في أبي بن كعب وزيد بن ثابت ومعاذ ابن جبل
روي عن النبي ﷺ من قوله: اقرأهم- يعني من أمته- لكتاب الله أبي بن كعب وأفرضهم زيد بن ثابت وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ليس في هذا الحديث ما يوجب كونهم فوق الخلفاء الراشدين وفوق إجلاء الصحابة فيما ذكروا به وإنما المعنى إن من جلت رتبته في معنى من المعاني جاز أن يقال: أنه أفضل الناس في ذلك العنى وإن كان فيهم مثله أو من هو فوقه من ذلك ما روي أن رسول الله ﷺ قال لعلي: "يقتلك أشقاها" يعني: البرية فقتله عبد الرحمن بن ملجم وكان من أهل التوحيد وأشقى منه المشرك ولكن لعظيم جرمه وفتكه في الإسلام ما فتكه أطلق عليه الأشقى ومنه ما روي في وصف الخوارج بالصلاة والصوم ثم قال: "إنهم يمرقون من
стр. 1087
الدين مروق السهم من الرمية هم شرار الخلق والخليقة" مع علمنا أن المشرك وقاتل الأنبياء والقائل بأن له ولدا وصاحبة شر من هؤلاء وكذلك يجوز إطلاق القول فيمن برع في العلم أنه أعلم الناس وإن كان لا يعرف جميعا ولا مقدار علومهم.
стр. 1088
في سباب المسلم وقتاله
روى مرفوعا "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" الفسوق الخروج عن الأمر المحمود إلى الأمر المذموم منه قوله تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ وأما قتاله ليس بكفر بالله حتى يكون مرتدا ولكنه على تغطية إيمانه واستهلاكه إياه لأنه بقتله أخاه لا يصير كافرا فبقتاله أولى ومنه قوله: "يكفرن العشير ويكفرن الإحسان" أي: يغطينه فيسترنه ومنه ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ ومنه ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ نزلت في شيء وقع بين الأوس والخزرج إنما كان على معنى تغطيتهم ما كانوا عليه من الأخوة والائتلاف.
стр. 1089
في النملة والنحلة والهدهد والصرد
روى مرفوعا "أربع من الدواب لا يقتلن النملة والنحلة والهدهد والصرد" وروى نهي رسول الله ﷺ عن قتل أربع النملة الحديث، وذلك لأن الهدهد لا يؤكل ولا مضرة منه على الناس فكان قتله عبثا، روى من قتل عصفورة فما فوقها بغير حقها سأله الله عن قتلها قيل: يا رسول الله وما حقها؟ قال: "تذبحها فتأكلها ولا تقطع رأسها فترمي بها"، وروي ما قتل عصفور قط عبثا فما فوقه إلا عج إلى الله يوم القيامة فلان قتلني فلا هو انتفع بي ولا هو تركني فأعيش في حشاراتها. وكذلك قاتل الصرد لا يقدر أن يجمع من أشكاله ما يتهيأ له ينبسط في أكل لحومها فيعود إلى العبث الموعود عليه وأما النحلة فقتلها قطع لمنافعها وعدم الانتفاع بها فزاد جرم
стр. 1090
قاتلها على جرم قاتل الهدهد والصرد وأما النملة فلا منفعة معها ولا مضرة وورد أن نملة قرصت نبيا من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله إليه أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح.
وروى مرفوعا خرج نبي من الأنبياء بالناس يستسقون الله تعالى فإذا هم بنملة رافعة بعض قوائمها فقال النبي ﷺ : "ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل هذه النملة". فمن قتل ما هذا سبيله فقد قطع المعنى المحمود منه ودخل تحت الوعيد المذكور، وروي في النملة إباحة قتلها إذا آذت لما روي نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة فأمر بجهازه فخرج من تحتها فأوحى هلا١ أخذت نملة واحدة، وفي قوله: "أربع لا يقتلن" دليل على أن غيرهن ليس في معناهن للحصر في العدد وقوله: نهى عن قتل أربع وإن لم يكن فيه حصر لكن المقصود بالنهي قتلهن فقط حيث لم يعطف عليهن غيرهن.
стр. 1091
في الكبائر
قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية من فضل الله ونهاية كرمه تكفير السيئات باجتناب الكبائر والوعد بإدخالهم مدخلا كريما بلا عمل كان منهم فوجب ذلك لهم بوعده وجوده فمن الكبائر ما روي عن ابن مسعود قلت: يا رسول الله أي الذنب أكبر؟ قال: "أن تجعل لخالقك ندا وقد خلقك" قلت: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك" قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك"، ثم نزل القرآن تصديقا له ﷺ ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ فظهر أن الثلاثة من الكبائر وأكبرها الشرك ثم قتل الولد ثم المزاناة بحليلة الجار.
وروي عن عبد الله بن عمرو قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه
стр. 1092
وسلم فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: "الإشراك بالله" قال: ثم ماذا؟ قال: "عقوق الوالدين" قال: ثم ماذا؟ قال: "اليمين الغموس"، فكان جواب رسول الله ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص أن الشرك أكبر الكبائر ثم العقوق ثم الغموس فاحتمل أن يكون قتل الولد وعقوق الوالدين في درجة والغموس ومزاناة حليلة الجار في درجة تتلوها توفيقا بين الحديثين ويكون أجاب النبي ﷺ ابن مسعود بأحدهما واجبا عبد الله بن عمرو بن العاص بالآخر منهما ومثل هذا من صحيح الكلام يقال: فلان من أشجع الناس فيقال: ثم من؟ فيقول: فلان لآخر ثم هناك آخر مثله قد سكت عنه فلم يذكره فلا تضاد.
وروى عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: قال النبي ﷺ : "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر"؟ قالوا: بلى قال: "الإشراك بالله وعقوق الوالدين قال: وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور" - شك الجريري أحد رواة الحديث- فما زال يقولها حتى قلنا ليته سكت، فكان الذي في هذا الحديث في الدرجة الأولى من الكبائر كالذي فيها في الحديثين كما يقال: من أشجع الناس؟ فيقول: فلان وفلان وأحدهما في الشجاعة فوق الآخر.
وروى أبو أمامة عن عبيد الله بن أنس عن النبي ﷺ قال: "إن من أكبر الكبائر الشرك بالله وعقوق الوالدين واليمين الغموس وما حلف حالف بالله يمين صبر فادخل فيها مثل جناح بعوضة إلا كانت نكتة في قلبه يوم القيامة".
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "اجتنبوا السبع الموبقات" قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: "الشرك بالله والسحر وقتل النفس المحرمة إلا بالحق وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف الغافلات المؤمنات"، ولم يذكر غير هذه الستة وسقط فيه السابع وليس في حديث أبي هريرة تغليظ بعضها على بعض فهي مرتبة على حديث ابن مسعود وابن عمر
стр. 1093
وروى أبو أيوب الأنصاري أنه قال: من مات يعبد الله ولا يشرك به شيئا ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم رمضان ويجتنب الكبائر فله الجنة فسأله رجل ما الكبائر؟ فقال: الإشراك بالله وقتل النفس التي حرم الله والفرار يوم الزحف.
وسأل رجل من الصحابة يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: "تسع أعظمهن الإشراك بالله وقتل المؤمن بغير حق وفرار يوم الزحف والسحر وأكل مال اليتيم وأكل الربا وقذف المحصنة وعقوق الوالدين واستحلال بيت الله الحرام قبلتكم أمواتا وأحياء" ثم قال: "لا يموت رجل لم يعمل هذه الكبائر ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة إلا وافق محمدا ﷺ في دار محبوبة مصاريعها من ذهب".
وروى عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من الكبائر شتم الرجل والديه" قالوا: يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: "نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه"، وموضعه موضع العقوق فيما تقدم.
وقد روى أن الكبائر من أول سورة النساء إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية وفي هذا زيادة على ما ذكرنا ويحتمل أن لا تكون كبائر سواها ويحتمل أن تكون سواها لم يطلع الله تعالى عباده عليها ليكونوا على حذر من الوقع فيها بالاحتراز عن السيئات كلها خوفا من الوقوع في الكبائر وذلك من نحو ما روى مرفوعا الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فلم يبينها ليجتنب الشبهات كلها ومن هذا المعنى إبهام ليلة القدر ليجتهدوا في العمل رجاء موافقتها.
وعن ابن العاص قال رسول الله ﷺ : "أن أكبر الذنب- وفي رواية أن أكبر الكبائر- أن يسب الرجل والديه" قيل: يا رسول الله وكيف يسب والديه؟ قال: "يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه"، وهذا يبعد أن يكون من أكبر الكبائر لأن الشرك أكبر من ذلك.
стр. 1094
وعنه جاء أعرابي فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: "الإشراك بالله" قال: ثم ماذا؟ قال: "ثم عقوق الوالدين" قال: ثم ماذا؟ قال: ثم "اليمين الغموس"، وكلا الحديثين بإسناد لا طعن فيه ولا استرابة بأحد من رواته.
فعاد بذلك أكبر الكبائر الإشراك بالله ثم عقوق الوالدين تاليا للشرك ولكن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق أكبر من العقوق لا سيما الإبن الذي جعل الله له من الحق عليه رزقه وكسوته وإن الزنا أكبر من ذلك أيضا لا سيما الزنا بحليلة الجار فعاد الأمر إلى أن أكبر الذنوب الشرك ثم يتلوه قتل النفس وإن تفاضلت أحوال المقتولين ثم يتلو ذلك الزنا وإن كان بعضه أشد من بعض ثم يتلوه عقوق الوالدين ثم شهادة الزور واليمين الغموس والله أعلم.
стр. 1095
في ثناء الله على العبد
روي مرفوعا " إذا رضي الله عن العبد بالأعمال الصالحة أثنى عليه سبعة أضعاف من الخير لم يعملها" وقال في السخط مثله يعني إذا رضى الله تعالى عن العبد بأعماله الصالحة يثني عليه سبعة أضعاف من الخير لم يعملها مما قد علم الله أنه سيعملها في المستقبل وإن كان قد يعمل من الخير في المستأنف أكثر منها لأنه لم يستوجب الثناء بما لم يعمل بعد فتفضل الله تعالى عليه لمحبته إياه بأن يثنى عليه من ذلك بالعدد المذكور في الحديث والسخط مثل ذلك.
стр. 1096
في القرآن
عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: "لو جعل القرآن في إهاب ثم ألقى في النار ما احترق"، يحتمل أن يراد بالإهاب قارئه الذي وعاه ويحتمل الورق الذي يكتب فيه لو ألقى في النار لانتزع الله تعالى منه القرآن تنزيها له حتى يحترق الإهاب خاليا من القرآن والله أعلم بمراد رسول الله ﷺ .
стр. 1097
في الريح والرياح
عن القاسم بن سلام ما كان فيها من الرحمة فإنه جماع وما كان من
стр. 1098
العذاب فإنه على واحدة والأصل فيه قوله ﷺ : "إذا هاجت الريح اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا" حكاه أبو عبيد عن رسول الله ﷺ ولا أصل له وكان اللائق بجلالة قدره أن لا يضيف إلى رسول الله ﷺ ما لا يعرفه أهل العلم بالحديث عنه وقد ذكر الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ فكانت الريح الطيبة رحمة والعاصف عذابا فدل على انتفاء ما رواه أبو عبيد والله يغفر له.
ومن رواية أبي بن كعب مرفوعا "لا تسبوا الريح إذا رأيتم منها ما تكرهون" وقولوا: "اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به ونعوذك من شرها وشر ما فيها وشر ما أمرت به".
وعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا عصفت الريح قال: " اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به" وإذا تجلت السماء تغير لونه وخرج ودخل وأقبل وأدبر فإذا أمطرت سرى عنه فسألته فقال: لعله كما قال قوم عاد ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ الآية وعن أنس مرفوعا أنه كان إذا هاجت ريح شديدة قال ﷺ : "اللهم إني أسألك من خير ما أمرت به وأعوذ بك من شر ما أمرت به".
فدل جميع ما روينا أن الريح قد تأتي بالرحمة وقد تأتي بالعذاب وأنه لا فرق بينهما إلا في الرحمة والعذاب وأنها ريح واحدة لا رياح- وعن وعن ابن عباس مرفوعا نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور، والصبا ريح واحدة والدبور كذلك وروى أن رجلا قرأ: وأرسلنا الريح لواقح فقال عاصم: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ لو كانت الريح لكانت ملقحة فذكر ذلك للأعمش
стр. 1099
فقال: أنه لا تلقح من الرياح إلا الجنوب فإذا تفرقت صارت رياحا وفيما روينا دليل على أن المختار عند اختلاف القراء في الريح والرياح الريح لا الرياح.
стр. 1100
في الغرف والقباب
...
في الغرق والقباب
روى أن العباس ابتنى غرفة فقال له النبي ﷺ : "ألقها" فقال: أنا أنفق مثل ثمنها في سبيل الله فرد النبي ﷺ ثلاث مرات ورد العباس عليه ثلاث مرات محمل الكراهة اتخاذ الغرفة التي يستعلى منها على منازل الناس لقصر منازلهم ويحتمل أن يكون ذلك لكراهية البنيان الذي لا يحتاج إليه علوا كان أو سفلا.
وعن أنس أن رسول الله ﷺ خرج فرأى قبة مشرفة فقال: "ما هذه"؟ فقال له أصحابه: هذه لرجل من الأنصار فسكت وحملها في نفسه حتى إذا جاء صاحبها في الناس أعرض عنه صنع ذلك مرارا حتى عرف الرجل الغضب والإعراض عنه شكا ذلك إلى أصحابه فقال: والله إني لأنكر رسول الله ﷺ وما أدري ما حدث بي وما صنعت قالوا: خرج رسول الله ﷺ فرأى قبتك فقال: "لمن هي"؟ فأخبرناه فرجع الرجل إلى قبته فهدمها حتى سواها بالأرض فخرج رسول الله ﷺ ذات يوم فلم يرها فقال: "ما فعلت القبة التي كانت هنا"؟ فقالوا: شكا إلينا صاحبها إعراضك عنه فأخبرناه فهدمها فقال: "أما أن كل بناء وبال على صاحبه يوم القيامة إلا ما- إلا ما".
ليس المذموم كل بناء وإنما المراد منه ما بني في ظلم واعتداء يدل عليه قوله ﷺ : "من بنى بنيانا في غير ظلم ولا اعتداء أو غرس في غير ظلم ولا اعتداء كان أجره جاريا ما انتفع به أحد من خلق الرحمن"، وهو المستثنى وما روي في حديث اعتزاله لنسائه ﷺ أن عمر استأذن
стр. 1101
عليه وهو في مشربه له وهي الغرفة الحديث بطوله إلى قوله ثم نزل رسول الله ﷺ فنزلت اتشبث في الجذع ونزل رسول الله ﷺ كأنما يمشي على الأرض ومن رواية أبي سريحة أشرف علينا رسول الله ﷺ من غرفة.
فقال: "ما تذكرون وما تقولون"؟ قال: قلنا: يا رسول الله الساعة قال: "أنها لن تقوم حتى تروا عشر آيات خسفا بالمشرق وخسفا بالمغرب وخسفا بجزيرة العرب ويأجوج ومأجوج والدابة والدخان والدجال ونزول عيسى ابن مريم وطلوع الشمس من مغربها ونارا تخرج من قعر عدن تقيل إذا قالوا وتروح معهم إذ راحوا"، وخرجه من طرق لا يضاد ما روينا في أن اتخاذ الغرف والأسافل مباح في غير ظلم ولا اعتداء.
стр. 1102
في الدخان
روي مرفوعا في تفسير قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ ذكر في ذلك ما روي ابن مسعود عن النبي ﷺ أن قريشا استعصت وكفرت فدعا عليهم رسول الله ﷺ فقيل له: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ فأخذتهم سنة حصت عليهم كل شيء حتى العظام والميتة وحتى كان الرجل يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجهد فقالوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ﴾ الآية ثم قرأ ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ فكشف عنهم فعادوا في كفرهم ثم قرأ ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ فعادوا في كفرهم فأخذهم الله يوم بدر ولو كان يوم القيامة لم يكشف عنهم فكان فيه أن الدخان من الآيات التي مضت في عهده ﷺ وروي عن ابن مسعود أنه قال: خمس قد مضين الدخان والقمر والروم واللزام والبطشة الكبرى.
وما روي عن أبي هريرة مرفوعا بادروا بالأعمال فتنا قبل طلوع الشمس من مغربها والدخان والدجال والدابة والقيامة مع ما روينا عن أبي سريحة في
стр. 1103
إباحة الغرف تأويله على أنه دخان آخر لأن الله قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ ثم أتبع ذلك بقوله: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ أي: عقوبة لهم لما هم عليه من الشك واللعب ومحال أن تكون هاتان العقوبتان لغيرهم أو يؤتى بها بعد خروجهم من الدنيا وسلامتهم من ذلك الدخان وإنما سماه دخانا مبينا مجازا وليس بدخان حقيقة وإنما كان سمته قريش دخانا بالتوهم كما روي في قصة الدجال أنه يامر السماء فتمطر ويأمر الأرض فتنبت وليس ذلك بمطر ولا نبات على الحقيقة وإنما يتخيل للناس أنه مطر ونبات ووجه قوله: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ﴾ إن الأشياء التي تحل بالناس من الله تعالى تضاف إلى السماء من ذلك قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ فأخبر أن الأمور التي تكون في الأرض مدبرة من السماء إليها وما ذكر في حديث حذيفة وأبي هريرة من الدخان فهو دخان حقيقي مما يكون بقرب القيامة نسأل الله خير عواقبه في الدنيا والآخرة.
стр. 1104
في الاقتداء بأبي بكر وعمر
روى حذيفة بن اليمان قال رسول الله ﷺ : "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر واهتدوا بهدي عمار وتمسكوا بعهد ابن أم عبد"، الاقتداء بهما هو امتثال ما هما عليه وأن يحذى حذوهما في الدين ولا يخرجوا منه إلى غيره.
والاهتداء بهدي عمار يعني في الأعمال التي يتقرب بها إلى الله لأن الاهتداء هو التقرب إلى الله بالأعمال الصالحة وعمار من أهلها وليس ذلك بمخرج لغيره من الصحابة عن تلك المنزلة لأن القصد بمثل هذا إلى الواحد من أهله لا ينفي بقية أهله أن يكونوا فيه مثله كما يقال موضع فلان من العبادة الموضع الذي ينبغي أن يتمسك به وليس في ذلك ما ينفي أن يكون هناك آخرون في العبادة مثله أو فوقه ممن يجب أن يكونوا في الاهتداء بهم كالاهتداء به فيه ومما يدل على ان الهدى العمل الصالح قوله ﷺ : "إذا رأى رجلا
стр. 1105
يصلي يكثر الركوع والسجود عليكم هديا قاصدا قالها ثلاثا فإنه لن يشاد هذا الدين أحدا إلا غلبه فكان الهدى القاصد في هذا ما يقدر على مداومته من الأعمال الصالحة المتقرب بها إلى الله.
وقوله: "وتمسكوا بعهد ابن أم عبد" مأخوذ من قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ وكان ابن أم عبد منهم روي أنه كان يشبه بالنبي ﷺ في هديه وسمته قال حذيفة: المحفوظ من الصحابة١ أن ابن أم عبد أقربهم إلى الله وسيلة فلما كان بهذه المنزلة من الهدى والدل في الدنيا وقرب الوسيلة في الآخرة كان حريا أن يتمسك بعهده الذي عاهد الله عليه ودام إلى أن توفى ولا يمنع أن يكون في الصحابة من هذه منزلته في الدنيا والأخرى غيره.
стр. 1106
في شرة العابد وفترته
روى مرفوعا "أن لكل عابد شرة ولكل شرة فترة فأما إلى سنة وأما إلى بدعة فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك شرة العابد حدته" فأحب رسول الله ﷺ من العبادة ما دون الحدة التي لا بد لهم من التقصير عنها والخروج منها إلى غيرها وأمرهم بالتمسك من الأعمال الصالحة بما يدومون عليه إلى أن يلقوا ربهم فقد كان أحب الأعمال إليه ﷺ ما يدوم عليه صاحبه. وذكر عند طاوس الاجتهاد فقال: تلك حدة الإسلام وشرته ولكل شرة فترة.
стр. 1107
في استحقاق المجلس
روي مرفوعا "إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به" معناه إذا قام لأمر عرض له على أن يعود إليه وأما إذا قام معرضا ثم بدا له فرجع إليه فلا يكون أحق به.
стр. 1108
المجازاة
روى مرفوعا أن الرجل ليكون من أهل الصلاة والزكاة والحج والعمرة حتى ذكر سهام الحير وما يجزى يوم القيامة إلا بقدر عقله المصلي إذا وفى بما يلزمه من الخشوع والإقبال التام فهو عاقل لصلاته غير غافل عنها وكذلك المزكي إذا اجتهد في المستحقين والصائم إذا ترك الرفث والحنا والغيبة والحاج والمعتمر إذا أقبلا على ما ينبغي وتركا المحظورات فقد عقل ما أتى به ووفى حقه من نفسه وكذلك سائر أعمال البر فكان جزاؤه على قدر تعقله وتوجهه بخلاف من جهله حتى أغفله ولم يوفه ما أمر به من حقه وقيل على قدر عقله أي على قدر معرفته بالله أن أهل الإيمان يتفاضلون في ذلك على قدر معرفته بالله لأن أهل الإيمان يتفاضلون في ذلك على قدر عقولهم مع هداية اله تعالى لهم وشرحه لصدورهم قال تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ فمعرفة الرجل بالله على قدر عقله الذي به يميز الأدبة التي نصبها لمعرفته ويفهم معانيها بتوفيق الله تعالى حتى ثبت الإيمان في قلبه ثبوت الجبال الرواسي وكفى في هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ و ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
стр. 1109
في التغني بالقرآن
روى مرفوعا ما يأذن الله لشيء ما يأذن الله لنبي يتغنى بالقرآن الأذن هنا الاستماع منه ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ أي ما يستمع لشيء ما يستمع لنبي يتغنى بالقرآن من تحسينه به صوتا طلبا لرقة قلبه لما يرجو فيه من ثواب ربه إياه عليه وروي مرفوعا ليس منا من لم يتغن بالقرآن قيل أريد به الاستغناء عن الأشياء كلها فكل الصيد في جوف الفرى ولا يتوجه إلى عاجل خيره في الدنيا وقيل أريد به تحسين الصوت ليرق قلبه فقيل لابن أبي مليكة من لم يكن له خلق حسن قال يحسنه ما استطاع والحمل على الاستغناء أولى لأنه سيق لذم تاركه ومن قرأ القرآن بغير تحسين صوته مريدا بقراءته
стр. 1110
وجه الله متدبرا فيه فهو مثاب غير مذموم اتفاقا.
وما روي أن في زمان الطاعون قال عبس الغفاري يا طاعون خذني إليك ثلاثا فقيل له ألم يقل رسول الله ﷺ : لا يتمنين أحدكم الموت فإنه عند انقطاع عمله لا يرد فيستعتب؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بادروا بالموت ست أمرة السفهاء وكثرة الشرط وبيع الحكم واستخفافا بالدماء وقطيعة الرحم ونشوا يتخذون القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليغنيهم وإن كان أقلهم فقها"، لا يضاد ما روينا لأن النشو المذكور اتخذوا أئمة في الصلوات لصوتهم فقط وليسوا أهلالها إذ السنة تقديم الأعلم ثم الأقدم هجرة ثم الأسن وإن لم يكن لهم حسن الصوت ورغبوا عن ذلك إلى حسن الصوت راغبين عن السنة فذموا فلذا بادر الموت وليس من ذلك من يحسن صوته ليرق قلبه أو قلوب سامعيه في شيء حتى لو اجتمع مستحقان للإمامة وأحدهما حسن الصوت يقدم على الذي ليس معه حسن الصوت فلا تعارض كيف وقد وصفه الله تعالى بأنه لا ينطق عن الهوى وعن عمر بن الخطاب أنه كان إذا رأى أبا موسى قال: ذكرنا يا أبا موسى فيقرأ عنده وكان حسن الصوت.
стр. 1111
في قوله: ليس منا من فعل كذا
روى مرفوعا "من حمل السلاح فليس منا ومن رمانا بالليل فليس منا وليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه وليس منا من غشنا وليس منا من حلق وسلق" يعني تكلم بما لا يحل له من الكلام من، ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ وليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية" وقال في الحيات ما سالمناهن منذ حاربناهن فمن تركهن خيفتهن فليس منا وقال: "من رغب عن سنتي فليس منا ومن حلف بالأمانة فليس منا ومن خبب امرأة امرئ مسلم فليس منا والوتر حق فمن لم يوتر فليس مني" قالها ثلاثا وقال: سيكون أمراء بعدي فمن دخل عليهم وصدقهم على كذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني
стр. 1112
ولست منه ولن يرد علي الحوض ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه وهو وارد علي الحوض وقوله: من وطئ حبلى فليس منا لما اختار الله تعالى لنبيه الأمر المحمود ونفى عنه المذموم كان من عمل الأمور المحمودة منه ومن عمل المذمومة ليس منه كما قال حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقال: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ فدل ذلك على أن كل من يعمل على شريعة نبيه الذي عليه اتباعه فإنه منه ومن عمل عملا تمنع منه شريعته فليس منه لخروجه عما دعاه إليه وعما هو عليه إلى ضد ذلك.
عن ابن سمعود أنزل الله تعالى على رسوله المفصل بمكة فكنا حججا نقرؤه لا ينزل غيره فيه أن الحجرات ليست منه وأنها مدنية لأن فيها النهى عن رفع الصوت عنده ﷺ وإنما كان في الحين الذي ظن ثابت ابن قيس أنها نزلت فيه فأعلمه رسول الله ﷺ بما كان من سبب رجوعه إلى مجلسه ولأن فيها ﴿لا تُقَدِّمُوا﴾ الآية وسبب نزوله اختلاف أبي بكر وعمر في إشارتهما بتولية الأقرع والقعقاع ولأن فيها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾ وسبب نزوله الذي بعثه مصدقا على ما روي من شأنه ولم يبعث مصدقا بمكة ولأن فيها ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ وسبب نزولها ما وقع بين الأوس والخزرج وإذا انتفى أن تكون الحجرات من المفصل كان أوله "ق" ومما يدل عليه سؤال أوس بن حذيفة من الصحابة كيف كنتم تحزبون القرآن؟ قالوا: نحزبه ثلاث سور وخمس سور وسبع سور وتسع سور وإحدى عشرة سورة وثلاث عشرة سورة وحزب المفصل فنظرنا فيه فإذا ثلاث سور من أول القرآن البقرة وآل عمران والنساء والخمس المائدة والأنعام والأعراف والأنفال وبراءة والسبع يونس وهود ويوسف والرعد وإبراهيم والحجر والنحل والتسع بنو إسرائيل والكهف ومريم وطه
стр. 1113
والأنبياء والحج والمؤمنون والنور والفرقان والإحدى عشرة الطواسين والعنكبوت والروم ولقمان والسجدة والأحزاب وسبأ وفاطر ويس والثلاثة عشر الصافات وصاد والزمر وحم يعني آل حم وسورة محمد ﷺ والفتح والحجرات وحزب المفصل فتحقق أن المفصل ما بعد الحجرات إلى آخر القرآن- وما روي عن زرارة أنه قال: كان أول المفصل عند ابن مسعود الرحمن وذلك لاختلاف تأليف السور من الصحابة الذين تولوا كتابة القرآن في عهد عثمان وهو الحجة ويحتمل أن في تأليف ابن مسعود بعد سورة الرحمن ق والذاريات وما سواهما من السور التي بينهما وتكون الحجرات خارجة من ذلك راجعة إلى مثل ما بقي عليه في تخريب الصحابة١ كما بينا في حديث أوس بن حذيفة.
стр. 1114
في ترك بسملة براءة
عن ابن عباس قلت لعثمان: ما حملكم على الإقران بين الأنفال وهي من المثانى وبين براءة وهي من المئين ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطول؟ فقال عثمان: كان رسول الله ﷺ يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه من السور ذوات العدد فكان إذا نزل عليه الشيء ودخل عليه بعض من يكتب فيقول: "ضعوا هذا في السورة التي ذكر فيها كذا وكذا"، وإذا أنزلت عليه الآيات قال: "ضعوا هذه الآيات في سورة كذا وكذا"، وكانت الأنفال من أوائل ما أنزل بالمدينة وكانت براءة من آخر القرآن نزولا وكانت قصتها شبيهة بقصتها وظننت أنها منها وتوفي رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أنها منها من أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتها في السبع الطول.
стр. 1115
ففيه ظن عثمان أنهما سورة واحدة وتحقيق ابن عباس أنهما سورتان وأيده حديث أوس بن حذيفة فوجب أن تكونا سورتين وتباينهما في الوقتين نزولا يدل أيضا على أنهما سورتان لا سورة واحدة لأن الأنفال نزلت في بدر في سنة أربع وبراءة آخر سورة نزلت- روي عن البراء آخر آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ وآخر سورة نزلت براءة وفيه أن براءة سورة كاملة بائنة من الأنفال لأن مثل هذا لا يقوله البراء رأيا.
وعن ابن عباس كان جبريل إذا أنزل بسم الله الرحمن الرحيم علم ﷺ أن السورة قد انقضت.
وعن واثلة بن الأسقع عن رسول الله ﷺ قال: "أعطيت مكان التوراة السبع الطول وأعطيت مكان الإنجيل المثانى وأعطيت مكان الزبور المئين وفضلت بالمفصل"، ففيه أن كل واحدة منها غير صاحبتها لأن رسول الله ﷺ أعطى مكان كل واحدة منها شيئا آخر غير الأول وقيل: أنما ترك البسملة بين الأنفال وبراءة لأنها رحمة وسورة براءة نقض عهود وبراءات ووعيد وأبانة نفاق فاستحق بذلك ما استحق من العذاب وهو مردود لثبوت البسملة في أول ويل لكل همزة وتبت فعلم أنها تكتب قبل سورة العذاب وسورة الرحمة، وقيل: نزلت لأنها من خطاب المشركين ورد بقصة سليمان في كتابه إلى المشركين وأنه بسم الله الرحمن الرحيم وكتاب النبي ﷺ إلى هرقل فكان فيه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم السلام على من أتبع الهدى.
стр. 1116
في بر الوالدين
عن أبي عبد الرحمن السلمى قال: أن رجلا منا أمرته أمه أن يتزوج فلما تزوج أمرته أن يفارقها فارتحل إلى أبي الدرداء فسأله عن ذلك فقال:
стр. 1117
ما أنا آمرك أن تطلق وما أنا بالذي آمرك أن تمسك سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"الوالدة أوسط باب الجنة فاحفظ ذلك الباب أو ضيعه" -أو كما قال ﷺ لم يقطع بالجواب والحق أن يطيعها.
عن ابن عمر كانت عندي امرأة أحبها وكان أبي يكرهها فأمرني أن أطلقها فأبيت فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "يا عبد الله طلق امرأتك"، فطلقها فإذا كان بر الوالد ذلك ففي الوالدة وحقها أكثر وأوجب.
وعن أبي هريرة جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: من أولى الناس بحسن الصحبة مني قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "أبوك"، قيل للأم ثلثا البر، وروى مرفوعا في جواب أي الناس أحق مني بحسن الصحبة؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "أمك" ثلاث مرات قال: ثم من؟ قال: "ثم أبوك"، فعلى هذا للأم ثلاثة أمثال ما للأب وهو أصح من الأول لأن راوية شجاع وهو أحفظ من سفيان بن عيينة١.
стр. 1118
في استعمال الفضة والذهب
عن أنس كان نصل سيف رسول الله صلى الله ليه وسلم وقبيعته فضة وما بين ذلك حلق فضة فيه جواز استعمالها كما في الخاتم وإنما يكره فيما يستعملها العجم من الأكل والشرب فيها واتخاذها آنية كما تتخذ من الصفر والحديد لا غير.
عن عمر وأبي بكر والزبير أن سيوفهم كانت محلاة بالفضة ويؤيده
стр. 1119
إهداء رسول الله ﷺ جمل أبي جهل وهو بمكة عام الحديبية وكان في رأسه برة من فضة جمل بها وأن عرفجة أصيب أنفه يوم الكلاب في الجاهلية فاتخذ أنفا من ورق فأنتن عليه فأمره النبي ﷺ أن يتخذ أنفا من ذهب ففعل وكان بعد تحريم الذهب على الذكران لأنه ما شكا النتن إلى النبي ﷺ إلا ليبيح له ما أباح إذ لو كان حلالا لما احتاج إلى التشكي.
واختلف في شد الأسنان بالذهب إذا تحركت فعن أبي حنيفة قولان الكراهة والإباحة وفي إباحته بالفضة قول واحد وعن جماعة من السلف أنهم ضببوا أسنانهم بالذهب منهم المغيرة أمير الكوفة والحسن وموسى بن طلحة وعبيد الله بن الحسن قاضي البصرة وأبو حمزة وأبو نوفل ويزيد الرشك وغيرهم ولا نعلم فيه خلافا إلا ما ذكرناه عن أبي حنيفة وقوله في الإباحة أولى لما روينا في قصة عرفجة.
وروي شريك عن حميد قال رأيت عند أنس قدح النبي ﷺ فيه فضة أو قد شد بفضة يحتمل أنه كان فعله ﷺ فكان من أعظم الحجة على إباحته وإن كان من أنس فقد دل على إباحة الشرب في مثله كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه لأنه صار إليه رجل جليل فقيه من الصحابة وهو أنس بن مالك خلافا للشافعي في كراهته وخلاف ما روي عن ابن عمر وابنه سالم والأولى قول أنس لاحتمال ما كان في القدح فعل رسول الله ﷺ وقياسا على إباحة علم الحرير في ثوب الكتان والقطن وإنما نهى ﷺ عن الشرب في آنية الذهب والفضة ولم ينه عن الآنية المفضضة كما نهى عن لباس الحرير ولم ينه عما كان فيه شيء من الحرير. وعن ابن عمر أنه اشترى جبة فيها خيط أحمر فردها فسمعت ذلك أسماء فقالت بؤس لابن عمر يا جارية ناوليني جبة رسول الله ﷺ فإذا هي جبة مكفوفة الجيب والكمين والفرج بالديباج فكرة ابن عمر الجبة
стр. 1120
لما كان خيط الحرير كما كره الآنية وخالفته أسماء واحتجت عليه بجبته ﷺ ولم تكن تحاجه إلا وقد وقفت على استعمال رسول الله ﷺ إياها بعد نهيه عن لباس الحرير.
وعن ابن عباس إنما نهى رسول الله ﷺ عن الثوب المصمت يعني من الحرير فأما السدى أو المعلم فلا وقد أباح الشرب من الآنية المفضضة جماعة من التابعين إلا أنهم قالوا لا يضع فاه على الفضة.
стр. 1121
في النصيحة
روي مرفوعا "الدين النصيحة" ثلاثا قيل لمن يا رسول الله قال "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" لا يخالف هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ لأن النصيحة من الإسلام ويجوز إطلاق الإسلام عليه لمكانها منه كما يقال الناس العرب وفيهم غير العرب لجلالة العرب وامتيازهم عن سائر الناس بالخواص التي فيهم فجاز أن يقال هم الناس ومن ذلك المال النخل لجلالة النخل في الأموال فمثله الدين النصيحة وإن كان في الدين سواها ومعنى النصح لكتابه أي لمن تعلمونه إياه في تعليمهم ما يحتاجون إلى علمه من محكمه ومتشابهه وحلاله وحرامه وفي التعليم على هذا الوجه من المشقة ما فيه فأمروا بذلك قال ابن عمر لقد عشنا برهة من دهر وأحدنا يؤتي الإيمان قبل القرآن وتنزل السورة على محمد ﷺ فنتعلم حلالها وحرامها وآخرها وزاجرها وما ينبغي أن يوقف عنده منها كما تتعلمون أنتم اليوم القرآن ثم لقد رأيت اليوم رجالا يؤتي أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ولا يدري ما آخره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه وينثره نثر الدقل.
стр. 1122
في المؤمن لا يلدغ مرتين
روي مرفوعا "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين" ولا يلدغ بالجزم في
стр. 1123
أكثر الروايات معناه لا تثنى على مؤمن عقوبة في ذنب أتاه وقيل لا يلدغ بالرفع لأن تخصيص المؤمن يبطل تأويل الجزم لأن الكافر لا تثنى عليه عقوبة ذنبه وكذلك المنافق أيضا وإنما المقصود أن المؤمن إذا كان منه ذنب أحزنه ذلك وخاف منه فكان سببا لترك عوده فيه أبدا فمعنى الحديث لا يذنب ذنبا يخاف عقوبته ثم يعود فيه بعد ذلك أبدا ومعنى لا يلدغ أي لن يلدغ وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ وهذا أشبه الوجهين.
وسئل ابن وهب عن تفسيره فقال الرجل يقع في الشيء يكرهه فلا يعود فيه فهذا يتمشى على الرفع دون الجزم ويدل عليه قوله تعالى: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ والتوبة النصوح أن يجتنب الرجل العمل السوء يتوب إلى الله منه ثم لا يعود فيه أبدا ومن ذلك قوله ﷺ : "الندم توبة"، لأن الندم مما يمنع العود إلى مثله.
стр. 1124
في مائة إبل لا تجد فيها راحلة
روي مرفوعا الناس كإبل مائة لا نجد فيها راحلة هذا عام أريد به الخصوص كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ لأن في الناس من يحمل الكل عن غيره كمثل الراحلة التي تبين بما تحمل عمن سواها من الإبل التي ليست من الرواحل فهي كالذين لا غناء معهم ولا منفعة عندهم لمن سواهم من الناس والحمد لله في الناس من هو في هداية الناس وإرشادهم وتعليمهم إياهم أمر دينهم وفي تسديدهم ونفعهم والقيام لقضاء حوائجهم وحمل أثقالهم كثير وروى الناس كالإبل المائة هل ترى فيهم راحلة ومتى ترى فيها راحلة فيحتمل أن يكون استفهام نفي كمعنى الأول ويحتمل أن يكون على وجود ذلك في الوقت البعيد والله أعلم بمراد رسوله من ذلك وقال ﷺ : "لا نعلم شيئا خيرا من مائة من مثله إلا المؤمن" ومعناه كمعنى الأول.
стр. 1125
في النهي عن تسمية العنب بالكرم
روى مرفوعا "لا تقولوا للعنب الكرم فإنما الكرم الرجل المسلم ولكن قولوا حدائق الأعناب" مع تسمية العنب كرما في قوله لأصدقة في شيء من الزرع أو النخل أو الكرم حتى يكون خمسة أوسق فيحتمل أن يكون هذا قبل النهى والأشياء قبل ورود النهي على الباحة قولا كان أو فعلا فإذا نهى عنها حظر من فعلها وقولها.