← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 11814

المسودة في أصول الفقه

مجد الدين بن تيمية

Полный текст (1 027 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

عند الحاجة لغير المجتهد إذا كان عالما بأقوال النبي ﷺ . ثم ذكر كلام أحمد أنه لا يكون فقيها حتى يحفظ أربعمائة ألف حديث قال وظاهر هذا الكلام منه أنه لا يكون من أهل الاجتهاد إذا لم يحفظ هذا القدر قال وهذا محمول على الاحتياط والتغليظ في الفتيا أو أن يكون أراد وصف أكمل الفقهاء فأما ما لا بد منه فالذي وصفنا ودل عليه قول أحمد أن الأصول التي يدور عنها العلم عن النبي ﷺ ينبغي أن يكون ألفا أو ألفا ومائتين. قلت لفظ الحديث عندهم يدخل فيه آثار الصحابة والتابعين وطرق المتون كالكتب المصنفة. ثم ذكر عن ابن شاقلا أنه لما جلس للفتيا ذكر هذه المسألة فقال له رجل فأنت هو ذا تحفظ هذا القدر حتى هو ذا تفتى الناس قال فقلت له عافاك الله ان كنت أنا لا أحفظ هذا المقدار فانى هو ذا أفتى للناس بقول من كان يحفظ هذا المقدار وأكثر منه. قال القاضي وليس هذا الكلام من أبى إسحاق مما يقتضى أنه كان يقلد أحمد فيما يفتى به لأنه قد نص في بعض تعاليقه الدالة على منع الفتيا بغير علم قوله: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ١ وقوله: ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ ٢. قلت إذا أخبر المفتي٣ بقول إمامه فقد أخبر بعلم وهو في الحقيقة مبلغ لقول إمامه فلم يخرج عن العلم وظاهر كلامه تقليد أحمد إلا أن يحمل على استفادته طرق العلم منه.

стр. 947

وذكر عن ابن بطة أنه لا يجوز له أن يفتى بما سمع من مفت إنما يجوز أن يقلد لنفسه فإما أن يقلد لغيره [ويفتى به] ١ فلا. قلت هذا تصريح بقول القاضي وقول أبى الخطاب. ثم ذكر عن أبى حفص أنه سمع أبا علي النجاد أنه سمع الحسن بن زياد٢ يقول ما أعيب على رجل يحفظ لأحمد خمس مسائل استند إلى بعض سواري المسجد يفتى الناس بها. قال القاضي وهذا مبالغة منه في فضله. قلت هو صريح بجواز الإفتاء بتقليد أحمد٣ فقد صار لأصحابنا فيها ابتداء وجهان٤ فإن لم يجز عند الحاجة مطلقا وإلا صارت الأقوال ثلاثة. ثم قال القاضي فأما صفة المستفتى فهو العامي الذي ليس معه ما ذكرنا من آلة الاجتهاد وذكر قول عبد الله سألت أبى عن رجل تكون عنده الكتب المصنفة فيها قول رسول الله ﷺ واختلاف الصحابة والتابعين وليس للرجل بصر بالحديث الضعيف والمتروك ولا الإسناد القوى من الضعيف فيجوز أن يعمل بما شاء ويتخير ما أحب منها فيفتى به ويعمل به قال لا يعمل به حتى يسأل ما يؤخذ به منها فيكون يعمل على أمر صحيح يسأل عن ذلك أهل العلم. قال القاضي وظاهر هذا أن فرضه التقليد والسؤال لم يكن له معرفة بالكتاب والسنة. قلت قد قسم عبد لله الحديث إلى ضعيف متروك وإلى ضعيف قوى

стр. 948

ولا شك أن من لم يعرف هذا لم يجز له أن يتقلد من الكتب ما شاء لا عملا ولا إفتاء وصريحه يقتضى أنه إذا سأل ما يؤخذ به منها عمل به وأما الإفتاء فمسكوت عنه وليس هذا منافيا لما قاله في أهل الحديث الذين لا يعرفون الضعيف لأن أولئك أهل الحديث ليسوا أهل كتب مجردة ومثل هؤلاء يعرفون المتروك لكن لا يعرفون الضعيف المطلق الذي هو الحسن فغايتهم أن يفتوا به وهو خير من رأى معين بخلاف الحديث المتروك فإنه لا خير فيه بحال. [شيخنا] فصل: الذي ليس بمجتهد له أن يجتهد في أعيان المفتين بلا ريب وهل يجتهد أعيان المسائل التي يقلد فيها بحيث إذا غلب على ظنه أن بعض المسائل على مذهب فقيه أقوى فعليه أن يقلده فيها ويفتى أخبارا عن قوله قال ذلك أبو الحسين القدوري وقال أبو الطيب الطبري ليس للعامي استحسان الأحكام فيما اختلف فيه الفقهاء ولا أن يقول قول فلان أقوى من قول فلان ولا حكم لما يغلب على ظنه ولا اعتبار به ولا طريق له إلى الاستحسان كما لا طريق له إلى الصحة. [شيخنا] فصل: إذا جوز للعامي أن يقلد من شاء فالذي يدل عليه كلام أصحابنا وغيرهم أنه لا يجوز له يتتبع الرخص [مطلقا١] فإن أحمد أثر٢ مثل ذلك عن السلف وأخبر به٣ فروى عبد الله بن أحمد عن أبيه قال سمعت يحيى القطان يقول لو أن رجلا عمل بكل رخصة بقول أهل المدينة في السماع يعنى في الغناء وبقول أهل الكوفة في النبيذ وبقول

стр. 949

أهل مكة في المتعة لكان فاسقا ونقلت من خط القاضي قال نقلت من مجموع أبى حفص البرمكي قال عبد الله سمعت أبى وذكر نحوه١ وقال الخلال في كتابه ثنا يحيى بن طالب الانطاكي ثنا محمد بن مسعود ثنا عبد الرزاق ثنا معمر قال لو أن رجلا أخذ٢ يقول أهل المدينة في السماع يعنى الغناء وإتيان النساء في أدبارهن وبقول أهل مكة في المتعة والصرف ويقول أهل الكوفة في المسكر كان شر عباد الله وقال سليمان التيمى لو أخذت برخصة كل عالم أو قال بزلة كل عالم اجتمع فيك الشر كله وفي المعنى آثار عن على وابن مسعود ومعاذ وسلمان وفيه مرفوعا عن النبي ﷺ وعن عمر. قال القاضي بعد ذكر كلام الإمام أحمد المنقول من خطه هذا محمول على أحد وجهين إما أن يكون من أهل الاجتهاد ولم يؤده اجتهاده إلى الرخص فهذا فاسق [٣ لأنه ترك ما هو الحكم عنده واتبع الباطل أو يكون عاميا فأقدم على الرخص من غير تقليد فهذا أيضا فاسق٣] لأنه أخل بفرضه وهو التقليد فأما إن كان عاميا فقلد في ذلك لم يفسق لأنه قلد من يسوغ اجتهاده. [شيخنا] فصل: إذا أفتى أحد المجتهدين بالحظر والآخر بالإباحة وتساوت فتواهما عند العامي فإنه٤ يكون مخيرا في الأخذ بأيهما شاء فإن اختار أحدهما تعين القول الذي

стр. 950

أختاره حظرا أو إباحة١ ذكره القاضي في أسئلة المخالف بما يقتضي أنه محل اتفاق٢ ولم يمنعه. [شيخنا] فصل: قال أبو الخطاب وغيره أكثر الفروع لا نص فيها من القرآن ولا من السنة المتواترة ولا من الإجماع وإنما يتناولها أخبار الآحاد وقياس وما منها قد تناولها الآيات فتلك الآيات قد قابلها أخبار آحاد ومقاييس خصصتها وقد ذكر أبو المع إلى وطائفة أن أكثر الحوادث لا نص فيها بحال وإنما الدليل فيها هو القياس وكذلك قال أبو محمد في مسألة القياس لما قيل له يمكن التنصيص على المقدمات الكلية ويبقى الاجتهاد في المقدمات الجزئية فقال أبو محمد هذا إن تصور فليس بواقع فإن أكثر الحوادث ليس بمنصوص على مقدماتها الكلية كميراث الجد مع الأخوة فيقتضى العقل أن لا تخلو عن حكم ذكر هذا في تقرير وجوب التعبد بالقياس عقلا قال ان تعميم الحكم واجب ولو لم يستعمل القياس لأفضى إلى خلو كثير من الحوادث عن الأحكام لقلة النصوص وكون الصور لا نهاية لها وكذلك قال ابن غنمه في قوله من خاض في البحر قال من اتسع علمه بالنصوص. قلت حاجته إلى القياس كالواجد للماء لا يجوز له التيمم [٣والمنصوص عن الإمام أحمد ﵀ أن الآثار وافية بعامة الحوادث وإن القياس٣] إنما يحتاج إليه في القليل وفي كلامه ما يدل على أن فتاوى الصحابة أحاطت لفظا أو معنى٤ بالحوادث فإنه قال وما تصنع بالرأي وفي الحديث ما يغنيك عنه

стр. 951

والواجب أن يفرق بين أعمال الخلق الواقعة وبين المسائل المولدة لأعمالهم المقدرة فأما أعمالهم فعامتها فيها نص وأما المولدات فيكثر فيها ما لا نص فيه وزعم الظاهرية١ وغيرهم أن النصوص محيطة بجميع الحوادث مطلقا.

стр. 952

مسألة إذا استفتى مجتهدا فأجابه ولم يعمل بفتواه حتى مات المجتهد فهل يجوز له العمل بها يحتمل وجهين ذكرهما أبو الخطاب وذكر في ضمن مسألة منع التقليد أن تقليد الميت لا يجوز ذكره محتجا به في أن عثمان لم يشترط عليه تقليد أبى بكر وعمر لأنهما كانا ميتين ولم يجب القاضي بهذا بل من أجوبته جوازه استدلالا بقوله: "اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر" كما أستدل على أقوال الصحابة وبقائها بعد موتهم بقول: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" وهذا يقتضى أن قول الميت عنده باق كما صرح به في مسألة إجماع التابعين على أحد قولي الصحابة وطريقة أخرى وهى أن من قال قولا ومات فحكم قوله باق وللشافعية في تقليد الميت وجهان أصحهما الجواز لأن المذاهب لا تموت بموت أصحابها ولهذا يعتد بها بعدهم في الإجماع والخلاف والقول الأخر يجوز في الإعصار المتأخرة قال ابن حمدان [في أدب المفتي والمستفتي٢] ومن عمل بفتوى مفت مسلم مكلف عدل وقيل أو مستور الحال حر أو عبد ذكر أو أنثى ناطق أو أخرس تفهم إشاراته أو كتابته وقيل أو عدو أو حاكم وقيل فيما لا يتعلق بالقضاء كالطهارة أو فاسق أفتى نفسه فقط استمر عليه ولم يتغير عنه بتغير اجتهاده ان جعلنا أول قوليه في مسألة واحدة مذهبا له وقيل بل قال من عنده ان لم يجعله مذهبا له فلو كان في صلاة فاستدار الإمام لتغير الاجتهاد تبعه في الأقيس والأولى مفارقته وإتمام صلاته وقد سبق نحوه وإن صلى في ثوب غسل من نجاسته بخل وأعتقد طهارته بدليل ثم أعتقد نجاسته بطلت صلاته وفي المأموم خلاف سبق

стр. 953

ولو تزوج بلا ولى واعتقد صحته بدليل ثم اعتقد فساده بدليل غيره فهل يفارق الزوجة أم لا ان حكم به حاكم وإلا فارقها المجتهد وفي المقلد خلاف والمفارقة أصح. وقيل ان علم برجوعه١ قبل عمله بفتياه لم يعمل بها وإن عمل بها قبل رجوعه بدليل قاطع ث علم به نقض عمله وعمل بالثاني وإلا فلا. ومخالفة المفتى نص إمامه الذي قلده كمخالفة المفتى نص الشارع فإن عمل بفتياه في إتلاف فبان خطؤه بدليل قاطع ضمنه وإن لم يكن أهلا للفتوى فوجهان وذكر ابن الصلاح عن أبى إسحاق الاسفرائيني أنه إذا بان خطؤه وأنه خالف القاطع ضمن إن كان أهلا للفتوى وإلا فلا يضمن٢. [شيخنا] فصل: يجوز تقليد [المجتهدين٣] الموتى ولا يبطل قولهم بموتهم كإجماعهم وكالشاهد إذا أدى شهادته ومات قبل الحكم بها فإنها لا تبطل بل يحكم بها الحاكم الذي سمعها منه وإن لزم المفتى تجديد اجتهاده بتجديد الحادثة وإعلام المقلد له بتغير اجتهاده ولزم المقلد تجديد السؤال بتجدد الحادثة له ثانيا ورجوعه إلى قوله الثاني فيه احتمال لا احتمال تغير اجتهاده لو كان حيا٤ وقيل إن مات المفتى قبل العمل٥ بها فله العمل بها وقيل لا كما سبق٦ وإن كان قد عمل بها لم يجز ترك قوله إلى قول غيره في تلك الحادثة وقال أبو المع إلى في مسألة تقليد العالم الاختيار أنه يجوز في العقل ورود التعبد بذلك ولكن لم يقم دليل وجود ذلك بل ثبت بالاجماع أنه يجب على المجتهد أن يجتهد فهذا الوجوب لا يزول إلا

стр. 954

بدليل وما قام عندنا دليل قاطع على أنه يجوز الآن في الشرع للعالم تقليد العالم فإن كان الأمران مستويين في العقل وقد تبين بالشرع وجوب أحدهما ولم يرد في الثاني شرع نفيا وإثباتا وجب التمسك بما وضح مسلك الشرع فيه. قال شيخنا قلت: هذا ضعيف فإن اعتماده على الإجماع وهم لم يجمعوا على وجوب الاجتهاد عينا بل المجوز للتقليد يقول الواجب ما الاجتهاد وإما التخيير كما لو اختلفوا في فريضة ما بين أربع حقاق أو خمس بنات لبون فحقيقة قوله التوقف في المسألة. [شيخنا] فصل: قال ابن حمدان١ من عنده فمن اجتهد في مذهب إمامه فلم يقلده في حكم ودليله ففتياه به عن نفسه لا عن إمامه فهو موافق له فيه لا تابع له فإن قوى عنده مذهب غيره أفتى به وأعلم السائل مذهب إمامه وأنه ما أفتاه به فإن كان غرض السائل مذهب إمامه لم يفته بغيره وإن قوى عنده ولأنه حيث لم يقو عنده فإن قلد إمامه في حكمه وفي دليله أو دون دليله ففتياه به عن إمامه إن جاز تقليده ميتا وإلا فعن نفسه ان قدر على التحرير [والتقرير٢] والتصوير والتعليل والتفريع والتخريج والجمع والفرق٣ كالذي لم يقلده فيهما فإن عجز عن ذلك أو بعضه ففتياه عن إمامه لا عن نفسه وكذلك المجتهد في نوع علم أو مسألة منه ومنعه فيهما أظهر وقيل من عرف المذهب دون دليله جاز تقليده فيه وقيل إن لم يجد في بلده غيره وعجز عن السفر إلى مفت [٤في موضع بعيد فإن عدمه في بلده وغيره فله حكم ما قبل الشرع من إباحة وحظر ووقف ومن أفتى بحكم أو سمعه من مفت٤] فله العمل به

стр. 955

لا فتوى غيره لأنه حكاية فتوى غير وإنما سئل عما عنده. فصل: [شيخنا] لا يلزم السائل العمل بالفتوى إلا أن يلتزم بها ويظنها حقا وقيل ويشرع١ في العمل بها فإن لم يجد مفتيا آخر يخالفه لزمه العمل بها مطلقا كما لو حكم عليه بها حاكم وذكر ابن الصلاح عن أبى المظفر السمعاني إذا سمع المستفتى الجواب من المفتى لم يلزمه العمل به إلا بالتزامه ويجوز أن يقال إنه يلزمه إذا أخذ في العمل به وقيل إنه يلزمه إذا وقع في نفسه صحته وهو أولى الأوجه قال ولم أجده لغيره والذي تقتضيه القواعد أنه إنما يلزمه الأخذ بفتياه إذا لم يجد غيره سواء التزم أو لم يلتزم أو برجحان أحدهما أو بحكم حاكم.

стр. 956

مسألة مذهب الإنسان ما قاله أو دل عليه بما يجرى مجرى القول من تنبيه أو غيره فإن عدم ذلك لم تجز إضافته إليه ذكره أبو الخطاب١. وقال أيضا مذهبه ما نص عليه أو نبه عليه أو شملته علته التي علل بها.

стр. 957

مسألة واختلف أصحابنا في إضافة المذهب إليه من جهة القياس على قوله فذهب الخلال وأبو بكر عبد العزيز إلى أنه لا يجوز ذلك ونصره الحلواني وذهب الأثرم والخرقي وابن حامد إلى جواز ذلك.

стр. 958

مسألة إذا نص المجتهد على حكم مسألة ثم قال لو قال قائل بكذا أو ذهب ذاهب إلى كذا لكان مذهبا له [ فإنه لا يكون مذهبا له] ١ قال

стр. 959

أبو الخطاب قال وقال بعضهم يكون مذهبا له وهذا يحتمله كلام أصحابنا في مسألة القصر.

стр. 960

مسألة١ إذا علل الإمام المجتهد في حكم بعلة توجد في مسائل أخر كان مذهبه في تلك المسائل مذهبه في المسألة المعللة سواء قلنا بتخصيص العلة أم لا لأننا وإن قلنا به فإنما يصار إليه بدليل ولم ينقل من كلامه مخصص فأشبه العام الوارد من الشارع. قال والد شيخنا وذهب قوم من أصحابنا إلى أن ذلك لا يجوز.

стр. 961

مسألة فإن نص على مسألة وكانت الأخرى تشبهها شبها يجوز أن يخفي على بعض المجتهدين ١ لم يجز أن تجعل الأخرى مذهبه بذلك هذا قول أبى الخطاب فأما ما لا يخفي [الشبه بينهما على بعض المجتهدين] فلا يفرق الإمام بينهما٢ وهذا في ظاهره متناقض فيحمل على مسألتين يتردد فيهما هل هما مما يخفي الشبه على بعض المجتهدين بينهما أم لا [يخفي] وقد ذكر في المسألة بعد هذه أنه لو قال الشفعة لجار الجار ولا شفعة في الدكان٣ فلا ينقل حكم إحداهما إلى الأخرى فأما إذا لم يصرح في الأخرى بحكم فالظاهر حملها عل نظيرتها وهذا يقتضي القياس على قوله إذا لم يصرح بالمعرفة وإنما تكون هذه فيما يخفي على بعض المجتهدين قال ابن حمدان ما قيس على كلامه فهو مذهبه [٤وقيل لا وقيل ان جاز تخصيص العلة وإلا فهو مذهبه] ٤ وقال من عنده ان نص عليها أو أومأ إليها أو علل الأصل بها فهو مذهبه وإلا فلا إلا أن تشهد أقواله وأفعاله أو أحواله

стр. 962

للعلة المستنبطة بالصحة والتعيين قال ابن حمدان فعلى قولنا ان ما قيس على كلامه مذهبه ان أفتى في مسألتين متشابهتين بحكمين مختلفين في وقتين جاز نقل الحكم وتخريجه من كل واحدة إلى الأخرى وقيل لا يجوز كما لو فرق هو بينهما أو قرب الزمن قال من عنده ان علم التاريخ ولم يجعل أول قوليه في مسألة واحدة مذهبا له جاز نقل الثانية إلى الأولى في الأقيس ولا عكس إلا أن يجعل أول قوليه في مسألة واحدة مذهبا له مع معرفة التاريخ وإن جهل التاريخ جاز نقل حكم أقربهما من كتاب أو سنة أو إجماع أو أثر أو قواعد الإمام ونحو ذلك إلى الأخرى في الأقيس ولا عكس إلا أن يجعل أول قوليه في مسألة واحدة مذهبا له مع معرفة التاريخ وأولى لجواز كونها الأخيرة دون الراجحة. فصل: وإذا توقف الإمام أحمد في مسألة تشبه مسألتين أو أكثر أحكامها مختلفة فهل تلحق بالأخف أو بالأثقل أو يخير المقلد قال ابن حمدان من عنده يحتمل أوجها ثلاثة والأولى العمل بكل منها لمن هو أصلح له والأظهر عنه هنا التخيير ومع منع تعادل الإمارات فلا وقف ولا تخيير ولا تساقط وإن اشتبهت مسألة واحدة جاز إلحاقها بها وإن كان حكمها أرجح من غيره وقيل إذا نص في مسألة على حكم والأخرى تشبهها شبها قد يخفي على بعض المجتهدين لم تجعل الأخرى مذهبه قال من عنده وإن أشبهت ما يقتضى الحظر والإباحة جاز الاجتهاد فيها مع عدم نص أو إجماع.

стр. 963

مسألة قال أبو الخطاب فإن نص في مسألتين متشابهتين على حكمين مختلفين ولم يصرح بالتفرقة لم يجز أن ينقل جوابه من مسألة إلى أخرى وأجازه بعض الشافعية. قال والد شيخنا وهو قول بعض أصحابنا ذكره ابن حامد في تهذيب الأجوبة.

стр. 964

مسألة في الروايتين عن إمامنا إذا لم يعلم تاريخهما اجتهدنا في الأشبه بأصوله والأقوى في الحجة فجعلناه له مذهبا وكنا في الأخرى شاكين وإن علمنا التاريخ فمذهبه الأخيرة عند بعض أصحابنا منهم أبو الخطاب ومنهم من قال لا تخرج الأولى عن كونها مذهبا له إلا أن يصرح بالرجوع عنها وقد ذكروا ذلك في مسألة التيمم وهذا نقل أبى الخطاب. قلت وقد تدبرت كلامهم فرأيته يقتضي أن يقال بكونهما مذهبا له وإن صرح بالرجوع قال أبو سفيان المستملى سألت أحمد عن مسألة فأجابني فيها فلما كان بعد مدة سألته عن تلك المسألة بعينها فأجابني بجواب خلاف الجواب الأول فقلت له أنت مثل أبى حنيفة الذي كان يقول في المسألة الأقاويل فتغير وجهه وقال يا موسى [ليس لنا مثل أبى حنيفة] ١ أبو حنيفة كان يقول بالرأي وأنا أنظر في الحديث فإن رأيت ما أحسن أو أقوى أخذت به وتركت القول الأول وهذا صريح في ترك الأول. فصل: [شيخنا] قال ابن حمدان إذا نقل عن الإمام أحمد في مسألة قولان صريحان مختلفان في وقتين وتعذر الجمع بينهما فإن علم التاريخ فالثاني مذهبه وقيل والأول إن جهل رجوعه عنه وقيل أو علم وقلنا مذهبه ما قاله تارة بدليل وقال من عنده فيهما لا على التخيير ولا التعاقب ولا معا في حق شخص واحد في واقعة واحدة في وقت واحد من مفت واحد ولا على البدل ولا مطلقا بل إذا قلنا لا يلزم المجتهد تجديد الاجتهاد بتجديد الحادثة ثانيا ولا إعلامه المقلد له بتغير اجتهاده قبل عمل المقلد به ليرجع عما أفتاه به وأنه لا يلزم المقلد تجديد السؤال بتجدد الحادثة ثانيا ولا رجوعه إلى اجتهاده الثاني فيها قبل عمله بالأول فلا ينقض الأول

стр. 965

بالثاني وإن كان أرجح منه ولا يترك الثاني بالأول وإن كان أرجح منه ظنا كمن صلى صلاتين إلى جهتين باجتهاديين مختلفين في وقتين ولم يتبين له الخطأ جزما ولقول عمر في المشركة في جوابه ثانيا ذاك على ما قضينا وهذا على ما نقضى فالمفتى بأحدهما بدليله لم يخرج عن مذهب الإمام حيث قاله بدليل لم يقطع بخلافه ولمن قلده أن يستمر على القول الأول الذي عمل به ولا يتغير عنه بتغير اجتهاد من قلده في الأقيس ويجوز التخريج منه والتفريع والقياس عليه ويكون مذهبه ان قلنا ما قيس على كلامه مذهب له وإلا فلا وإن قلنا يلزم المجتهد تجديد اجتهاده فيما أفتى به لتجدد الحادثة له ثانيا وإعلامه المقلد له بتغير اجتهاده فيما أفتاه به ليرجع عنه وبعد ما عمل به حيث يجب نقضه وإن المقلد له يلزمه السؤال بتجدد الحادثة له ثانيا ورجوعه إلى قوله الثاني قبل عمله بالأول أو بعده ان وجب نقضه لم يكن الأول مذهبا له فلا يعمل به المقلد وإن كان عمل به فلا يستمر عليه إذا لتغير اجتهاد من قلده فيه ولا يخرج منه حكم إلى غيره ولا يقاس عليه إذا وإن بان للمفتى أنه خالف ما يجب العمل به من إجماع أو كتاب أو سنة نقض فتياه وأعلم المستفتى بذلك ليرجع. [شيخنا] فصل: وان جهل التاريخ فمذهبه أقر بهما من كتاب أو سنة أو إجماع أو أثر أو قواعد الإمام أو عوائده أو مقاصده أو أدلته وقال من عنده ان لم يجعل أول قوليه في مسألة واحدة مذهبا له مع معرفة التاريخ فيكون هذا [هو] الراجح كالمتأخر فيما ذكرنا إذا جهل رجوعه عنه قال من عنده ويحتمل الوقف لاحتمال تقدم الراجح فإن جعلنا أولهما مذهبا له فهنا أولى لجواز كون الراجح متأخرا وإن تساويا نقلا ودليلا فالوقف أولى قال من عنده ويحتمل التخيير إذا والتساقط فإن اتحد حكم القولين دون الفعل كإخراج الحقاق أو بنات اللبون عن مائتي بعير وكل واجب موسع أو مخير

стр. 966

خير المجتهد بينهما [وله أن يخير المقلد بينهما] ١ إن لم يكن المجتهد حاكما وإن منعنا تعادل الإمارات وهو الظاهر عنده فلا وقف ولا تخيير ولا تساقط أيضا وعمل بالراجح رواة بكثرة أو شهرة أو علم أو ورع أو دليل أو معنى ويقدم الأعلم وقيل الأورع فإن وافق أحد القولين مذهب غيره فهل هو أولى أم لا٢ قال من عنده يحتمل وجهين وإن علم تاريخ أحدهما فهو كما لو جهل تاريخهما ويحتمل الوقف وقيل ان أفتى في واقعة بمذهب إمامه ثم وقعت له مرة أخرى وذكر حكمها ودليله أفتى به ان لم يظهر له خلافه وإن نسى أو جهل حكمها ودليله وقف حتى يعرفهما أو ضدهما وقيل ان أفتى يقول ميت لم يجب تجديد نظره. [شيخنا] فصل: وما انفرد به بعض الرواة عن الإمام وقوى دليله فهو مذهبه وقيل لا بل ما وراه جماعة أنه بخلافه أولى. [شيخنا] فصل: ويخص كلامه بخاصة في مسألة واحدة وقيل لا وما دل كلامه عليه فهو مذهبه ان لم يعارضه أقوى منه. [شيخنا] فصل: قوله لا يصلح أو لا ينبغي للتحريم ولا بأس وأرجو أن لا بأس للإباحة وأخشى أو أخاف أن يكون أو لا يكون ظاهر في المنع وقيل بالوقف وقوله أحب كذا أو أستحبه أو أستحسنه أو هو أحسن أو حسن أو يعجبني أو هو أعجب إلي

стр. 967

للندب وقيل للوجوب وقوله أكره كذا أو لا يعجبني أو لا أحبه ولا أستحسنه للتنزيه والكراهة وقيل للتحريم وإن قال أستقبحه أو هو قبيح أو قال لا أراه فهو حرام وإن قال هذا حرام ثم قال أكرهه أو لا يعجبني فحرام وقيل بل مكروه. [شيخنا] فصل: فان أجاب في شيء ثم قال في نحوه هذا أهون أو أشد أو أشنع فقيل هما عنده سواء وقيل لا قال من عنده ان اتحد المعنى أو كثر التشابه فالتسوية أولى وإلا فلا وقيل قوله هذا أشنع عند الناس يقتضي المنع وقيل لا وإن قال أخير منه فهو للجواز وقيل للكراهة قال من عنده والنظر إلى القرائن أولى في الكل. [شيخنا] فصل: وما أجاب عنه١ بكتاب أو سنة أو إجماع أو قول بعض الصحابة فهو مذهبه لأن قول أحدهم عنده حجة على الأصح وما رواه من سنة أو أثر وصححه أو حسنه أو رضى بسنده أو دونه في كتبه ولم يرده ولم يفت بخلافه فهو مذهبه وقيل لا كما لو أفتى بخلافة قيل أو بعد فإن أفتى بحكم فاعترض عليه فسكت فليس رجوعا وقيل بلى. [شيخنا] فصل: وان ذكر عن الصحابة في مسألة قولين فمذهبه أقربهما من كتاب أو سنة أو إجماع سواء عللهما أو لا إذا لم يرجح أحدهما ولم يختره٢ أو يحسنه وقيل

стр. 968

لا مذهب له منهما عينا كما لو حكاهما عن التابعين فمن بعدهم ولا مزية لأحدهما بما ذكر لجواز إحداث قول ثالث بخلاف الصحابة وقيل بالوقف وإن علل أحدهما [١واستحسن الأخر أو فعلهما في أقوال التابعين أو من بعدهم] ١ فأيهما مذهبه فيه وجهان وإن أعاد ذكر أحدهما أو فرع عليه فهو مذهبه وقيل لا إلا أن يرجحه أو يفتى به وإن نص في مسألة على حكم وعلله بعلة فوجدت في مسائل أخر فمذهبه في تلك المسائل كالمسألة المعللة سواء قلنا بتخصيص العلة أم لا كما سبق وإن نقل عنه في مسألة قولان دليل أحدهما قول النبي ﷺ ودليل الأخر قول صحابي [٢وهو أخص منه وقلنا انه يخص به العموم فأيهما مذهبه فيه وجهان وإن كان قول النبي ﷺ ] ٢ أخصهما أو أحوطهما تعين وإن وافق أحدهما قول صحابي آخر والآخر قول تابعي واعتد به إذا وقيل وعضده عموم كتاب أو سنه أو أثر فوجهان وإن ذكر اختلاف الناس وحسن بعضه فهو مذهبه ان سكت عن غيره وإن سئل مرة فذكر الاختلاف ثم سئل مرة ثانية فتوقف ثم ثالثة فأفتى فيها فالذي أفتى به مذهبه وإن أجاب بقوله قال فلان كذا يعنى بعض العلماء فوجهان وإن قال يفعل السائل كذا احتياطا فهو واجب وقيل بل مندوب وإن نص على حكم مسألة ثم قال ولو قال قائل أو ذهب ذاهب إلى كذا يعنى حكما [٣بخلاف ما نص عليه كان مذهبا لم يكن ذلك مذهبا للإمام أيضا كما لو قال وقد ذهب قوم إلى كذا قال من عنده ويحتمل بلى] ٣ كما لو قال تحتمل المسألة قولين.

стр. 969

[شيخنا] فصل: وهل يجعل فعله أو مفهوم كلامه مذهبا له على وجهين فإن جعلنا المفهوم مذهبا له فنص في مسألة على خلافه بطل المفهوم وقيل لا فتصير المسألة على قولين ان جعلنا أول قوليه في مسألة واحدة مذهبا له. [شيخنا] فصل: الروايات المطلقة نصوص للأمام أحمد وكذا قولنا وعنه وأما التنبيهات بلفظه فقولنا أومأ إليه أحمد أو أشار إليه أو دل كلامه عليه أو تقف فيه وأما الأوجه فأقوال الأصحاب وتخريجهم إن كانت مأخوذة [١من قواعد الإمام أحمد أو إيمائه أو دليله أو تعليله أو سياق كلامه وقوته وإن كانت مأخوذة] ١ من نصوص الإمام أو مخرجة منها فهي روايات مخرجة له أو منقولة من نصوصه إلى ما يشبهها من المسائل ان قلنا ما قيس على كلامه مذهب له وإن قلنا لا فهي أوجه لمن خرجها وقاسها فإن خرج من نص ونقل إلى مسألة فيها نص يخالف ما خرج فيها صار رواية منصوصة ورواية مخرجة [٢منقولة من نصه إذا قلنا المخرج من نصه مذهبه وإن قلنا لا ففيها رواية لأحمد ووجه لمن خرجه] ٢ وإن لم يكن فيها نص يخالفا القول المخرج فيها من نصه في غيرها فهو وجه لمن خرجه فإن خالفه غيره من الأصحاب في الحكم دون طريق التخريج ففيها لهم وجهان ويمكن جعلهما مذهبا لأحمد بالتخريج دون النقل لعدم أخذهما من نصه وإن جهلنا مستندهما فليس أحدهما قولا مخرجا للإمام ولا مذهبا له بحال فمن قال من الأصحاب هنا هذه المسألة رواية واحدة أراد نصه ومن قال فيها روايتان فإحداهما بنص والأخرى بإيماء أو تخريج من نص آخر له أو بنص

стр. 970

جهله منكره ومن قال فيه وجهان أراد عدم نصه عليهما سواء جهل مستنده أم لا ولم يجعله مذهبا لأحمد١ فلا يعمل إلا بأصح الوجهين وأرجحهما سواء وقعا معا أو لا من [شخص] واحد أو أكثر وسواء علم التاريخ أو جهل. وأما القولان هنا فقد يكون الإمام نص عليهما كما ذكره أبو بكر عبد العزيز في زاد المسافر أو نص على أحدهما وأومأ إلى الأخر وقد يكون مع أحدهما وجه أو تخريج أو احتمال بخلافه. وأما الاحتمال فقد يكون لدليل مرجوح بالنسبة إلى ما خالفه أو لدليل مساو له وأما التخريج فهو نقل حكم مسألة إلى ما يشبهها والتسوية بينهما فيه. وأما الوقف٢ فهو ترك الأخذ٣ بالأول والثاني والنفي والإثبات ان لم يكن فيها قول لتعارض الأدلة وتعادلها عنده فله حكم ما قبل الشرع من حظر أو إباحة أو وقف. [شيخنا] فصل: ومذهبه ما قاله بدليل ومات قائلا به وفيما قاله [قبله] بدليل يخالفه ثلاثة أوجه النفي والإثبات والثالث ان رجع عنه وإلا فهو مذهبه كما يأتي وقيل مذهب كل واحد عرفا وعادة ما اعتقده جزما أو ظنا بدليل ويعلم ذلك من قوله وخطه وتأليفه٤ وينقل إلينا جزما أو ظنا وقوله وخطه وتأليفه إما نص أو ما يجري مجراه مما خرج على نصه العام ولا يرى تخصيصه أو المطلق ولا يرى تقييده أو يذكر

стр. 971

علة الحكم ولا يرى تخصيصها أو يعلقها بشرط يزول بزواله أو يذكر حكم حادثة وغيرها مثلها شرعا كسراية عتق الموسر بعض عبد نفسه له أو لغيره والأمة مثله وما ثبت بالقياس والاجتهاد فمن دين الله وشرعه لا من نصه ولا من نص رسوله. [والد شيخنا] فصل: قال أبو الطيب فأما تخريج القولين في المسألة فإنه على أربعة أضرب: أحدها: أن يذكر في القديم قولا فيها ثم يذكر في الجديد خلافه فيكون هذا رجوعا عن الأول ويكون مذهبه الثاني. الضرب الثاني: ذكر في الجديد قولين في موضع واحد ودل على اختياره لأحدهما١ فيكون مذهبه هو الذي اختاره والآخر ليس بمذهب له ودليل اختياره لأحدهما أن يقول هذا أحبهما إلى وأشبههما بالحق عندي وهذا مما أستخير الله فيه أو يقول هذا قول مدخول أو قول منكر أو يفرع أحدهما ويترك التفريع على الآخر. والثالث: أن يذكر قولين في موضع واحد ثم يعيد المسألة في موضع آخر ويذكر أحدهما فقط فيدل عل اختياره له وهذا ذكره المزني هكذا وخالفه أبو إسحاق المروذى وقال هذا لا يدل على اختياره لأنه يحتمل أن يكون ترك ذكره اكتفاء بما ذكره والذي قاله المزنى هو الصحيح. والرابع: أن يذكر قولين في موضع واحد ولا يدل على اختياره لأحدهما فهذا لا نعرف مذهبه فيها لأنه لا يجوز أن يكون مذهبان له لأن الحق واحد ونسبة أحدهما بعينه إليه لا يجوز لأنه لم يعينه قال أصحابنا ووجد له مثل ذلك

стр. 972

ستة عشر موضعا قالوا: ويحتمل أن يكون قد تعين له الحق منهما ومات قبل بيانه ويحتمل أن لا يكون قد تعين له وكان متوقفا فيهما فإن قال قائل إذا كان طريق القولين ما ذكرته ولم يكونا مذهبين له فليس لذكر القولين في موضع واحد واختياره أحدهما معنى وكذلك إذا لم يبن له الحق١ فيهما فليس لذكرهما معنى وكيف ذكر الشافعي ما لا يفيد شيئا فالجواب أن الشافعي ذكر القولين ليعلم أصحابه طريق الاجتهاد واستخراج العلل وبيان ما يصححها ويفسدها لأنه يحتاج أن يبين فروق٢ الأحكام كما يحتاج أن يبين الأحكام فكانت فائدة ذكر القولين هذا دون ما قدره السائل من كون القولين مذهبا له ولأنه إذا ذكر القولين ولم يبين الحق٣ منهما أفاد بذكرهما أن ما عداهما باطل وإن الحق أحدهما ولان الخبر عما هو متوقف فيه مفيد حسن فلا يصح ما قاله هذا القائل. [شيخنا] فصل: في قول الشافعي رضى الله عنه إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا بسنة رسول الله ﷺ ودعوا ما قلته. قال أبو عمرو بن الصلاح عمل بذلك كثير من [أئمة] أصحابنا فكان من ظفر منهم بمسألة فيها حديث ومذهب الشافعي خلافه عمل بالحديث وأفتى به قائلا مذهب الشافعي ما وافق الحديث وما لم يتفق ذلك إلا نادرا ومنه ما نقل عنه قول موافق وممن حكى أنه أفتى بالحديث في مثل ذلك أبو يعقوب البويطي وأبو القاسم الداركي وهذا الذي قطع به أبو الحسن الكيا في أصوله قال أبو عمرو

стр. 973

وليس هذا بالهين فليس كل فقيه يسوغ أن ينقل بالعمل بما يراه حجة من المذهب وفيمن سلك هذا من علم بحديث تركه الشافعي عمدا على علم منه بصحته لمانع كأبي الوليد بن الجارود ممن صحبه في حديث أفطر الحاجم والمحجوم وعن ابن خزيمة أنه قيل له هل تعرف سنة لرسول الله ﷺ في الحلال والحرام لم يودعها الشافعي كتابه قال لا قال أبو عمرو وعند هذا أقول من وجد من الشافعية حديثا يخالف مذهبه فإن كملت فيه آلات الاجتهاد مطلقا أو في ذلك الباب أو في تلك المسألة كان له الاستقلال بالعمل بذلك الحديث وإن لم تكمل آلته ووجد في قلبه حزازة من مخالفة الحديث بعد أن بحث فلم يجد لمخالفته عنه جوابا شافيا فإن كان قد عمل بذلك الحديث إمام مستقل فله أن يتمذهب بمذهبه في العمل بذلك الحديث ويكون ذلك عذرا له في ترك مذهب إمامه في ذلك والله أعلم. قال والمفتى المنتسب إلى مذهب إمام هل له أن يفتى بمذهب آخر إن كان ذا اجتهاد فأداه اجتهاده١ إلى مذهب إمام آخر اتبع اجتهاده وإن كان اجتهاده مشوبا بشيء من التقليد نقل ذلك الشوب من التقليد إلى ذلك الإمام الذي أداه اجتهاده إليه٢ ثم إذا أفتى بين ذلك في فتواه وذكر العمل بمثل ذلك عن القفال والمروذى والحلواني٣ أنه أنكر مثل ذلك على الغزالي. قال وإن لم يكن بنى على اجتهاده فإن ترك مذهبه إلى مذهب هو أسهل عليه وأوسع فالصحيح امتناعه وإن كان تركه لكون الأخر أحوط المذهبين فالظاهر جوازه ثم عليه بيان ذلك في فتواه قال وليس له أن يتخير من القولين٤

стр. 974

أو الوجهين بل عليه في القولين أن يعمل بالمتأخر منهما كالجديد مع القديم وإن لم يتقدم أحدهما عمل بما رجحه الشافعي فإن لم يرجح شيئا منهما فعليه البحث على الأصح منهما متعرفا ذلك من أصول مذهبه غير متجاوز في الترجيح قواعد مذهبه إلى غيرها إن كان ذا اجتهاد في مذهبه أهلا للتخريج عليه فإن لم يكن أهلا لذلك فلينقله عن بعض أهل التخريج من أهل المذهب وإن لم يجد شيئا من ذلك فليتوقف كما فعل الماوردي وشيخه الصيمرى وشيخه ابن القاص وشيخه أبو حامد المروذى في مسألة الناسي في اليمين والوجهان فلا بد من ترجيح أحدهما بمثل الطريق المذكور دون التقدم والتأخر سواء وقعا معا في حالة واحدة من إمام من أئمة المذهب أو من إمامين واحد بعد واحد والمنصوص من القولين راجح على المخرج إلا أن يكون المخرج مخرجا من آخر لتعذر الفارق قال ومن اكتفي بأن يكون في فتواه أو عمله موافقا لقول أو وجه في المسألة من غير نظر في الترجيح ولا تقيد به فقد جهل وخرق الإجماع. وذكر عن أبى الوليد الباجي أنه ذكر عن بعض أصحابهم أنه كان يقول ان الذي لصديقي على إذا وقعت له حكومة أن أفتيه بالرواية التي توافقه وذكر أن بعضهم سئلوا عن مسألة فأفتوا فيها بما يضر صاحبها وكان غائبا فلما عاد سألهم فقالوا ما علمنا أنها لك وأفتوه بالرواية الأخرى التي توافقه قال أبو الوليد وهذا مما لا خلاف بين المسلمين ممن يعتد به في الإجماع أنه لا يجوز. قلت التخيير في الفتوى والترجيح بالشهوة ليس بمنزلة تخير العامي في تقليد أحد المفتين ولا من قبيل١ اختلاف المفتين على المستفتى بل كل ذلك راجع إلى شخص واحد وهو صاحب المذهب فهو كاختلاف الروايتين عن النبي صلى الله

стр. 975

عليه وسلم راجع إلى شخص واحد وهو الإمام فكذلك اختلاف الأئمة راجع إلى شريعة رسول الله ﷺ حتى ان من يقول ان تعارض الأدلة يوجب التخيير لا يقول إنه يختار لكل مستفت ما أحب بل غايته أنه يختار قولا يعمل به ويفتى به دائما فبين ما أنكره أبو عمرو وبين ما أنكره أبو الوليد فرق قال أبو عمر فإن اختلف أئمة المذهب في التصحيح على من ليس أهلا للترجيح فينبغي أن يفزع في الترجيح إلى صفاتهم الموجبة لزيادة الثقة بآرائهم فيعمل بقول الأكثر والأعلم والاورع وإن اختلفت الصفات قدم الذي هو أحرى بالإصابة فيقدم الأعلم الورع على الأورع العالم قال واعتبرنا ذلك في هذا كما اعتبرنا في ترجيح الأخبار بصفات رواتها وكذلك إذا وجد قولين أو وجهين لم يبلغه عن واحد من الأئمة بيان الأوضح منهما اعتبر أوصاف ناقلهما وقائلهما فما رواه المزني أو الربيع مقدم على ما رواه حرملة والربيع الجيزى ويرجح منهما ما وافق أكثر أئمة المذاهب المشهورة وذكر القاضي حسين أنه إذا اختلف قول الشافعي في مسألة وأحدهما يوافق قول أبى حنيفة فقال أبو حامد ما خالفه أولى١ لأنه لولا رأى فيه معنى خفيا لما خالف وقال القفال ما وافقه أولى وكان القاضي حسين يذهب إلى الترجيح بالمعنى قال أبو عمرو وقول القفال أولى والفتيا على الجديد إلا في نحو عشرين مسألة يفتى فيها بالقديم على خلاف في أكثرها. [شيخنا] فصل: في ترجيح المقلد أحد الأقوال لكثرة عدد قائليه من المفتين حالة الفتوى. قال الوزير أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة الصحيح في هذه المسألة أن قول من قال: "لا يجوز تولية قاض حتى يكون من أهل الاجتهاد فإنه إنما عنى به هنا ما كانت الحالة عليه قبل استقرار ما استقر من هذه المذاهب التي أجمعت

стр. 976

الأئمة على أن كلا منها يجوز العمل به لأنه مستند إلى أمر رسول الله ﷺ أو على سبيل معه فالقاضي في هذا الوقت وإن لم يكن قد متى في طلب الأحاديث وانقاء طرقها وعرف من لغة الناطق بالشريعة ﷺ ما لا يعوزه معه معرفة ما يحتاج إليه فيه وغير ذلك من شروط الاجتهاد فإن ذلك مما قد فرغ له١ منه ودأب فيه سواه وانتهى الأمر من هؤلاء الأئمة المجتهدين إلى ما أراحوا به من بعدهم وانحصر الحق في أقاويلهم وتدونت العلوم وانتهت إلى ما اتضح فيه الحق فإن عمل القاضي في أقضيته بما يأخذ عنهم أو عن الواحد منهم فإنه في معنى من كان باجتهاده إلى قول قاله وعلى ذلك فإنه إذا خرج من خلافهم متوخيا مواطن الاتفاق ما أمكنه كان آخذا بالحزم عاملا بالأولى وكذلك إذا قصد في مواطن الخلاف توخي٢ ما عليه الأكثر منهم والعمل بما قاله الجمهور دون الواحد منهم فإنه قد أخذ ما محزم والأحوط والأولى مع جواز أن يعمل بقول الواحد إلا أنني أكره له أن يكون ذلك من حيث انه قد قرأ مذهب واحد منهم أو نشأ في بلدة لم يعرف فيها إلا مذهب إمام واحد منهم أو كان شيخه ومعلمه على مذهب فقيه من الفقهاء خاصة يقصر نفسه على اتباع ذلك المذهب حتى إذا حضر عنده خصمان وكان ما تشاجرا فيه مما يفتى الفقهاء الثلاثة فيه بحكم واحد نحو التوكيل بغير رضا الخصم وكان الحاكم حنفيا وقد علم أن مالكا والشافعي وأحمد اتفقوا على جواز هذا التوكيل دون أبى حنيفة فعدل عما أجمع عليه هؤلاء الأئمة الثلاثة إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة لمجرد أنه قاله فقيه هو في الجملة من فقهاء الاتباع له من غير أن يثبت عنده بالدليل ولا أداه اجتهاده إلى أن قول أبى حنيفة أولى مما اتفق عليه الجماعة فإني أخاف على مثل هذا أن يكون ممن اتبع هواه وأنه لا يكون ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه وكذلك إن كان على مذهب مالك فقضى بتطهير الكلب

стр. 977

وكذلك إن كان على مذهب الشافعي فقضى في متروك التسمية [عمدا١] بالحل خلافا للثلاثة وكذلك إن كان على مذهب أحمد فقال أحد الخصمين كان له على مال وقضيته يقضى عليه بالبراءة من إقراره مع علمه بخلاف الفقهاء الثلاثة فإن هذا وأمثاله إذا توخي فيه اتباع الأكثرين [فأمره عندي٢] أقرب إلى الخلاص وأرجح في العمل وبمقتضى هذا فإن ولايات الحكام في وقتنا هذا ولايات صحيحة وإنهم قد سدوا من ثغر الإسلام ما سده فرض كفاية ومتى أهملنا هذا القول ولم نذكره ومشينا على طريق التغافل التي يمشى فيها من يمشى من الفقهاء الذين يذكر كل منهم في كتاب ان صنفه أو كلام ان قاله أنه لا يصح أن يكون أحد قاضيا حتى يكون من أهل الاجتهاد ثم يذكر في شروط الاجتهاد أشياء ليست موجودة في الحكام فإن هذا كالإحالة وكالتناقض وكأنه تعطيل للأحكام وسد لباب الحكم وإلا ينفذ لأحد حق ولا يكاتب به ولا تقام بينة ولا يثبت لأحد ملك إلى غير ذلك من القواعد الشرعية فكان هذا الأصل غير صحيح وبان أن الحكام اليوم حكوماتهم صحيحة نافذة وولاياتهم جائزة شرعا فقد تضمن هذا الكلام أن تولية المقلد تجوز إذا تعذر تولية المجتهد وأنه انعقد الإجماع على تقليد كل واحد من هذه المذاهب الأربعة وإن إجماع الفقهاء حجة لا يخرج الحق عنهم وأنه ينبغي الاحتراز من الاختلاف فإن لم يكن فإتباع الأكثر أولى ويكره تقليد الواحد المخالف للأكثر لأجل تقدم ونحوه. وقال أيضا في أول شرح الحديث كل من هذه المذاهب إذا أخذ به آخذ ساغ له ذلك فإن خرج من الخلاف فأخذ بالاحوط كتحرية مسح جميع رأسه وأخذ فيما لا يمكنه الخروج من الخلاف فيه كمسألة البسملة بقول الأكثر كان

стр. 978

هو الأولى قال وعلى هذا أرى ما استمر من الخلفاء الراشدين يعنى خلفاء بغداد من ترك الجهر في الجوامع لأن الخطباء قد يكون فيهم من يعتقد مذهب الشافعي إلا أنهم استمروا على ذلك لما ذكرته قال وهذا هو المانع لي من الجهر لأكون مع الأكثر فأما المجتهد فإنه إذا ثبت عنده حق بمقتضى ما أداه اجتهاده إليه في مسألة فإن فرضه ما أدى إليه اجتهاده على أن المجتهد اليوم لا يتصور اجتهاده في هذه المسائل التي قد تحررت في المذاهب لأن المتقدمين قد فرغوا من ذلك فأما هذا الجدل الذي يقع بين أهل المذاهب فإنه أوفق ما يحمل الأمر فيه يأن يخرج مخرج الإعادة والتدريس فيكون الفقيه به معيدا محفوظه ودارسا ما يعلمه فأما اجتماع الجمع منهم متجادلين في مسألة مع أن كل واحد منهم لا يطمع في أن يرجع خصمه إليه إن ظهرت حجته ولا هو يرجع إلى خصمه إن ظهرت حجته عليه ولا فيه عندهم فائدة ترجع إلى مؤانسة ولا إلى استجلاب مودة ولا إلى توطئة القلوب لوعى الحق بل هو على الضد من ذلك فإنه مما قد تكلم فيه العلماء وأظهروا من عذره١ ما أظهروا كابن بطة وابن حامد في جزءه ولا يتمارى في أنه محدث متجدد فأما تعيين المدارس بأسماء فقهاء معينين فإنه لا أرى به بأسا حيث ان اشتغال الفقهاء بمذهب واحد من غير أن يختلط بهم فقيه في مذهب آخر يثير الخلاف معهم ويوقع النزاع فإنه حكى لي الشيخ محمد بن يحيى عن القاضي أبى يعلى أنه قصده فقيه ليقرأ عليه مذهب أحمد فسأله عن بلده فأخبره فقال له إن أهل بلدك كلهم يقرأون مذهب الشافعي فلماذا عدلت أنت عنه إلى مذهبنا فقال له إنما عدلت عن المذهب رغبة فيك أنت فقال ان هذا لا يصلح فانك إذا كنت في بلدك على مذهب أحمد وباقي أهل البلد على مذهب الشافعي لم تجد أحدا يعبد معك٢ ولا يدارسك وكنت خليقا أن تثير خصومة وتوقع نزاعا بل كونك

стр. 979

على مذهب الشافعي حيث أهل بلدك على مذهبه أولى ودله على الشيخ أبى إسحاق وذهب به إليه فقال سمعا وطاعة أقدمه على الفقهاء وألتفت إليه وكان هذا من علمهما معا وكون كل واحد منهما يريد الآخرة وعلى هذا فلا ينبغي أن يضيق في الاشتراط على المسلمين في شروط المدارس فإن المسلمين إخوة وهى مساكن تبنى لله فينبغي أن يكون في اشتراطها ما يتسع لعباد الله فإنني امتنعت من دخول مدرسة شرط فيها شروط لم أجدها عندي ولعلى منعت بذلك أن أسأل عن مسألة أحتاج إليها أو أفيد أو أستفيد. [شيخنا] فصل: قال أبو الخطاب أجمع الناس على أن المجتهد إذا حكم في حادثة بحكم ثم جاءته مثلها أنه لا يقنع بذلك الاجتهاد بل يجتهد ثانيا وما عليه دليل قطعي لا يحتاج إلى ذلك كمن عرف التوحيد والنبوة قال وفيه نظر. وقال أيضا إذا سئل المفتى عن مسألة فإن كان قد تقدم له فيها اجتهاد وقول وهو ذاكر لطريق الاجتهاد والحكم جاز له أن يفتى بذلك وإلا١ فلا فإن ذكر الحكم دون طريق الاجتهاد لزمه أن يذكر طريق الاجتهاد ويعيد النظر في ذلك فإن أداه اجتهاده إلى ذلك الحكم أفتى به وإن أداه إلى غيره أفتى به أيضا. وكذلك ذكر ابن عقيل. وذكر أبو عمرو بن الصلاح أنه إذا وقعت الحادثة مرة ثانية فإن كان ذكر الفتيا الأولى ومستندها إلى أصل الشرع إن كان مستقلا أو بالنسبة إلى مذهبه إن كان منتسبا إلى مذهب ذي مذهب أفتى بذلك وإن تذكرها دون

стр. 980

مستندها ولم يظهر ما يوجب رجوعه عنها فقد قيل له أن يفتى بذلك والأصح أنه لا يفتى حتى يجدد النظر ومن لم تكن فتياه حكاية عن غيره لم يكن له بد من استصحاب الدليل فيها. [شيخنا] فصل: إذا حدثت مسألة ليس فيها قول لأحد العلماء جاز الاجتهاد فيها والحكم والفتوى لمن هو أهل لذلك للحاجة قال وقد أومأ أحمد إلى المنع منه كقوله للميموني إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام وقيل يجوز ذلك في الفروع دون الأصول وهو أولى فإن سأل عامي عن مسألة لم تقع جاز إجابته وقيل يستحب ان قصد معرفة الحكم لاحتمال أن يقع له أو لغيره أو لتفقه فيه وقيل كما سبق يكره ذلك مطلقا. [شيخنا] فصل: قال أبو الخطاب وإن أفتى باجتهاده ثم تغير اجتهاده فإن كان المستفتى قد عمل بما أفتاه لم يلزم المفتى أن يعرفه بتغير اجتهاده ولم يلزم المستفتى نقض ما عمله وإن كان لم يعمل بها لزمه ذلك ان أمكنه لأن العامي يعمل بذلك الحكم لأنه قول ذلك المفتى ومعلوم أنه ليس هو قوله في ذلك الحال فإن لم يفعل ومات المفتى فهل يجوز للمستفتى العمل بما أفتاه فيه احتمالان أحدهما لا يجوز لأنه لا يدرى أنه لو كان حيا كان قائلا بذلك الحكم وطريقة الاجتهاد فيه أم لا. قلت على هذا فلو كان حيا لم يجز أن يعمل بالفتيا ثانيا حتى يستفتيه مرة ثانية وهذا بعيد وهو قول القاضي كما تقدم ويحتمل أن يجوز لأن الظاهر أنه قوله حتى مات وموته قد أزال عنه التكليف والذي ذكره أبو عمرو بن الصلاح عن مذهبه أن المفتى إذا رجع قبل العمل بها لم يجز العمل بها للمستفتى وكذلك لو نكح بفتواه أو أستمر على نكاحه ثم رجع لزمه مفارقتها كما لو تغير اجتهاد من

стр. 981

قلده في القبلة في أثناء صلاته وإن رجع بعد عمل المستفتى فإن كان مخالفا [لقاطع] ١ لزم المستفتى نقض عمله ذلك وإن كان في محل الاجتهاد لم يلزمه نقضه. قال أبو عمرو من عنده وإذا كان إنما يفتى بمذهب إمام معين فرجوعه لمخالفة نص إمامه قطعا يوجب نقضه وإن كان في محل الاجتهاد لأن نص المذهب في حقه كنص الشارع في حق المجتهد وإذا لم يعلم المستفتى برجوعه فحاله على ما كان ويلزم المفتى إعلامه برجوعه قبل العمل وبعده حيث يجب النقض. [شيخنا] فصل: في كيفية الفتوى إذا سئل المجتهد عن الحكم لم يجز له أن يفتى بمذهب غيره لأنه إنما سئل عما عنده فإن سئل عن مذهب غيره جاز له أن يحكيه لأن العامي يجوز له حكاية قول غيره ولا يجوز له أن يفتى بما يجده في كتب الفقهاء لا بما يفتيه به فقيه هذا قول أبى الخطاب. وقال الحليمي والروياني لا يجوز للمقلد أن يفتى بما هو مقلد فيه وذكر أبو محمد الجويني عن القفال والمروذى أنه يجوز لمن حفظ مذهب صاحب مذهب ونصوصه أن يفتى به وإن لم يكن عارفا بغوامضه وحقائقه. وقال أبو محمد لا يجوز أن يفتى بمذهب غيره إذا لم يكن متبحرا فيه عالما بغوامضه وحقائقه كما لا يجوز للعامي الذي جمع فتاوى المفتين أن يفتى بها وإذا كان متبحرا فيه جاز أن يفتى به. قال أبو عمرو وقول من قال لا يجوز معناه أنه لا يذكره في صورة ما يقوله من عند نفسه بل يضيفه إلى إمامه الذي يحكيه عنه قال فعلى هذا من عددناه

стр. 982

في المفتين من المقلدين ليسوا في الحقيقة من المفتين ولكنهم قاموا مقامهم فعدوا معهم وسبيلهم أن يقولوا مثلا مذهب فلان كذا ومقتضى مذهبه كذا ومنهم من ترك إضافة ذلك إلى إمامه اكتفاء بدلالة الحال. وذكر الماوردي في الحاوي في العامي إذا عرف حكم حادثة بنى على دليلها ثلاثة أوجه أحدها أنه يجوز أن يفتى به ويجوز تقليده فيه والثاني يجوز ذلك إن كان دليلها من الكتاب أو السنة والثالث وهو الأصح أنه لا يجوز ذلك مطلقا. [شيخنا] فصل: وذكر ابن عقيل أن العامي لا يجوز له التقليد إلا المجتهد وكذلك التزم أنه لا بد في كل عصر من مجتهد يجوز للعامي تقليده ويجوز أن يولى القضاء وهذا يقتضى أن المفتى لا يجوز أن يفتى بالنقل عن غيره من المجتهدين المتقدمين وابن عقيل إنما عنى بذلك الاجتهاد المطلق. فصل: وليس له أن يفتى في كل حال يغير خلقه ويشغل قلبه بحيث يمنعه من التثبت كالغضب أو الجوع أو العطش أو الحزن أو الفرح الغالب أو النعاس أو الملال أو المرض أو الحر المزعج أو البرد المؤلم أو مدافعة الأخبثين وهو أعلم بنفسه فإن أفتى في شيء من هذه الأحوال وهو يعلم ويرى أن ذلك لم يمنعه من إدراك الصواب صحت فتياه وإن خاطر بها. قال يعنى ابن صلاح والأولى بالتصدي للفتوى أن يتبرع بها ويجوز له أن يرتزق على ذلك من بيت المال إلا إذا تعين عليه وله كفايته فظاهر المذهب أنه لا يجوز وإذا كان له رزق فلا يجوز له أخذ الأجرة أصلا وإن لم يكن له رزق فليس له أخذ أجرة من أعيان من يفتيه كالحاكم على الأصح واحتال

стр. 983

أبو حاتم القزويني فقال لو قال له إنما يلزمني أن أفتيك قولا وأما بذل الخط فلا فإن أستأجره على أن يكتب له كان ذلك جائزا. وذكر أبو القاسم الصيمرى أنه لو اجتمع أهل البلد على أن جعلوا له رزقا من أموالهم لتفرغ لفتاويهم جاز ذلك. وأما الهدية فأطلق أبو المظفر السمعاني جواز قبولها بخلاف الحاكم قال أبو عمرو وينبغي أن يقال إنه يحرم عليه قبولها إذا كانت رشوة على أن يفتيه بما يريد. وذكر أبو عمرو بن الصلاح أن المفتى ينقسم قسمين مستقل وغيره. فالمستقل المجتهد المطلق وهو القائم بمعرفة أدلة الأحكام من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وما التحق بها على التفصيل وهى مفصلة في كتب الفقه العالم بما يشترط في الأدلة ووجوه دلاتها وكيفية اقتباس الحكم منها وذلك في أصول الفقه الذي يعرف من علم القرآن والحديث وعلم الناسخ والمنسوخ والنحو واللغة واختلاف العلماء واتفاقهم بالقدر الذي يتمكن به من الوفاء بشروط الأدلة والاقتباس منها ذا دربه وارتياض في استعمال ذلك عالما بالفقه ضابطا لأمهات مسائلة وتفاريعه المفروغ من تمهيدها فهذا هو المفتى المطلق المستقل الذي يتأدى به فرض الكفاية ولا يكون إلا مجتهدا مستقلا وهو الذي يستقل بادراك الأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية من غير تقليد ولا تقييد. قال وما ذكرنا من كونه حافظا لمسائل الفقه لم يعد من شروطه في كثير من الكتب المشهورة بناء على أن الفقه من ثمراته فلا يكون شرطا واشتراطه أبو إسحاق الاسفرائيني وصاحبه أبو منصور البغدادي وغيرها. قال واشتراط ذلك في المفتى المذكور١ هو الصحيح وإن لم يكن كذلك في صفة المجتهد المستقل على تجرده.

стр. 984

قال وهل يشترط فيه أن يعرف من الحساب ما تصح به المسائل الحسابية الفقهية حكى أبو إسحاق وأبو منصور فيه خلافا للأصحاب والأصح اشتراطه وهذا إنما يشترط في المفتي في جميع أبواب الشرع. القسم الثاني المفتى الذي ليس بمستقل ومنذ دهر طوى بساط المفتى المستقل والمجتهد المطلق وأفضى أمر الفتوى إلى الفقهاء المنتسبين إلى أئمة المذاهب المتبوعة وللمفتى المنتسب أحوال أربع. أحدها أن لا يكون مقلدا لإمامه لا في المذهب ولا في دليله وإنما انتسب إليه لسلوك طريقه في الاجتهاد وذكر عن أبى إسحاق الاسفرائيني أنه حكى عن أصحاب مالك وأحمد وداود وأكثر أصحاب أبى حنيفة أنهم صاروا إلى مذهب أئمتهم تقليدا لهم ثم قال والصحيح الذي ذهب إليه المحققون ما ذهب إليه أصحابنا وهو أنهم صاروا إلى مذهب الشافعي لا على جهة التقليد له لكن لأنهم وجدوا طريقة في الاجتهاد والفتاوى أسد الطرق. قال أبو عمرو ودعوى انتفاء التقليد عنهم مطلقا من كل وجه لا تستقيم إلا أن يكونوا قد أحاطوا بعلوم الاجتهاد المطلق وذلك لا يلائم المعلوم من أحوالهم أو أحوال أكثرهم وذكر بعض الأصوليين من أصحابنا أنه لم يوجد بعد عصر الشافعي مجتهد مستقل وحكي اختلافا بين الحنفية والشافعية في أبى يوسف ومحمد والمزني وابن سريج هل كانوا مستقلين أم لا قال ولا يستنكر دعوى ذلك فيهم في فن من الفقه بناء على جواز تجزؤ منصب الاجتهاد ويبعد جريان الخلاف في حق هؤلاء المتبحرين الذين عم نظرهم الأبواب كلها وفتوى المنتسبين في هذه الحال في حكم فتوى المجتهد المستقل المطلق يعمل بها ويعتد بها في الإجماع والخلاف. الحالة الثانية أن يكون مجتهدا مقيدا في مذهب إمامه يستقل بتقرير مذهبه بالدليل غير أنه لا يتجاوز في أدلته أصول إمامه وقواعده ولا بد أن يكون عالما

стр. 985

بأصول الفقه لكنه قد أخل ببعض الادوات كالحديث واللغة فإن استدل بدليل إمامه لا يبحث عن معارض له ولا يستوفي النظر في شروطه وقد اتخذ نصوص إمامه أصولا يستنبط منها كما يفعل المستقل بنصوص الشارع والعامل بفتيا هذا مقلد لإمامه. قال والذي رأيت من كلام الأئمة يشعر بأن فرض الكفاية لا يتأدى بمثل هذا قال وأقول يتأدى به فرض الكفاية في الفتوى ولا يتأدى به في إحياء العلوم التي منها استمداد الفتوى لأنه قائم مقام المطلق والتفريغ على جواز تقليد الميت وهو الصحيح وقد يوجد منه الاستقلال في مسألة خاصة أو باب خاص ويجوز له أن يفتى فيما لم يجده من أحكام الوقائع منصوصا لإمامه بما يخرجه على مذهبه هذا هو الصحيح الذي عليه العمل واليه مفزع المفتين من مدد مديدة وهو في مذهب إمامه بمنزلة المجتهد في الشريعة وهو أقدر والمستفتى فيما يفتيه من تخريجه مقلد لإمامه لا له قطع به أبو المع إلى قال وأنا أقول ينبغي أن يخرج هذا على خلاف حكاه أبو إسحاق الشيرازي [في أن ما يخرجه أصحاب الشافعي على مذهبه هل يجوز أن ينسب إليه أم لا والذي اختاره أبو إسحاق أنه] ١ لا ينسب إليه قال وتخريجه تارة من نص معين وتارة تخريجه على وفق أصوله بأن يجد دليلا من جنس ما يحتج به إمامه. والأولى إذا وجد نص بخلافه يسمى ما خرجه قولا مخرجا وإن وقع الثاني في مسألة قد قال فيها بعض الأصحاب غير ذلك يسمى وجها. وشرط التخريج أن لا يجد بين المسألتين فارقا وإن لم يعلم العلة الجامعة كالأمة مع العبد في السراية ومهما أمكنه الفرق بين المسألتين لم يجز له على الأصح
следующие страницы →