السير في السفر
عن النبي ﷺ إذا أخصبت الأرض فانزلوا عن ظهركم فأعطوه حقه من الكلأ وإذا أجدبت الأرض فامضوا عليها بنقيها وعليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل، المشقة على الظهر في الليل دونها في غير الليل فالمعنى القصد إلى السير عليها في الليل يؤيده ما روي وإذا سافرتم في الجدب فأسرعوا السير فإذا أردتم التعريس فنكبوا عن الطريق التعريس إنما يكون بالليل.
стр. 1017
في الإكفار
عن النبي ﷺ : "إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر فقد وجب الكفر على أحدهما" معنى الكافر هنا: أن الذي هو عليه الكفر فإذا كان الذي هو عليه إيمانا كان جعله كافرا جعل الإيمان كفرا فكان بذلك كافر الآن من كفر بالإيمان فقد كفر بالله ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ الآية.
стр. 1018
في النجوى
عن أبي سعيد الخدري كنا ننتاب النبي ﷺ تكون له الحاجة أو يرسلنا لبعض الأمر فكثر المحتسبون من أصحاب النوب فخرج علينا رسول الله صلى الله عيه وسلم ونحن نتذاكر الدجال فقال: ما هذا النجوى ألم أنهكم عن النجوى؟ قال: فقلنا: يا رسول الله كنا في ذكر المسيح فرقا منه فقال: "غير ذلك أخوف عليكم شرك خفى أن يعمل الرجل لمكان الرجل"، فيه أن النجوى المنهي عنها هو في الإثم والعدوان ومعصية الرسول لا كل نجوى والمروي عن ابن عمر مرفوعا "إذا كان ثلاثة فلا يتناجى إثنان دون واحد"، وفي رواية قلت: يا رسول الله فإن كنا أربعة قال: "لا يضر ولا يضير" يحتمل أن يكون النهي فيه لسوء الأدب فإذا كانوا أربعة ارتفعت العلة لقدرة
стр. 1019
الباقين على التناجي أيضا وعن ابن مسعود في سبب الكراهة أنه يحزنه قال: نهى رسول الله ﷺ إذا كان ثلاثة في سفر أن يتناجى إثنان دون واحد حتى يختلط بالناس من أجل أنه يحزنه لأنه قد يخاف على نفسه ولا يجد معينا أن احتاج إليه ففيه إجازة ذلك في غير سفر لكن الأحسن فية ترك المناجاة لحسن المعاشرة.
стр. 1020
في الكذب
عن أسماء بنت يزيد ترفعه لا يصلح الكذب إلا في إحدى ثلاث إصلاح بين الناس وكذب الرجل لامرأته ليرضيها وكذب في الحرب مداره على رجل مطعون فإن صح فمعناه لا يصلح الكذب الذي هو عند الناس كذب وليس بكذب يعني معاريض الكلام إلا في ثلاث يؤيده حديث أم كلثوم بنت عقبة سمعت النبي ﷺ يقول: "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فيقول خيرا أو ينمي خيرا"، ولم يرخص في شيء مما يقول الناس أنه كذب إلا في ثلاث: الحرب والإصلاح وحديث الرجل امرأته والمرأة زوجها فنفى ﷺ الكذب في هذه الثلاثة الأشياء ولم يكن ذلك إلا لأنه لم يأت في ذلك إلا بمعاريض الكلام مما ليس قائله به كاذبا وإن قال الناس فيه: أنه كاذب وهو حديث صحيح لا علة فيه ومن روى أنه صلى الله عيه وسلم رخص في الكذب في ثلاث لا يصح وإن ثبت فهو قول الراوي لا أن رسول الله ﷺ قال: "لا بأس بالكذب في ثلاث" فيحتمل أن يكون تأويله بظنه حيث عد ما ليس بكذب كذبا فالمباح معاريض القول الذي يقع بالقلب خلاف الحقيقة فيها لا التصريح بالكذب مثل قوله تعالى: ﴿لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ وهو لم ينس، ومنه "الحرب خدعة" لأنه كلام ظاهره مخيف أهل الحرب وباطنه بخلافه وهذا لأن الله تعالى قال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ وهم رسول الله ومن تقدمه من الأنبياء
стр. 1021
ولم يخص بذلك حالا من حال ولا وقتا من وقت وكذلك ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ على العموم.
стр. 1022
في إضاعة المال
روي مرفوعا النهى عن إضاعة المال يعني بالمال الحيوان أن لا يضيع وإن يحسن إليه يؤيده ما روي عن ابن مسعود أتى رسول الله ﷺ آت وأنا عنده فقال: يا رسول الله إني مطاع في قومي فبم آمرهم؟ قال: "مرهم بإفشاء السلام وقلة الكلام إلا فيما يعنيهم" قال: فعم أنهاهم؟ قال: "إنههم عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال"، يعني بالمال الحيوان وهذا تأويل حسن لأن القيام بهم فيما لا تقوم أنفسهم إلا به من الطعام والشراب والكسوة في بني آدم واجب على مالكيهم يأثمون بتركه وفي وصيته ﷺ الصلاة وما ملكت إيمانكم يغرغرها في صدره وما يفيض بها لسانه وقيل: النهي عن إضاعة مطلق المال الذي جعله الله قياما للناس في معايشهم يؤكده ما قال عمرو بن العاص في خطبته: يا معشر الناس إياكم وخلال أربع فإنهم يدعون إلى النصب بعد الراحة وإلى الضيق بعد السعة وإلى المذلة بعد العزة إياكم وكثرة العيال وإخفاض الحال والتضييع للمال والقيل والقال في غير درك ولا نوال وعن قيس قال لبنيه: عليكم بالمال واصطناعه فإنه منبهة للكريم ويتسغنى به عن اللئيم وعن ابن جبير إضاعة المال هو أن يرزقك الله مالا رزقا فتنفقه فيما حرم عليك.
стр. 1023
في الاستجابة
روي مرفوعا يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول: دعوت فلم يستجيب لي معنى الاستجابة هو ما روي عن رسول الله ﷺ ما على الأرض من رجل مسلم يدعوا لله بدعوة إلا آتاه الله إياها أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم فقال رجل: إذن نكثر يا رسول الله
стр. 1024
قال: "الله أكثر"، فبان بأن الاستجابة لمن يدعو بما يجوز له أن يدعو به يعطاها لا محالة مال لم يعجل أما عين ما سأل أو صرف عنه سوء فتكون الاستجابة حاصلة من الله وإن لم يعلمها.
стр. 1025
كتاب جامع مما ليس في المؤطا
في النهي عن اتخاذ الدواب كراسي
...
كتاب جامع مما ليس في الموطأ
في النهي عن اتخاذ الدواب كراسي
عن أبي هريرة مرفوعا "إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر فإن الله إنما سخرها لكم ليبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس وجعل لكم الأرض فعليها فاقضوا حوائجكم" وعن سهل عن أبيه مرفوعا أنه قال: "اركبوا هذه الدواب سالمة وابتدعوها ولا تتخذوها كراسي" وليس النهى مخالفا لجلوسه ﷺ على ظهر ناقته للخطبة عليها بعرفة يوم عرفة ويوم النحر بمنى لأن النهى إنما هو للحديث الذي لا حاجة به فيه إلى ذلك وجلوسه على ظهر ناقته للحاجة إلى استماع أمره ونهيه وتبليغ دينه وشرعه والأرض ليس كالظهر في هذا فافترقا.
стр. 1026
في مفاصل الإنسان
روي مرفوعا أن ابن آدم خلق على ثلاث مائة وستين مفصلا فإذا كبر الله وهلله وحمده واستغفره وسبحه وعزل العظم والحجر والشوك عن الطريق وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر عدد ذلك ثلاث مائة قال الطحاوي: وأراه سقط من الحديث وستين أمسى يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار، قال: وهذا من معنى ما روى أنه قال ﷺ : "كتب الله على كل عضو حظه من الزنا فالعين تزنى وزناها النظر واللسان يزنى وزناه الكلام واليد تزني وزناها البطش والرجل تزني وزناها المشي والسمع يزني وزناه الاستماع ويصدق ذلك كله الفرج أو يكذبه"، فكما كانت الأعضاء كلها معمومة بالأمر المذموم فكذلك هي معمومة بالأمر المحمود وعن بريدة سمعت النبي صلى الله
стр. 1027
عليه وسلم يقول: "في الإنسان ستين وثلاث مائة مفصل فعليه أن يتصدق عن كل مفصل منه صدقة" قالوا: ومن يطيق ذلك يا رسول الله؟ قال: "النخاعة في المسجد تدفنها والشيء تنحيه عن الطريق فإن لم تقدر على ذلك فركعتا الضحى تجزيك"، فعلم أن بالحديث الأول هو الصدقة على كل مفصل من تلك المفاصل بما ذكر في هذا الحديث ويؤيده حديث الزنا.
стр. 1028
في جري الشيطان مجرى الدم
عن أنس أن رسول الله ﷺ مر به رجل وهو مع إحدى نسائه فدعاه فقال: "يا فلان إنها زوجتي فلانة" فقال: يا رسول الله بمن كنت أظن فإني لم أكن أظن بك فقال ﷺ : "أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم"، يحتمل دخوله ﷺ في عموم ابن آدم ويحتمل خروجه منه لكن ارتفع الاحتمال بما روى ابن مسعود ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن فقيل: وإياك قال: وإياي ولكن الله أعاني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير وما روي أنه ﷺ كان إذا أخذ مضجعه يقول: "بسم الله وضعت جنبي اللهم أغفر ذنبي واخسأ شيطاني وفك رهاني وثقل ميزاني واجعلني في الندى الأعلى"، كان قبل أن يسلم شيطانه.
стр. 1029
في التحدث عن بني إسرائيل
عن عمرو بن العاص سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"، أي لا حرج في ترك الحديث عنهم فأباح الحديث ليعلم ما كان فيهم من العجائب لأن الأنبياء كانت تسوسهم كلما مات نبي قام نبي ليتعظوا ورفع الحرج عنهم في تركه بخلاف التحدث عنه ﷺ لأنهم مأمورون بالتبليغ عنه فلهذا قال: "بلغوا عني ولو آية".
стр. 1030
في فضل بناته ﷺ
عن عروة عن عائشة أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة خرجت ابنته من مكة مع بني كنانة فخرجوا في أثرها فأدركها هبار بن الأسود فلم يزل يطعن بعيرها حتى صرعها فألقت ما في بطنها وأهريقت دما فانطلق بها واشتجر فيها بنو هاشم وبنوا أمية فقالت: بنوا أمية نحن أحق بها وكانت تحت ابن عمهم أبي العاص بن ربيعة فكانت تقول هند هذا في سبب أبيك فقال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة: "ألا تنطلق فتجئ بزينب" قال: بلى يا رسول الله قال: "فخذ خاتمي هذا فأعطها إياه" قال: فانطلق زيد فلم يزل يلطف ويبرك بعيره حتى لقى راعيا فقال: لمن ترعى؟ قال: لأبي العاص بن ربيعة قال: فلمن هذه الغنم؟ قال: لزينب بنت محمد فساق معه شيئا ثم قال: هل لك أن أعطيك شيئا تعطيها إياه ولا تذكره لأحد؟ قال: نعم فأعطاه الخاتم فانطلق الراعي فأدخل غنمه وأعطاها الخاتم فعرفته فقالت: من أعطاك هذا؟ قال: رجل قالت: وأين تركته؟ قال: بمكان كذا وكذا فسكتت حتى إذا كان الليل خرجت إليه فقال لها: أركبي بين يدي قالت: لا ولكن اركب أنت فركب وركبت وراءه حتى أتت النبي ﷺ فكان النبي ﵇ يقول: "هي أفضل بناتي أصيبت بي" فبلغ ذلك علي بن حسين فانطلق إلى عروة فقال: ما حديث بلغني عنك تنقص فيه حق فاطمة فقال عروة بن الزبير: ما أحب أن لي ما بين المشرق والمغرب وأنتقص فاطمة في حق هو لها وأما بعد فلك علي أن لا أحدث به أحدا.
وإنما بعث زيد بن حارثة إلى زينب وهو ليس بمحرم لها لأنه كان حينئذ في تبنيه قبل أن ينسخ حكمه بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ وأما تفضيل زينب على سائر بناته فإن ذلك كان ولا ابنة له يومئذ تستحق الفضيلة غيرها لما كانت عليه من الإيمان والاتباع ولما نزل في بدنها من أجله ثم بعد ما أقر الله تعالى عينه بفاطمة من توفيقه إياها للأعمال الزاكية وما وهب لها من
стр. 1031
الولد الذي صاروا له ولدا وغير ذلك مما لم يشركها فيه أحد من بناته سواها وكانت في وقت استحقاق زينب الفضيلة صغيرة ممن لا يجري لها ثواب بطاعاتها ولا عقاب بخلافها ثم بلغت بعد وسادت بما فضلها الله أفضل الله أفضل من زينب وغيرها وفي تفضيلها آثار كثيرة.
منها: أن رسول الله ﷺ دخل عليها يعودها فقال: "أي بنية كيف تجدك"؟ قالت: والله يا رسول الله إني لوجعة وأنه ليزيدني وجعا إلى وجعي أنه ليس عندي ما آكل فبكى ﷺ وبكت فاطمة وبكى معهما عمران بن حصين فقال لها: "أي بنية أما ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين" قالت: يا ليتها كانت وأين مريم بنت عمران فقال لها: "أي بنية إنها سيدة نساء عالمها وأنت سيدة نساء عالمك والذي نفسي بيده لقد زوجتك سيدا في الدنيا وسيدا في الآخرة ولا يبغضه إلا منافق".
ومنها عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ خط أربعة خطوط ثم قال: "أتدرون ما هذا"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: "أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون" فإن قيل: روى كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم وآسية وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام قيل: يحتمل أن يكون هذا قبل بلوغ فاطمة الرتبة التي ذكرها ﷺ فلا تضاد.
стр. 1032
في اسم الله الأعظم
روى ابن بريدة عن أبيه سمع النبي ﷺ يقول: "اللهم إني أسألك بأنك أحد صمد لم تتخذ صاحبة ولا ولدا" فقال: لقد سأل الله باسمه الذي إذا دعى به أجاب وإذا سئل به أعطى.
وعن أنس مر رسول الله ﷺ برجل يصلي وهو يقول: اللهم لك الحمد لا إله إلا أنت يا منان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام فقال لنفر من أصحابه: "أتدرون ما دعا به الرجل" قالوا: الله ورسوله
стр. 1033
أعلم قال: "دعا ربه باسمه الأعظم الذي إذا دعى به أجاب وإذا سأل به أعطى"، فهذه الآثار توافقت على أن اسم الله الأعظم هو الله وهو مذهب أبي حنيفة وهو غير مشتق لا يقال: قدر روي أبو أمامة يرفعه أن اسم الله الأعظم في سور ثلاث البقرة وآل عمران وطه فنظروا فوجدوا فيها آية الكرسي وفي آل عمران ﴿الم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وفي طه ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ لأن هذه الآيات فيها اسم الله فلم يكن مخالفا لما رويناه بحمد الله والذي في طه قد يجوز أن يكون الحي القيوم هو الاسم الأعظم ويحتمل أن يكون اسم الله فيها في قوله: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ فيرجع ما في طه إلى ما في البقرة وآل عمران أنه الله .
وعن أسماء سمعت رسول الله صلى الله عيه وسلم يقول: "أن في هاتين الآيتين اسم الله الأعظم ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ و ﴿الم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ " فكان في هذا الحديث بيان موضع اسم الله من سورة البقرة ومن سورة آل عمران فليس في إحداهما ذكر الحي القيوم وفيهما جميعا الله فكان في ذلك ما يجب أن يقل أن الذي في سورة طه هو ذلك أيضا وكان فيه موافقة لمذهب أبي حنيفة لأن قولهم: اللهم أصله يا الله فحذفت ياء وزيدت الميم.
стр. 1034
في قو ضعفي
روي مرفوعا قال في الدعاء الذي علمه بريدة الأسلمى: "اللهم إني ضعيف فقو في رضاك ضعفي" أي: قوما ضعف مني لان الضعف لا يقوم بنفسه ولا يرجع قوة أبدا.
стр. 1035
في تكوير الشمس والقمر
روي مرفوعا أن الشمس والقمر نوران١ يكوران في النار يوم
стр. 1036
القيامة أي أنهما يكونان في النار ليعذب أهل النار بهما لا ليعذبا بالنار بغير ذنب وروى أنهما عقيران وليس العقر عقوبة لهما وإنما هي استعارة وذلك أنهما كانا يسبحان في الفلك الذي كانا فيه ثم أعادهما الله موكلين بالنار يوم القيامة فقطعهما عما كانا فيه من السباحة فصارا كالرميين بالعقر لا على معنى عقرهما.
стр. 1037
في التحلل من المظالم
روي أبو هريرة مرفوعا "من كانت له مظلمة من أخيه من عرضه وماله فليتحلله من قبل أن يؤخذ منه حين لا يكون دينار ولا درهم فإن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإلا أخذ من سيئات صاحبه فجعلت عليه" هذا في عقوبة المال أما ما يجب به عقوبة البدن فالقصاص على بدنه لأنه قائم فيؤخذ بما يجب عليه فيه من جزاء أو أدب يؤيده ما روى مرفوعا من قذف مملوكه بزنا بريئا مما قاله له أقام عليه يوم القيامة حدا إلا أن يكون كما قال.
стр. 1038
في قوله زعموا
روى مرفوعا بئس مطية الرجل زعموا لم تجئ هذه الكلمة في القرآن إلا في الأخبار عن قوم مذمومين بأشياء مذمومة فكره للناس لزوم أخلاق المذمومين في أخلاقهم الكافرين في أديانهم الكاذبين في أقوالهم لأن الأولى بهم لزوم أخلاق المؤمنين الذين سبقوهم بالإيمان.
стр. 1039
في من قتل نفسه
روي مرفوعا "من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده في نار جهنم يجأبها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها". وروي أن رجلا هاجر إلى المدينة مع الطفيل بن عمرو فمرض فأخذ مشاقص له فقطع بها براجمه فشخبت يداه حتى مات فرآه الطفيل في منامه في هيئة حسنة ورآه يغطي يديه فقال له: ما صنع بك ربك؟ قال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه فقال له: أراك تغطي يديك فقال: قيل لي:
стр. 1040
لن تصلح منك ما أفسدت فقصها الطفيل على النبي ﷺ فقال ﷺ : "اللهم وليديه فاغفر" لا تضاد فيه لأنه يحتمل أن يكون الرجل فعل بنفسه ما فعل على أنه عنده علاج تبقى له بقية يديه وتسلم نفسه فلم يكن بذلك مذموما كمن خاف أن تذهب نفسه إن لم يقطعهما فمات فلا إثم عليه وإن لم يقطعهما حتى مات فلا إثم عليه أيضا ودعاء النبي ﷺ ليديه بالغفران إشفاق منه وأعمال الخوف كدعاء عمران بن الحصين اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت وما أخطأت وما عمدت وما جهلت وما علمت والخطأ ليس بمؤاخذ به والتخليد المذكور ليس على ظاهره بل خالدا حتى يخرج بالشفاعة مع سائر المؤمنين المذنبين لأن القتل لا يحبط إيمانه ولا يبطل أعماله فلابد من مجازاته لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ وجماعة من السلف بإنفاذ الوعيد على قاتل نفسه عمدا ومنهم من رآه على المشيئة.
стр. 1041
في طول اليد بالصدقة
روى عن عائشة قال رسول الله ﷺ لأزواجه: "تتبعني أطولكن يدا" فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة النبي ﷺ نمد أيدينا في الجدار نتطاول فلا نزال نعمل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش امرأة قصيرة ولم تكن أطولنا يدا فعرفنا أنه إنما أراد الصدقة وكانت زينب صناعة اليد تدبغ وتحرز وتتصدق به في سبيل الله لا يحتاج مع ما عرفته أزواج النبي ﷺ من معنى الحديث إلى تفسيره والله أعلم.
стр. 1042
في إنزاء الحمير على الخيل
روى عن علي بن أبي طالب قال: أهديت إلى النبي ﷺ بغلة فركبها فقال علي: لو حملنا الحمير على الخيل كان لنا مثل هذه فقال ﷺ : "إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون"، وعنه نهانا النبي ﷺ أن نحمل الحمير على البراذين مع ما روى عن ابن عباس ما اختصنا صلى الله عليه
стр. 1043
وسلم بشيء دون الناس إلا بثلاث أسباغ الوضوء وأن لا نأكل الصدقة وأن لا ننري الحمير على الخيل لا تضاد فيه لأنه نهى الناس جميعا عن ذلك بقوله: "إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون" أي: قدر الثواب في ربط الخيل في سبيل الله فيزهدون في ذلك لأن الحمار والبغل لا ثواب في ارتباطه ولا سهمان لمن غزا عليه وإنما اختص بنو هاشم بالنهي لأن الخيل كانت فيهم قليلة فأحب أن تكثر فيهم وترغيبا لهم زيادة على سائر الناس والنهي ندب وإرشاد.
стр. 1044
في ما شاء الله وشاء فلان
روى مرفوعا النهى من قول الأمة ما شاء محمد وأمره إياهم أن يقولوا: ما شاء الله ثم ما شاء محمد، وفيه آثار كثيرة مع ما في كتاب الله ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ ولم يقل: ثم لوالديك فعلم أن هذا منسوخ بالسنة وكان مباحا قبل النسخ يعني المتواتر من السنة.
стр. 1045
في من سن سنة حسنة أو سيئة
قوله تعالى: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ الأظهر أنه ﷺ قرأها بالنصب لأنه قرأها على الناس إذ حضهم على صلة أرحامهم بالصدقة بمعنى اتقوا الأرحام أن تقطعوها ومن قرأ بالجر حملها على تساؤلهم بينهم بالله والرحم ولم تكن التلاوة على التساؤل بل على الحض على التواصل.
عن جرير كنا عند النبي ﷺ في صدر النهار فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار متقلدي السيوف عامتهم من مضر فرأيت وجه النبي ﷺ قد تغير لما رأى بهم من إضافة ثم دخل بيته ثم خرج فأمر بلال فأذن وأقام فصلى الظهر ثم خطب فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ الآية ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره حتى قال: من شق التمرة"، فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت ثم تتابع الناس.
стр. 1046
حتى رأيت كومين من طعام وثياب ورأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنه مذهبة ثم قال: "من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده لا ينقص من أجورهم شيئا ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده لا ينقص من أزوارهم شيئا"، وفي رواية: "كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها وذلك سواء".
وفيه أن لمن سن سنة حسنة من الأجر مثل ما لمن عمل بها وقد ضعفه بعض وقال: كيف يكون له مثل أجر من عمل بها من بعده ومع العامل من معاناة العمل ما ليس مع الذي سنها فالمعقول أن يكون في الأجر فوقه واحتج بما روي أن رسول الله ﷺ قال: "من سن خيرا فاستن به فله أجره ومن أجور من تبعه غير منتقص من أجورهم شيئا ومن سن شرا فاستن به بعده فعليه وزره ومن أوزار من أتبعه غير منتقص من أوزارهم شيئا".
واحتج أيضا بما روي عن ابن مسعود يرفعه: لا تقتل نفس ظلما إلا كان علي ابن آدم الأول كفل منها وهذا كله لا حجة فيه لأن قوله: "من أجور" ومثل أجر بمعنى واحد ومن صلة كقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ وحديث ابن مسعود حجة لنا لأن الكفل المثل قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ أي: مثل منها وقال تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ يؤيد ما قلنا قوله ﷺ : "الدال على الخير كفاعله"، فإذا كان الدال يستحق كالفاعل لمجرد دلالته كان الذي عمل أولى بذلك ولأن الذي سن دل الناس بعمله عليها ولأن الثواب فضل من الله تعالى لا يأتي على قياس.
стр. 1047
في عمل لا ينقطع بالموت
روى مرفوعا من رواية أبي هريرة: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له" لا يعارضه قوله ﷺ : "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده"
стр. 1048
لأن السنة المستنة هي من العلم الذي ينتفع به بعد موته وكذا لا يعارضه ما روى أن العبد يبعث على ما مات عليه لأن حديث أبي هريرة عمل لم يمت عليه وهذا كان في عمل قطعه عنه الموت فبعث على نيته كما في المحرم الذي وقع عن بعيره فرض فمات أنه يبعث محرما وكما روى مرفوعا "ما من امرئ تكون له صلاة بليل فغلبه عليها نوم إلا كتب الله له أجر صلاته وكان نومه عليه صدقة".
стр. 1049
في لو
روي مرفوعا من رواية أبي هريرة: "المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف وفي كل خير أحرص على ما ينفعك ولا تعجز فإن فاتك شيء فقل قدر الله وماشاء فعل وإياك ولو فإنها تفتح عمل الشيطان" أعلم أن لو ليست بمكروهة مطلقا هي مباحة في مواضع منها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ ومنها: ما روى مرفوعا: "مثل الدنيا مثل أربعة رجل آتاه الله مالا وآتاه علما فهو يعمل بعلمه في ماله ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا فهو يقول: لو أن الله آتاني مثل ما آتى فلانا لفعلت فيه مثل الذي يفعل فهما في الأجر سواء ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما فهو يمنعه من حقه وينفقه في الباطل ورجل لم يؤته الله مالا ولا علما فهو يقول: لو أن الله أتاني مثل ما آتى فلانا لفعلت مثل ما يفعل" فهما في الوزر سواء فهي في الأولى مباحة وفي الثاني مكروهة وكذا في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ ثم رد ذلك بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ﴾ الآية وهي ههنا مباحة وكذا قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا﴾ فهي مكروهة لأن الله تعالى حذر المؤمنين فقال: ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا﴾ الآية وكذا في قوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ لأنه رد عليهم بقوله: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ﴾ فعلم أن فيها مذمومة وغير مذمومة وكانت العرب تذم لو وتقول احذر لو تريد به قول
стр. 1050
الناس لو علمت أن هذا يلحقني لعملت خيرا وعن سلمان الإيمان بالقدر أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ولا تقولن لشيء أصابك لو فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا أو لم يكن كذا وكذا والله أعلم.
стр. 1051
في الحجاب ستر العورة
عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله ﷺ مع ميمونة قالت: فبينا نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه وذلك بعد أن أمر بالحجاب فقال ﷺ : "احتجبا منه" فقلنا: يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال ﷺ : "أعمياوان أنتما ألستما تبصرانه".
وعن عائشة قالت: رأيت رسول الله ﷺ يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون وأنا جارية فاقدروا قدر الجارية العربية الحديثة السن لا تضاد بينهما لأن حديث ميمونة كان بعد نزول الحجاب وهما بالغتان وحديث عائشة يحتمل أن يكون قبل نزوله أن تكون صغيرة غير مكلفة وكما يجب حجب الناس عنهن يجب حجبهن عن الناس قيل هذا من خصائص أزواجه ﷺ بدليل قوله ﷺ لفاطمة بنت قيس: "اعتدى عند ابن أم مكتوم فإنه أعمى لا يبصر تضعين ثيابك"، ولا يعارض حديث عائشة هذا ما روي عن أنس قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما في الجاهلية فقال: "إن الله قد أبد لكم بهما خيرا منهما يوم الفطر ويوم النحر"، لأن اللهو في حديثها من جنس ما يحتاج إليه في الحروب فهو لهو محمود في المسجد وفي غيره والذي في حديث أنس من اللهو الذي لا يقابل بمثله عدو ولا منفعة فيه للإسلام فهو لهو مذموم، وروى مرفوعا: "لا يحل من اللهو إلا ثلاثة تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله ورميه بقوسه ومن ترك الرمي بعد ما تعلمه كانت نعمة فكفرها".
روت عائشة أنه ﷺ كان مضطجعا في بيته كاشفا عن فخذيه، وروى أنس أنه كان في حائط بعض الأنصار مدليا رجليه في بئرها وبعض
стр. 1052
فخذه مكشوف فدخل أبو بكر وعمر وهو على حاله تلك لم ينتقل عنها حتى دخل عثمان فغطى فخذه وقال: "ألا استحي ممن استحيت منه ملائكة السماء"، ورواية عائشة من طريق آخر أن أبا بكر استأذن على النبي ﷺ ورسول الله لابس مرط أم المؤمنين فأذن له فقضى حاجته ثم خرج ثم استأذن عليه عمر فقضى حاجته ثم خرج فاستأذن عليه عثمان فاستوى جالسا وقال لعائشة: "اجمعي عليك ثيابك" فلما خرج قالت له عائشة: مالك لم تفزع لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان؟ فقال: "إن عثمان كثير الحياء ولو أذنت له على تلك الحال خشيت أن لا يبلغ في حاجته".
قال الطحاوي: الحديثان صحيحان جميعا وكانا من رسول الله ﷺ في وقتين مختلفتين أو في مرتين مختلفتين قال في كل واحد من القولين وفيه اجتماع الفضيلتين لعثمان باستحياء الملائكة منه وبحيائه في نفسه وفي الحديثين أن الفخذ ليس بعورة وقد روى أن الفخذ عورة جماعة منهم علي بن أبي طالب وابن عباس ومحمد بن جحش وابن جرهد وأبوه ولما اختلف في حكم الفخذ نظرنا فوجدنا الفخذ من المرأة عورة لا يحل لذي رحمها المحرم منها ولا لغيره من الناس سوى زوجها النظر إليه منها كما لا يحل لهم النظر منهم إلى فرجها وبطنها بخلاف صدرها ورأسها وساقها فإن ذا الرحم المحرم ينظر إليها وإنما الممنوع الأجانب منها فعقلنا بذلك أن فخذها عورة كفرجها وبطنها لا كرأسها وساقها وإذا كان كذلك في المرأة كان في الرجل أيضا كذلك فكان فخذه من عورته ثم نظرنا في الركبة فوجدنا الآثار تدل على أنها ليست بعورة.
عن أبي الدرداء قال: كنت جالسا عند النبي ﷺ إذ أقبل أبو بكر آخذا من طرف ثوبه حتى ابدى عن ركبته فقال: "أما صاحبكم فقد غامر" فسلم فقال: أنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، الحديث وعن علي في حديث شار فيه فنظر حمزة إلى رسول الله ﷺ ثم صعد النظر فنظر إلى ركبته ثم
стр. 1053
صعد النظر فنظر إلى سرته ثم صعد فنظر إلى وجهه ثم قال: هل أنتم إلا عبيد لأبي- الحديث، وما روى عن أبي موسى الأشعري أنه قال: لا أعرفن أحدا نظر من جارية إلا إلى ما فوق سرتها وأسفل من ركبتها لا أعرفن أحدا فعل ذلك إلا عاقبته، ولا يقوله رأيا لأن الوعيد لا مدخل للرأي فيه يضاد ما روينا آنفا ثم تأملنا فوجدنا الفخذ والساق عضوين موصولين أحدهما مركب على الآخر وكانا إذا بسطا بدا منهما كالفلكة وهما عظمان أحدهما في الفخذ والآخر في الساق وتلك الفلكة هي الركبة فكان ما كان منها في الفخذ له حكمه في كونه عورة وما كان منها في الساق له حكمه في عدم كونه عورة ولكنه غير مقدور على تفصيله من العظم الذي في الساق ولا على معرفة مقداره فالأولى أن يحكم له بحكم العورة لا غيرها.
وأما السرة ففي حديث على ما قد دل أنها ليست من العورة وكذلك ما روي أن رسول الله ﷺ وضع يده على ناصية أبي محذورة ثم أمرها على وجهه من بين ثدييه ثم على كبده ثم بلغت يد رسول الله ﷺ سرة أبي محذورة وهذا أولى مما قاله أبو موسى مع أنه خالفه الحسن بن علي وابن عمر وأبو هريرة روى أنا أبا هريرة قال للحسن: أدن مني حتى أقبل منك حيث رأيت رسول الله ﷺ يقبله منك فرفع ثوبه فقبل سرته ولأن السرة أشبه بالصدر منها بالعورة.
والأقرب إلى الصواب أن ما روى عن النبي ﷺ في الفخذ هل هو عورة أو ليس بعورة معناه أنه ليس بعورة يجب سترها كالقبل والدبر وأنه عورة يجب سترها في مكارم الأخلاق ومحاسنها ولا ينبغي التهاون بذلك في المحافل والجماعات ولا عند من يستحي من ذوي الأقدار والهيئات فعلى هذا تستعمل الآثار كلها واستعمالها أولى من طرح بعضها والله أعلم.
وروى عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت
стр. 1054
يمينك" قال: قلت: يا رسول الله إذا كان القوم بعضهم في بعض قال: "فإن استطعت أن لا يراها أحد" قال: قلت: يا رسول الله إذا كان أحدنا خاليا قال: "فالله أحق أن يستحيا منه من الناس"، مع ما روي عن عائشة أنها قالت: ما رأيت فرج رسول الله ﷺ قط لا معارضة بينهما لأنه وإن كان غير محظور إلا أن رتبته العلية الفائقة لجميع رتب المخلوقات منعته وما روي عن عائشة أنه لما قدم زيد بن حارثة المدينة فقرع الباب قام إليه رسول الله ﷺ عريانا والله ما رأيته عريانا قبله معناه أن أكثره عريان غير مكشوف العورة لأنه قام يتلقى رجلا فلا يلقاه وهو مكشوف العورة وإنما رأت عائشة منه ما يجوز أن يراه ذلك الرجل منه فلا منافاة.
стр. 1055
في رفع العلم
روى جبير عن عوف بن مالك الأشجعي نظر رسول الله ﷺ يوما إلى السماء فقال: "هذا أوان يرفع العلم" فقال أنصاري يقال له لبيد: يا رسول الله يرفع العلم وقد أثبت ووعته القلوب فقال له رسول الله ﷺ : "إن كنت لأحسبك من أفقه أهل المدينة" ثم ذكر ضلالة اليهود والنصارى على ما في أيديهم من كتاب الله تعالى قال: فلقيت شداد بن أوس فحدثته بحديث عوف فقال: صدق عوف ألا أخبرك بأول ذلك؟ يرفع الخشوع حتى لا ترى خاشعا، وبعض رواة الحديث يقول فيه: وفينا كتاب الله وقد علمناه أبناءنا ونساءنا وبعضهم يقول فيه: وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا ويقرءه أبناءهم إلى يوم القيامة وبعضهم يزيد فيه ثم قال: وذهابه بذهاب أوعيته.
قيل: كيف يرفع العلم في زمنه ﷺ ونزول الوحي قائم فيه ليبلغه الناس بعضهم بعضا كما أمروا به فلو رفع العلم في زمنه ﷺ ينقطع الإبلاغ لكن الحديث صحيح وإشارة النبي ﷺ إلى وقت