في الحجاب ستر العورة
عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله ﷺ مع ميمونة قالت: فبينا نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه وذلك بعد أن أمر بالحجاب فقال ﷺ : "احتجبا منه" فقلنا: يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال ﷺ : "أعمياوان أنتما ألستما تبصرانه".
وعن عائشة قالت: رأيت رسول الله ﷺ يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون وأنا جارية فاقدروا قدر الجارية العربية الحديثة السن لا تضاد بينهما لأن حديث ميمونة كان بعد نزول الحجاب وهما بالغتان وحديث عائشة يحتمل أن يكون قبل نزوله أن تكون صغيرة غير مكلفة وكما يجب حجب الناس عنهن يجب حجبهن عن الناس قيل هذا من خصائص أزواجه ﷺ بدليل قوله ﷺ لفاطمة بنت قيس: "اعتدى عند ابن أم مكتوم فإنه أعمى لا يبصر تضعين ثيابك"، ولا يعارض حديث عائشة هذا ما روي عن أنس قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما في الجاهلية فقال: "إن الله قد أبد لكم بهما خيرا منهما يوم الفطر ويوم النحر"، لأن اللهو في حديثها من جنس ما يحتاج إليه في الحروب فهو لهو محمود في المسجد وفي غيره والذي في حديث أنس من اللهو الذي لا يقابل بمثله عدو ولا منفعة فيه للإسلام فهو لهو مذموم، وروى مرفوعا: "لا يحل من اللهو إلا ثلاثة تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله ورميه بقوسه ومن ترك الرمي بعد ما تعلمه كانت نعمة فكفرها".
روت عائشة أنه ﷺ كان مضطجعا في بيته كاشفا عن فخذيه، وروى أنس أنه كان في حائط بعض الأنصار مدليا رجليه في بئرها وبعض
стр. 1052
فخذه مكشوف فدخل أبو بكر وعمر وهو على حاله تلك لم ينتقل عنها حتى دخل عثمان فغطى فخذه وقال: "ألا استحي ممن استحيت منه ملائكة السماء"، ورواية عائشة من طريق آخر أن أبا بكر استأذن على النبي ﷺ ورسول الله لابس مرط أم المؤمنين فأذن له فقضى حاجته ثم خرج ثم استأذن عليه عمر فقضى حاجته ثم خرج فاستأذن عليه عثمان فاستوى جالسا وقال لعائشة: "اجمعي عليك ثيابك" فلما خرج قالت له عائشة: مالك لم تفزع لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان؟ فقال: "إن عثمان كثير الحياء ولو أذنت له على تلك الحال خشيت أن لا يبلغ في حاجته".
قال الطحاوي: الحديثان صحيحان جميعا وكانا من رسول الله ﷺ في وقتين مختلفتين أو في مرتين مختلفتين قال في كل واحد من القولين وفيه اجتماع الفضيلتين لعثمان باستحياء الملائكة منه وبحيائه في نفسه وفي الحديثين أن الفخذ ليس بعورة وقد روى أن الفخذ عورة جماعة منهم علي بن أبي طالب وابن عباس ومحمد بن جحش وابن جرهد وأبوه ولما اختلف في حكم الفخذ نظرنا فوجدنا الفخذ من المرأة عورة لا يحل لذي رحمها المحرم منها ولا لغيره من الناس سوى زوجها النظر إليه منها كما لا يحل لهم النظر منهم إلى فرجها وبطنها بخلاف صدرها ورأسها وساقها فإن ذا الرحم المحرم ينظر إليها وإنما الممنوع الأجانب منها فعقلنا بذلك أن فخذها عورة كفرجها وبطنها لا كرأسها وساقها وإذا كان كذلك في المرأة كان في الرجل أيضا كذلك فكان فخذه من عورته ثم نظرنا في الركبة فوجدنا الآثار تدل على أنها ليست بعورة.
عن أبي الدرداء قال: كنت جالسا عند النبي ﷺ إذ أقبل أبو بكر آخذا من طرف ثوبه حتى ابدى عن ركبته فقال: "أما صاحبكم فقد غامر" فسلم فقال: أنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، الحديث وعن علي في حديث شار فيه فنظر حمزة إلى رسول الله ﷺ ثم صعد النظر فنظر إلى ركبته ثم
стр. 1053
صعد النظر فنظر إلى سرته ثم صعد فنظر إلى وجهه ثم قال: هل أنتم إلا عبيد لأبي- الحديث، وما روى عن أبي موسى الأشعري أنه قال: لا أعرفن أحدا نظر من جارية إلا إلى ما فوق سرتها وأسفل من ركبتها لا أعرفن أحدا فعل ذلك إلا عاقبته، ولا يقوله رأيا لأن الوعيد لا مدخل للرأي فيه يضاد ما روينا آنفا ثم تأملنا فوجدنا الفخذ والساق عضوين موصولين أحدهما مركب على الآخر وكانا إذا بسطا بدا منهما كالفلكة وهما عظمان أحدهما في الفخذ والآخر في الساق وتلك الفلكة هي الركبة فكان ما كان منها في الفخذ له حكمه في كونه عورة وما كان منها في الساق له حكمه في عدم كونه عورة ولكنه غير مقدور على تفصيله من العظم الذي في الساق ولا على معرفة مقداره فالأولى أن يحكم له بحكم العورة لا غيرها.
وأما السرة ففي حديث على ما قد دل أنها ليست من العورة وكذلك ما روي أن رسول الله ﷺ وضع يده على ناصية أبي محذورة ثم أمرها على وجهه من بين ثدييه ثم على كبده ثم بلغت يد رسول الله ﷺ سرة أبي محذورة وهذا أولى مما قاله أبو موسى مع أنه خالفه الحسن بن علي وابن عمر وأبو هريرة روى أنا أبا هريرة قال للحسن: أدن مني حتى أقبل منك حيث رأيت رسول الله ﷺ يقبله منك فرفع ثوبه فقبل سرته ولأن السرة أشبه بالصدر منها بالعورة.
والأقرب إلى الصواب أن ما روى عن النبي ﷺ في الفخذ هل هو عورة أو ليس بعورة معناه أنه ليس بعورة يجب سترها كالقبل والدبر وأنه عورة يجب سترها في مكارم الأخلاق ومحاسنها ولا ينبغي التهاون بذلك في المحافل والجماعات ولا عند من يستحي من ذوي الأقدار والهيئات فعلى هذا تستعمل الآثار كلها واستعمالها أولى من طرح بعضها والله أعلم.
وروى عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت
стр. 1054
يمينك" قال: قلت: يا رسول الله إذا كان القوم بعضهم في بعض قال: "فإن استطعت أن لا يراها أحد" قال: قلت: يا رسول الله إذا كان أحدنا خاليا قال: "فالله أحق أن يستحيا منه من الناس"، مع ما روي عن عائشة أنها قالت: ما رأيت فرج رسول الله ﷺ قط لا معارضة بينهما لأنه وإن كان غير محظور إلا أن رتبته العلية الفائقة لجميع رتب المخلوقات منعته وما روي عن عائشة أنه لما قدم زيد بن حارثة المدينة فقرع الباب قام إليه رسول الله ﷺ عريانا والله ما رأيته عريانا قبله معناه أن أكثره عريان غير مكشوف العورة لأنه قام يتلقى رجلا فلا يلقاه وهو مكشوف العورة وإنما رأت عائشة منه ما يجوز أن يراه ذلك الرجل منه فلا منافاة.
стр. 1055
في رفع العلم
روى جبير عن عوف بن مالك الأشجعي نظر رسول الله ﷺ يوما إلى السماء فقال: "هذا أوان يرفع العلم" فقال أنصاري يقال له لبيد: يا رسول الله يرفع العلم وقد أثبت ووعته القلوب فقال له رسول الله ﷺ : "إن كنت لأحسبك من أفقه أهل المدينة" ثم ذكر ضلالة اليهود والنصارى على ما في أيديهم من كتاب الله تعالى قال: فلقيت شداد بن أوس فحدثته بحديث عوف فقال: صدق عوف ألا أخبرك بأول ذلك؟ يرفع الخشوع حتى لا ترى خاشعا، وبعض رواة الحديث يقول فيه: وفينا كتاب الله وقد علمناه أبناءنا ونساءنا وبعضهم يقول فيه: وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا ويقرءه أبناءهم إلى يوم القيامة وبعضهم يزيد فيه ثم قال: وذهابه بذهاب أوعيته.
قيل: كيف يرفع العلم في زمنه ﷺ ونزول الوحي قائم فيه ليبلغه الناس بعضهم بعضا كما أمروا به فلو رفع العلم في زمنه ﷺ ينقطع الإبلاغ لكن الحديث صحيح وإشارة النبي ﷺ إلى وقت
стр. 1056
يرفع العلم فيه بعد ذلك الوقت مثل قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ليوم لم يجئ بعد يدل عليه احتجاجه ﷺ لضلالة أهل الكتابين وعندهم التوراة والإنجيل وإنما كان ذلك بعد ذهاب أنبيائهم فكذلك ما تواعد به رسول الله ﷺ أمته في هذا الحديث إنما يكون بعد إيابه وبعد ذهاب من تبعه وخلفه بالرشد والهداية من أصحابه، وقول شداد أول ما يرفع من ذلك الخشوع يدل عليه لأن الخشوع من صفات الصحابة قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ الآية فلا يكون إلا بعد انقراضهم والمراد بأوعية العلم العلماء فإن الله تعالى يقبض العلم بقبض العلماء يؤيده ما روى مرفوعا أنه لا تزال الأمة على شريعة ما لم يظهر فيهم ثلاث يقبض منهم العلم ويكثر فيهم ولد الخبث ويكثر فيهم الصقارون وهم قوم تحية بينهم التلاعن عند التلاقي.
стр. 1057
في عائشة
روي مرفوعا قال ﷺ لأم سلمة: "يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة فوالله ما منكن امرأة ينزل إلي الوحي وأنا في لحافها ليس عائشة" قالت: فقلت: لا جرم والله لا أوذيك فيها أبدا، لا تضاد بينه وبين حديث توبة كعب أنها نزلت وهو ﷺ عند أم سلمة لأنه يحتمل أن يكون أنزل عليه ذلك من توبتهم في ليلتها وبينها وهو في غير لحافها.
стр. 1058
في نفي شك إبراهيم ﵇
روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "نحن أحق بالشك من إبراهيم ﵇ إذ قال: رب أرني كيف تحيي الموتى ويرحم الله لوطا لقد كان يأوى إلى ركن شديد ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي"، يعني: إذا كنا لا نشك فإبراهيم أحق أن لا يشك فالمراد به نفي الشك عنه. قوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ بإجابة طلبتي، وقوله: "ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد" لقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ أي: كقوة أهل الدنيا التي يتناصف بها
стр. 1059
بعضهم من بعض ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ من أركان الدنيا ومنعة قومه ولهذا ما بعث نبي بعده إلا في ثروة من قومه وقد كان له من الله الركن الشديد ولكنه ربما أخر عقوبات بعض المذنبين إذ كان لا يخاف الفوت إلى أن يجئ وقت نزوله في مشيئته كما فعل بآل فرعون وغيرهم ممن عصى وعاند الرسل وقوله: "ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي" للاستراحة من السجن ولكنه قال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ﴾ الآية والحق أن ذلك منه كان على التواضع لله أو قبل أن يعلمه الله تعالى بفضله على جميع الأنبياء والمرسلين.
стр. 1060
في النهي عن قوله: خبثت نفسي
روي أن رسول الله ﷺ قال: "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا نام"، الحديث إلى قوله: "وإلا أصبح خبيث النفس كسلان"، وروي عنه أنه قال: "لا يقل أحدكم خبثت نفسي وليقل لقست نفسي"، وذلك لأن الخبث هو الفسق منه قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ فيكره أن يصف الإنسان نفسه بذلك من غير موجب كترك الصلاة واختيار النوم عليها وروي وإلا أصبح لقس النفس كسلان واللفظان سواء في اللغة وهي الشراسة وسوء الخلق، الصحيح الفرق بينهما على ما في الحديث والله أعلم.
стр. 1061
في وعد النبي ﷺ أم سلمة هدية النجاشي
لما تزوج ﷺ أم سلمة قال لها: "إني قد أهديت للنجاشي أواقي من مسك وحلة وإني لا أراه إلا قد مات ولا أرى الهدية التى أهديت إليها إلا سترد إلي فإذا أردت فهي لك"، فكان كما قال فلما ردت الهدية أعطى كل امرأة من نسائه أوقية من ذلك المسك وأعطي الباقي أم سلمة وأعطاها الحلة، قال منكر هذا الحديث: قد تحقق النبي ﷺ بموت النجاشي حتى نعاه
стр. 1062
للناس يوم مات فيه وصلى عليه فكيف يقول: "لا أراه إلا قد مات"، وفيه الوعد بالكل لأم سلمة فكيف يعطيها بعضها وفيه خلف بعض الوعد وحاشاه من ذلك والجواب أنه يحتمل أن يكون الموعد قبل موته فلما مات أعلمه الله تعالى بموته فنعاه وصلى عليه ويحتمل أن يكون أنفذ عدته لأم سلمة فلم تقبلها إلا بإشراك بقية نسائه معها كراهية الاستئثار بها لجلالة رتبتها وحسن عشرتها كما فعل الأنصار لما أقطع لهم من البحرين قالوا: لا تفعل حتى تقطع لإخواننا من المهاجرين.
стр. 1063
النهي عن قوله: تعس الشيطان
عن أبي المليح عن أبيه قال: كنت رديف النبي ﷺ فعثر بعيري فقلت: تعس الشيطان فقال ﷺ : "لا تقل تعس الشيطان فإنه يعظم حتى يصير ملء البيت ويقول بقوتي صرفته ولكن قل: بسم الله فإنه يصغر حتى يصير مثل الذبابة".
وعن عثمان بن أبي العاص قلت: يا رسول الله إن الشيطان يأتيني فيلبس علي قراءتي فقال: "ذلك يقال له: خنزب فإذا أتاك فأخسئه"، ففعلت فذهب عني، الناس إنما أمروا بالاستعاذة من الشيطان فيما جعل له سلطان عليهم وهي الوسوسة لتحبيب الشر وتكريه الخير وانساء ما يذكرون وتذكير ما ينسون وأما إعثار دوابهم وإهلاك أموالهم فلا سبب له فيها فنهوا عن الدعاء عليه وعند ذلك لأنه يوهم أن الفعل كان منه ببعيره حتى سقط والواقع بخلافه والتعس السقوط.
стр. 1064
في قوله: لا تكون مائة سنة وعلى الأرض عين تطرف
جاء عقبة بن مسعود١ إلى علي بن أبي طالب فقال له: يا فريح٢
стр. 1065
أما أنك تعي الناس فقال: أما أني أخبرهم أن الآخر فالآخر شر قال: فحدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ يقول في المائة قال: سمعته يقول: "لا تكونن مائة سنة وعلى الأرض عين تطرف" قال: اخطأت واخطأت في أول فتواك١ إنما قال ذلك لمن هو يومئذ وهل الرجاء والفرح٢ إلا بعد المائة، تأول علي ابن أبي طالب بأن المراد فناء ذلك القرن بغير نفي منه أن يخلفهم قرون إلى يوم القيامة لأن العيان يدفع فناء الناس جميعا لأن فيه انقراض الدنيا فإن قيل كان في التابعين مخضرمون ممن كان في الجاهلية وبقي في الإسلام حتى جاوزوا هذه المدة منهم أبو عثمان النهدي قال: أتت علي ثلاثون ومائة سنة ما من شيء إلا نقص سوى أملي ومنهم سويد بن غفلة توفي وهو ابن تسع وعشرين ومائة سنة ومنهم زر بن حبيش توفي وهو ابن اثنتين وعشرين ومائة سنة قد قيل: أن أبا عثمان النهدي توفي وهو ابن أربعين ومائة فالجواب أن ما كان من رسول الله ﷺ يحتمل أن يكون أراد به ممن كان أتبعه لا ممن سواهم ويحتمل أن يكون وفاة هؤلاء المعمرين في المائة السنة التي ذكرها رسول الله ﷺ قبل خروجها وهو أولى ما حمل عليه٣.
стр. 1066
في الكذب على النبي ﷺ
روي مرفوعا: "من كذب علي متعمدا، وجاء من كذب علي مطلقا، وجاء من قال علي كذبا، وجاء من حدث عني كذبا فليتبوأ مقعده من النار"، ذكر التعمد إنما هو على التوكيد كما يقال: فعلت كذا بيدي ونظرت إلى كذا بعين وسمعت بأذني لأن الكذب لا يكون إلا بالتعمد١ وهذا كقوله تعالى:
стр. 1067
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ و ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية في أنها لا تكون إلا على التعمد فلا يكون كاذبا ولا زانيا ولا سارقا ولا محاربا إلا بقصده ذلك وإنما يختلف العمد وغيره في مثل القتل، وروي: من كذب علي متعمدا ليضل الناس به، وهو منكر غير صحيح ولو صح فالمراد به التأكيد أيضا مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ وذكر في سائر المواضع في القرآن بغير ذكره معه هذه الزيادة والله أعلم والمشيئة في ذكره وتركه١ وروى من حدث علي٢ حديثا يرى أنه كاذب فهو أحد الكاذبين، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ والقول عن الرسل قول على الله والحق هنا كهو في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ فكل من شهد بظن شهد بغير حق إذا لظن لا يغني من الحق شيئا فكذا من حدث عن النبي ﷺ بالظن حدث عنه بغير حق فكان باطلا والباطل كذب فهو أحد الكاذبين عليه الداخلين في قوله: "من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار" ونعوذ بالله من ذلك.
стр. 1068
في السنين الجوادع
روي مرفوعا أن أمام الدجال سنون جوادع يكثر فيها الظن ويقل فيها التثبت يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق يؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين وينطق الرويبضة قيل: وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال:
стр. 1069
"الفوسق يتكلم أمر العامة"، يحتمل أن يكون لا يؤبه له لحموله لفسقه فلا يمكنه الكلام في أمر العامة ثم يمكنه ذلك في الدهر المذموم.
стр. 1070
في الساعة
عن أنس سأل رجل رسول الله ﷺ عن الساعة فقال: "ما أعددت لها؟ " قال: أحب الله ورسوله قال: "أنت مع من أحببت"، وعن عائشة كان الأعراب يجيئون ويسألون رسول الله ﷺ متى الساعة متى الساعة؟ فنظر إلى أحدهم فقال: "أن بقي هذا لم يقبله الهرم حتى تقوم عليه ساعته"، لما سألوا عما قد أخفى الله عنه حقيقته أجابهم بما أجابهم انتهاء لما أمره به ربه من الانتهاء إليه بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ الآية.
стр. 1071
في من أحسن في الإسلام
روى مرفوعا "من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر" أي من أسلم في زمن الإسلام ومن كفر في زمن الإسلام المراد بالحسنة والسيئة هنا الإسلام والكفر كقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ فلا يضاد ما روي أن الإسلام يجب ما قبله والهجرة تجب ما قبلها.
стр. 1072
في صدق أبي ذر
روي مرفوعا "ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر" أي أنه في أعلى مراتب الصدق فلا ينتفي بذلك أن يكون في الصحابة من هو في الصدق مثله وإنما ينتفي به أن يكون غيره في مرتبة الصدق أعلى منها.
стр. 1073
في الأمر والنهي
روي مرفوعا "إذا نهيتكم عن الشيء فانتهوا عنه وإذا أمرتكم بأمر فافعلوا
стр. 1074
منه ما استطعتم"، المنهيات يمكن تركها لكل أحد والمأمورات قد يمكن فعلها وقد لا تستطاع فلم يكلفوا إلا بما يطيقونه منها إذا التكليف بحسب الوسع والطاعة بقدر الطاعة قال عبد الله بن عمر: كنا إذا بايعنا على السمع والطاعة كان ﷺ يقول لنا: فيما استطعتم فهذا هو الفرق بين أمره ونهيه وذلك لأن الأمر بالشيء استدعاء لفعله وفعل الشيء بعينه قد يعجز عنه فأمر أن يأتي بما استطاع منه والنهي استدعاء لتركه وتركه بفعل ضده أو أضداده من غير تعيين فلا يتصور العجز عنه.
стр. 1075
في كسب الإماء
روي مرفوعا النهي عن كسب الإماء يعني: الكسب المذموم بدليل قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ قيل: هو الصلاح وقيل: اكتساب المال، وروى أنه نهى كسب الأمة إلا أن يكون لها عمل واصب أو كسب يعرف، فالمنهي الكسب المذموم لا المحمود فإن قيل: هل يجوز أن يضاف إلى كل الإكساب ويراد به الخصوص؟ قلنا: إن الأشياء إذا كثرت اعدادها واتسعت جاز أن يضاف إلى كلها ويراد به بعضها كقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ والمراد بعض القوم لا المصدق منهم وكذا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ والمرد المصدقين منهم لا المكذبين.
стр. 1076
في أن الله لا يمل
روي مرفوعا "خذوا من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا وإن أحب الأعمال إلى الله مادام منها وإن قل". يعني: أن الله لا يمل إذا مللتم لأن الملل ليس من صفاته سبحانه وهذا كما يوصف الرجل بالبراعة والفصاحة فيقال: أنه لا ينقطع عن خصومه حتى ينقطعوا ليس المراد وصفه بالانقطاع بعد انقطاع خصومه فكذا هذا يعني: أنكم تملون وتنقطعون والله تعالى بعد مللكم وانقطاعكم على الحال التي كان عليها قبل ذلك من انتفاء الملل والانقطاع.
стр. 1077
في تعبير الظلة في المنام
عن ابن عباس أن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني أرى الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل فأرى الناس يتكففون منها بأيديهم فالمستكثر والمستقل وأرى سببا واصلا من السماء إلى الأرض فأراك أخذت به فعلوت ثم أخذ به رجل من بعدك فعلا ثم أخذ به رجل آخر فعلا ثم أخذ به رجل آخر فانقطع ثم أنه وصل له فعلا قال أبو بكر: يا رسول الله بأبي أنت لتدعني فلأعبرنه قال رسول الله ﷺ : "أعبر" قال أبوبكر: أما الظلة فظلة الإسلام وأما الذي تنطف السمن والعسل فحلاوته ولينه وأما ما يكتكفف الناس من ذلك فالمستكثر من القرآن والمستقل وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه فأخذته فيعليك الله ثم أخذ به رجل من بعدك فيعلو به ثم يأخذ رجل آخر فيعلو به ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع ثم يوصل له فأخبرني يا رسول الله بأبي أنت أصبت أم أخطأت؟ فقال رسول الله ﷺ : "أصبت بعضا وأخطأت بعضا" قال: فوالله يا رسول الله لتخبرني بالذي أخطأت فقال: "لا تقسم". الخطأ في تعبيره هو أن جعل السمن والعسل شيئا واحدا وهما عند أهل العبارة شيئان مختلفان من أصلين مختلفين يؤيده ما روي أن عبد الله بن عمرو بن العاص رأى في المنام كان في إحدى أصبعيه عسلا وفي الأخرى سمنا فكأنه يلعقهما فأصبح فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "تقرأ الكتابين التوراة والفرقان" قال: فكان يقرؤهما وقوله: "لا تقسم" ليس لكراهة القسم لأنه مباح في كتاب الله وعلى لسان رسوله بل لأنه أقسم عليه وليخبره بحقيقة الخطأ من حقيقة الصواب وذلك غير موكول إليه لأن العبارة إنما هي بالظن والتحري لا بما سواهما قال تعالى: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾ يعني: قال يوسف للذي ظن أنه ناج منهما فكان تعبير رسول الله ﷺ من هذا الجنس أيضا فهذا هو المعنى في
стр. 1078
نهيه إياه عن القسم، يؤيده أن أبا بكر الصديق قد أقسم بعد رسول الله ﷺ على عمر بن الخطاب إذ عزم على الخروج للشام فقال له الناس: اتدع عمر يخرج إلى الشام وهو ههنا يكفيك الشام؟ فقال: أقسمت عليك لما خرجت فلو كان نهي النبي ﷺ إياه عن القسم كراهية اليمين لما أقسم على عمر وكان القسم من الصحابة مشهورا لا ينكر على من أقسم.
قال القاضي أبو الوليد: سمعت شيخي أن أبا بكر أصاب في تعبيره جميعا وأن خطأه كان في تقدمه بين يدي رسول الله ﷺ بالعبارة لها وسؤاله أن يبيح له ذلك وهو تأويل حسن.
стр. 1079
في الغرباء
روي مرفوعا "أن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء" فقيل: من هم يا رسول الله؟ فقال: "النزاع من القبائل"، وفي رواية نزاع الناس، وفي بعض الآثار الذين يصلحون حين يفسد الناس الإسلام طرأ على أشياء ليست من أشكاله فكان بذلك معها غريبا كما يقال لمن نزل على قوم لا يعرفونه: أنه غريب بينهم ثم أنه يعود كذلك فيكون من نزع عما عليه الجملة المذمومة إلى ما كانت الجملة المحمودة غريبا بينهم ومن ذلك ما روي عن ابن العاص أنه قال: ليأتين على الناس زمان يجتمعون في المساجد وليس فيهم مؤمن.
стр. 1080
في أهل البيت
روي أن رسول الله ﷺ قال لما نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ دعا عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: "اللهم هؤلاء أهلي"، وروي أنه جمع فاطمة والحسن والحسين ثم أدخلهم تحت ثوبه ثم جأر إلى الله تعالى: رب هؤلاء أهلي قالت أم سلمة: يا رسول الله فتدخلني معهم قال: "أنت من أهلي" يعني: من أزواجه كما في حديث الإفك: من يعذرني من رجل بلغني إذاه في أهلى لا أنها أهل
стр. 1081
الآية المتلوة في هذا الباب. يؤيده ما روي عن أم سلمة أن هذه الآية نزلت في بيتي فقلت: يا رسول الله ألست من أهل البيت؟ قال: "أنت على خير إنك من أزواج النبي وفي البيت علي وفاطمة والحسن والحسين".
وما روي أيضا عن واثلة بن الأسقع أنه قال: أتيت عليا فلم أجده فقالت فاطمة: انطلق إلى رسول الله ﷺ يريده قال: فجاء مع رسول الله ﷺ فدخلا ودخلت معهما فدعا رسول الله ﷺ الحسن والحسين وأقعد كل واحد منهما على فخذه وأدنى فاطمة من حجره وزوجها ثم لف عليهم ثوبا وأنا منتبذ ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ ثم قال: "اللهم هؤلاء أهلي اللهم هؤلاء أهلي إنهم أهل حق" فقلت: يا رسول الله وأنا من أهلك؟ قال: "وأنت من أهلي" - قال واثلة: فإنها من أرجى ما نرجو وواثلة أبعد من أم سلمة لأنه ليس من قريش وأم سلمة موضعها من قريش موضعها فكان قوله ﷺ لو اثلة: "أنت من أهلي" لاتباعك إياي وإيمانك بي وأهل الأنبياء متبعوهم يؤيده قوله تعالى لنوح: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ فكما حرج ابنه بالخلاف من أهله فكذلك يدخل المرء في أهله بالموافقة على دينه وإن لم يكن من ذوي نسبته والكلام لخطاب أزواج النبي ﷺ تم عند قوله: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ استئناف تشريعا لأهل البيت وترفيعا لمقدارهم ألا ترى أنه جاء على خطاب المذكر فقال: عنكم ولم يقل: عنكن فلا حجة لأحد في إدخال الأزواج في هذه الآية، يدل عليه ما روي أن رسول الله ﷺ كان إذا أصبح أتى باب فاطمة فقال: "السلام عليكم أهل البيت ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ .
стр. 1082
في الغول
روي عن أبي أيوب أنه كان في سهوة له فكانت الغول تجئ فتأخذ فشكا ذلك إلى النبي ﷺ فقال له: "إذا رأيتها فقل: بسم الله أجيبي رسول الله" فأخذها فحلفت أن لا تعود فجاء إلى النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ : "ما فعل أسيرك"؟ قال: حلف أن لا يعود قال: "كذبت وهي عائدة" ففعل ذلك مرتين أو ثلاثا كلما أخذها حلفت أن لا تعود وتكذب فأخذها فقالت له: إني أعلمك شيئا إذا فعلته لم يقربك شيء آية الكرسي تقرأها فأتى النبي ﷺ فقال: "ما فعل أسيرك"؟ فقال: قالت: آية الكرسي اقرأها فإنه لا يقربك شيء فقال ﷺ : "صدقت وهي كذوب"، فيه إثبات الغول وقد روى جابر مرفوعا "لا غول ولا صفر ولا شؤم" ليس بينهما تضاد لأنه يحتمل أنه كان ثم رفعه الله عن عباده وهذا أولى ما حملت عليه الآثار المروية في هذا وفيما أشبهه ما وجدنا السبيل إلى ذلك.
стр. 1083
في أهل فارس
روي مرفوعا لو كان الإيمان بالثريا أو لو كان الدين بالثريا لنا له أبناء فارس أولنا له رجال من فارس أو رجال من الفرس، وبعض الرواة قال: رجال من الأعاجم أو رجال من الفرس على الشك، وروي مثل ذلك في العلم، روي أبو هريرة ويل للعرب من شر قد اقترب أفلح من كف يده تفرقوا١ يا بني فروخ إلى الذكر فإن العرب قد أعرضت عنه والله والله إن منكم لرجالا لو أن العلم بالثريا لنالو هذا على طريق المثل كما يقول الرجل لصاحبه: أنت مني كالثريا يريد في البعد وأنت نصب عيني يريد في القرب لأن الثريا لا دين ولا إيمان ولا علم بها ويحتمل أنه لو كان لابد من الوصول إليه بسبب يجعله الله بلطيف حكمته لمن خلقه للإيمان لأن أهل فارس من أشد الناس طلبا له.
стр. 1084
في أهل اليمن
روي مرفوعا "أتاكم أهل اليمن هم الين قلوبا وأرق أفئدة الإيمان يمان والحكمة يمانية" قيل المراد بهم أهل تهامة وهو قول سفيان بن عيينة ولا يصح لأن أكثرهم من مضر وروي أنه صلى الله عيه وسلم أشار بيده نحو اليمن فقال: "الإيمان ههنا ألا وأن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين أصحاب الإبل حيث يطلع قرن الشيطان في ربيعة ومضر"، فدل أن المضاف إليهم الإيمان والحكمة والفقه أضدادهم الذين ليسوا من ربيعة ولا من مضر.
وروي أنه ﷺ قال لعيينة بن بدر: "أنا أفرس بالخيل منك" فقال عيينة: إن تكن أفرس بالخيل فأنا أفرس بالرجال منك قال: وكيف؟ قال: أن خير رجال لبسوا البرود ووضعوا سيوفهم على عواتقهم وعرضوا الرماح على مناسج خيولهم رجال نجد فقال ﷺ : "كذبت بل هم أهل اليمن الإيمان يمان آل لخم وجذام وعاملة ومأكول حمير"، الحديث.
وروي أيضا أنه قال: "ليأتين أقوام تحقرون أعمالكم مع أعمالهم" قلنا: من هم يا رسول الله أقريش؟ قال: "لا أهل اليمن هم أرق أفئدة والين قلوبا" فقلنا: هم خير منا يا رسول الله؟ فقال: "لو كان لأحد هم جبل من ذهب فأنفقه ما أدرك مد أحدكم ولا نصيفه وإن فصل ما بيننا وبين الناس هذه الآية ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ " الآية وفي هذا ما يدل على خلاف ما ذهب إليه ابن عيينة وقال ﷺ : "يقدم قوم هم أرق منكم أفئدة" فقدم الأشعريون فيهم أبو موسى فجعلوا يرتجزون ويقولون:
غدا نلقي الأحبة ... محمدا وحزبه
فدل على أن أهل اليمن المرادون هم الأشعريون وأمثالهم القادمون من حقيقة اليمن دون من سواهم.
وروى أن أبا عبيدة بن الجراح قال: يا رسول الله أجد خير منا أسلمنا معك وجاهدنا معك؟ قال: "نعم قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني"،
стр. 1085
وعن أبي سعيد الخدري خرجنا مع رسول الله صلى الله عيه وسلم عام الحديبية فقال: "ليأتين أقوام تحقرون أعمالكم" الحديث إلى قوله: ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ﴾ الآية- وروى أنه قيل لرسول الله ﷺ : أي أمتك خير؟ قال: "أنا واقراني" قال: قلنا: ثم ماذا؟ قال: "ثم القرن الثاني" قال: قلنا: ثم ماذا؟ قال: "القرن الثالث" قال: قلنا؟ ثم ماذا؟ قال: "ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون ويحلفون ولا يستحلفون ويؤتمنون ولا يؤدون"، يحتمل أن يكون المراد بالحديث الأول قوم تقدم إيمانهم وحال بينهم وبين الإتيان إليه ﷺ مانع من العدو وغيره ثم أتوه بعد ذلك فلحقوا بمن تقدمهم في الإتيان إليه وفي القتال معه وكان ذلك قبل الفتح المذكور في الآية فتساووا جميعا عند التصديق له بظهر الغيب فإنهم فضلوا بذلك من آمن به وكان معه يرى إقامة الله الحجج التي لا يتهيأ لذي فهم إنكارها والخروج عنها فلا معارضة بينه وبين الحديث الآخرولا خارجا عن الآية المذكورة والله أعلم غير أن هذا أما بلغه فهمنا منه؟
стр. 1086
في أبي بن كعب وزيد بن ثابت ومعاذ ابن جبل
روي عن النبي ﷺ من قوله: اقرأهم- يعني من أمته- لكتاب الله أبي بن كعب وأفرضهم زيد بن ثابت وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ليس في هذا الحديث ما يوجب كونهم فوق الخلفاء الراشدين وفوق إجلاء الصحابة فيما ذكروا به وإنما المعنى إن من جلت رتبته في معنى من المعاني جاز أن يقال: أنه أفضل الناس في ذلك العنى وإن كان فيهم مثله أو من هو فوقه من ذلك ما روي أن رسول الله ﷺ قال لعلي: "يقتلك أشقاها" يعني: البرية فقتله عبد الرحمن بن ملجم وكان من أهل التوحيد وأشقى منه المشرك ولكن لعظيم جرمه وفتكه في الإسلام ما فتكه أطلق عليه الأشقى ومنه ما روي في وصف الخوارج بالصلاة والصوم ثم قال: "إنهم يمرقون من
стр. 1087
الدين مروق السهم من الرمية هم شرار الخلق والخليقة" مع علمنا أن المشرك وقاتل الأنبياء والقائل بأن له ولدا وصاحبة شر من هؤلاء وكذلك يجوز إطلاق القول فيمن برع في العلم أنه أعلم الناس وإن كان لا يعرف جميعا ولا مقدار علومهم.
стр. 1088
في سباب المسلم وقتاله
روى مرفوعا "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" الفسوق الخروج عن الأمر المحمود إلى الأمر المذموم منه قوله تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ وأما قتاله ليس بكفر بالله حتى يكون مرتدا ولكنه على تغطية إيمانه واستهلاكه إياه لأنه بقتله أخاه لا يصير كافرا فبقتاله أولى ومنه قوله: "يكفرن العشير ويكفرن الإحسان" أي: يغطينه فيسترنه ومنه ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ ومنه ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ نزلت في شيء وقع بين الأوس والخزرج إنما كان على معنى تغطيتهم ما كانوا عليه من الأخوة والائتلاف.
стр. 1089
في النملة والنحلة والهدهد والصرد
روى مرفوعا "أربع من الدواب لا يقتلن النملة والنحلة والهدهد والصرد" وروى نهي رسول الله ﷺ عن قتل أربع النملة الحديث، وذلك لأن الهدهد لا يؤكل ولا مضرة منه على الناس فكان قتله عبثا، روى من قتل عصفورة فما فوقها بغير حقها سأله الله عن قتلها قيل: يا رسول الله وما حقها؟ قال: "تذبحها فتأكلها ولا تقطع رأسها فترمي بها"، وروي ما قتل عصفور قط عبثا فما فوقه إلا عج إلى الله يوم القيامة فلان قتلني فلا هو انتفع بي ولا هو تركني فأعيش في حشاراتها. وكذلك قاتل الصرد لا يقدر أن يجمع من أشكاله ما يتهيأ له ينبسط في أكل لحومها فيعود إلى العبث الموعود عليه وأما النحلة فقتلها قطع لمنافعها وعدم الانتفاع بها فزاد جرم
стр. 1090
قاتلها على جرم قاتل الهدهد والصرد وأما النملة فلا منفعة معها ولا مضرة وورد أن نملة قرصت نبيا من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله إليه أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح.
وروى مرفوعا خرج نبي من الأنبياء بالناس يستسقون الله تعالى فإذا هم بنملة رافعة بعض قوائمها فقال النبي ﷺ : "ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل هذه النملة". فمن قتل ما هذا سبيله فقد قطع المعنى المحمود منه ودخل تحت الوعيد المذكور، وروي في النملة إباحة قتلها إذا آذت لما روي نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة فأمر بجهازه فخرج من تحتها فأوحى هلا١ أخذت نملة واحدة، وفي قوله: "أربع لا يقتلن" دليل على أن غيرهن ليس في معناهن للحصر في العدد وقوله: نهى عن قتل أربع وإن لم يكن فيه حصر لكن المقصود بالنهي قتلهن فقط حيث لم يعطف عليهن غيرهن.