويحتمل عندي أن يكون الاستحسان ترك القياس الجلى وغيره لدليل نص من خبر واحد أو غيره أو ترك القياس لقول الصحابي فيما لا يجرى فيه القياس كما تقدم. وهذ ظاهر كلام أبي الخطاب في كتاب الهداية في مسألة العينة حيث قال لا يجوز استحسانا فلينظر إن كان ذكر ذلك أحد ثم انى رأيت الفخر إسماعيل في كتابه الجدل قد ذكر هذا الذي ذكرته بعينه في تفسير الاستحسان أعنى ترك القياس للحديث المخالف للقياس اللائق بتفسير الاستحسان ما ذكرته ثانيا من ترك القياس لمخالفة الصحابي له أعنى فيما لا يجرى فيه القياس فإن الحنفية وافقونا في أن الصحابي إذا قال قولا لا يهتدي إليه القياس حمل على أنه قاله توقيفا والشافعية خالفونا في ذلك وكذا الحنفية وافقونا في الاستحسان والشافعية خالفونا وهذا وجه حسن إن شاء الله. [قال شيخنا] وقد أطلق أحمد القول بالاستحسان في مواضع قال في رواية الميموني أستحسن أن يتيمم لكل صلاة والقياس أنه بمنزلة الماء يصلى به حتى يحدث أو يجد الماء

стр. 851

وقال في رواية بكر بن محمد فيمن غصب أرضا فزرعها الزرع لرب الارض وعليه النفقة وهذا شىء لا يوافق القياس ولكن أستحسن أن يدفع إليه نفقته وقال في رواية المروذى يجوز شراء أرض السواد ولا يجوز بيعها فقيل له كيف يشترى ممن لا يملك فقال القياس كما تقول ولكن هو استحسان وقال في رواية صالح في المضارب إذا خالف فاشترى غير ما أمره به صاحب المال فالربح لصاحب المال ولهذا أجرة مثله إلا أن يكون الربح يحيط بأجرة مثله فيذهب وكنت أذهب إلى أن الربح لصاحب المال ثم استحسنت. وبه قال أصحاب أبي حنيفة وذكر عن اياس ابن معاوية وكتب مالك مشحونة بالاستحسان وكذلك قال الشافعي أستحسن في المتعة قدر ثلاثين درهما١ وقد أنكر الشافعي وأصحابه القول بالاستحسان وقال أحمد في رواية أبي طالب أصحاب أبي حنيفة إذا قالوا شيئا خلاف القياس قالوا نستحسن هذا وندع القياس فيدعون ما يزعمون أنه الحق بالاستحسان وأنا أذهب إلى كل حديث جاء ولا أقيس عليه قال القاضي هذا يدل على ابطال القول بالاستحسان. قال أبو الخطاب وعندى أنه أنكر عليهم القول بالاستحسان من غير دليل ولهذا قال يتركون القياس الذي يزعمون أنه الحق بالاستحسان فلو كان الاستحسان عن دليل ذهبوا إليه لم ينكره لأنه حق وقال أنا أذهب إلى كل حديث جاء ولا أقيس عليه معناه أني أترك القياس بالخبر وهذا هو الاستتحسان بالدليل وفصله فصولا أحدها في أن هذه التسمية صحيحة الثاني في حده قال والذي يقتضيه كلام أصحابنا أن يكون حد الاستحسان العدول عن موجب القياس إلى دليل هو أقوى منه لأنه لم يرد لفظه إلا في أنه ترك الحكم إلى حكم هو أولى

стр. 852

منه قال وليس بشيء لأن الأحكام لا يقال بعضها أولى من بعض ولا بعضها أقوى من بعض وإنما القوة للأدلة. قلت هذه مناقشة لفظية وحده بعضهم بأنه ترك القياس [إلى قياس أقوى منه قال وهذا باطل فإنهم إذا تركوا القياس١] لنص أو تنبيه كان استحسانا. وحده بعضهم بأنه ترك طريقة الحكم إلى [طريقة] أخرى أولى منها لولاها لوجب البنيان٢ على الأولى. وحده الكرخي بأنه العدول عن أن يحكم في المسألة بمثل ما حكم في نظائرها لوجه هو أقوى من الأول. قال وهذا معنى الذي قبله ويلزم عليه أن يكون العدول عن العموم إلى التخصيص استحسانا [والعدول عن العموم إلى الخصوص استحسانا٣] . [شيخنا] فصل٤: قال أبوالخطاب ومعنى الاستحسان أن بعض الأمارات تكون أقوى من القياس فيعدل اليها من غير أن يفسد القياس وهذا راجع إلى تخصيص العلة قال وشيخنا يمنع من تخصيص العلة وينصر القول بالاستحسان ولا أعرف لقوله وجها وقد أورد القاضي على نفسه هذا في مسألة تخصيص العلة وفرق بين تخصيصها وبين ترك قياس الأصول للخبر قال ولانهم قد يعدلون في الاستحسان عن قياس وعن غير قياس فامتنع أن يكون معناه تخصيصا بدليل.

стр. 853

قلت إذا لم نقل بتخصيص العلة أخذ من موضع الاستحسان قيدا فجعله قيدا في العلة ويتبين بذلك أن تلك لم تكن علة تامة كما يتبين بالمخصص أنها لم تكن عامة فلا فرق بين القول بتخصيص العلة وعدم تخصيصها وهذا الذي قاله أبو الخطاب يوافق قول أبي الحسين وابن الخطيب وغيرهما. وفسر الحلواني الاستحسان بأنه ترك [القياس لدليل أقوى منه من كتاب أو سنة أو إجماع قال وفسره بعض الناس بأنه ترك القياس١] بما يستحسنه بعض الناس من غير دليل وأنكر الكرخي هذا وقال هو العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل يخصها وقال بعضهم هو القول بأقوى الدليلين وقال غيره هو تخصيص العلة وقد أومأ أحمد إلى كلام يقتضى أن القول بالاستحسان باطل وبه قال الشافعي ثم ذكر في أثناء كلامه في قوله ما رآه المسلمون حسنا أنه عام في جميعهم وفى بعضهم وقال الاستحسان هو الأخذ بأقوى الدليلين وأشبههما بالحق وإن خالف ما يجوز أن يجعل دليلا على الحكم وذكر أن الاستحسان هو القول بأقوى الدليلين فيما حكمنا٢ بصحة كل واحد من الدليلين قال ومسائل الخلاف بين الفقهاء لا نحكم بصحة أدلة من خالفنا بل نعتقد فسادها فلهذا لم يطلق على جميع مسائل الخلاف اسم الاستحسان. قلت وهذا الكلام منه يقتضى أن الاستحسان ترجيح أحد الدليلين على الآخر وهذا معنى قول القاضي ولفظ الاستحسان يؤيد هذا فانه اختيار الاحسن وإنما يكون في شيئين حسنين وإنما يوصف القول بالحسن إذا جاز العمل به لو لم يعارض ثم رأيت هذا الذي ذكره الحلواني قد ذكره بعينه القاضي فالاستحسان عنده أعم مما هو عند أبي الخطاب فتارة يقول هو أقوى القياسين وليس بعام فانه ذكر الاستحسان بالكتاب والسنة والاجماع كشهادة أهل

стр. 854

الذمة والزرع في أرض الغير واسلام النقدين في الموزونات وتارة يقول هو أقوى الدليلين وهذا أعم منه وقول أبي الخطاب دليل أقوى من القياس الذي عارضه. فصل: ذكر فيه ابن برهان انقسام الاحكام في عللها إلى أربعة أقسام كلها راجع إلى التقسيم في الحكم التي هى المظان ١ [ثم ذكر الأقسام الأربعة في فصل آخر كذلك] وكذلك ذكر الجوينى [في أربع قوائم أقساما خمسة ثم ذكر مسألة ترجم لها في الكلام على الكتابة الفاسدة وبسط كلاما كثيرا في أشياء نحو ثلاث قوائم قبيل الإعتراضات٢] .

стр. 855

مسائل التقليد والاستصحاب ونحوهما مسألة: معرفة الله لا تجب قبل السمع مع القدرة عليها بالدلائل قاله القاضي قال وقد قال أحمد ليس في السنة قياس ولا يضرب لها الأمثال ولا تدرك بالعقول إنما هو الاتباع. قلت ليس في هذا الكلام ما ينفي وجوب المعرفة والتفكر قبل الرسالة وإنما فيه أن مخبرات الرسول لا تقف على العقول خلافا للمعتزلة. وذكر أبوالخطاب أن هذه المسألة مبنية على العقل فإن قلنا لا حكم للعقل كان كذلك وإن قلنا له ذلك وجب على كل عاقل الايمان بالله والشكر له. فصل: قال ابن عقيل لا يتأتى أن يكون الإنسان مطيعا في نظره الأول الذي هو مقدمة العرفان عند أهل التحقيق وذكر دليل ذلك ودخلا عليه وجوابه في آخر

стр. 856

كتابه في قولهم عليه أن يعرف ذلك قبل أن يرد السمع فإن لم يفعل فهو كافر معاند وقالوا المراهق إذا بلغ حدا يميز ويعقل وجب عليه أن يعرف الله تعالى فإن لم يفعل فهو كافر معاند. فصل: قال أبو المعالى الصبى يتصور منه الاجتهاد ويصح مه وعند المعتزلة يجب عليه إذا ميز الاتيان بالمعارف العقلية حتى إذا مضت مدة يمكن فيها الإستدلال ولم يأت بالمعارف مات كافرا قال وقد حكى عن أحمد أنه قال الصبى المميز مكلف وادعى فيه الإجماع قال وقطع القاضي بأنه غير مكلف وادعى فيه الإجماع قال وتكليفه جائز عقلا١ وأما وقوعه فيغلب على الظن انتفاؤه من غير قطع فإن الإجماع المدعى لم يتحقق عندنا وقد صار أحمد إلى تكليفه وقال ابن سريج تجب عليه الصلاة وجوب مثله ولسنا نقطع باجماع الصحابة على صحة إسلامه ولا ردته ولا منعهما ولا نقطع بانتفاء العقاب عنه في الآخرة وحديث رفع القلم مظنون. قال القاضي الطريق إلى حصولها أدلة يشترك فيها العالم والعامي وهى أمور عقلية وهى كسبية مختارة للعبد وموهبة من الله تعالى ولا تقع ضرورة وذكر عن أحمد كلاما يدل على هذا وهو أنه قال معرفة الله في القلب تتفاضل فيه وتزيد قال وهذا يدل على أنها كسبية لأنها تزيد بزيادة الأدلة ولو كانت ضرورية لم تزد ٢كما٣ لا يزيد علم الضروريات قال خلافا لمن قال المعرفة موهبة تقع ضرورة ولا يتوصل إليها بأدلة العقول قال وربما ذهب إلى هذا قوم من أصحابنا قال والمذهب على ما ذكرنا وقد قال أحمد في رواية

стр. 857

حمدان١ بن علي المرجئة تقول إذا عرف ربه بقلبه وإن لم تعمل جوارحه هذا كفر ابليس قد عرف ربه فقال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ ٢ قال فقد نص على حصول المعرفة لابليس ولو كانت موهبة لم تحصل له. هذا الذي ذكره القاضي لا ينافى ما حكاه عن بعض أصحابنا لأنه مبنى على أنها ضرورة عندهم والضرورة لا تزيد وكلتا المقدمتين ممنوعة فانهم إنما يقولون أصل المعرفة بالله ورسوله ضرورة وأما الزيادة الحاصلة بتدبر القرآن ونحوه فما أظنهم يقولون هى ضرورة وأما الثانية فإن القاضي يقول إن العقل علوم ضرورية وهو عنده يزيد وينقص فالزيادة في الضروريات وأما طعن أحمد على المرجئة بمعرفة ابليس فهى المعرفة الفطرية وما المانع من أن تكون هذه موهبة من الله بل ذلك أقوم في الحجة عليه من أن تكون حاصلة بكسبه ولو حصلت بكسبه لا يثبت عليها فأما المعرفة الايمانية فلم تحصل له ومن قال المعرفة ضرورية فقد أراد الفطرية وفى ارادته لهذه نظر.

стр. 858

مسألة: قال القاضي وابن عقيل وأبو الخطاب والحلواني مسائل الأصول المتعلقة بالاعتقاد في الله وما يجوز عليه وما لا يجوز وما يجب له ويستحيل عليه لا يجوز التقليد فيها وكذلك أطلق الحلواني أن العامى لا يجوز له التقليد في أصول الدين وحكى عن عبد الله١ بن الحسن العنبرى أنه يجوز ذلك٢ قال ابن عقيل وسمعت الشيخ أبا القاسم بن البقال يقول إذا عرف الله وصدق رسوله وسكن قلبه إلى ذلك واطمأن به فلا علينا من الطريق تقليدا كان أو نظرا أو استدلالا حتى إن الطريق الفاسد إذا أداه إلى معرفة الله تعالى كفى

стр. 859

فلو قال أنا أعرف الله من طريق أنى دعوت يوما في غرض لى فكان ذلك الغرض وما دعوت سواه فدلنى على اثباته وذكر مثالا آخر. فصل: ثم قال ابن عقيل في آخر كتابه لا يجوز للعامى أن يقلد في التوحيد والنبوات قال وهذا مذهب الفقهاء وأهل الأصول والكلام ثم فسر ذلك بأنه إنما هو حدوث العالم وإن له محدثا وأنه مستوجب لصفات مخصوصة منزه عن صفات مخصوصة وأنه واحد في ذاته وصفاته خلافا لما حكى عن بعض الشافعية أنه أجاز تقليده في ذلك وكذلك أبو الخطاب ميله إلى هذا الكلام وذكر أبو الخطاب [ما بعده أيضا١] قال ابن عقيل ولم يختلفوا في أنه ليس له أن يقلد في أصول الشريعة كوجوب الصلوات وأعداد الركعات. قال شيخنا قال أحمد انه لا يجوز٢ التقليد فيما يطلب فيه الجزم ولايثبت إلا بدليل قطعي ويجوز التقليد فيما يطلب فيه الظن واثباته بدليل ظني ولا اجتهاد في القطعي ويلزم شرعا كل مسلم مكلف قادر معرفة الله بصفاته التي تليق به والايمان بما صح عن الله ورسوله ﷺ مع التنزيه عن التشبيه والتجسيم والتكييف والتمثيل والتفسير والتأويل والتعطيل وكل٣ نقص وهى أول واجب لنفسه٤ [سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا] .

стр. 860

مسألة١ العامى الذي ليس معه آلة الاجتهاد٢ في الفروع يجوز له التقليد

стр. 861

فيها عند الشافعية والجمهور قال أبوالخطاب ويجوز له الرجوع إلى أهل الحديث في الخبر وكون سنده صحيحا أو فاسدا ولا يلزمه أن يتعلم ذلك بالاجماع فأولى أن يجوز له تقليد العالم وذكره القاضي وسائر أصحابنا وإمامنا وسواء في ذلك ما يسوغ فيه الاجتهاد وما لا يسوغ فيه الاجتهاد وصرح به ابن عقيل قال وهو قول الأكثرين وقال قوم من المعتزلة البغداديين لا يجوز له أن يقلد في دينه وعليه أن يقف على طريق الحكم [فإذا سأل العالم فانما يسأله أن يعرفه طريق الحكم١] فاذا عرفه عمل به وقال أبو علي من الشافعية لا يجوز له التقليد فيما لا يسوغ فيه الاجتهاد خاصة وكذلك حكى ابن برهان [١المذهب الثاني عن أبي علي الجبائي أن عليه أن يعلم كل مسألة بدليلها١] قال ومن الناس من قال يجب عليه ذلك في المسائل الظاهرة دون الخفية. فصل: قال شيخنا أول أركان الاسلام ومبانيه الخمسة قولا وفعلا وعملا في حق كل مكلف الشهادتان نطقا إن أمكن واعتقادا جازما بموجبهما ومقتضاهما وقيل والتزام أحكام الملة واشارة مفهومة من الأخرس ونحوه وهما معلومتان عرفا ومن جهلهما تشريعا ثم الصلاة ولا تصح بدون طهارة شرعية مع القدرة عليها ولا يجب تحصيل شرط الوجوب والإيجاب بل يجب تحصيل شرط أداء ما وجب كالوضوء والغسل وازالة النجاسة والتيمم ونحو ذلك للصلاة الواجبة عليه قبل ذلك. قال المصنف قلت: وهذا مناقض لما حكيناه عنه صريحا أن له التقليد في الفروع فيما يسوغ فيه [الاجتهاد وما لا يسوغ فيه ذلك١] وحكايته التفصيل في ذلك عن أبي علي الشافعي وذكر أبوالخطاب نحوه فقال في أصول هذه العبادات

стр. 862

إن الناس أجمعوا على أنه لا يسوغ فيها التقليد لأنه ثبت بالتواتر ونقلته الأمة خلفها عن سلفها فمعرفة العامي به توافق معرفة العالم كما تتفق١ معرفتهما بأخبار التواتر في الحسيات اختاره القاضي وابن عقيل وأبو الخطاب. قال والد شيخنا الذي ذكره القاضي أنه لا يجوز التقليد في معرفة الله ووحدانيته والرسالة ولا في السمعيات المتواترة الظاهرة كالصلوات ووجوب الزكاة وصيام شهر رمضان وحج البيت لاستواء الناس في طرق علم ذلك وهذا مطابق لما ذكره ابن عقيل فأما الفروع التي ليست متواترة ظاهرة فيسوغ التقليد فيها وإن كان فيها ما لا يسوغ فيه الاجتهاد لإجماع غير مشهور أو نص يعرفه الخاصة مثل وجوب الشفعة وحمل العاقلة دية الخطأ وكون الطواف والوقوف ركنين في الحج وتفاصيل نصب الزكاة وفرائضها وقطع اليمنى من يد السارق وتنجس الدهن بموت الفأرة إلى غير ذلك من أحكام مجمع عليها لا تعد ولا تحصى مجمع عليها لا يسوغ فيها الاجتهاد والاختلاف ومع هذا فهى غير ظاهرة ظهور أصول الشرائع فيسوغ فيها التقليد لأن تكليف العامى معرفة الفرق بين مسائل الإجماع والاختلاف يضاهي تكليفه درك حكم حوادثه بالدليل ولهذا يكفر جاحد الأحكام الظاهرة المجمع عليها وإن كان عاميا دون الخفية فما فرق بينهما في التكفير فرق في التقليد وكذلك أيضا منع التقليد في جميع مسائل الأصول فيه نظر بل الحق ما ذكره القاضي وابن عقيل أن المنع في التوحيد والرسالة فانهما ركنا الإسلام وفاتحة الدعوة وعاصمة الدم ومناط النجاة والفوز فأما تكليف عموم الناس درك دقائق المسائل الأصولية بالدليل فهو قريب من تكليفهم ذلك في الفروع فليميز الفرق فإن تراجم هذه المسألة مختلفة في كلام أصحابنا وغيرهم. قال شيخنا وكذلك قال أبو الخطاب الذي لا يسوغ٢ التقليد فيها هو معرفة

стр. 863

الله ووحدانيته ومعرفة صحة الرسالة وذكر أن الادلة على هذه الأصول الثلاثة يعرفه كل أحد بعقله وعلمه وإن لم يقدر العامى على أن يعبر عنه قال وبه قال عامة العلماء وقال بعض الشافعية يجوز للعامى التقليد في ذلك قال ولا يختلف الشافعية أنه ليس للمكلف المسلم أن يقلد في وجوب الصلاة والصوم عليه ونحو ذلك فأولى أن لا يجوز التقليد في الوحدانية والنبوة ثم قال وكذلك أصول العبادات كالصلوات الخمس وصيام رمضان وحج البيت والزكاة فإن الناس أجمعوا على أنه لا يسوغ فيها التقليد لأنه ثبت بالتواتر ونقلته الأمة كلها خلفها عن سلفها ثم أطلق أبوالخطاب أن العامى لا يجوز له التقليد في مسائل الأصول وقال في البحث مع ابن سريج لو خشى المكلف أن يموت لم يجز له التقليد في معرفة الله والوحدانية.

стр. 864

مسألة: التقليد في الأصول يتكلم فيه مواضع أحدها هل يجوز للمقلد في التصديق بما يجب به التصديق الثاني لو لم يجز فإذا وقع التصديق بتقليد أو استدلال فاسد هل يصح الإيمان ويعاقب على ترك الواجب أم لا يصح الثالث التقليد١ فيما لا يجب الايمان به ابتداء لكن لا يجوز القول فيه إلا بالحق كمسائل الخلاف الدقيقة. وقد استدل ابن عقيل وغيره بآيات ذم التقليد وهى إنما ذمت من قلد في باطل واستدل بالاشتراك في طرق الأصوليات وأنها عقلية مشتركة٢ كاشتراك المجتهدين في السمعيات وهذا ليس على اطلاقه بل في بعضها من الغموض أكثر مما في كثير من السمعيات وجحد ذلك مكابرة لا سيما وعندنا أن مدارك الصفات السمع وهو قد جعل المدرك العقل فقط وقد رد على ابن البنا٣ بشيئين أحدهما أن الطمأنينة لا تحصل إلا بطريقها الثاني أن الطريق أكثر البعدين إذ هو رأس العمل في تحصيل العلم.

стр. 865

١ [شيخنا] فصل: التقليد قبول القول بغير دليل فليس المصير إلى الإجماع تقليدا لأن الإجماع دليل وكذلك يقبل قول الرسول ﷺ ولا يقال له تقليد بخلاف فتوى الفقيه وذكر في ضمن مسألة التقليد أن الرجوع إلى قول الصحابي ليس بتقليد لأنه حجة وقال فيها لما جاز له تقليد الصحابة لزمه ذلك ولم يجز له أن يخالفه٢ بخلاف الأعلم وقد قال أحمد في رواية أبي الحارث من قلد الخبر رجوت [له] أن يسلم إن شاء الله فقد أطلق اسم التقليد على من صار إلى الخبر وإن كان حجة في نفسه.

стр. 866

مسألة: للعامى أن يقلد في الفروع أى المجتهدين شاء ولا يلزمه أن يجتهد في أعيان المجتهدين في قول القاضي وأبى الخطاب وجماعة من الفقهاء وذكر القاضي وأبو الخطاب أنه ظاهر كلام أحمد كما ذكر القاضي أن العامي١ يتخير بين المفتين ولا يلزمه الاجتهاد قال فإن قيل فهلا قلتم يلزمه الأخذ بقول من غلظ كما قلتم إذا تقابل في الحادثة دليلان أحدهما حاظر والآخر مبيح قيل له فرق بينهما وقال ابن عقيل لا يتخير بل يلزمه الاجتهاد في أعيان المفتيين الأدين والأورع ومن يشار إليه أنه الأعلم وقال ذكره أحمد ولم يحك في المذهب فيه خلافا وذكره القاضي أبو الحسين بن القاضي أبي يعلى ابن الفراء في العامى هل يلزمه الاجتهاد في أعيان المفتين أم له الأخذ بقول أيهم شاء على روايتين إحداهما مثل قول القاضي والجمهور منا والثانية مثل قول ابن عقيل ذكر ذلك في الإتمام٢ لكتاب الروايتين والوجهين وبهذا قال ابن سريج والقفال وكذلك ذكر

стр. 867

ابن برهان لهم الوجهين وذكره الخرقي فقال يقلد الأعمى أوثقهما في نفسه وذكر أبو الخطاب في ضمن مسألة تعادل الأمارات فيها وجهين أحدهما يجتهد في أعيان المفتين ويقلد أعلمهما وأدينهما عنده وأخذ أصحابنا أن له أن يقلد من شاء من أهل الاجتهاد من قوله في رواية الحسن بن زياد١ وقد سأله عن مسألة في الطلاق فقال إن فعل حنث فقال له يا أبا عبد الله إن أفتاني انسان يعنى أنه لا يحنث فقال تعرف حلقة المدنيين حلقة بالرصافة فقال له إن أفتوني به حل قال نعم قال وهذا يدل على أن العامى يخير في المجتهدين وذكر أبو الخطاب قول من قال يلزمه أن يجتهد في أعيانهم أيهم أعلم وقد أومأ الخرقي إلى نحو هذا في مسألة القبلة ووجه أبو الخطاب الأول بالاجماع وبأن معرفة٢ الأعلم تتعذر على العامى قال أبوالخطاب فإن اجتهد في العلماء فاستوى عنده علمهم فإن كان٣ أدين وجب عليه تقديم الادين على أحد الوجهين وعلى الوجه الآخر هما سواء فإن كان أحدهما أعلم والآخر أدين فقال بعضهم هما سواء وقال آخرون يعتمد٤ الأعلم فإن استووا عنده في العلم والدين كان مخيرا في الأخذ بأى أقاويلهم شاء لأنه ليس بعضهم بقبول قوله أولى من بعض قال وإن أفتاه اثنان واختلفا فهل يخير بينهما وقبل مع التساوى عنده أو بأخذ بأغلظهما أو أشدهما أو بأخفهما أو بأرجحهما دليلا أو بقول أعلمهما وأورعهما أو الأعلم أو الأورع أو يسأل مفتيا آخر فيعمل بقول من وافقه منهما وقيل أو من خالفه فيه أوجه ذكرت. قال شيخنا قلت: بعض هذه الوجوه إنما هى فيما ينسب إلى الإمام من

стр. 868

أقواله لا فيما يقلده العامى من أقوال العلماء المختلفين وأين اختلاف أقوال الواحد إلى اختلاف القائلين. [شيخنا] فصل: يجب على العامى قطعا البحث الذي به يعرف صرح المفتى للاستفتاء إذا لم تكن قد تقدمت معرفته١ بذلك ولا يجوز له استفتاء من اعتزى إلى العلم وإن انتصب في منصب٢ لتدريس أو غيره ويجوز استفتاء من تواتر بين الناس أو استفاص فيهم كونه أهلا للفتوى وعند بعض الشافعية إنما يعتمد على قوله إذا كان أهلا للفتوى لأن التواتر لا يفيد العلم إلا في المحسوس٣ ورب شهرة لا أصل لها ويجوز له استفتاء من أخبر المشهور المذكور عن أهليته وأطلق أبو إسحاق الشيرازى وغيره أنه يقبل فيه خبر الواحد العدل وينبغي أن يشترط فيه أن يكون عنده من العلم والبصر ما يميز به الملبس من غيره قال أبو عمرو ولا ينبغي أن يكفى في هذه الأزمان مجرد تصديه للفتوى واشتهار بمباشرتها لا بأهليته لها فإذا اجتمع اثنان ممن يجوز استفتاؤهم فهل يجب عليه الاجتهاد في أعيانهم فيه وجهان أحدهما وهو عند العراقيين قول الأكثر والصحيح أنه لا يجب الثاني أنه يجب قاله ابن سريج والقفال وصححه صاحبه القاضي حسين والأول أصح لكن متى اطلع على الأوثق منهما فالاظهر أنه يلزمه تقليده دون الآخر كما يجب تقديم أرجح الدليلين فيقدم أورع العالمين وأعلم الورعين والأعلم أولى من الأورع في الأصح وهل يجوز له أن يتخير ويقلد أى مذهب شاء فإن كان منتسبا

стр. 869

إلى مذهب معين انبنى على أن العامى هل له مذهب فيه وجهان حكاهما أبو الحسين أحدهما لا فله أن يستفتى من شاء من أهل المذاهب الثاني وهو أصح عند القفال والمروذى له مذهب فلا يحوز له إن كان شافعيا أن يستفتى حنفيا ولا يخالف إمامه قال أبوعمرو وقد ذكرنا في المفتى المنتسب ما يجوز له مخالفة امامه وإن لم يكن قد انتسب إلى مذهب معين انبنى على أنه هل يلزمه التمذهب بمذهب معين فيه وجهان ذكرهما ابن برهان أحدهما لا يلزمه ذلك قال أبو عمرو فعلى هذا هل له أن يستفتى على أى مذهب شاء أو يلزمه أن يبحث حتى يعلم علم مثله أشد المذاهب وأصحها أصلا فيستفتى أهله فيه وجهان كما في أعيان المفتين والثاني يلزمه ذلك وبه قطع الكيا وهو جار في كل من لم يبلغ رتبة الاجتهاد من الفقهاء وأرباب سائر العلوم قال فعلى هذا ليس له أن يتبع في ذلك مجرر التشهى والميل إلى١ ما وجد عليه أباه وليس له التمذهب بمذهب أحد أئمة الصحابة وإن كانوا أعلم لأنهم لم يتفرغوا٢ لتدوين العلم وضبط أصوله وفروعه فليس لاحد منهم مذهب وإنما قال بذلك من جاء بعدهم ثم ذكر رجحان مذهب الشافعي علىمن قبله قال ثم لم يوجد بعده من بلغ محله في ذلك فإن اختلف عليه فتوى مفتيين ففيه أوجه أحدها الأغلظ والثاني الأخف والثالث يجتهد في الأوفق فيأخذ بفتوى الأعلم الأورع واختاره السمعاني الكبير ونص الشافعي على مثله في القبلة والرابع يسأل مفتيا آخر فيعمل بفتوى من وافقه٣ والخامس يتخير فيأخذ بقول أيهما شاء وهو الصحيح عند أبي إسحاق واختاره ابن الصباغ فيما إذا تساوى عنده مفتيان قال أبوعمرو والمختار أن عليه الاجتهاد في الأرجح فيعمل به٤ فانه حكم التعارض وليس هذا من الترجيح المختلف فيه

стр. 870

عند الاستفتاء فيبحث عن الأوثق من المفتيين فيعمل بفتواه فإن لم يترجح عنده أحدهما استفتى آخر فيعمل بفتوى من وافقه الآخر فإن تعذر ذلك وكان اختلافهما في الحظر والإباحة وقبل العمل بذلك اختار الحظر وإن تساويا من كل وجه خيرناه بينهما وإن أبينا التخيير في غيره لأنه ضرورة وإنما يخاطب بهذا المفتون وأما العامى الذي وقع له ذلك فحكمه أن يسأل عن ذلك ذينك المفتيين أو غيرهما. [شيخنا] فصل: ومن جوز للعامي تقليد الأعلم فانه يجوز له أن يترك تقليده ويعمل على اجتهاد نفسه ذكره القاضي بما يقتضي أنه محل وفاق قال بخلاف العامى فانه يجب عليه الرجوع إلى قوله وصرح ابن عقيل بذلك فقال ولا خلاف بيننا أنه يجوز ترك اجتهاد غيره والتعويل على اجتهاد نفسه وإن كان الغير أعلم منه. [شيخنا] فصل: قال ابن عقيل اختلف الأصوليون والفقهاء في تقليد العامى لقول ميت من مجتهدى السلف إذا لم يبق مجتهد في العصر يفتى بقوله هل يجوز أم لا فذهب قوم إلى أنه لا يجوز تقليد مذاهب الموتى [ذكره ابن عقيل] .

стр. 871

مسألة١ فإن استويا عنده في العلم والدين فله التخيير بينهما وإن استويا وواحد منهما أدين فعلى من ذكرنا من الوجهين فإن قلنا لا يتخير وكان أحدهما أعلم والآخر أدين فهل هما سواء فيتخير أو يقدم الأعلم على مذهبين ذكرهما أبو الخطاب.

стр. 872

فصل: فإن لم يكن في البلد إلا عالم واحد رجع إليه وسقط عنه فرض الاجتهاد في طلب الأعلم والاورع ذكره ابن عقيل في أواخر كتابه ولم يحك فيه خلافا.

стр. 873

مسألة: وإذا استفتى عالمين فأفتاه أحدهما بالاباحة والآخر بالحظر فله أن يأخذ بقول أيهما شاء ولا يلزمه الأخذ بالحظر هذا كلامه في رواية الحسن بن زياد١ لما سأله عن مسألة الطلاق فقال إن فعل كذا حنث فقلت إن أفتاني انسان لا أحنث قال تعرف حلقة المدنبين قلت: فإن أفتوني به حل قال نعم وقال عبد الجبار [بن أحمد] وبعض الشافعية يلزمه الأخذ بالاحوط وهذه المسألة٢ فيما إذا استويا عنده في العلم والدين. قال والد شيخنا فأما إن كان أحدهما أعلم فهو على الخلاف المتقدم وذكر أبو الحسين ابن الفراء في هذا وجهين.

стр. 874

مسألة: فإن قلنا يلزمه ذلك فما طريقه اختلفوا١ فيه فقال بعضهم يقلد من انتشر صيته وظهر علمه واشتهر وقيل يسأله ويبنى على قوله ومن الناس من قال يحلف على ذلك.

стр. 875

مسألة: وإذا استفتى العامى عالما في حكم فأفتاه ثم حدث له حكم مثل ذلك لزم العالم أن يحدث لها اجتهادا ثانيا ولا يفتى بما أفتى أولا فيكون مقلدا لنفسه ولزمه اعادة الاستفتاء ولا يكتفى بالاول وكذلك الحاكم يكرر الاجتهاد عند كل حكومة وكذلك المجتهد في القبلة عند كل صلاة ذكر ذلك كله القاضي وابن عقيل ولم يذكرا خلافا وللشافعية وجهان ذكرهما ابن برهان وغيره أحدهما

стр. 876

كذلك والثاني يجوز للعامى أن يكتفى بالفتوى الأولى قال أبو عمرو وهو أصح١ وللمجتهد أن يبنى على اجتهاده السابق مع كونه شاكا في الحال وخص ابن الصباغ الخلاف بما إذا قلد حيا وقطع فيما إذا كان خبرا عن ميت أنه لا يلزم العامى تجديد السؤال قال أبوعمرو والمفتى على مذهب الميت قد يتغير٢ جوابه على مذهبه.

стр. 877

مسألة١ لا يجوز للمجتهد تقليد مجتهد آخر سواء في ذلك ضيق الزمان وسعته نص عليه في رواية الفضل بن زياد ذكرها ابن بطة أن أحمد قال له يا أبا العباس لا تقلد دينك الرجال فإنهم لم يسلموا من أن يغلطوا وقال في رواية أبي الحارث لا تقلد أمرك أحدا منهم وعليك بالأثر [والاجتهاد٢] قال القاضي فقد منع من التقليد وندب إلى الأخذ بالاثر [٣وإنما يكون هذا فيمن له معرفة بالأثر والاجتهاد٣] قال أبو الخطاب وعن أبي حنيفة [في جوازه] روايتان إحداهما جوازه والثانية المنع منه وبه قال الشافعي والصيرفى وابن أبي هريرة وأبو يوسف وإسحاق وقال أبو حنيفة ومحمد يجوز حكاه أبو سفيان [عنهما] في مسائله وكلامهم في المسألة يدل على الأعلم فقط ولم يفرق بين أن يكون الزمان واسعا أو ضيقا وكذلك ذكر هذا ابن حامد ف أصوله عن بعض أصحابنا وبعض المالكية واختاره٤ ابن سريج مع ضيق الوقت وحكى عن محمد أنه أجازه لمن هو أعلم منه ولم يجزه لمن هو مثله أو دونه وكذلك جزم به عنه ابن برهان وأبو الخطاب

стр. 878

ولم يذكر عن أحد تقليد المساوى مع السعة. قال والد شيخنا وحكى الحلواني عن أبي حنيفة ومحمد أنه يجوز تقليد من هو أعلم منه ولا يجوز تقليد من هو مثله قال وحكى عن سفيان الثورى وإسحاق أنه يجوز له تقليد غيره بكل حال قال أبو الخطاب وروى عن ابن سريج مثل قول محمد الأخير وروى عنه أنه يجوز مع ضيق الوقت لا مع سعته قال وقال بعض الشافعية إن لم يجتهد فله أن يقلد على الإطلاق وإن اجتهد لم يجز له التقليد قال وقد حكى عن أبي إسحاق الشيرازي أن مذهبنا جواز تقليد العالم للعالم وهذا لا نعرفه عن أصحابنا وقد بينا كلام صاحب مقالتنا١ وهذا الذي ذكره أبو الخطاب يدل على أن المجيزين على٢ الإطلاق جوزوا التقليد بعد الاجتهاد٣ حيث جعل التفصيل٤ قولا ثم ذكر في أثناء المسألة أن المجتهد لو اجتهد فأداه اجتهاده إلى خلاف قول من هو أعلم منه لم يجز ترك رأيه والأخذ برأى ذلك الغير فوجب أن لا يجوز وإن لم يجتهد لأنه لا يأمن لو اجتهد أن يؤديه اجتهاده إلى خلاف ذلك القول فقد جعل المنع من تقليده بعد الاجتهاد محل وفاق. قال شيخنا قلت: هذا [في٥] تقليد الصحابة عند من جعله من صور المسألة ليس بصحيح فإن العلماء صرحوا بجواز ذلك وإن خالف رأينا وفي كلام بعضهم ما يدل على أنهم كانوا يقلدون في مخالفة رأيهم وأما وقوع هذا بالفعل من أتباع الائمة فكثير لا ينحصر. وذكر أيضا أبو الخطاب أنه لاخلاف في أنه يجوز ترك قول الأعلم لاجتهاده

стр. 879

ثم ذكر بعد هذا أن قول الصحابي ليس من صور هذه المسألة فانه يجب عليه ترك اجتهاده لقول الصحابي عند من جعله حجة ولا يجب عليه تقليد غيره وحكى أبوالمعالي في كتاب الاجتهاد عن الإمام أحمد قال فأما تقليد الصحابة قال أحمد العالم قبل اجتهاده يقلد الصحابي١ ويتخير في تقليده من شاء منهم ولم يجوز تقليد التابعين واستثنى عمر بن عبد العزيز وجوز تقليده وهذا غريب قال وقال الشافعي في القديم قول الصحابي حجة ويجب على المجتهدين٢ التمسك به ثم قال يقدم على القياس الجلى والخفى وفى رواية على الخفى دون الجلى وظاهر مذهبه في القديم أنه حجة إذا لم يظهر خلاف في الصحابة ونقل عنه في القديم إذا اختلفوا فالتمسك بقول الخلفاء أولى وقال في الجديد لا حجة في قول الصحابي والاختيار عنده إذا انطبق على القياس لم يكن حجة وإذا خالف القياس الجلى فلا يخالفه إلا توقيف قال وقد بنينا على هذا مسائل في الفروع كتغليظ الدية بالحرمات الثلاث قال وعلى هذا يجب أن يقال يجب على بعض الصحابة الأخذ بقول البعض في محل لا قياس فيه فاذا اختلفوا فهو كأخبار متعارضة وعند القاضي قوله ليس بحجة وإن خالف القياس٣. [شيخنا] فصل: ذكر أبو الخطاب في كلامه مع ابن سريج أنه لا يجوز له التقليد مع ضيق الوقت قال هو والقاضي وابن عقيل لأن الاجتهاد شرط في صحة فرضه في الحادثة وعلى الاستدلال في الأصول فلم يسقط بخوف فوت الوقت كسائر الشروط مثل الطهارة والستارة في الصلاة وقاس٤ ابن عقيل على الاستفتاء في حق العامى

стр. 880

[وعلى الاستدلال في الأصول١] وقال أبوالخطاب أيضا لما قيل له انه لا يمكنه أداء فرض باجتهاده قال القاضي لا يجوز اعتبار المتمكن بالعاجز كما لا يجوز اعتبار من لم يجد الماء والسترة بمن يقدر عليهما ولكنه يخاف فوت الوقت إن استعملهما قال أبوالخطاب لا نسلم الوصف لأن فرضه يؤديه بعد اجتهاده قال إن كانت العبادة مما يجوز تأخيرها للعذر جاز هاهنا لأن اجتهاده عذر له في التأحير وإن كانت مما لا يجوز تأخيرها كالصلاة وغيرها فانه يفعلها على حسب حاله ويعيد وكذلك من حبس في موضع نجس يصلى ويعيد. قال شيخنا قلت: هذا الأصل المنصوص فيه عدم الاعادة وكذلك احدى الروايتين أن الرجل لا يجب عليه صلاتان فعلى هذا يصلى في الوقت ولا يعيد وهذا قول ابن سريج بعينه٢ فثبت أن ظاهر مذهبنا وعلى قياس قول أبي محمد في القبلة٣ أنه يجتهد وإن خرج الوقت تفوت العبادة وهذا لا يمشى فانه قد يكون أحد القولين وجوب فعلها في الحال والآخر تحريم فعلها فكيف يصنع مثل هذا إلا التقليد فالصواب قول ابن سريج.
следующие страницы →