يأكل في سبعة أمعاء" المؤمن يسمى على طعامه فيكون فيه البركة بخلاف الكافر فلا يكون فيه بركة وقد روي أنه ﷺ ضافه ضيف كافر فأمر بشاة فحلبت فشرب حلابها ثم أمر بأخرى إلى سبع شياه ثم أنه أصبح فأسلم فأمر له بشاة فحلبت فشرب حلابها ثم أمر له بأخرى فلم يستتمها فقال ﷺ : "المؤمن يشرب في معا واحد والكافر في سبعة أمعاء" فعلم أنه كان في رجل معين في حال كفره وإسلامه ويكون الحديث خرج مخرج المعرفة لم يتعد من قصد به إليه إلى من سواه ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ فقيل: لا يغلب عسر يسرين لأن العسر معرفة فهي لواحد واليسر نكرة فهما غيران وكذا كل ما يجيء مجيء المعرفة إلا أن يكون فيه دلالة على الصد إلى ما هو أكثر كقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإن المراد به الجنس لا الإنسان الواحد وسمعت من ابن أبي عمران يقول: حمل قوم هذا الحديث على الرغبة في الدنيا كما يقال: فلان يأكل الدنيا أكلا أي يرغب فيها ويحرص عليها فالمؤمن لزهادته يأكل في معا واحد وهو قدر البلغة والكفار يزيد فيها لرغبته قالوا: لأن المؤمن قد يأكل الطعام أكثر من الكافر وهو ظاهر.
стр. 982
في الشرب قائما
روي مرفوعا النهي عن الشرب قائما من رواية الجارود وأنس وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة وغيرهم وما روي أنه كان يشرب قائما من رواية علي وابن عباس وأنس وأم سليم لا يعارض هذا لأنه كان يشرب قائما إلى أن وقف على المعنى الذي يوجب كراهية فنهى عنه وهو ما روى أبو هريرة قال ﷺ : "لو يعلم الذي يشرب قائما ما في جوفه لاستقاء"، فبلغ ذلك علي بن أبي طالب فقام فشرب قائما، فالنهي إشفاق منه على أمته ولكن الأشياء على الإباحة حتى يأتي نهي عنها وروي عن أبي هريرة أنه رأى رجلا
стр. 983
يشرب قائما فقال له: قئ قال: لم؟ قال: أتحب أن تشرب معك الهوام؟ قال: لا قال: قد شرب معك شر من الهوام الشيطان.
стр. 984
في الخيل
روى أن رسول الله ﷺ قال: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة وأهلها معانون عليها فامسحوا نواصيها وادعوا لها بالبركة وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار"، الأوتار ههنا الذحول أي لا تطلبوا عليها الذحول التي وترتم بها في الجاهلية وعن محمد بن الحسن أوتار القسي كانوا يقلدونها إياها فتختنق بها قال: ومما يصدق ذلك حديث جابر أن النبي ﷺ أمر بقطع الأوتار من أعناق الخيل وكانوا يفعلونه مخافة العين عليها فأمروا بقطعها لأنها لا ترد من قدر الله شيئا وهذا كالتمائم وقوله: "وقلدوها" دليل على أنه لم يرد بذلك الندب.
стр. 985
في العين
روى مرفوعا: "العين حق ولو كان شيء سابق القدر سبقت العين وإذا استغسلتم فاغسلوا" وعن عائشة أنها قالت: كانوا يأمرون العائن أن يتوضأ فيغتسل به المعين والمحفوظ من أهل اللغة عائن ومعيون وروي أن عامر ابن ربيعة رأى سهلا وهو يغتسل فقال: لم أر كاليوم ولا مخبأة فما لبث أن لبط به فأتى النبي ﷺ فقيل له: أدرك سهلا صريعا فقال: "من تتهمون به"؟ قالوا: عامرا قال: "علام يقتل أحدكم أخاه إذا رأى ما يعجبه فيدعو بالبركة" وأمر عامرا أن يتوضأ ويغسل وجهه ويديه وركبتيه وداخلة إزاره أو يصب عليه ويكفأ الإناء من خلفه زاد بعض الرواة فراح سهل مع الناس ليس به بأس وداخلة الأزار التي تحت الإزار مما يلي الجسد.
قال محمد بن مسلم: والغسل الذي أدركنا عليه علماءنا يصفونه أن يؤتى بالرجل الذي يعين صاحبه بالقدح فيه الماء فيمسك له مرفوعا من الأرض فيدخل
стр. 986
الذي يعين صاحبه يده اليمنى في الماء فيصب على وجهه صبة واحدة في القدح ثم يدخل يده اليسرى في الماء فيغسل في القدح ثم يدخل يديه جميعا في الماء فيغسل بيديه صدره صبة واحدة في القدح ثم يدخل يده اليمنى فيمضمض ثم يمجه في القدح ثم يدخل يده اليسرى فيغرف من الماء فيصبه على كفه اليمنى صبة واحدة في القدح ثم يدخل يده اليسرى فيصب على مرفق يده اليمنى صبة واحدة في القدح وهو ثان يده إلى عنقه ثم يفعل مثل ذلك في مرفق يده اليسرى ثم يفعل مثل ذلك في ظاهر قدمه اليمنى من عند أصول الأصابع واليسرى كذلك ثم يدخل يده اليسرى فيصب على ظهر ركبته اليمنى ثم يفعل باليسرى مثل ذلك ثم يغمس داخلة إزاره اليمنى في الماء ثم يقوم الذي في يده القدح بالقدح حتى يصبه على رأس المعيون من ورائه ثم يكفأ القدح على وجه الأرض وراءه.
وروى في الاغتسال غير ما ذكرناه وروي في حديث سهل أن رسول الله ﷺ أتاه فضرب صدره وقال: "بسم الله اللهم اذهب حرها وبردها ووصبها قم بإذن الله" فقام فقال رسول الله ﷺ : "إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو أخيه شيئا يعجبه فليدع بالبركة فإن العين حق".
فيمكن أنه جمع له الدعاء مع الغسل ويحتمل أنه كان ذلك في مرتين وقد يحتمل أنه كان الاغتسال ثم نسخ بغيره.
وعن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله ﷺ يتعوذ من عين الجان وعين الإنس فلما نزلت المعوذتان أخذهما وترك ما سوى ذلك فظاهر الحديث أنه تركه لما أنزلت عليه المعوذتان وعن عائشة قالت: أمرني رسول الله ﷺ أن استرقي من العين.
стр. 987
في الرقبة
روي مرفوعا عن ابن عباس أنه ﷺ كان يقول للحسن والحسين: "أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة هكذا كان إبراهيم يعوذ إبنيه اسماعيل وإسحاق" الهامة بتشديد الميم هوام
стр. 988
الأرض التي تخاف غوائلها.
وعن أبي هريرة جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لدغت البارحة لم أنم حتى أصبحت فقال له: "أما أنك لو قلت: حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك لدغة عقرب حتى تصبح".
وخرج ذلك من طرق بألفاظ متقاربة ومعان متفقة وعن خولة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا نزل أحدكم منزلا فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق فإنه لا يضره شيء حتى يرتحل منه"، أي: يبقى محفوظا بها حتى يرتحل، ولا تعارض إذ الحديث الأول في المقيم والثاني في المسافر وشأن المسافر التخفيف عنه.
стр. 989
في سنة الأكل
عن عمر بن أبي سلمة أن رسول الله ﷺ قال له: "قل بسم الله وكل بيمينك مما يليك"، وعنه ﷺ : "أن البركة في وسط الصحفة فكلوا من جوانبها"، من رواية ابن عباس.
وعن أنس أن خياطا دعا النبي ﷺ لطعام صنعه فقرب إليه خبز من شعير وقديد فيه دباء فرأيت رسول الله ﷺ يتتبع الدباء من حول القصعة فلم أزل أحب الدباء من يومئذ ولا تعارض إذ الأول في الأكل مع غيره والثاني يحتمل أن يكون في الأكل وحده ويحتمل أن يكون في اكل كل واحد منهم مما يليه من نواحيها والثالث في الأكل وحده ليس عليه في أكله من حيث شاء من الصحفة إلا من وسطها.
وعن حذيفة قال: أتى بجفنة فكف عنها رسول الله ﷺ وكنا لا نضع أيدينا حتى يضع يده فجاء أعرابي كأنه يطرد حتى أهوى إلى الجفنه يأكل منها فأخذ رسول الله ﷺ يده فأجلسه ثم جاءت جارية فأهوت بيدها فأجلسها ثم قال: "أن الشيطان يستحل طعام القوم إذا لم يذكروا اسم الله عليه وأنه لما رآكم كففتم عنها جاء بالأعرابي ليستحل به ثم
стр. 990
جاء بالجارية ليستحل فوالذي لا إله غيره أن يده مع أيديهما".
استحلال الشيطان إطلاقه لنفسه واستباحته له لأن الحلال هو المطلق ومنه قولهم: استحل فلان دمي واستحل مالي والتسمية التي أمر بها النبي ﷺ على الطعام عند تخميره وإيعائه بقوله: "أوكوا قربكم وإذكروا اسم الله وخمروا آنيتكم واذكروا الله ولو أن تعرضوا عليه بعود"، لأن يحفظ من الشيطان حتى يحاول أكله فيحتاج حينئذ إلى تسمية أخرى ومن نسي التسمية عند أول طعامه فليقل إذا ذكر بسم الله أولا وآخرا فإنه يمنع الشيطان من البقية ويقئ ما أكل منه فلا ينتفع به روي أن رجلا كان يأكل والنبي ﷺ ينظر فلم يسم حتى آخر لقمة فقال: بسم الله أو له وآخره فقال ﷺ : "مازال الشيطان يأكل معك حتى سميت" فما بقي في جوفه شيء إلا قاء.
стр. 991
في الحمى
روى مرفوعا أن رسول الله ﷺ قال: "الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء"، المراد ماء زمزم لا غير يؤيده ما روي عن ابن عباس فأبردوها بماء زمزم وما روي أبو ذر مرفوعا قال في ماء زمزم: "أنه طعام طعم وشفاء سقم" ففهم أن المراد بما ذكر ماء زمزم للشفاء الذي فيه.
стр. 992
في الشعر
روي أن رسول الله ﷺ كان يسدل شعره وكان المشركون يفرقون رؤوسهم وكان أهل الكتاب يسدلون رؤوسهم وكان ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء ثم فرق ﷺ رأسه وروى أن شعره ﷺ كان دون الجمة فوق الوفرة وروى من كان له شعر فليكرمه قيل لأنس: كيف كان شعر رسول الله ﷺ ؟ قال: كان شعرا رجلا ليس بالجعد ولا بالسبط بين إذنه وعاتقه وعنه أن شعره ﷺ كان يضرب منكبيه وعن البراء كان شعر
стр. 993
رسول الله ﷺ إلى شحمة أذنيه.
لا يقال: أمر بإكرام الشعر واتخاذه فكيف تجوز المبالغة في قصه والعدول إلى ضده من احفاء الشعر لأن وائل ابن حجر قال: أتيت النبي ﷺ ولي شعر طويل فقال: "ذناب" فظننت أنه يعنيني فذهبت فجززته ثم أتيته ﷺ فقال: "ما عنيتك ولكن هذا أحسن"، وما جعله أحسن لا شك أنه صار إليه وترك ما كان عليه من قبل إذ هو أولى بالمحاسن كلها من جميع الناس.
فإن قيل: كيف يحب رسول الله ﷺ موافقة أهل الكتاب وهم المحرفون المبدلون المشترون به ثمنا قليلا وقال ﷺ : "ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله فإن كان حقا لم تكذبوهم وإن كان باطلا لم تصدقوهم وإذا لم يقبل أخبارهم فكذلك أفعالهم"؟ قلنا: الأشياء التي كان يجب موافقتهم فيها هي التي لم يؤمر فيها بشيء مثل سدل شعره وتفريقه وكان واسعا له فعله وتركه فكان يحب موافقة أهل الكتاب لاحتمال أن يكون ذلك مما أمروا به في كتابهم وأما قوله: "لا تصدقوهم" إلى آخره إنما هو في شيء معين وهو إخبارهم بتكلم الجنازة فيحتمل صدقهم وكذبهم فالطريق في مثله عدم التصديق والتكذيب لاحتمال كل منهما.
стр. 994
في تغيير الشيب
عن ابن مسعود عشرة أشياء كان يكرهها النبي ﷺ منها: تغيير الشيب وروى مرفوعا: "أن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم" فعقلنا أنه كان الكراهة ابتداء وأحب موافقتهم فيها ثم لما أحدث الله تعالى في شريعته الخضاب خالفهم وأمر به على ما روت عائشة مرفوعا: "غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود"، وروى أبو ذر أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم، وروي جابر أتى بأبي قحافة يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كثغامة بياضا فقال
стр. 995
رسول الله ﷺ : "غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد"، وسأل أنس عن خضابه ﷺ قال: لم يكن شاب إلا يسيرا ولكن أبا بكر وعمر بعده كانا يخضبان بالحناء والكتم وعن أبي رمثة قال: رأيت النبي ﷺ قد علاه الشيب وقد غيره بالحناء والمثبت أولى من النافي مع أن في حديث أنس تقليل الشيب لا نفيه وروى: أنه توفي ﷺ وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء فيحتمل أن يكون ﷺ خضب شيبه وأنس لم يقف عليه لما أنه كان يصفره وذلك مما يخفي لا سيما عمن كان في قلبه من الإعظام والإجلال ما لا يتأمله معه فمثله يخفى عليه مثل هذا منه.
وعن أبي عامر الأنصاري رأيت أبا بكر يغير بالحناء والكتم ورأيت عمر لا يغير شيبه بشيء وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من شاب شيبة في الإسلام فهي له نور يوم القيامة فلا أحب أن أغير شيبتي"، والحق أن ذلك كان من عمر في البدء ثم وقف على الأمر بالخضاب فخضب وقيل لعبد الله بن عمر: تصبغ بالصفرة فقال: رأيت رسول الله ﷺ يصبغ بها فأنا أحب أن أصبغ بها، وروي عنه كان رسول الله ﷺ يلبس النعال السبتية ويصفر لحيته بالورس والزعفران فاستعمل ﷺ الصفرة وفضلها على غيرها واستحسنها فقد مر رجل عليه ﷺ وقد خضب بالحناء فقال: "ما أحسن هذا"؟ ثم مر عليه رجل آخر قد خضب بالحناء والكتم فقال: "هذا أحسن من الأول ثم مر آخر قد خضب بالصفرة فقال: هذا أحسن منهما".
والأشياء التي يغيرها الشيب من حمرة وصفرة فقد جاءت الآثار بإباحتها إلا السواد فقد روى ابن عباس مرفوعا يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة فعلم أن الكراهة فيه إنما كان لأنه من أفعال قوم مذمومين لا أنه في نفسه حرام وقد خضب بالسواد
стр. 996
عقبة بن عامر الصحابي ويقول:
نسود أعلاها وتأبى أصولها ... ولا خير في الأعلى إذا فسد الأصل
قال الشعبي: دخلت على الحسن بن علي وعليه وجبة خز وهو يحتجم في رمضان وقد اختضب بالسواد فعلم أن الحرام هو التشبه بالمذمومين لا نفس السواد.
стр. 997
في الحب في الله
روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أحب الله العبد قال لجبريل: قد أحببت فلانا فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء الدنيا أن الله قد أحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض" قال مالك: ولا أحسبه إلا قال في البغض مثل ذلك- فيه أن المحبة والبغضة اللتين تقعان في القلوب لا اكتساب لهم فيها ولا اختيار وإنهما تحصلان في القلوب بما لا يستطيعون دفعه عنها كحديث النفس فلا يحمدون ولا يذمون وفي حديث أبي هريرة١ قال له: أين تريد؟ قال: أزور أخالي في هذه القرية قال: هل له عليك من نعمة تربها؟ قال: لا إلا أني أحببته في الله قال: فإني رسول الله إليك إن الله قد أحبك كما أحببته. فهذا قد حمد ولا يكون ذلك إلا باكتسابه إياه فهذان متضادان.
قلت: لا تضاد لأن في الأول أن محبة الله عبده إنما تكون بعد أن كان منه ما أحبه عليه ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ فإذا أتبعوه صاروا
стр. 998
أولياء فألقى في قلوب عباده محبتهم فيحبونهم باختيارهم فيثيبهم كمثل إلقائه في قلوبهم الإيمان ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ﴾ الآية وكذلك من أبغضه بترك الأتباع وفعل الابتداع صار عدو الله فيوقع في قلوب من يشاء من عباده بغضه فيبغضونه باكتسابهم فيؤجرون على بغضهم إياه.
وعن أبي إدريس الخولاني دخلت مسجد دمشق فإذا فتى براق الثنايا والناس معه يصدرون عن رأيه ويستندون إليه فقيل: هذا معاذ بن جبل فلما كان الغد سبقني بالتهجير فوجدته يصلي فلما قضى صلاته جئته من قبل وجهه فسلمت عليه قلت: والله إني لأحبك لله فقال: الله؟ فقلت: والله فأخذ بحقوة ردائي فجبذني إليه وقال: أبشر فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله وجبت محبتي للمتحابين في والمتجالسين في والمتزاورين في والمتباذلين في" , وروى أنه قال: جوابه سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المتحابون يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله" قال: فبينما نحن كذلك إذ مر رجل ممن كان في الحلقة فقمت إليه فقلت: أن هذا حدثني بحديث فهل سمعته منه؟ قال: ما كان يحدثك إلا حقا فأخبرته فقال: سمعت هذا من رسول الله ﷺ وما هو أفضل منه سمعته يقول يأثر عن الله: "حقت محبتي للمتحابين في وحقت محبتي للمتواصلين في وحقت محبتي للمتزاورين في وحقت محبتي للمتباذلين في" قلت: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا عبادة بن الصامت قلت: فمن الفتى؟ قال: معاذ بن جبل.
في قوله: حقت زيادة ليست في قوله: وجبت يقول: فلان عالم فوجب له العلم وقد يكون في العلماء من هو أعلى منه مرتبة فإذا قلت: عالم حقا فقد رفعته إلى أعلى مراتب العلم ومنه قوله ﷺ لأهل نجران لما سألوه أمينا "لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين" فبعث إليهم أبا عبيدة بن الجراح.
وفيه نظر لأن وجبت وحقت وردتا في صنف واحد وهم المتحابون
стр. 999
فالأظهر أنهما بمعنى واحد كقولهم: وجب حقي عليه وحق حقي عليه وقول عبادة: سمعت ما هو أفضل منه يعني: أفضل من قوله: المتحابون يظلهم الله في ظل عرشه وإن سلمنا أن قوله: حقت ارفع من وجبت فمعناه أن الله كان تفضل على المتحابين فيه بأن أوجب لهم من محبته أو بأن يظلهم في ظل عرشه ثم تفضل عليهم بعد ذلك بأن زادهم في محبته ورفعهم فيها إلى أقصى مراتبها بقوله: حقت.
وروي مرفوعا: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله أمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ورجلان تحابا في الله اجتمعا وتفرقا على ذلك ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ورجل دعته امرأة ذات حسب وجمال فقال: إني أخاف الله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه".
روي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ عن أبي هريرة مرفوعا "أن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها اقرؤوا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ " وهذا خلاف الظل في الحديث الأول وقيل ظل ممدود لا تنسخه الشمس يقال عيش ممدود إذا كان لا ينقطع قال الفراء: ظل ممدود لا شمس فيه كمثل ما بين طلوع الفجر إلى أن تطلع الشمس.
стр. 1000
في تعبير الرؤيا
روي أبو رزين العقيلي عن النبي ﷺ قال: "الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت سقطت ولا تقصها إلا على حبيب أو لبيب أو ذي مودة"، يعني: أن الرؤيا قبل أن تعبر معلقة في الهواء غير ساقطة وغير عاملة شيئا فإذا عبرت عملت حينئذ وكونها على رجل طائر أي: أنها غير مستقرة ومثله قوله: أنا على جناح طائر إذا كان على سفر أي: غير مستقر حتى أخرج إلى سفري فأستقر في مقامي وإنما يكون عملها في الرؤيا إذا كانت العبارة صوابا أو محتملا لوجهين فتكون معلقة قبل التعبير الذي يردها إلى أحدهما فتسقط بذلك وأما التبعير الخطأ فغير عامل يؤيده قوله صلى الله عليه وسلم
стр. 1001
لأبي بكر: "أخطأت بعضا وأصبت بعضا".
عن النبي ﷺ في الرؤيا: "أنها جزء من سبعين جزءا" وعنه أنه جزء من ستة واربعين جزءا وعن ابن عباس أنها جزء من خمسين جزءا وذلك لا يكون إلا توقيفا لا رأيا أعلم أن الله تعالى جعل الرؤيا جزء من أجزاء النبوة بشارات لأمته كما روى مرفوعا في تفسير قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بالرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له وفي الآخرة بالجنة واحتمل أن يكون الله جعلها في البدء جزءا من سبعين فيعطى من يراها وترى له الجزء من النبوة فضلا من الله وعطية ثم زاده بأن أعطاه جزءا من ستة وأربعين جزءا من النبوة ولا يجوز أن يجعل القليل ناسخا للكثير لأن الله تعالى لا ينزع من عباده فضلا إلا لحادثة يحدثونها كما قال: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ﴾ الآية ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ولم يوجد ما يستحقون به حرمان ذلك والرد إلى قليله.
قال الطحاوي: المعني أنها الذين كان يراها ذو النبوة لأن الأجزاء هي النبوة فلم يكن غير الأنبياء مستحقين لحصة من النبوة وهو كلام عربي يعقله المخاطبون به يؤيده أنه خاتم النبيين فاستحال أن يكون قد بقي بعده من النبوة شيء وقوله ﷺ : "أنه لم يبق بعدي من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له". فأخبر ﷺ أن الباقي بعده من مبشرات النبوة هي الرؤيا التي ذكرها فدل ذلك أن الرؤيا إنما هي من مبشرات البنوة أي: مما يبشره ذو النبوة من أتبعهم على ما هي عليه لا أنها في نفسها نبوة والله أعلم.
стр. 1002
في التحاسد
روي عن النبي صلى الله عيه وسلم أنه نهى عن التحاسد مطلقا بقوله: "لا تحاسدوا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا" مع قوله: "لا حسد إلا في
стр. 1003
اثنتين رجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها ورجل آتاه الله ما لا فسلطه على هلكته في الحق"، أعلم أن التحاسد على قسمين مذموم وهو تمنى نقل المحسود عليه عمن آتاه الله إلى حاسده وغير مذموم وهو تمنى إيتاء الله تعالى إياه من فضله مثله من غير نقل منه إليه قال تعالى: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: حتى يؤتيكم مثله فعلى هذا الاستثناء منفصل١ بمعنى لكن.
стр. 1004
في السلام
روي أن رسول الله ﷺ قال: "إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم فإن بدا له أن يجلس فليجلس فإذا قام فليسلم فإن الأولى ليست بأحق من الآخرة"، وروي: "إذا قعد أحدكم فليسلم فإذا قام فليسلم فليست الأولى أحق من الآخرة، ولا تضاد إذا المراد بقعد أراد القعود وله نظائر جمة ولغة العرب تسعها.
عن أنس أن رسول الله ﷺ كان يزور الأنصار فإذا جاء إلى دور الأنصار جاء صبيانهم يدورون حوله فيدعو لهم ويمسح رؤوسهم ويسلم عليهم فأتى إلى باب سعد بن عبادة فسلم عليهم فقال: "السلام عليكم ورحمة الله" فرد سعد فلم يسمع النبي ﷺ ثلاث مرات وكان لا يزيد فوق ثلاث تسليمات فإن أذن له وإلا انصرف فخرج النبي ﷺ فجاء سعد مبادرا فقال: يا رسول الله ما سلمت تسليمة إلا سمعتها ورددتها ولكن أردت أن تكثر علينا من السلام والرحمة فادخل يا رسول الله فدخل فجلس فقرب إليه سعد طعاما فأصاب منه النبي ﷺ فلما أراد أن ينصرف قال: "أكل طعامكم الأبرار وأفطر عندكم الصائمون وصلت عليكم الملائكة"، فيه أن لا يزاد التسليم عند وقوفهم على الباب على ثلاث لأن بذلك يحصل العلم بمن في البيت من الرجال فينظره أو النساء فينصرف وهذه سنة قائمة لا ينبغي إهمالها ولا تعديها والله أعلم.
стр. 1005
في الاستئذان
عن أبي سعيد الخدري كنا في مجلس عند أبي بن كعب فأتى أبو موسى الأشعري مغضبا حتى وقف فقال: أنشدكم الله هل سمع أحد منكم رسول الله ﷺ يقول: الاستئذان ثلاث فإن أذن لك فأدخل وإلا فارجع قال: أبي وماذاك؟ قال: استأذنت على عمر بن الخطاب ثلاث مرات فلم يؤذن لي فرجعت ثم جئته اليوم فدخلت عليه فأخبرته أني جئته أمس فسلمت عليه ثلاثا وانصرفت فقال: سمعتك ونحن حينئذ على شغل فلو ما استأذنت حتى يؤذن لك قال: استأذنت كما سمعت رسول الله ﷺ يقول فقال: والله لأوجعن ظهرك وبطنك أو لتأيني بمن يشهد لك على هذا فقال أبي بن كعب: فوالله لا يقوم معك إلا أحدثنا سنا الذي بجنبك قم يا أبا سعيد فقمت حتى أتيت عمر فقلت قد سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا.
فيه أن أبا موسى بدأ بالسلام على عمر قبل الاستئذان وإنما ترك فعله للعلم عندهم بأنها السنة وقد قال تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا﴾ ولكن هذا على التقديم والتأخير مثل قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ و ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ فالتقدير حتى تسلموا على أهلها وتستأنسوا والاستئناس هو الاستئذان بلغة اليمن وعن ابن عباس أخطأ الكاتب إنما هي حتى تستأذنوا وتسلموا.
وعن كلدة أنه قال: بعثني صفوان بن أمية عام الفتح إلى رسول الله ﷺ بلبن وجداية وضغابيس وهو بأعلى الوادي فدخلت ولم استأذن ولم اسلم فقال رسول الله ﷺ : "أخرج وارجع وقل السلام عليكم ادخل". لما كان دخوله بغير سلام ولا استئذان كان مكروها فجلوسه يصير مذموما مكروها فأمر بقطع أسباب المذمة والرجوع ثم السلام
стр. 1006
والاستئذان حتى يكون دخوله محمودا فيكون جلوسه محمودا.
وقوله ﷺ لعبد الله بن مسعود: "إذنك على أن ترفع الحجاب وإن تستمع لسوادي حتى أنهاك". فاطلاقه رفع الحجاب ليكون إذنا له يغنيه عن الاستئذان عند الدخول لا ينافي أن يكون قبل ذلك يسلم كما يسلم من يستأذن.
وعنه ﷺ : رسول الرجل إلى الرجل إذنه وإذا دعى أحدكم فجاء مع الرسول فذلك إذن له وعن أبي هريرة بعثني ﷺ إلى أهل الصفة فدعوتهم فجاؤوا فاستأذنوا فأذن لهم لا يعارض ما روينا لأن في الحديث الأول المرسل إليه أي مع الرسول فأغناه سلام الرسول واستئذانه وأهل الصفة قدموا على النبي ﷺ دون أبي هريرة فلم يكن لهم بد من السلام والاستئذان لأنه قال: فجاؤوا ولم يقل: فجئنا.
عن علقمة أنه كان مع مسروق وابن مسعود بينهما فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا ابن أم عبد فضحك ابن مسعود فقال: مم تضحك؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أن من أشراط الساعة السلام بالمعرفة وأن يمر الرجل بالمسجد ثم لا يصلي فيه".
وفي رواية: ما بين يدي الساعة تسليم الخاصة، ولا يعارض هذا ما روى في حديث إسلام أبي ذر فانتهيت إليه يعني: رسول الله ﷺ هو وصاحبه يعني: أبا بكر فكنت أول من حياه بتحية الإسلام فقال: "وعليك ورحمة الله" إذ يحتمل أن يكون أبو ذر مع أبي بكر ورسول الله ﷺ متشاغل بصلاة أو طواف فلم يحتج إلى السلام على أبي بكر وكانت الحاجة إلى السلام على رسول الله ﷺ فقصد بسلامه إليه فلم ينكر عليه واختصاص رسول الله ﷺ أبا ذر بالرد عليه وحده دون غيره من الناس دليل على أن الرد بخلاف السلام لأن السلام على الواحد من الجماعة ظلم لبقيتهم إذ من
стр. 1007
حق المسلم على المسلم السلام عليه إذا لقيه والرد من المسلم عليه عن نفسه وحده وعن جماعة هو منهم على اختلاف من أهل العلم في ذلك إنما هو على من سلم عليه عن نفسه وعن جماعة هو منهم فجاز أن يخص به دون من سواه من الناس.
وروي مرفوعا: لا غرار في صلاة ولا تسليم الغرار هو النقصان ففي الصلاة من ركوعها وسجودها وطهورها وفي السلام أن يقول: السلام عليك وفي الرد وعليك ولا يقول: وعليكم وقيل في السلام: القصد إلى الواحد من الجماعة بخلاف الرد على ما روينا آنفا.
وروى أبو هريرة مرفوعا: "من لقي أخاه فليسلم عليه وإن حالت بينهما شجرة أو حائط أو حجر ثم لقيه يسلم عليه".
وهذا أحسن ما يكون من الأدب وأوصل لما يكون بين الناس والصحابة كذلك كانوا يفعلون عن أنس كانت الصحابة يتماشون فإذا لقيتهم شجرة أو أكمه تفرقوا بمينا وشمالا فإذا التقوا من ورائها سلم بعضهم على بعض، عن جابر استأذنت على النبي ﷺ فقال: "من هذا"؟ فقلت: أنا فقال: "أنا أنا" وكأنه كره ذلك، إنما كرهه لأنه جواب لا يفيده معرفة.
стр. 1008
في التشميت
روي مرفوعا: "حق المسلم على المسلم خمس رد السلام وعيادة المريض وإتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس" - يعني: إذا حمد الله وهذا مثل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ يعني: فحنثتم وعن أنس عطس رجلان عند النبي ﷺ فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر١ فقال: "أن هذا حمد الله وهذا لم يحمد الله".
стр. 1009
وعن ابن مسعود كان رسول الله ﷺ يعلمنا يقول: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله رب العالمين فإذا قال ذلك فليقل من عنده: يرحمكم الله وإذا قال له ذلك فليقل: يغفر الله لي ولكم".
وعن سالم بن عبيد بينما نحن مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم فقال: السلام عليكم فقال رسول الله ﷺ : "عليك وعلى أمك إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله رب العالمين- أو على كل حال- وليردوا عليه يرحمكم الله وليرد عليهم يغفر الله لكم"، وهذا مذهب الكوفيين.
وخالفهم الحجازيون منهم مالك فذهبوا إلى ما روى أبو هريرة إذا عطس أحدكم فليحمد الله وليقل له صاحبه أو أخوه يرحمكم الله وليقل هو يهديكم الله ويصلح بالكم وهذا لا مساغ للاجتهاد فيه غير أن المقصود هو الدعاء للعاطس بالرحمة التي هي فوق الغفران فالرد عليه بالهداية أولى من الرد بالغفران لأن فيها ما ليس في الغفران لا سيما وقد ضم إليها ويصلح بالكم أي شؤونكم لأن الهداية قد تكون الدلالة على الأشياء المحمودة منه اهدنا الصراط المستقيم وقد تكون الثبوت على الأمر المحمود منه والذين اهتدوا زادهم هدى ولأن في الثاني رعاية وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها لا يقال أن الدعاء بالهداية إنما كان لليهود على ما روي أنهم كانوا يتعاطسون عند النبي ﷺ رجاء أن يقول لهم: يرحمكم الله فكان يقول: "يهديكم الله ويصلح بالكم" لأنه لا خلاف فيما يقال للعاطس إنما الخلاف في الرد على المشمت وما روي عن إبراهيم أنه قال للعاطس: يهديكم الله ويصلح بالكم موقوف عليه لم يتصل به المروي إذ لو اتصل به لما خالفه لما عليه من الدين والعلم ولكنه بشر يذهب عنه ما يذهب عن البشر كما روي عن ابن عباس أنه أتى النبي ﷺ وهو يصلي فقام عن يساره فأقامه عن يمينه وعن الأعمش إذا صلى رجل برجل يقيمه عن يساره فقيل له فقد روى ابن عباس خلافه فقال: ما سمعت بهذا وهو أولى من الذي قلت وهكذا يجب أن يظن فيه وفي أمثاله من أهل العلم والعمل.
стр. 1010
في المصور
روي مرفوعا أنه قال: "أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيا أو قتله نبي وأمام ضلالة وممثل من الممثلين"، فيه أنه لا مثل لهذه الأصناف في شدة العذاب غير أن عائشة قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وأنا مستترة بقرام فيه صورة فهتكه ثم قال: "أن أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله"، وهو معارض للأول إلا أن الصحيح فيه رواية من روى فيه: من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله فينتفي التعارض إذ كان المشبه بخلق الله هو المثل بخلق الله أحد الأصناف المذكورة وروى عن عائشة: أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل هجا رجلا فهجا القبيلة بأسرها وهذا معارض للأول أيضا إلا أنه غير صحيح والله أعلم والصحيح رواية من روي عنها: أن أعظم الناس فرية يوم القيامة عند الله الرجل يهجو القبيلة بأسرها أو رجل انتفى من أبيه وفيه نظر لأنه وإن اندفع التعارض بما ذكر فما يصنع بقوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وأيضا جعل الأصناف المذكورة متساوين في شدة العذاب لا يصح في الاعتبار لأن من قتل نبيا لا يكون إلا كافرا وكذا من قتله نبي إذ قتله وهو مسلم على حد يجعل القتل كفارة ولا استواء بين عذاب الكافر والمؤمن.
فالصواب أن لا تعارض بين الأحاديث الثلاثة والآية في الحقيقة بل بعضها مخصص للبعض لأن التعارض إنما يكون في النصوص التي لا يمكن الجمع بينها ولو جاءت هذه الأحاديث في نسق واحد لما تناقض الكلام ويكون معنى الحديث الأول: أشد الناس عذابا من الكفار من قتل نبيا أو قتله نبي أو آل فرعون وأشد الناس عذابا من المسلمين إمام ضلالة أو مشبه بخلق الله أو الرجل يهجو الرجل فيهجو القبيلة والأظهر في الأصناف المذكورين من الكفار التساوي في شدة العذاب ويحتمل عدمه إذ ليس في الكلام ما ينفي
стр. 1011
ذلك من المسلمين يحتمل التساوي في العذاب وعدم التساوي ألا ترى أنك تقول: أعلم أهل البلدة فلان وفلان وفلان وإن كان بعضهم أعلم من بعض أيضا.
стр. 1012
في المسخ
عن ابن مسعود سأل النبي ﷺ عن القردة والخنازير أهي مما مسخ؟ فقال: "إن الله لم يهلك قوما أو يمسخ قوما فيجعل لهم نسلا ولا عاقبة وإن القردة والخنازير خلقوا قبل ذلك" لا يقال أن في كتاب الله ما يدفعه وهو قوله: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ بلفظ المعرفة أي: المعهودة منها ولو كانت سواها لقال، فجعل منهم قردة وخنازير، لأنا نقول يحتمل أن كون القردة والخنازير مخلوقة قبل المسخ تتوالد كسائر الحيوان فمسخ الله من عباده قردة وخنازير غير متوالدات وبقيت في الدنيا مدة ثم أفناهم الله تعالى بلا أعقاب فلذلك جاء بلفظ المعرفة ليفهم بذلك أنهم جنس غير الجنس المخلوق قبلها بكونها لا تتوالد ولا تتناسل.
وعن أبي هريرة مرفوعا أن أمة من بني إسرائيل فقدت فلا يدري ما صنعت فأخشى أن تكون الفارة وذلك أنها إذا وجدت ألبان لغنم تشربها وإذا وجدت ألبان الإبل لم تشربها روي أنه ﷺ رأى فارة فقال: "حنة" ولا أعلم شيئا حنة إلا من اليهود يحتمل أنه ﷺ قال هذا قبل أن يعلمه الله ما أعلمه من أنه لا يجعل لمن أهلكه نسلا فذهب بذلك ما كان يخشاه ومن لم يعلم ذلك حدث بما كان علم منه.
وعن عبد الرحمن بن حسنة نزلنا أرضا كثير الضباب فأصابتنا مجاعة فطبخنا منها وإن القدر ليلغى إذ جاء رسول الله ﷺ فقال: "ما هذا"؟ فقلنا: ضباب أصبناها فقال: "أن أمة بني إسرائيل مسخت دواب الأرض وإني أخشى أن تكون هذه فاكفؤها".
وعن ثابت أصاب الناس ضبابا فاشتووها وأكلوها فأصبت منها ضبا فشويته ثم أتيت به النبي ﷺ فأخذ جريدة فجعل يعد بها
стр. 1013
أصابعه ثم قال: "إن أمة من بني إسرائيل مسخت دواب في الأرض وإني لا أدري لعلها هي" فقلت: إن الناس قد اشتووها وأكلوها فلم يأكل ولم ينه.
خشيته في الضب قبل أن يعلمه الله أن الممسوخ لا نسل له وما روي من إباحة أكل الضب متأخر روي خالد فقلت: أحرام هو يا رسول الله؟ فقال: "لا ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه" فاجتررته وأكلته ورسول الله ﷺ ينظر.
وعن يزيد بن الأصم دعتنا الفرس بالمدينة فقرب إلينا طعام فأكلناه ثم قرب إلينا ثلاثة عشر ضبا فمن آكل وتارك فلما أصبحنا أتيت ابن عباس فأخبرته بذلك فقال بعض قال ﷺ : "لا آكله ولا آمر به ولا أنهي عنه" قال ابن عباس: ما بعث إلا محللا أو محرما قرب إلى رسول الله ﷺ لحم فمد يده ليأكل فقالت ميمونة: أنه لحم ضب فكف يده ثم قال: "هذا لحم لم آكله قط" فأكل الفضل بن عباس وخالد بن الوليد وامرأة كانت معهم وقالت ميمونة: لا آكل طعاما لم يأكله رسول الله ﷺ .
стр. 1014
في الحية
كان ابن مسعود يخطب فإذا هو بحية تمشي على الجدار فقطع خطبته وضربها بقبضته١ حتى قتلها ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قتل حية فكأنما قتل رجلا مشركا قد حل دمه" ومن رواية أبي هريرة: اقتلوا الحيات واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر فإنهما يلتمسان البصر٢ ويسقطان الحبل فمن وجد ذا الطفيتين والأبتر فلم يقتلهما فليس منا وعنه مرفوعا قال: للحيات ما سالمناهن منذ حاربناهن فمن تركهن خشية منها فليس منا- فيها الأمر بقتل الحيات كلها وترك الرخصة.
стр. 1015
وروى مرفوعا النهي عن قتل ذوات البيوت عن أبي لبابة أن رسول الله ﷺ نهى عن قتل الحيات التي في البيوت وعن ابن عمر مرفوعا: "اقتلوا الحيات وذا الطفيتين والأبتر فإنهما يلتمسان البصر ويسقطان الحبل.
وكان ابن عمر يقتل كل حية يراها فرآه أبو لبابة وزيد بن الخطاب وهو يطارد حية فقالا: أنه نهى عن قتل عوامر البيوت.
وروي أن أبا لبابة مر بعبد الله بن عمر وهو عند الأطم الذي عند دار عمر بن الخطاب يرصد حية فقال أبو لبابة: أن رسول الله ﷺ قد نهى عن قتل عوامر البيوت فانتهى عبد الله بن عمر بعد ذلك ثم وجد في بيته حية فأمر فطرحت ببطحان قال نافع: فرأيتها بعد ذلك في بيته.
وهذا ليس بنسخ إنما هو تخصيص العموم وبيان المراد به لأن النسخ وإنما يكون فيما يتعارض من القولين ولا يمكن الجمع بينهما وما روي أن بالمدينة جنا قد أسلموا فصاروا أعمارا لبيوتها فنهى عن قتلها لذلك حتى يناشد فإن ظهرت بعد ذلك كانت خارجة عن المعنى الذي من أجله نهى عن قتلها وعادت حلال القتل، وحديث أبي سعيد في الموطأ في شأن الفتى الذي كان حديث عهد بعرس فأتى فوجد امرأته قائمة بين البابين فأهوى إليها بالرمح فقالت: كما أنت لا تجعل أدخل البيت فدخل البيت فإذا حية منطوية على فراشه فوكزها برمحه فأخرجها إلى الدار فوضعها فانتفضت الحية وانتفض الرجل فماتت الحية ومات الرجل فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "أنه قد نزل حي من الجن مسلمون بالمدينة فإذا رأيتم منها شيئا تتعوذوا بالله منها ثم أن عاد فاقتلوها".
وما روي أن رسول الله ﷺ قال: "الجن على ثلاثة أثلاث فثلث لهم أجنحة يطيرون في الهواء وثلث حيات وكلاب وثلث يحلون ويظعنون كلها"، يبين أن من الحيات ما هو جان.
стр. 1016
السير في السفر
عن النبي ﷺ إذا أخصبت الأرض فانزلوا عن ظهركم فأعطوه حقه من الكلأ وإذا أجدبت الأرض فامضوا عليها بنقيها وعليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل، المشقة على الظهر في الليل دونها في غير الليل فالمعنى القصد إلى السير عليها في الليل يؤيده ما روي وإذا سافرتم في الجدب فأسرعوا السير فإذا أردتم التعريس فنكبوا عن الطريق التعريس إنما يكون بالليل.
стр. 1017
في الإكفار
عن النبي ﷺ : "إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر فقد وجب الكفر على أحدهما" معنى الكافر هنا: أن الذي هو عليه الكفر فإذا كان الذي هو عليه إيمانا كان جعله كافرا جعل الإيمان كفرا فكان بذلك كافر الآن من كفر بالإيمان فقد كفر بالله ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ الآية.
стр. 1018
في النجوى
عن أبي سعيد الخدري كنا ننتاب النبي ﷺ تكون له الحاجة أو يرسلنا لبعض الأمر فكثر المحتسبون من أصحاب النوب فخرج علينا رسول الله صلى الله عيه وسلم ونحن نتذاكر الدجال فقال: ما هذا النجوى ألم أنهكم عن النجوى؟ قال: فقلنا: يا رسول الله كنا في ذكر المسيح فرقا منه فقال: "غير ذلك أخوف عليكم شرك خفى أن يعمل الرجل لمكان الرجل"، فيه أن النجوى المنهي عنها هو في الإثم والعدوان ومعصية الرسول لا كل نجوى والمروي عن ابن عمر مرفوعا "إذا كان ثلاثة فلا يتناجى إثنان دون واحد"، وفي رواية قلت: يا رسول الله فإن كنا أربعة قال: "لا يضر ولا يضير" يحتمل أن يكون النهي فيه لسوء الأدب فإذا كانوا أربعة ارتفعت العلة لقدرة
стр. 1019
الباقين على التناجي أيضا وعن ابن مسعود في سبب الكراهة أنه يحزنه قال: نهى رسول الله ﷺ إذا كان ثلاثة في سفر أن يتناجى إثنان دون واحد حتى يختلط بالناس من أجل أنه يحزنه لأنه قد يخاف على نفسه ولا يجد معينا أن احتاج إليه ففيه إجازة ذلك في غير سفر لكن الأحسن فية ترك المناجاة لحسن المعاشرة.
стр. 1020
في الكذب
عن أسماء بنت يزيد ترفعه لا يصلح الكذب إلا في إحدى ثلاث إصلاح بين الناس وكذب الرجل لامرأته ليرضيها وكذب في الحرب مداره على رجل مطعون فإن صح فمعناه لا يصلح الكذب الذي هو عند الناس كذب وليس بكذب يعني معاريض الكلام إلا في ثلاث يؤيده حديث أم كلثوم بنت عقبة سمعت النبي ﷺ يقول: "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فيقول خيرا أو ينمي خيرا"، ولم يرخص في شيء مما يقول الناس أنه كذب إلا في ثلاث: الحرب والإصلاح وحديث الرجل امرأته والمرأة زوجها فنفى ﷺ الكذب في هذه الثلاثة الأشياء ولم يكن ذلك إلا لأنه لم يأت في ذلك إلا بمعاريض الكلام مما ليس قائله به كاذبا وإن قال الناس فيه: أنه كاذب وهو حديث صحيح لا علة فيه ومن روى أنه صلى الله عيه وسلم رخص في الكذب في ثلاث لا يصح وإن ثبت فهو قول الراوي لا أن رسول الله ﷺ قال: "لا بأس بالكذب في ثلاث" فيحتمل أن يكون تأويله بظنه حيث عد ما ليس بكذب كذبا فالمباح معاريض القول الذي يقع بالقلب خلاف الحقيقة فيها لا التصريح بالكذب مثل قوله تعالى: ﴿لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ وهو لم ينس، ومنه "الحرب خدعة" لأنه كلام ظاهره مخيف أهل الحرب وباطنه بخلافه وهذا لأن الله تعالى قال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ وهم رسول الله ومن تقدمه من الأنبياء