كذلك والثاني يجوز للعامى أن يكتفى بالفتوى الأولى قال أبو عمرو وهو أصح١ وللمجتهد أن يبنى على اجتهاده السابق مع كونه شاكا في الحال وخص ابن الصباغ الخلاف بما إذا قلد حيا وقطع فيما إذا كان خبرا عن ميت أنه لا يلزم العامى تجديد السؤال قال أبوعمرو والمفتى على مذهب الميت قد يتغير٢ جوابه على مذهبه.
стр. 877
مسألة١ لا يجوز للمجتهد تقليد مجتهد آخر سواء في ذلك ضيق الزمان وسعته نص عليه في رواية الفضل بن زياد ذكرها ابن بطة أن أحمد قال له يا أبا العباس لا تقلد دينك الرجال فإنهم لم يسلموا من أن يغلطوا وقال في رواية أبي الحارث لا تقلد أمرك أحدا منهم وعليك بالأثر [والاجتهاد٢] قال القاضي فقد منع من التقليد وندب إلى الأخذ بالاثر [٣وإنما يكون هذا فيمن له معرفة بالأثر والاجتهاد٣] قال أبو الخطاب وعن أبي حنيفة [في جوازه] روايتان إحداهما جوازه والثانية المنع منه وبه قال الشافعي والصيرفى وابن أبي هريرة وأبو يوسف وإسحاق وقال أبو حنيفة ومحمد يجوز حكاه أبو سفيان [عنهما] في مسائله وكلامهم في المسألة يدل على الأعلم فقط ولم يفرق بين أن يكون الزمان واسعا أو ضيقا وكذلك ذكر هذا ابن حامد ف أصوله عن بعض أصحابنا وبعض المالكية واختاره٤ ابن سريج مع ضيق الوقت وحكى عن محمد أنه أجازه لمن هو أعلم منه ولم يجزه لمن هو مثله أو دونه وكذلك جزم به عنه ابن برهان وأبو الخطاب
стр. 878
ولم يذكر عن أحد تقليد المساوى مع السعة.
قال والد شيخنا وحكى الحلواني عن أبي حنيفة ومحمد أنه يجوز تقليد من هو أعلم منه ولا يجوز تقليد من هو مثله قال وحكى عن سفيان الثورى وإسحاق أنه يجوز له تقليد غيره بكل حال قال أبو الخطاب وروى عن ابن سريج مثل قول محمد الأخير وروى عنه أنه يجوز مع ضيق الوقت لا مع سعته قال وقال بعض الشافعية إن لم يجتهد فله أن يقلد على الإطلاق وإن اجتهد لم يجز له التقليد قال وقد حكى عن أبي إسحاق الشيرازي أن مذهبنا جواز تقليد العالم للعالم وهذا لا نعرفه عن أصحابنا وقد بينا كلام صاحب مقالتنا١ وهذا الذي ذكره أبو الخطاب يدل على أن المجيزين على٢ الإطلاق جوزوا التقليد بعد الاجتهاد٣ حيث جعل التفصيل٤ قولا ثم ذكر في أثناء المسألة أن المجتهد لو اجتهد فأداه اجتهاده إلى خلاف قول من هو أعلم منه لم يجز ترك رأيه والأخذ برأى ذلك الغير فوجب أن لا يجوز وإن لم يجتهد لأنه لا يأمن لو اجتهد أن يؤديه اجتهاده إلى خلاف ذلك القول فقد جعل المنع من تقليده بعد الاجتهاد محل وفاق.
قال شيخنا قلت: هذا [في٥] تقليد الصحابة عند من جعله من صور المسألة ليس بصحيح فإن العلماء صرحوا بجواز ذلك وإن خالف رأينا وفي كلام بعضهم ما يدل على أنهم كانوا يقلدون في مخالفة رأيهم وأما وقوع هذا بالفعل من أتباع الائمة فكثير لا ينحصر.
وذكر أيضا أبو الخطاب أنه لاخلاف في أنه يجوز ترك قول الأعلم لاجتهاده
стр. 879
ثم ذكر بعد هذا أن قول الصحابي ليس من صور هذه المسألة فانه يجب عليه ترك اجتهاده لقول الصحابي عند من جعله حجة ولا يجب عليه تقليد غيره وحكى أبوالمعالي في كتاب الاجتهاد عن الإمام أحمد قال فأما تقليد الصحابة قال أحمد العالم قبل اجتهاده يقلد الصحابي١ ويتخير في تقليده من شاء منهم ولم يجوز تقليد التابعين واستثنى عمر بن عبد العزيز وجوز تقليده وهذا غريب قال وقال الشافعي في القديم قول الصحابي حجة ويجب على المجتهدين٢ التمسك به ثم قال يقدم على القياس الجلى والخفى وفى رواية على الخفى دون الجلى وظاهر مذهبه في القديم أنه حجة إذا لم يظهر خلاف في الصحابة ونقل عنه في القديم إذا اختلفوا فالتمسك بقول الخلفاء أولى وقال في الجديد لا حجة في قول الصحابي والاختيار عنده إذا انطبق على القياس لم يكن حجة وإذا خالف القياس الجلى فلا يخالفه إلا توقيف قال وقد بنينا على هذا مسائل في الفروع كتغليظ الدية بالحرمات الثلاث قال وعلى هذا يجب أن يقال يجب على بعض الصحابة الأخذ بقول البعض في محل لا قياس فيه فاذا اختلفوا فهو كأخبار متعارضة وعند القاضي قوله ليس بحجة وإن خالف القياس٣.
[شيخنا] فصل:
ذكر أبو الخطاب في كلامه مع ابن سريج أنه لا يجوز له التقليد مع ضيق الوقت قال هو والقاضي وابن عقيل لأن الاجتهاد شرط في صحة فرضه في الحادثة وعلى الاستدلال في الأصول فلم يسقط بخوف فوت الوقت كسائر الشروط مثل الطهارة والستارة في الصلاة وقاس٤ ابن عقيل على الاستفتاء في حق العامى
стр. 880
[وعلى الاستدلال في الأصول١] وقال أبوالخطاب أيضا لما قيل له انه لا يمكنه أداء فرض باجتهاده قال القاضي لا يجوز اعتبار المتمكن بالعاجز كما لا يجوز اعتبار من لم يجد الماء والسترة بمن يقدر عليهما ولكنه يخاف فوت الوقت إن استعملهما قال أبوالخطاب لا نسلم الوصف لأن فرضه يؤديه بعد اجتهاده قال إن كانت العبادة مما يجوز تأخيرها للعذر جاز هاهنا لأن اجتهاده عذر له في التأحير وإن كانت مما لا يجوز تأخيرها كالصلاة وغيرها فانه يفعلها على حسب حاله ويعيد وكذلك من حبس في موضع نجس يصلى ويعيد.
قال شيخنا قلت: هذا الأصل المنصوص فيه عدم الاعادة وكذلك احدى الروايتين أن الرجل لا يجب عليه صلاتان فعلى هذا يصلى في الوقت ولا يعيد وهذا قول ابن سريج بعينه٢ فثبت أن ظاهر مذهبنا وعلى قياس قول أبي محمد في القبلة٣ أنه يجتهد وإن خرج الوقت تفوت العبادة وهذا لا يمشى فانه قد يكون أحد القولين وجوب فعلها في الحال والآخر تحريم فعلها فكيف يصنع مثل هذا إلا التقليد فالصواب قول ابن سريج.
стр. 881
والد شيخنا مسألة١ قال ابن عقيل ولا يجوز للعامى أن يستفتى في الاحكام الشرعية من شاء
بل يجب أن يبحث عن حال من يريد سؤاله وتقليده فاذا أخبره أهل الثقة والخبرة أنه أهل لذلك علما وديانة حينئذ استفتاه وإلا فلا وقال قوم لا يجب عليه ذلك بل يسأل من شاء.
قال شيخنا وقال أبوالخطاب لا يجوز للمستفتى أن يستفتى إلا٢ من يغلب
стр. 882
على ظنه أنه من أهل الاجتهاد بما يراه من انتصابه للفتوى بمشهد من أعيان العلماء وأخذ الناس عنه واجماعهم على سؤاله وما يبدو منه من سمات الدين والخير فأما من لا يراه مشتغلا بالعلم ويرى عليه سيما الدين فلا يجوز له استفتاؤه بمجرد ذلك وقال أبو المعالى إذا تقرر عنده بقول الإثبات إن هذ الرجل بالغ مبلغ الاجتهاد فحينئذ يستفتيه ثم قال القاضي له أن يعول١ على قول عدلين وقال لا يستفتى إلا من استفاضت الأخبار ببلوغه منصب الاجتهاد والامر هنا مظنون.
стр. 883
مسألة: ذهب بعض أصحابنا وبعض الشافعية١ إلى أن العامى إذا انتحل مذهبا لا يجوز له الانتقال عنه
في سائر الأشياء والذي عليه الجمهور منا ومن سائر العلماء أن العامة أى الأقاويل أخذوا٢ فلا حرج في ذلك.
стр. 884
مسألة: فإن كان لمجتهد خصومة فحكم الحاكم فيها بما يخالف اجتهاده
فانه يتدين في الباطن بحكم الحاكم١ ويترك اجتهاده سواء كان الحكم لنفسه أو على نفسه ذكره القاضي وابن برهان فعلى هذا يحل له أخذ ما كان حراما فى نظره ويحرم عليه المباح عنده وهذا أشهر الوجهين لاصحابنا والثاني يعمل في الباطن بمقتضى اجتهاده ذكره أبو الخطاب في الإنتصار.
стр. 885
مسألة: لا يجوز خلو عصر من الأعصار١ من مجتهد يجوز للعامى تقليده ويجوز أن يولى القضاء خلافا لبعض المحدثين في قولهم لم يبق في عصرنا مجتهد هذا نقل ابن عقيل.
قال شيخنا وفى كلام القاضي في الإجماع السكوتي إشارة إليه والأول قول عبد الوهاب المالكي وطوائف ممن تكلم في أصول الفقه ذكروه في مسائل الإجماع
стр. 886
مسألة: لا يحكم بفسق المخالف في مسائل أصول الفقه
وبه قال جماعة من الفقهاء والمتكلمين وقال بعض المتكلمين انه يحكم بفسقه وهذا نقل الحلواني.
стр. 887
مسألة: تثبت مسائل الأصول بخبر الواحد والقياس والامارة المؤدية إلى غلبة الظن
وبه قال أكثر الفقهاء والمتكلمين وقال بعض الأشعرية وهو أبو محمد بن اللبان١ لا يثبت إلا بما يؤدى إلى القطع فلا يصح اثباتها بخبر الواحد والقياس المؤدى الىغلبة الظن هذا نقل الحلواني.
стр. 888
مسألة: العقل لا يحسن ولا يقبح ولا يحظر ولا يوجب في قول أكثر أصحابنا القاضي وابن عقيل وهومقتضي أصولنا وبه قالت الأشعرية وطوائف من المجبرة وهم الجهمية١ نقله أبوالخطاب وقال أبو الحسن التميمي يوجب ويحرم ويقبح ويحسن كقول المعتزلة والكرامية والرافضة واختاره أبو الخطاب وقال هو قول عامة أهل العلم من الفقهاء والمتكلمين وعامة الفلاسفة.
فصل:
فى الفرق بين قولنا بتقبيح العقل وتحسينه وبين قولنا بأن التحسين والتقبيح للشرع وفوائد الخلاف في ذلك.
стр. 889
مسألة: شكر المنعم واجب بالشرع في قولنا وقول أهل الأثر والاشعرية وقالت المعتزلة يجب عقلا.
قال والد شيخنا وذكر أبو الخطاب أن هذه مبنيه على العقل هل يوجب ويحظر أم لا فمن قال لا قال هنا لا ومن قال بلى قال ها هنا كمذهب المعتزلة.
стр. 890
مسألة: الأعيان المنتفع بها قبل الشرع١ على الحظر
في قول ابن حامد والقاضي والحلوانى وبه قال ابن أبي هريرة حكاه عنه القاضي أبو يعلى وأبو الطيب وذكره أصحاب الحظر من أصحابنا وغيرهم منهم الحلوانى أن ما تدعوا إليه الحاجة من التنفس والتنقل وأكل ما يضطر إليه من الاطعمة جائز وإنما المنع مما لا تدعو إليه الحاجة فإن العقل لا يمنع هذا كما أن الشرع لا يمنعه وأعاد ذلك مرة ثانية وقال لا يقبح تناول هذه الأشياء عند الحاجة وخوف الضرر والمعتزلة البغداديون والإمامية وقالت الحنفية فيما ذكره أبو سفيان وأهل الظاهر وابن سريج وأبو حامد المروذى الشافعيان والمعتزلة البصريون وأبو هاشم الجبائي ووالده هى على الاباحة وحكى ابن برهان أن هذا قول ابن أبي هريرة من أصحابهم وهو ظاهر كلام أحمد في رواية أبي طالب وقد سأله عن قطع النخل فقال لا بأس به لم نسمع في قطع النخل شيئا فحكم بالإباحة حيث لم يرد سمع بحظره قال القاضي هو ظاهر كلام أبي الحسن التميمي لأنه نص على جواز الانتفاع قبل الإذن٢ من الله وهذا اختيار القاضي في مقدمة المجرد وهذا اختيار أبي الخطاب وقال أبو الحسن٣ الخرزي من أصحابنا والأشعرية هى على الوقف قال أبو الخطاب وأراه أقوى على أصل من يقول إن العقل لا مدخل له في الحظر والاباحة وهو قول أكثر أصحابنا وهوقول الصيرفى وأبى علي الطبرى الشافعيين قال أبو الحسن صاحبنا من قال كانت على الإباحة فقد أخطأ وذكر القاضي أن القائل بالوقف موافق للقائل بالإباحة في التحقيق لأن من قال بالوقف يقول لا يثاب على الامتناع منه ولا يأثم بفعله وإنما هو خلاف في عبارة وقال ابن عقيل بل القول بالوقف أقرب إلى الحظر منه إلى الإباحة.
стр. 891
قال شيخنا قلت: كلام أبي الحسن الخرزى يوافق قول ابن عقيل لأنه يحتج على الفتوى بالاقدام عليها كما يحتج الحاظر والمبيح يعنى بالتناول١.
قال شيخنا قلت: هذا على قول من فسر الوقف بالشك دون النفى مع أن كلام ابن عقيل أنه٢ ثابت على التفسيرين.
قال المصنف قلت: وهذا ليس بشيء لأنه ليس معنى الوقف أن القائل به يتشكك في الإباحة والحظر بل يقضى بعدمهما شرعا ويقطع بأن لا إثم في ذلك كفعل البهيمة وكذلك ذكره جماعة على ماسيأتي.
قال والد شيخنا وقال ابن عقيل الأليق بمذهبه أن يقال لا ندري ما الحكم وقال ابن عقيل لا حكم لها قبل السمع وهذا هو الصحيح الذي لا يجوز على المذهب غيره وهذ اختيار أبي محمد أيضا لكن أبو محمد يفسره بنفى الحكم مطلقا٣ وبعدم الحرج كاختيار الجد وكذلك فسر ابن برهان مذهب الوقف فقال هى على الوقف٤ عندنا لا يوصف بحظر ولا إباحة ولا وجوب بل هى كأفعال البهائم٥ وكذلك قال أبو الطيب تفسير الوقف أنه لا يقال إنها مباحة ولا محظورة إلا بورود الشرع فما ورد بالإذن فيه فهو مباح وما ورد بالمنع منه فهو محظور وذكر في أثناء كلامه أنه كفعل البهيمة وإن الواقفة يجزمون بأن لا إثم٦ قبل الشرع وقال أبو زيد في جماعة من متأخري المعتزلة لا حكم له قبل السمع وبعد ما ورد السمع تبينا أنها كانت مباحة حكاه ابن برهان وذكر أبوالطيب في آخر المسألة
стр. 892
أكثر مما ذكره القاضي من الإشكال وجوابه وذكر داود استدلال بعض أصحابه به والقائلون بالحظر اختلفوا في القدر الذي لا تقوم النفس إلا به كالتنفس في الهواء وشرب الماء وأكل الطعام الذي يسد الرمق هل هو محظور أو مباح على قولين والذي ذكره القا ضي أن التنفس والانتقال في الجهات إذا كان لحاجة جاز لأن الإذن قد دخل فيه من جهة العقل قال فنظيره أن يضطر إلى أكل طعام غيره فيباح لأن العقل لا يمنع من هذا كما لا يمنع الشرع من ذلك عند الحاجة وإن لم تكن به حاجة منعناه وأدعى ذلك مرة ثانية وذكر أيضا في اللامع أنه إذا كان السمع هو الحاظر والمبيح فالسمع ورد مفصلا لم يرد حاظرا ثم ورد سمع آخر مبيحا أو ورد مبيحا ثم ورد سمع آخر حاظرا وأجاب عن قوله: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ ١ قال معناه للإعتبار لا للإتلاف وأول قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ ٢ بأن معناه ما هو داع إلى فعل الواجب ويجوز أن يقال الطيبات هى الحلال ثم هو معارض بقوله: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ ٣.
قال شيخنا قلت: هذا أحد الاحتمالين في الروضة وأحد قولى أصحابنا وغيرهم بأن ماقبل السمع هل يستصحب إذا قامت الادلة السمعية على عدم الإباحة إلا ما استثناه الدليل قال القاضي واحتج الواقف بأن كونه على الحظر أو على الاباحة أنها تعلم على قولكم قبل الشرع بالعقل وما علم حكمه بدليل لا يجوز أن يرد الشرع بخلافه مثل شكر المنعم وقبح الظلم قال والجواب أنه كذلك فيما يعرف ببدائه٤ العقل وضرورات العقول كالتوحيد وشكر المنعم وقبح الظلم فأما ما يعرف٥ بثواني
стр. 893
العقول استنباطا واستدلالا فلا يمنع أن يرد الشرع بخلافه لأنا قلنا على الحظر وجوزنا أن يكون على الإباحة أو على الوقف١ ولكن كان هذا عندنا أظهر فصرنا إليه فاذا ورد الشرع كان أولى مما عرفناه استدلالا مع تجويز غيره ثم أجاب بأن ورود الشرع اذن في التصرف وورود الإذن في الثاني لا يمنع حظرا متقدما وذكر أنه محظور لمعنى لا لعينه [٢فلا يمتنع ورود الشرع بخلافه٢] .
[شيخنا] ٣ فصل:
اختلف جواب القاضي وغيره من أصحابنا في مسألة الأعيان مع قولهم بأن العقل لا يحظر ولا يبيح٤ فقال القاضي وأبو الخطاب والحلواني إنما علمنا أن العقل لا يحظر ولا يبيح بالشرع وخلافنا في هذ المسألة قبل ورود الشرع ولا يمتنع أن نقول قبل ورود الشرع إن العقل يحظر ويبيح إلى أن ورد الشرع فمنع ذلك إذ ليس قبل ورود الشرع ما يمنع ذلك قال الحلواني وأجاب بعض الناس عن ذلك بأنا علمنا ذلك من طريق شرعي وهو الإلهام من قبل الله لعباده بحظر ذلك وهذا غير ممتنع كما ألهم أبوبكر وعمر.
قال شيخنا قلت: كلا الجوابين ضعيف على هذا الأصل وكذلك ذكر القاضي الجواب الثاني فقال وقد قيل إنا قد علمنا ذلك من طريق شرعى وهو الهام من الله لعباده بحظر ذلك وإباحته كما ألهم أبا بكر أن قال الذي في بطن أم عبد٥ جارية وكما ألهم عمر أشياء ورد الشرع بموافقتها.
стр. 894
قلت صرح القاضي بأن عدم حكم العقل معلوم بالشرع١ ولهذا إنما استدل عليه بالنصوص٢ وحكى في الإلهام هل هو طريق شرعى قولين.
قال القاضي الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع اختلف الناس فيها فذكر شيخنا رضى الله عنه أنها على الحظر إلى أن يرد الشرع باباحتها قال وقد أومأ أحمد إلى معنى هذا في رواية صالح ويوسف بن موسى لا يخمس السلب ما سمعنا أن النبي ﷺ خمس السلب وهذا يدل على أنه لم يبح تخميس السلب لأنه لم يرد عن النبي صلى لله عليه وسلم شرع فيه فيبقى على أصل الحظر.
قال شيخنا قلت: لأن السلب قد استحقه القاتل بالشرع فلا يخرج بعضه عن ملكه إلا بدليل وهذا ليس من موارد النزاع قال وكذلك نقل الأثرم وابن بدينا في الحلى يوجد لقطة فقال إنما جاء الحديث في الدراهم والدنانير قال فاستدام أحمد التحريم ومنع الملك على الأصل لأنه لم يرد شرع في غير الدراهم.
قلت لأن اللقطة لها مالك فنقلها إلى الملتقط يحتاج إلى دليل وليس هذا من جنس الأعيان في شىء وقد يحتج القاضي بأن أحمد منع من التخميس وتملك اللقطة لعدم الإباحة وأما قول أهل الإباحة فقال أومأ إليه أحمد في رواية أبي طالب وقد سأله عن قطع النخل فقال لا بأس به لم نسمع في قطع النخل شيئا قيل له قالنبق قال ليس فيه حديث صحيح وما يعجبنى قطعه٣ قلت: له إذا لم يكن فيه حديث صحيح فلم لا يعجبك قال لأنه على كل حال قد جاء فيه كراهة والنخل
стр. 895
لم يجىء فيه شيء قال القاضي فقد استدام أحمد للإباحة في قطع النخل لأنه لم يرد شرع يحظره.
قال شيخنا قلت: لا شك أنه أفتى بعدم البأس١ لكن يجوز أن يكون للعموميات الشرعية ويجوز أن يكون سكوت الشرع عفوا ويجوز أن يكون استصحابا لعدم التحريم ويجوز أن يكون لأن الأصل إباحة عقلية مع أهذا من الأفعال لا من الأعيان.
قال يعنى القاضي٢ وهذا ظاهر كلام أبى الحسن التميمي لأنه نصر جواز الانتفاع قبل الاذن من الله تعالى.
قلت وهذا من القاضي يقتضى أن الاختلاف بعد مجيء السمع إذا لم يكن اذن عام أو خاص وقد صرح بذلك وأما الخرزي فإنه قال في جزء فيه مسائل الأشياء قبل مجىء الشرع موقوفة على دلائلها فما ورد النص به عمل به ومالم يرد به نص رد إلى ما فيه النص ومن قال انها كانت على الاباحة فقد أخطأ قلت: هذا أيضا يقتضى أنه لا تمسك باستصحاب بعد مجىء السمع بل نقيس المسكوت على المنصوص.
وأما ابن عقيل فقال الذي يقتضيه أصل صاحبنا أن مالم يرد السمع فيه بحظر ولا إباحة لا يوصف بحظر ولا إباحة اذ ليس قبل السمع على أصله محسن ولا مقبح والاليق بمذهبه أن يقال لا نعلم ما الحكم قال وقد أخذ شيخنا من خلافه في مسائل الفروع روايتين الحظر والإباحة قال ابن عقيل وهذا إنما يصح مع نفي تحسين العقل وتقبيحه وإن السمع لما ورد بحظر أفعال في أعيان واباحة أفعال في أعيان رجعنا إلى مقتضى السمع فيما سكت عنه من إباحة أو حظر بحسب ما نذكره من الأدلة المستنبطة من السمع أو ما يثبت
стр. 896
بدليل العقل هذا معناه مع تعطيل العقل عن الإباحة والحظر.
فقد جعل ابن عقيل مورد الخلاف الذي ذكره القاضي فيما سكت عنه السمع بعد مجيئه فصار فائدتها ثلاثة أقوال أحدها عند عدم السمع والثاني بعد مجيء السمع والثالث يعمهما جميعا١.
قال شيخنا قال القاضي ذكر أبو الحسن التميمي في جزء وقع إلى بخطه فيما أخرجه من أصول الفقه فقال الأفعال قبل مجيء السمع تنقسم قسمين منها حسن ومنها قبيح فما كان منها في العقل قبيحا فهو محظور لا يجوز الإقدام عليه كالكذب والظلم وكفر نعمة المنعم وما جرى مجرى ذلك لأنه يكتسب بفعله الذم واللوم وأما الحسن من العقل فينقسم قسمين أيضا منها ما يجب فعله ومنها ما لا يجب فعله أما الذي يجب فعله فهو مثل شكر نعمة المنعم والعدل والإنصاف وما جرى مجرى ذلك مما في معناه من الحسن فإنه واجب لا يجوز الانصراف عنه ومن الحسن ما لا يجب فعله وإن كان حسنا مثل التفضل وبر الناس وقرى الضيف وإطعام الطعام ونحوه.
فصل:
قال شيخنا ولا يجوز أن يرد السمع بحظر ما كان في العقل واجبا نحو شكر المنعم والعدل والإنصاف ونحوه وكذلك لا يجوز أن يرد بإباحة ما كان في العقل محظورا نحو الكذب والظلم وكفر نعمة المنعم ونحوه وإنما يرد بإباحة ما كان في العقل محظورا على شرط المنفعة نحو إيلام بعض الحيوان يعنى بالذبح لما فيه من المنفعة كما جاز لنا إدخال الآلام علينا بالقصد والحجامة وشرب الأدوية الكريهة للمنفعة وإن لم يجز ذلك لغير منفعة وما أعطيناه من أموالنا بغير
стр. 897
استحقاق للفقراء أو غيرهم ممن يطلب بدفعه إليهم الثواب من الله أو الحمد من الناس والثناء الجميل فإن هذا وما أشبهه يجرى مجرى الآلام التي تطلب بها المنافع من الفصد والحجامة وشرب الأدوية وقد يرد السمع بحظر ما لم يكن له في العقل منزلة في القبح نحو الأكل والشرب والتصرف الذي لا ضرر على فاعله في فعله في ظاهر أمره فالواجب أن تجرى أحكام الأفعال على منازلها في العقل فأما أن تكون قبيحا في العقل فيمتنع منه أو يكون واجبا في العقل فيلزم أمره ويجب فعله أو أن يكون حسنا ليس بواجب فيكون الإنسان مخيرا بين أن يفعله وبين أن لا يفعله من نحو اكتساب المنافع بالتجارات وما في معناها فإن ورد السمع فيما الإنسان فيه مخير كشف السمع عن حاله وبين أمره فإما أن يدخله في جملة الحسن الذي يجب فعله أو في جملة القبيح الذي لا يجوز فعله.
قال القاضي وهذا كلام أبى الحسن يقتضى أن العقل يوجب ويقبح قال وقد ذكرنا في الجزء الأول من المعتمد خلاف هذا وحكينا [خلاف المعتزلة في] ١ هذه المسألة وبينا قول أحمد في رواية عبدوس ليس في السنة قياس ولا تضرب لها الأمثال ولا تدرك بالعقول إنما هو الاتباع واستدل بدليلين.
قال القاضي وقال أبو الحسن والحظر والإباحة والحلال والحرام والحسن والقبح والطاعة والمعصية وما يجب وما لا يجب كل ذلك راجع إلى أفعال الفاعلين دون المفعول فيه فالأعيان والأجسام لا تكون محظورة ولا مباحة ولا تكون طاعة ولا معصية.
قال القاضي وهذا كما قال أبو الحسن وقد يطلق ذلك في المفعول توسعا واستعارة فيقال العصير حلال مباح ما لم يفسد فإن فسد وصار خمرا كان حراما ومحظورا والمذكي حلال ومباح والميتة محظورة وهى حرام يريدون
стр. 898
أن شرب العصير حلال ومباح ما لم يفسد١ وأكل المذكي حلال ومباح ويطلقون ذلك والمراد به أفعالهم قال شيخنا تقدمت هذه المسألة في العموم والصحيح أنه حقيقة في الأعيان أيضا.
فصل:
في حقيقة قول ابن عقيل [الذي صوره على المذهب٢] في الأعيان قبل السمع قد كتبت قوله: إن مقتضى أصلنا أنها لا توصف بحظر ولا إباحة لأن ذلك لا يثبت عندنا إلا بالشرع فإن لم يكن شرع فلا حظر ولا إباحة ثم قال والأليق بمذهبه أن يقال لا نعلم ما الحكم فهذا يقيني وهذا شك ثم قال فإن كان مذهب صاحبنا أن العقل لا يوجب ولا يحظر وإن عباد الأوثان لا يعاقبون على شيء مما اعتقدوه ولا على شيء من الأفعال وإن لا عقوبة ولا عذاب قبل السمع فلا وجه للقول باحته قبل السمع أو حظره فهذا أصل لا ينبغي أن يغفل لأنه من أصول الدين فلا يسقط حكمه بمذهب في أصول الفقه.
قال وإذا ساغ لشيخنا رضى الله عنه أن يأخذ له أصلا هو حظر أو إباحة من نهيه تارة فيما لم يرد سمع كقطع السدر وتارة في إباحة كتجويزه قطع النخل فلم لا يأخذ من كلامه الذي لا يحصي لا٣ أدري ما هذا ما سمعت فيه شيئا أنا أجبن عن أن أقول بكذا فيؤخذ منه أخذ مذهبين إما الوقف أو الإمساك عن
стр. 899
الفتوى رأسا وإن يقال فيما لم يرد فيه سمع لا مذهب له إلا الإمساك فافهم هذا الأصل فإنه يستمر على قوله في المتشابه من الآيات وظواهر الأخبار وأنها لا تفسر ولا تؤول ولا وجه للقطع بالإباحة أو الحظر مع عدم السمع وعدم قضية العقل.
قال شيخنا قلت: هذا الكلام من ابن عقيل مع ما تقدم من أن صاحب الوقف أقرب إلى الحظر لأنه يجنح عن الفتوى بالإقدام كالحاظر يقتضي أن المذهب أنه لا يقطع فيها بحظر ولا إباحة لانتفاء دليل ذلك وهو الشرع ثم هو مع ذلك إما أن يسكت كما يسكت الرجل عن الكلام فيما لم يعلم شكا أو أن يقف فيبقى الحظر والإباحة عند نفسه أو في الخارج ففرق بين أن يقال ليست عندنا محظورة ولا مباحة أو ليست في الخارج كذلك وإذا نفاهما فعنده أنه لا يأذن في الإقدام لأن الإذن إباحة وهذا تجويز منه ذهنا أن يكون في الباطن فيها مفسدة راجحة وهذا يتوجه إذا نفي حكم العقل ولم ينف صفة العقل فيقال ما نعلم أنه لا حكم للعقل بل تجوز أذهاننا أن للعقل صفة وإن لم تكن للعقل صفة إذ فرق بين نفي الدليل ونفي المدلول وبين التجويز الذهني الذي يرجع إلى عدم العلم وبين التجويز الخارجي الذي يرجع إلى وصف الذوات.
فكلام ابن عقيل مستمر إذا فسر نفي العقل بنفي دلالته لا بنفي صفة العقل وجوز جوازا ذهنيا أن يكون للعقل صفة وإن لم يثبت جوازها في الخارج فحينئذ يقال لا حظر ولا إباحة لانتفاء دليله والنقل لا يثبت ذلك ولم يعلم أيضا انتفاء أن يكون في الفعل ضرر أو ذم من الله لم نقف عليه بعقولنا ولم يكشف لنا سمع فهذا شك في ثبوت صفة الأفعال لا في علم العقل بها وقد يقال أيضا ما علمنا أن العقل يدرك ذلك فنحن لم نعلم أن للعقل صفة ولم نعلم عدم ذلك ولو كان ثم صفة فلم نعلم أن العقل يدركها أو علمنا أنه لا يدركها فيلزم من ذلك انتفاء الحظر والإباحة والتوقف في نفي الحكم مطلقا ومن لم يحكم الفرق بين نفي الأدلة ونفي المدلولات
стр. 900
وبين الجواز العيني والجواز العقلي وإلا اختبط كثيرا في أمثال هذه الأشياء ولهذا قال ابن عقيل في أثناء المسألة لا جواب لهذه المسألة على التحقيق إلا قول المسئول لا أعلم ما كان الحكم قبل الشرع إذ لا طريق لنا إلى العلم بالحكم وكلامه كله يدل عل أنه غير حاكم بثبوت حكم ولا نفيه ولا دليل عليه أصلا كما لا دليل على المتردد بخلاف النافي فعليه الدليل فهو لا يعلم ثبوت الحكم ولا انتفاءه.
فصل:
قال شيخنا من قال من أصحابنا ان للأفعال والأعيان حكما قبل الشرع اختلفت أقوالهم فيما يجوز تغييره [بالشرع١ وما لا يجوز فقال أبو الخطاب ما ثبت بالعقل ينقسم قسمين فما كان منه واجبا بعينه] كشكر المنعم والإنصاف وقبح الظلم فلا يصح أن يرد الشرع بخلاف ذلك وما وجب لعلة أو دليل مثل الأعيان التي فيها الخلاف فيصح أن يرتفع الدليل والعلة فيرتفع ذلك الحكم العقلي كفروع الدين المنسوخة٢ وقال التميمي لا يجوز أن يرد الشرع في الأعيان بما يخالف حكم العقل إلا بشرط منفعة تزيد في العقل أيضا على ذلك الحكم كذبح الحيوان والبط والفصد فعلى هذا يمنع أصل الدليل وقال عنه في موضع لا يجوز أن يرد الشرع بحظر موجبات العقل٣ أو إباحة محظوراته وقيل ان الشرع يرد بما لا يقتضيه العقل إذا كان العقل لا يحيله ذكر هذه الثلاثة أبو الخطاب وقال الحلواني ما يعرف ببدائه العقول وضروراتها فلا يجوز أن يرد الشرع٤
стр. 901
بخلاف مقتضاه فأما ما يعرف بتولد العقل١ استنباطا واستدلالا فلا يمتنع أن يرد [الشرع بخلافه] .
[شيخنا] فصل:
قال القاضي في مسألة الأعيان قبل الشرع وإنما يتصور هذا الاختلاف في الأحكام الشرعيات من تحريم لحم الحمر٢ وإباحة لحم الأنعام وما يشبه ذلك مما قد كان يجوز حظره وتجوز إباحته فأما ما لا يجوز له الحظر بحال كمعرفة الله ومعرفة وحدانيته وما لا يجوز عليه الإباحة كالكفر بالله وجحد التوحيد وغيره فلا يقع فيه خلاف بل هو على صفة واحدة لا تتغير ولا تنقلب وإنما الاختلاف فيما ذكرنا.
وأما ابن عقيل فطرد خلاف الوقف في الجميع حتى في التثنية والتثليث والسجود للصنم وصرف العبادة والشكر إلى غير الواحد القديم الذي قد عرف وحدته وقدمه.
قال يعنى القاضي ويجب القول باستصحاب الحال العقلي مثل أن يدل الدليل العقلي على أن الأشياء على الحظر أو على الإباحة قبل ورود الشرع بذلك فيستصحب هذا الأصل حتى يدل دليل الشرع على خلافه وأما استصحاب الشرع مثل أن يثبت الحكم في الشرع بإجماع ثم وقع الخلاف في استدامته كالمتيمم إذا رأى الماء في الصلاة فالقول فيه محتمل أنه غير مستصحب ويحتمل أنه مستصحب لحكم الإجماع حتى يدل الدليل على ارتفاعه.
[شيخنا] فصل:
ذكر قوم أن الكلام فيها عبث لأن بنى آدم لم يخلوا من شرع وقد أومأ
стр. 902
أحمد إلى هذا في رواية عبد الله فيما خرجه في محبسه إذ يقول١ الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم فأخبر أن كل زمان لم يخل من رسول أو عالم يقتدي به.
قال أبو الخطاب وتتصور هذه المسألة في قوم لم تبلغهم الدعوة وعندهم ثمار وفي موضع آخر وهو أن يقول ان هذه الأشياء لو قدرنا خلو الشرع٢ عن حكمها ما ينبغي أن يكون حكمها يعتد٣ في الفقه أن كل من حرم شيئا أو أباحه قال قد طلبت في الشرع دليلا على ذلك فلم أجد فبقيت على حكم الأصل وهو الأصل فإن قيل لا حكم للعقل ينقل الكلام٤ إلى ذلك الأصل.
وكذلك قال ابن عقيل من شروط المفتى أن يعرف ما الأصل الذي ينبني عليه استصحاب الحال هل هو الحظر أو الإباحة أو الوقف ليكون عند عدم الأدلة متمسكا بالأصل إلى أن تقوم دلالة تخرجه عن أصله.
وقال القاضي واعلم أنه لا يجوز إطلاق هذه العبارة لأن من الأشياء ما لا يجوز أن يقال أنها على الحظر كمعرفة الله تعالى ومعرفة وحدانيته ومنها ما لا يجوز أن يقال أنها على الإباحة كالكفر بالله والجحد له والقول بنفي التوحيد وإنما يتكلم في الأشياء التي يجوز في العقول حظرها وإباحتها كتحريم لحم الخنزير وإباحة لحم الأنعام وتتصور هذه المسألة في شخص خلقه الله في برية لا يعرف شيئا من الشرعيات وهناك فواكه وأطعمة هل تكون لأشياء في حقه على الإباحة أو على الحظر حتى يرد شرع.
قال شيخنا قلت: وهذا يقتضى أن المسألة تعم الأعيان والأفعال
стр. 903
وقال القاضي قد قال بعض من تكلم في هذه المسألة ان الكلام فيها تكلف لأن الأشياء قد عرف حكمها واستقر أمرها بالشرع وقال آخرون والوقت ماخلا من شرع قط لأن الله لا يخلى الوقت من شرع يعمل عليه لأنه أول ما خلق آدم قال: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ ١ فأمرهما ونهاهما عقب ما خلقهما وكذلك كل زمان وإذا كان كذلك بطل أن يقال ما حكمها قبل ورود الشرع بها والشرع ما أخل بحكمها قط فعلى هذا لا يتصور الخلاف إلا في تقرير أن الأشياء لو لم يرد بها شرع ما حكمها فالحكم عندنا على الحظر وعند قوم على الإباحة وعند آخرين على الوقف.
قال وهذه الطريقة٢ ظاهر كلام أحمد لأنه في رواية عبد الله فيما خرجه في محبسه الحمد الله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم فأخبر أن فيه قوما من أهل العلم.
قال القاضي أبو الحسن الخرزى ذكرها إمام قوله: "إن الأشياء على الوقف" فقال لم تخل الأمم قط من حجة واستدل عليه بقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ ٣ والسدي الذي لا يؤمر ولا ينهى وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ٥ وإن الله لما خلق آدم أمره ونهاه في الجنة.
قال القاضي وقال قوم هذه المسألة لا تفيد شيئا في الفقه وإنما ذلك كلام يقتضيه العقل قال وليس كذلك لأن لها فائدة في الفقه وهو أن من حرم شيئا
стр. 904
أو أباحه فقال طلبت دليل الشرع لم أجد فبقيت على حكم العقل من تحريم أو إباحة هل يصح ذلك أم لا وهل يلزم خصمه احتجاجه بذلك أم لا وهذا مما يحتاج إليه الفقيه وإلى معرفته والوقوف على حقيقته.
стр. 905
مسألة استصحاب أصل براءة الذمة من الواجبات حتى يوجد الموجب الشرعي دليل صحيح
ذكره أصحابنا القاضي وأبو الخطاب وابن عقيل وله مأخذان أحدهما أن عدم الدليل دليل على أن الله ما أوجبه علينا لأن الإيجاب من غير دليل محال والثاني البقاء على حكم العقل المقتضى لبراءة الذمة [أو دليل الشرع لمن قبلنا ومن هذا الوجه يلزم بالمناظرة قال القاضي استصحاب براءة الذمة١] من الواجب حتى يدل دليل شرعي عليه هو صحيح بإجماع أهل العلم كما في الوتر.
قال شيخنا قوله: استصحاب في نفي الواجب٢ احتراز من استصحاب نفي التحريم أو الإباحة فإن فيه خلافا مبنيا على مسألة الأعيان قبل الشرع وأما دعوى الإجماع على نفي الواجبات بالاستصحاب ففيه نظر فإن من يقول بالإيجاب العقلي من أصحابنا وغيرهم لا يقف الوجوب على دليل شرعي اللهم إلا أن يراد به في الأحكام التي لا مجال للعقل فيها بالاتفاق كوجوب الصلاة والأضحية ونحو ذلك.
قال القاضي هو صحيح بإجماع أهل العلم وقال أبو الخطاب٣: هو صحيح بإجماع الأمة قال وقد ذكره أصحاب أبى حنيفة والقاضي أبو الطيب وذكره أبو سفيان وقال عدم الدليل دليل ثم قال وحكي أبو سفيان عن بعض الفقهاء أنه يأبى هذه الطريقة في الاستدلال وقد ذكر ابن برهان ما يقارب ذلك وحكاه أبو الخطاب عن قوم من المتكلمين مع حكاية أبى سفيان عن بعض الفقهاء وكذلك ذكر أبو الخطاب في أثناء مسألة القياس قال لو كانت النصوص وافية بحكم الحوادث
стр. 906
لما افتقر أهل الظاهر في كثير من الحوادث إلى استصحاب الحال وأدلة العقل فإن قيل فيرجع إلى استصحاب الحال وحكم العقل قيل لا نسلم أن ذلك دليل في الشرع جواب آخر أن الحوادث في عصر الصحابة به لم يرجعوا فيها إلى استصحاب الحال ولا أدلة العقل وإنما رجعوا إلى القياس على ما بينا فدل على أن ذلك لا يجوز هذا كلامه.
وظاهره أن ذلك ليس بدليل للحكم الشرعي بحال إلا أن يتأول على أنه ليس بدليل مع القياس وفيه نظر.
قلت وينبغي أن هذا الدليل لا ينبغي اعتقاده والعمل به في الحال بل يعد نوع سبر وبحث كما قلنا على رواية في العموم لكن هذا أضعف من العموم١ فلا ينبغي أن يكون فيه خلاف.
قال شيخنا جعل القاضي استصحاب الحال الذي طريقه العقل مثل أن يقال أجمعنا على براءة الذمة فمن زعم اشتغالها بزكاة الحلي فعليه الدليل فقال نص أحمد على هذا في رواية صالح ويوسف بن موسى لا يخمس السلب لأن النبي ﷺ لم يخمسه قال فقد جعل الأصل دلالة على إسقاط الخمس متى لم يعلم الدليل٢ عليه وكذلك نقل حنبل فيمن أكل أو شرب عليه القضاء ولا كفارة لأن النبي ﷺ لم يأمره بالكفارة.
قلت أما الأول فإن النبي ﷺ قضى للقاتل بالسلب وهذا اللفظ يعم جميع السلب فكان هذا تمسكا بعموم اللفظ فالذي لم يخصه النبي ﷺ بل ترك تخميسه نص في٣ استحقاق جميعه وهذا أبلغ
стр. 907
من الاستصحاب فإن هنا أربع مراتب فعله أو أمره بما يضاد الوجوب كأمره بأن يعطى القاتل جميع السلب فإن هذا يضاد وجوب أخذ الخمس الثاني عدم أمر النبي ﷺ مع قيام المقتضى فهذان نصان١ في عدم الوجوب والثالث عدم دليل السمع الموجب فإنه لا وجوب إلا به فعدم الموجب ملزوم عدم الوجوب الرابع استصحاب ما كان قبل السمع وكذلك عدم التحريم تارة يثبت بقوله أو فعله ما ينافي التحريم وتارة بعدم نهيه٢ مع قيام المقتضى وهذا الذي يسمى تقريرا وثالثا بعدم المحرم ورابعا بالاستصحاب فهذه الدلائل العدمية دليل٣ على عدم الوجوب والاستصحاب والتحريم والكراهة وبعضها مستلزمة لدليل ثبوتي ومن هذا فعله للشيء هل هو دليل على الحل الشرعي أو دليل على عدم التحريم مطلقا بحيث يكون النهى بعد ذلك نسخا عاما٤ أولا يحكم يكون نسخا لأن الثابت إنما كان عدم التحريم.
стр. 908
مسألة يجوز الأخذ بأقل ما قيل ونفي ما زاد
لأنه يرجع حاصله إلى استصحاب دليل العقل على براءة الذمة فيما لم يثبت شغلها به وأما أن يكون الأخذ بأقل ما قيل أخذا وتمسكا بالإجماع فلا لأن النزاع في الاقتصار١ عليه ولا إجماع فيه قال بعضهم هذا نوع من أنواع الإجماع صحيح لا شك فيه وقال قوم بل يأخذ بأكثر ما قيل ذكرهما ابن حزم وقال بعضهم ليس بدليل٢ صحيح.
قال شيخنا قلت: إذا اختلفت البينتان في قيمة المتلف فهل يوجب الأقل أو بسقطهما فيه روايتان وكذلك لو اختلف شاهدان فهذا يبين أن في إيجاب
стр. 909
الأقل بهذا المسلك اختلافا وهو متوجه فإن إيجاب الثلث أو الربع ونحو ذلك لا بد أن يكون له مستند ولا مستند١ على هذا التقدير وإنما وقع الاتفاق على وجوبه اتفاقا فهو شبيه بالاجماع المركب إذا أجمعوا على مسألتين مختلفتي المأخذ ويعود الأمر إلى جواز انعقاد الإجماع بالبحث والاتفاقات وإن كان كل واحد من المجمعين ليس له مأخذ صحيح وأشار إليه ابن حزم.
فصل:
يتعلق بالقول بأقل ما قيل٢ وضابطه دليل ظاهر لفظي أو عقلي.
انعقد الإجماع على عدم اعتباره مطلقا إجماعا مفردا أو مركبا وهو إذا كان اللفظ العام أو المطلق مقيدا بحد وقد اختلف في حده فهل يجوز الاستمساك بعمومه فيما زاد على أقل الحدود كعموم آية السرقة فإنه قد اتفق الفقهاء على أنها مخصوصة بنصاب فهل لمن يقطع بما زاد على الثلاثة الدراهم أن يحتج بعمومه فيما بين الثلاثة والعشرة أو يقال في نصاب هذا مما قد يستدل به طائفة من الفقهاء وقد استدل المالكية وأصحابنا مثل أبن أبى موسى في شرح الخرقي على الحنفية في مسألة أكثر الحيض بإطلاق قوله: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ ٣ على أن في اللفظ عموما من كونه أذى وهذا لو ثبت فلا ريب في هذا الترتيب عندنا وعند الجمهور أن له قدرا مخصوصا قال أصحابنا وجب اجتناب الحائض مع وجود الحيض قل أو كثر إلا ما قام دليله وقد قام الدليل عندنا وعند أبى حنيفة أن ما نقص عن اليوم والليلة ليس بحيض وبقى ما زاد على ذلك على حكم الظاهر ثم إنهم أجابوا عن احتجاج مالك بالآية في القليل والكثير بما يبطل حجتهم على أبى حنيفة فركبوا هذا
стр. 910
الدليل تارة وأبطلوه أخرى وهذا قريب من مثل هذا في البراءة مثل أن يقال في مسألة الحيض الأصل براءة ذمتها من الحيض وقد اتفقنا على عدم شغلها في اليوم السادس عشر فمن قال بالشغل قبل ذلك فعليه الدليل وقد يعارض بأن دلائل السمع العامة قد اقتضت وجوب الصلاة على كل مكلف خرج منه العشر فما دونها فبقى فيما زاد على العموم وهذه المعارضة أقوى لإزالة الدليل السمعي للبراءة الأصلية لكن القدح فيه أن الدليل إنما تناول غير الحائض ويستعمل مثل هذا في الزكاة وهذا الدليل فيه نظر فإن العلم بأن هذا الظاهر لم يرد منه المتكلم إلا قدرا مخصوصا يمنع أن يكون قصد به العموم وإذا علمنا لم يقصد به العموم امتنع الاستدلال به ومن هذا الوجه قد يفرق بينه وبين الاستصحاب.
[شيخنا] فصل:
فأما ان ثبت أن العموم أو الإطلاق أو الاستصحاب منزل على نوع دون نوع فهل يجوز الاستمساك به فيما عدا النوع المتفق على خروجه هذا أقوى من الأول وهو في الاستصحاب أقوى منه في الخطاب وذلك لأن صاحب التحديد بالثلاثة مثلا لا بد له من دليل يختص به على التحديد بها كما أن صاحب العشرة لا بد له من دليل على التحديد بالعشرة فتكافآ في ذلك فم يجز لأحدهما الاستدلال بالظاهر وحده لعدم دلالة الظاهر وحده على مذهبه وأما النوع فالدليل المخرج له من العموم يتفقان فيه فمن أراد إخراج نوع آخر فعليه دليل ثان وحاصله أن خروج نوع يتفقان في الدلالة عليه كما اتفقا في حكمه وخروج ما بينهما من المقدار لا يتفقان في دليله كما لا يتفقان في حكمه وإنما هو إجماع مركب فهو نظير القياس على أصل مركب وأضعف [منه] ١ ومثل ذلك في الفروع٢ الاحتجاج
стр. 911
بعموم آية السرقة في سارق ما أصله الإباحة وما يسرع فساده ولولا ذلك لما جاز الاستمساك بعام مخصوص وإنما يقبح ذلك إذا كثرت الأنواع المخصوصة بحيث يكون النوع المتروك أقل من الأنواع المخرجة فهذا فيه تفصيل ونظر وهذا قد يتعارض فيه الإضمار والتخصيص [١فقيل هما سواء وقيل التخصيص أولى ويتعارض فيه المجاز والتخصيص١] وهذا البحث قد يقدح في الاستمساك بأقل ما قيل لأن القائل بوجوب٢ ثلث دية المسلم لا بد من دليل غير الإجماع وغير براءة الذمة إذ ليس الثلث بأولى من الربع ومن الخمس٣ والمناظرة إنما هي مع ذلك القائل الأول لا مع الثاني والثالث وإجماعهم على وجوب الثلث نوع من الإجماعات المركبة فإن وجوبه من لوازم القول بوجوب النصف والجميع فالقائل بوجوب النصف يقول إنما وجبت النصف لدليل فإن كان صحيحا وجب القول به وإن كان ضعيفا فلست موافقا على وجوب الثلث كما يقال مثل ذلك في حلى الصغيرة وعشر الخضروات الخراجية وإجبار بنت خمس عشرة٤ لكن القولان المركبان قد يكون كل واحد منهما أعم من الأخر٥ كما في هذه النظائر وقد يكون أحدهما هو العام كما في نصاب السرقة وكما في التقابض فإن بعضهم يستعمل مثل هذا وفيه نظر مثل أن يقال للأم مع الأخوين اتفقوا على وجوب السدس واختلفوا فيما زاد عليه والأصل عدمه فإن القائل بالثلث كذلك فهذا يشبه القول بأقل ما قيل بل هو ولو قال أيضا قد اتفقوا على توريث الجد واختلفوا في توريث الأخوة لكان ضعيفا لأن القدر الذي اتفقوا عليه إنما هو ما لم يقل إنه حق الأخ إلا أن يحتج على ميراث الجد بنص وبنفي ميراث
стр. 912
الأخ بالأصل فهذا نوع آخر وقد يقال المقتضى لتوريث الجد الجميع ثابت بالاجماع وإنما المانع منه المزاحمة وهى منتفية بالأصل فهذا قريب من التمسك بأقل ما قيل بل هو أقوى منه لأن الإجماع على استحقاق الجميع عند عدم المزاحم إجماع مفرد لا مركب.
وهنا مسائل كثيرة من الظواهر السمعية والعقلية التي قد علم بالنص أو الإجماع أو العقل أن دلالتها ليست مطلقة وغالب كلام المتنازعين في هذا النوع من الأدلة [١وهو محتاج إلى تحقيق وتفصيل إذ الكلام في أنواع الأدلة١] ثم في أنواع التقييدات من جهة والتنويع والقلة والكثرة وغير ذلك والله أعلم.
وقد رأيتهم يستعملون مثل ما ذكرناه أولا في القياس كقولهم في أكثر الحيض دم يمنع فرض الصلاة وجواز الوطء فجاز أن يزيد على العشرة كالنفاس وهذا عندي من أفسد ما يكون من جهة أن الحكم في الأصل ليس بحكم الفرع ومن جهة أن لا يمكنه أن يقول مقتضى القياس الاستواء مطلقا وإنما خالفناه فيما زاد للإجماع لأن معارضة الإجماع للقياس في مقتضاه دليل في فساده بخلاف معارضته للنص أو الاستصحاب وأيضا فإن وجوب طرد القياس ليس٢ كغيره من الأدلة.
стр. 913
مسألة: والنافي للحكم عليه الدليل
ذكره أبو الحسن التميمي والقاضي وابن برهان وأبو الطيب الشافعي وجماعة وقيل١ عليه الدليل في العقليات دون الشرعيات وقيل لا دليل عليه فيهما [ذكره الحلواني عن بعض الشافعية] والأول اختيار أبى الخطاب وجمهور العلماء.
стр. 914
مسائل
أحكام المجتهد والمقلد وغير ذلك
مسألة المصيب في الأصوليات من المجتهدين واحد وهو قول الجماعة وحكي عن عبد الله العنبري [أنه قال المجتهدون من أهل القبلة مصيبون مع اختلافهم] .
قال شيخنا قال أبو المعالي ومما يداني مذهب العنبري مذهب أقوام قالوا: المصيب واحد في الأصول ولكن المخطئ معذور ويستحق الثواب لأنه بذل جهده فتجرى أحكام الكفرة على الكفرة ويقاتلون في الدنيا لأمر الشارع بذلك ولكن يثابون في الآخرة إذا لم يكونوا معاندين وقد يتمسكون في هذا المذهب بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ ١ الآية.
وقال الجاحظ وثمامة المعارف ضرورية وما أمر الرب الخلق بمعرفته ولا بالنظر بل من حصلت له المعرفة وفاقا فهو مأمور بالطاعة فمن عرف وأطاع استحق الثواب ومن عرف ولم يطع خلد في النار وأما من جهل الرب فليس مكلفا فإن مات٢ جاهلا لم يعاقب ثم منهم من قال يصير ترابا ومنهم من قال يصير إلى الجنة فعوام الكفرة أحسن حالا من فسقة العارفين بالله وشنع على هذه المذاهب بعد شناعه على العنبري.
قال والمخطئ في الأصول لا شك في تأثيمه وتفسيقه وتبديعه وتضليله واختلف في تكفيره فمال بعض أئمتنا إلى أن كل من قال قولا يقود إلى ما هو كفر بالاجماع بكفر كمن قال: "إنه ليس بعالم" يكفر فمن قال ليس له علم وقدره يكفر ومال البغدادي إلى هذا القول وحكاه عن أبى الحسن في مواضع وكان الإمام أبو سهل الصعلوكي لا يكفره فقيل له إلا تكفر من
стр. 915
كفرك فعاد إلى القول بأنه كفر وهذا مذهب المعتزلة فهم يكفرون خصومهم ويكفر كل فريق منهم الآخرين.
قال وصار معظم أصحابنا إلى ترك التكفير لمن قال قولا يعود إلى الكفر ويلزمه وقالوا إنما يكفر من جهل وجود الرب أما من علم١ وجوده ولكن فعل فعلا أو قال قولا أجمعت الأمة على أنه لا يصدر إلا من كافر فلا ومعظم كلام أبى الحسن يدل على هذا وهو اختيار القاضي في كتاب إكفار المتأولين.
[شيخنا] فصل:
ذكر أبو المعالي أن المسائل قسمان قطعية ومجتهد فيها والقطعية عقلية وسمعية فالعقلي ما أدرك بالعقل سواء كان لا يدرك إلا به كوجود الصانع وتوحيده وكونه متكلما قلت: الوحدانية منهم من يثبتها بالسمع وطائفة قليلة لا تثبتها إلا بالعقل٢ وأما الكلام فأكثرهم على أنه يثبت بالسمع وكثير منهم يقول لا يثبت إلا بالسمع.
قال أو كان مما يدرك بالعقل والسمع جميعا كمسألة الرؤية وخلق الأفعال وأما الشرعية فما عرف من أحكام التكليف بنص كتاب أو سنة متواترة أو بإجماع كوجوب الصلوات وكتقديم خبر الواحد على القياس إذا كان نصا والمجتهدات ما ليس فيه دليل مقطوع به.
قلت تضمن هذا أن ما يعلم بالاجتهاد لا يكون قطعيا قط وليس الأمر كذلك فرب دليل خفي قطعي.