في النصيحة
روي مرفوعا "الدين النصيحة" ثلاثا قيل لمن يا رسول الله قال "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" لا يخالف هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ لأن النصيحة من الإسلام ويجوز إطلاق الإسلام عليه لمكانها منه كما يقال الناس العرب وفيهم غير العرب لجلالة العرب وامتيازهم عن سائر الناس بالخواص التي فيهم فجاز أن يقال هم الناس ومن ذلك المال النخل لجلالة النخل في الأموال فمثله الدين النصيحة وإن كان في الدين سواها ومعنى النصح لكتابه أي لمن تعلمونه إياه في تعليمهم ما يحتاجون إلى علمه من محكمه ومتشابهه وحلاله وحرامه وفي التعليم على هذا الوجه من المشقة ما فيه فأمروا بذلك قال ابن عمر لقد عشنا برهة من دهر وأحدنا يؤتي الإيمان قبل القرآن وتنزل السورة على محمد ﷺ فنتعلم حلالها وحرامها وآخرها وزاجرها وما ينبغي أن يوقف عنده منها كما تتعلمون أنتم اليوم القرآن ثم لقد رأيت اليوم رجالا يؤتي أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ولا يدري ما آخره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه وينثره نثر الدقل.
стр. 1122
في المؤمن لا يلدغ مرتين
روي مرفوعا "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين" ولا يلدغ بالجزم في
стр. 1123
أكثر الروايات معناه لا تثنى على مؤمن عقوبة في ذنب أتاه وقيل لا يلدغ بالرفع لأن تخصيص المؤمن يبطل تأويل الجزم لأن الكافر لا تثنى عليه عقوبة ذنبه وكذلك المنافق أيضا وإنما المقصود أن المؤمن إذا كان منه ذنب أحزنه ذلك وخاف منه فكان سببا لترك عوده فيه أبدا فمعنى الحديث لا يذنب ذنبا يخاف عقوبته ثم يعود فيه بعد ذلك أبدا ومعنى لا يلدغ أي لن يلدغ وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ وهذا أشبه الوجهين.
وسئل ابن وهب عن تفسيره فقال الرجل يقع في الشيء يكرهه فلا يعود فيه فهذا يتمشى على الرفع دون الجزم ويدل عليه قوله تعالى: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ والتوبة النصوح أن يجتنب الرجل العمل السوء يتوب إلى الله منه ثم لا يعود فيه أبدا ومن ذلك قوله ﷺ : "الندم توبة"، لأن الندم مما يمنع العود إلى مثله.
стр. 1124
في مائة إبل لا تجد فيها راحلة
روي مرفوعا الناس كإبل مائة لا نجد فيها راحلة هذا عام أريد به الخصوص كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ لأن في الناس من يحمل الكل عن غيره كمثل الراحلة التي تبين بما تحمل عمن سواها من الإبل التي ليست من الرواحل فهي كالذين لا غناء معهم ولا منفعة عندهم لمن سواهم من الناس والحمد لله في الناس من هو في هداية الناس وإرشادهم وتعليمهم إياهم أمر دينهم وفي تسديدهم ونفعهم والقيام لقضاء حوائجهم وحمل أثقالهم كثير وروى الناس كالإبل المائة هل ترى فيهم راحلة ومتى ترى فيها راحلة فيحتمل أن يكون استفهام نفي كمعنى الأول ويحتمل أن يكون على وجود ذلك في الوقت البعيد والله أعلم بمراد رسوله من ذلك وقال ﷺ : "لا نعلم شيئا خيرا من مائة من مثله إلا المؤمن" ومعناه كمعنى الأول.
стр. 1125
في النهي عن تسمية العنب بالكرم
روى مرفوعا "لا تقولوا للعنب الكرم فإنما الكرم الرجل المسلم ولكن قولوا حدائق الأعناب" مع تسمية العنب كرما في قوله لأصدقة في شيء من الزرع أو النخل أو الكرم حتى يكون خمسة أوسق فيحتمل أن يكون هذا قبل النهى والأشياء قبل ورود النهي على الباحة قولا كان أو فعلا فإذا نهى عنها حظر من فعلها وقولها.
стр. 1126
في اللعب في العيد
عن عامر بن قيس ما كان على عهد رسول اله ﷺ شيء الأوقد رأيته يعمل بعده إلا شيئا واحدا فإنه كان يقلس "له" يوم الفطر يعني يلعب لا خلاف بين أهل اللغة أنه اللعب واللهو اللذان ليسا بمكروهين كمثل ما أطلق في الأعراس منها وذلك ليعلم أهل الكتابين أن في دين الإسلام سماحة وما روى عن أنس أنه قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما في الجاهلية فقال: "أن الله تعالى قد أبدلكم بهما خيرا منهما يوم الفطر ويوم الأضحى"، لا يخالف ما روينا لأنه يحتمل أن يكون أراد بذلك منهم أن يجعلوا فيهما من اللعب مما كانوا يفعلونه في ذينك اليومين في الجاهلية وذلك عندنا والله أعلم على اللعب المباح مثله كما أبيح في أعراسهم اللعب المباح فقط.
روى جابر كان رسول الله ﷺ يخطب قائما ثم يجلس ثم يقوم فيخطب قائما خطبتين فكان الجواري إذا نكحوا يمرون يضربون بالكبر والمزامير فيبثوا١ الناس ويدعون رسول الله ﷺ قائما فعاتبهم الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً﴾ فما نهاهم عن اللهو المباح فيما كان ذلك منهم فيه فكذلك اللعب الذي أباح في الأعياد غير داخل في اللهو المنهي في غير الأعياد فلا تضاد فيما روينا.
стр. 1127
في شيء مباح حرم بمسئلته
...
في شيء مباح حرم بمسألته
عن سعد بن أبي وقاص مرفوعا "أن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يكن حراما فحرم من أجل مسألته" وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: ما نفرط لأن القرآن كان ينزل بعد ذلك كما كان ينزل قبله فكانوا ممنوعين عن الاستعجال بالسؤال عما أخبر الله تعالى أنه لا يفرط فيه كما نهى ﷺ عن استعجال الوحي بقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ وأمر بالانتظار فيه ومما يدل على ذلك أن عمر بن الخطاب لما أنزل الله تحريم الخمر قال: اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء فنزلت: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية فقال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ . أي: عن السؤال عن مثل هذا حتى يكون الله نزله على رسوله ابتداء لأن الكتاب لا يفرط فيه فلما كان السؤال ممنوعا عنه كان السائل ظالما لنفسه لأنه تقدم بسؤاله أمر الله الذي لا ينبغي له أن يتقدمه وكان فيما عاقب به اليهود بظلمهم قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ فكان السائل غير مأمون أن يحرم عليه بظلمه ذلك ما قد كان حلالا له لأن الأشياء كلها على طيبها وعلى حلها حتى يحدث الله فيها التحريم وإذا عاد المسؤول حراما بمسألته عليه عاد حراما على جميع الناس فكان أعظم الجرم فيهم.
وليس سؤال عمر أن يبين لهم في الخمر من هذا المعنى المذكور في حديث سعد لأنه كان فيمن سأل عما كان حلالا فحرم من أجل مسألته وعمر إنما سأل عن شيء تقدم تحريمه ألا تره يقول لما نزل تحريم الخمر قال عمر: اللهم بين فسؤاله إنما كان لأن يبين الله في الخمر ما تسكن إليه نفوس القوم الذين عظم في قلوبهم تحريمها فبين الله تعالى أنه إنما حرمها لمصلحتهم لأنها رجس وفيها الإثم الكبير وتمنع من الصلاة وتوقع العداوة بينهم إذ كانت سببا لما نزل بسعد عند
стр. 1128
شربه هو ونفر من الأنصار إياها وتفاخرهم عن ذلك حتى قال بعضهم: المهاجرون أفضل وقال بعضهم: الأنصار أفضل فأخذ رجل لحي جمل ففزر به أنف سعد فكان أنفه مفزورا، ففي سؤال عمر إعلام الله أن في تحريم الخمر خيرا لهم لا عقوبة وذلك نعمة من الله عليهم سببها سؤال عمر فافترق المعنيان.
стр. 1129
في النهي عن قوله عبدي وأمتي
روي مرفوعا "لا يقل أحدكم عبدي ولا أمتي فكلكم عبيد الله وكلكم إماء الله ولكن ليقل غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي" لا يقال: قد قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ وقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً﴾ لأن المنهي إنما هو إضافة ملاكهم إلى أنفسهم بأنهم عبيدهم لأن فيه استكبارهم عليهم وما في القرآن فإنما هو بإضافة غيرهم إليهم.
وروى أبو هريرة أراه مرفوعا لا يقولن أحدكم ربي لمالكه وليقل سيدي لا يخالف هذا قوله تعالى: ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً﴾ يعني مليكه الذي هو رئيس عليه لأن يوسف ﵇ إنما خاطبه على ما عند المخاطب لأنه كان يسميه ربالا أنه عند يوسف كذلك مثل قول موسى ﵇ للسامري ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ فخاطبه على ما كان عنده لا على ما هو عند موسى وليس للمملوك أن يجعل مالكه ربا وجاز ذلك في البهائم والأمتعة كما ورد في حديث ضالة الإبل دعها حتى يلقاها ربها وقيل: إنما نهى المملوك من بني آدم عن هذا القول لأنهم دخلوا في عموم ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ فكان المملوك ممن أخذ عليه الميثاق في ذلك بخلاف البهائم.
стр. 1130
في حملة الفقه
روي مرفوعا رب حامل فقه إلى من هو افقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه الفقه هو الفهم ومنه قوله تعالى: ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ يؤيده قوله عليه
стр. 1131
الصلاة والسلام: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"، ولا يقال لكل فهيم فقيه لأن الفقه لما جل مقداره وتجاوز عن مقادير الأشياء من العلو خص أهله بأن قيل لهم فقهاء رفعا لهم عمن سواهم فلا يطلق لغيرهم يدل على ذلك قوله ﷺ : "الفقه يمان"، فسمى ذلك فقها وأبانه عن سائر الأشياء المفهومة سواه فثبت أن كل فقيه فهيم وليس كل فهيم فقيها.
стр. 1132
في رحى الإسلام
روي مرفوعا "تدور أو تزول رحى الإسلام لخمس وثلاثين أو لست وثلاثين أو لسبع وثلاثين فإن يهلكوا فسبيل من هلك وإن بقوا يبقى لهم دينهم سبعين سنة" روي ذلك عن النبي ﷺ البراء بن ناجية وعبد الرحمن ابن القاسم عن أبيه عن عبد الله بن مسعود وروي مسروق عنه أنه قال قال رسول الله ﷺ : "أن رحى الإسلام ستزول بعد خمس وثلاثين سنة فإن اصطلحوا بينهم على غير قتال يأكلوا الدنيا سبعين عاما رغدا وإن يقتتلوا يركبوا سنن من قبلهم"، قوله: تدور أو تزول يريد به الأمور التي عليها يدور الإسلام وشبه ذلك بالرحى فسماه باسمها وكان قوله ﷺ : "بعد خمس أو ست أو سبع" ليس على الشك ولكن على أن يكون ذلك فيما يشاؤه الله من تلك السنين فشاء إن كان ذلك في سنة خمس وثلاثين فتهيأ فيها على المسلمين حصرا ما مهم وقبض يده عما يتولاه عليهم مع جلالة مقداره لأنه من الخلفاء الراشدين المهديين حتى كان ذلك سببا لسفك دمه وحتى كان ذلك سببا لوقوع الاختلاف وتفرق الكلمة واختلاف الآراء فكان ذلك مما لو هلكوا عليه لكان سبيل من هلك لعظمه ولما حل بالإسلام منه ولكن ستر الله وتلافى وخلف نبيه في أمته من يحفظ دينهم عليهم.
ثم تأملنا ما بقي من هذه الآثار فوجد في حديث مسروق فإن يصطلحوا فيما بينهم على غير قتال يأكلوا الدنيا سبعين عاما رغدا ووجدنا مكان
стр. 1133
ذلك في حديثي عبد الرحمن والبراء بن ناجية عن ابن مسعود فإن بقوا يبقى لهم دينهم سبعين عاما فكان ذلك قد جاء مختلفا وكان ما في حديث مسروق أشبههما بما حدث عليه أمور الناس مما في حديثي الآخرين لأن في حديث مسروق فإن يصطلحوا على غير قتال فتكون المدة التي يأكلون الدنيا فيها سبعين عاما ثم ينقطع ولكن لم ينقطع مع القتال فكان رحمة من الله لهم وسترا منه عليهم فجرى على ذلك أن يأكلوا الدنيا بلا توقيت عليهم فيه وكان ما في حديثي عبد الرحمن والبراء يوجب خلاف ذلك ويوجب انقطاع أكلهم الدنيا بعد سبعين عاما وقد وجدناهم بحمد الله أكلوها بعد ذلك سبعين عاما وزيادة كما رواه مسروق فيه لا كما رواه صاحباه لأنه لا خلف لما يقوله رسول الله ﷺ .
стр. 1134
في الحلف في الجاهلية
روي مرفوعا "لا حلف في الإسلام وإيما حلف كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا قوة" لا يعارض هذا ما روي عن أنس بن مالك قال: حالف رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دارنا فقيل له: أليس قد قال ﷺ : "لا حلف في الإسلام"؟ قال: فقد حالف رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دارنا لأن سفيان بن عيينة فسر ذلك بالمؤاخاة بينهم فلم يجعل ذلك حلفا وأيضا فإن مؤاخاة رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار إنما كان حين قدومه المدينة وقوله: "لا حلف في الإسلام" إنما قال ذلك: يوم الفتح على ما روي عمرو بن العاص فكان ذلك ناسخا لفعله فلم يكن منه بعد قوله: "لا حلف في الإسلام" حلف إلى أن قبضه الله .
وعن ابن عباس في قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الآية قال: كان المهاجرون حين فدموا المدينة يوارثون الأنصار دون ذوي الأرحام
стр. 1135
للأخوة التي أخى رسول الله ﷺ بينهم إلى أن نسخها غيرها يعني قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أي: من النصر والنصيحة والرفادة فأخبر ابن عباس أن الذي بقي للأحلاف هو النصر والنصيحة والوصية وإن الميراث قد ذهب وعن ابن المسيب خلافه قال إنما نزلت هذه الآية في الذين يتبنون رجالا غير أبنائهم يرثونهم فأنزل الله أن لهم نصيبا في الوصية وجعل الميراث للرحم والعصبة وأبى أن يجعل لهم ميراثا وأن تعاقدوا عليه وما روي عن ابن عباس أولى لأن فيها ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وكان في التحالف إيمان ولم يكن في التبني والتدعي إيمان.
стр. 1136
في الدعابة
روي أن أبا بكر الصديق خرج تاجرا إلى بصرى ومعه نعيمان١ رجلا مضحاكا مزاحا فقال: لأغيظنك فذهب إلى ناس جلبوا ظهرا فقال: ابتاعوا مني غلاما عربيا فارها هو ذو لسان ولعله يقول: أنا حر فإن كنتم تاركيه لذلك فدعوني لا تفسدوا علي غلامي فقالوا: بل نبتاعه منك بعشر قلائص فأقبل بها يسوقها وأقبل بالقوم حتى عقلها ثم قال لهم: دونكم هذا فجاء القوم فقالوا: قد اشتريناك قال سويبط: هو كاذب أنا رجل حر قالوا: قد أخبرنا خبرك فطرحوا الحبل في عنقه فذهبوا به، فجاء أبو بكر فذهب هو وأصحاب له فردوا القلائص وأخذوه فضحك النبي ﷺ وأصحابه حولا.
وروي أن رسول الله ﷺ استعمل علقمة بن مجزز المدلجي على جيش فبعث سرية واستعمل عليها عبد الله بن حذافة السهمي وكان
стр. 1137
رجلا فيه دعابة وبين أيديهم نار قد أججت فقال لأصحابه: أليس طاعتي عليكم واجبة قالوا: بلى قال: فقوموا واقتحموا هذه النار فقام رجل حتى يدخلها فضحك وقال: إنما كنت ألعب فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فضحك وقال: "أما إذ قد فعلوا هذا فلا تطيعوهم في معصية الله".
ليس في شيء من الحديثين دليل على إباحة المذكور فيهما وضحك النبي ﷺ حولا هو وأصحابه كمثل ما كانت الصحابة يتحدثون بأمور الجاهلية ويضحكون بمحضره ﷺ من غير نهي منه إياهم عن ذلك مع أن تلك الأفعال ما كانت مباحا لهم فعلها في الإسلام، عن جابر جالست النبي ﷺ أكثر من مائة مرة فكان أصحابه يتناشدون الشعر ويذكرون أشياء من أمور الجاهلية فربما يتبسم معهم- ثم قد روي مرفوعا "لأ يأخذ أحدكم متاع صاحبه لاعبا فإذا أخذ أحدكم عصا صاحبه فليردها إليه"، قال الطحاوي: ولو صار مباحا لنسخه ما روي أن رسول الله ﷺ خرج غازيا فأخذ بعض أصحابه كنانة آخر فغيبوها ليمزحوا معه فطلبها الرجل فغيبوها فراعه ذلك فجعلوا يضحكون منه فخرج ﷺ فقال: "ما أضحككم"؟ فقالوا: والله إنا أخذنا كنانة فلان لنمزح معه فراعه ذلك فذلك الذي أضحكنا فقال ﷺ : "لا يحل لمسلم أن يروع مسلما".
стр. 1138
في حديث النفس
روي مرفوعا "تجاوز الله لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم ينطق به لسان أو أن تعمل به يد" وذكر من طرق وأنفسها بالنصب على معنى حدثتها به من غير اختيارها إياه ولا اجتلابها له منها قالوا أو مما يدل عليه أيضا ما روي أن الصحابة قالوا: يا رسول الله أن أحدنا يحدث نفسه بالشيء لأن يكون حممة أحب إليه من أن يتكلم به فقال: "الحمد لله الذي لم يقدره منكم إلا على الوسوسة والحمد لله الذي رد أمره إلى الوسوسة"، قالوا: وإن كان قد قيل فيه أن أحدنا يحدث نفسه أو أنا نحدث أنفسنا فإن جواب رسول الله ﷺ إياهم هو المعتمد عليه
стр. 1139
وإليه قصدنا وهو ما ذكره عنه ابن مسعود ذلك صريح الإيمان ومحض الإيمان يعني التوقي من أن يقول ذلك باللسان ومنع نفسه منه إيمان وما ذكره ابن عباس الحمد لله الذي لم يقدره منكم إلا على الوسوسة يعني التي لا تؤاخذون بها وتثابون على توقيكم من النطق بها وفي الحديث دليل على صحة النصب وهو قوله تجاوز الله والتجاوز لا يكون إلا عما لو لم يتجاوز عنه لعوقبوا عليه وذلك مما يعقل أنه لا يكون من الخواطر المعفو عنها بل أنه من الأشياء المجتلبة بالهم بها فالوجه أنه على ما يهم به العبد من المعاصي ليعملها فتجاوز الله تعالى لنبيه ﷺ ذلك فلم يؤاخذهم به ولم يعاقبهم عليه ومن ذلك ما روي مرفوعا "قال الله : إذا هم عبدي بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة فإن عملها فاكتبوها عشرا وإذا هم عبدي بسيئة فلم يعملها فلا تكتبوها فإن عملها فاكتبوها بمثلها وإن هو تركها فاكتبوها حسنة" وزاد بعض الرواة في الحسنة "فاكتبوها إلى سبع مائة ضعف وزاد في السيئة فإن تركها من خشيتي" فانتفى ما قال أهل اللغة أنفسها بالرفع.
стр. 1140
في صدق الله وعتقة
...
في صدقة الله وعتقه
عن أبي وائل أنه كره للرجل أن يدعو فيقول: اللهم تصدق علي بالجنة وقال: إنما يتصدق من يريد الثواب ومن أباح ذلك فهو محتج بقوله تعالى: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ وقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ وإذا جازت الهبة من الله جاز دعاؤه بها والهبة من الآدميين قد يطلب فيها الثواب عليها فكانت الصدقة التي لا يصلح للآدميين الثواب عليها منه أجوز وكذا قوله ﷺ لعمر في قصر الصلاة: "هذه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته"، سمى التخفيف صدقة وفيه دليل على الإباحة، وروي عن أبي وائل أنه كان يكره أن يقال: اللهم اعتقني من النار قال: إنما يعتق من يرجو الثواب، ويرده قوله ﷺ : "من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار"، ففيه إضافة العتاق إلى الله فيجوز الدعاء للمسلمين بذلك.
стр. 1141
في المحدثين من الأولياء
روي مرفوعا قد كان في الأمم قبلكم قوم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فهو عمر بن الخطاب المحدث الملهم بالنطق بالحكمة كما كان لسان عمر ينطق بما كان ينطق به منها وقد قال عمر: وافقت ربي في ثلاث أو وافقني ربي في ثلاث قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فنزل ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ وقلت: يدخل عليك البر والفاجر فلو حجبت أمهات المؤمنين فنزلت آية الحجاب وبلغني شيء من المعاتبة من أمهات المؤمنين فاستقريتهم أقول: لتكففن عن رسول الله ﷺ أو ليبدلنه الله أزواجا خيرا منكن فنزلت ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ الآية.
وعن ابن عباس أنه كان يقرأ وما أرسلنا من رسول ولا نبي ولا محدث ولا يقال على هذا فالمحدث مرسل لأن المعنى وما أرسلنا من رسول ولا نبي ولا ألهمنا من محدث إلا إذا تمنى وهو من باب.
يا ليت زوجك قد غدا ... متقلدا سيفا ورمحا
والرمح لا يتقلد بل يحمل فكأنه قال متقلد سيفا وحاملا رمحا والله أعلم.
стр. 1142
في مال الوارث أحب إليه من ماله
عن ابن مسعود يرفعه "أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله" قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا ما له أحب إليه من مال وارثه قال: "فإن ما له ما قدم ومال وارثه ما أخر"، وفي رواية قال: اعلموا ما تقولون؟ قالوا: وما نعلم إلا ذلك يا رسول الله قال: "ما منكم من رجل إلا مال وارثه أحب إليه من ماله" قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: "إنما مال أحدكم ما قدم ومال وارثه ما أخر"، فيه أن ما ترك الرجل فلم يقدمه فيما يكون ثوابا له عند ربه وزلفى لديه ليس من ماله أي ليس من ماله الذي هو أعلى أمواله في نفعها له إذ منفعته فيما قدمه لآخرته لا فيما أخره
стр. 1143
فكأنه ليس من ماله وجاز أن يضاف إلى وارثه الذي عسى يقدمه لآخرته فينتفع به الوارث في معاده وفي هذا المعنى ما روي مطرف بن عبد الله عن أبيه أنه انتهى إلى رسول الله ﷺ وهو يقرأ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ فقال: "يقول ابن آدم ما لي مالي ومالك من مالك إلا ما تصدقت فأمضيت أو أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت". فعلم أن ماله إذا لم ينتفع به صار كمال غيره إذ لا منفعة له فيه حينئذ كما لا منفعة له في مال غيره.
стр. 1144
في حفظ أبي هريرة
عن أبي هريرة أنه قال: يقولون: أن أبا هريرة قد أكثر والله الموعد ويقولون: ما بال المهاجرين والأنصار لا يتحدثون بمثل أحاديثه وسأخبركم عن ذلك إن أخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أرضهم وأما أخواني من المهاجرين فكان يشغلهم صفقهم بالأسواق وكنت ألزم رسول الله ﷺ على ملء بطني فأشهد إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا ولقد قال رسول الله ﷺ يوما: "إيكم بسط ثوبه فأخذ من حديثي هذا ثم جمعه إلى صدره فإنه لا ينسى شيئا سمعه"، فبسطت بردة علي حتى فرغ من حديثه ثم جمعتا إلى صدري فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئا حدثني به ولولا آيتان أنزلهما الله تعالى في كتابه ما حدثت بشيء أبدا ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ إلى آخر الآيتين، فيه أنه لم ينس شيئا سمعه من النبي ﷺ فيحتمل ما روي أنه حدث بقوله ﷺ : "لا عدوى"، ثم سكت عنه فلما وقف عليه أنكره وما روي أنه لما حدث بالخمسة التي أعطيها دون سائر الأنبياء ومنها أنه أعطي دعوة فادخرها شفاعة لأمته فقال له صاحبه: قد نسيت أفضلها أو خيرها قول رسول الله ﷺ : "وأنا أرجو أن تنال من أمتي من لا يشرك بالله شيئا"، الدالان على نسيانه كان ذلك مما سمعه من النبي ﷺ قبل أني كون منه في أمره ما ذكره آنفا.
وفي رواية قال النبي ﷺ يوما: "أن بسط أحدكم ثوبه
стр. 1145
حتى أقضى مقالتي هذه ثم يجمع ثوبه إلى صدره فما ينسى من مقالتي شيئا أبدا"، قال أبو هريرة: فبسطت نمرة ليس علي ثوب غيرها حتى قضى النبي ﷺ مقالته ثم جمعته إلى صدري فوالذي بعث محمد أبالحق ما نسيت من مقالته تلك كلمة إلى يومي هذا، وعن أبي هريرة قال: ما كان أحد أحفظ لحديث رسول الله ﷺ مني أو ما كان أحد أكثر حديثا مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإني كنت أعي بقلبي وكان يعيه بقلبه ويكتب بيده استأذن النبي ﷺ في ذلك فأذن له فيه، فدل هذا على أنه لو كان لا ينسى شيئا مما يعيه بقلبه لما فضله عبد الله بن عمر وبكثرة الحديث من أجل كتابته بل كان هو الفاضل لاستغنائه عن الاشتغال بالكتاب فكان الذي مع أبي هريرة مما انتفى عنه النسيان فيه هو ما كان من رسول الله ﷺ في ذلك الموطن الواحد لا فيما كان منه قبله ولا فيما كان منه بعده.
стр. 1146
في الآبار
روي أن النبي ﷺ مر بقوم في رؤوس النخل فقال: "ما يصنع هؤلاء"؟ فقيل له: يلقحونه يجعلون الذكر في الأنثى فقال: "ما أظن هذا يغني شيئا"، أو لو تركوه لصلح، أو لا لقاح، أو ما أرى اللقاح شيئا- على ما روي عنه من ذلك كله فتركوه فشيص فأخبر به ﷺ فقال: "ما أنا بزارع ولا صاحب نخل لقحوا"، أو قال: "إن كان ينفعهم فليفعلوه فإني إنما ظننت ظنا والظن يخطئ ويصيب، أو لا تأخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوه فإني لن أكذب على الله"، لا اختلاف بين الروايات ولا تعارض فإنه قال من ذلك لقوم بعد قوم يحكى كل واحد منهم ما سمع وما كان ﷺ من بلد فيه نخل ولا كان يعاني ذلك فاتسع له أن ينفي بالظن ما توهم استحالته من أن الإناث من غير الحيوان تنفعل من الذكر أن شيئا ولم يكن ذلك أخبارا منه عن وحي.
стр. 1147
في مناقب علي ﵁
روى أبو الطفيل واثلة بن الأسقع قال: جمع الناس علي بن أبي طالب في الرحبة فقال: أنشد بالله كل امرئ سمع رسول الله ﷺ يوم غدير خم يقول ما سمع فقام أناس من الناس فشهدوا أن رسول الله ﷺ قال يوم غدير خم: "ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو قائم"؟ ثم أخذ بيد علي فقال: "من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه"، قال أبو الطفيل: فخرجت وفي نفسي منه شيء فلقيت زيد بن أرقم فأخبرته فقال: وما تتهم أنا سمعته من رسول الله ﷺ لا يلتفت إلى من أنكر خروج علي إلى الحج مع النبي ﷺ ومروره في طريقه بغدير خم وقال: قدم علي من اليمن بالبدن لأنه وإن لم يكن معه في خروجه إلى الحج فكان معه في رجوعه على طريقه الذي كان مروره به بغدير خم يحتمل أنه كان هذا الكلام في الرجعة يؤيده الحديث الصحيح أنه كان هذا القول من رسول الله ﷺ بغدير خم في رجوعه إلى المدينة من حجه.
عن زيد بن أرقم قال: لما رجع رسول الله ﷺ من حجة الوداع ونزل بغدير خم أمر بدوحاته فقممن وذكر الحديث بطوله ثم أخذ بيد علي فقال: "من كنت وليه فهذا وليه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه"، فقلت لزيد: سمعته من رسول الله ﷺ فقال: ما كان في الدوحات أحد إلا رآه بعينيه وسمعه بأذنيه والمولى بمعنى الولي وقد فسره الحديث الآخر من كنت وليه ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ .
وعن علي قال له النبي ﷺ : "يا علي إن لك كنزا في الجنة وإنك ذو قرنيها فلا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الثانية"، قيل: أراد قرني الجنة يعني: طرفيها وقيل: أراد قرني الأمة فأضمرها وإن لم
стр. 1148
يتقدم لها ذكر كقوله تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ يريد الأرض و ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ يريد الشمس فمعناه أن عليا في هذه الأمة كذى القرنين في أمته في دعائه إياها إلى الله .
يؤيده ما روي عن علي أنه قال: سلوني قبل أن لا تسألوني ولن تسألوا بعدي مثلي فقام إليه ابن الكواء فقال: ما كان ذو القرنين أملك كان أم نبي؟ فقال: لم يكن ملكا ولا نبيا ولكنه كان عبدا صالحا أحب الله وأحبه الله وناصح فنصحه ضرب على قرنه الأيمن فمات ثم بعثه الله وضرب على قرنه الأيسر فمات وفيكم مثله وإليه ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام وقوله: فيكم مثله يعني في دعائه إلى الله وقيامه بالحق إلى يوم القيامة كما كان ذو القرنين والشيء يشبه بالشيء في معنى وإن كان لا يشبهه في غيره منه قوله تعالى: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ يعني في العدد وأما قوله: فلا تتبع النظرة بالنظرة يريد أن الأولى تفجأه فلا اختيار له فيها فهي له والآخرة باختياره فهو مأخوذ بها مكتوبة عليه فليست له.
стр. 1149
في الاستعاذة من القمر
عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "هذا القمر يا عائشة استعيذي بالله من شر هذا هل تدرين ما هذا هذا الغاسق إذا وقب"، استعظمه بعض فقال: أي شر للقمر وهو خلق مطيع لله تعالى حتى يستعاذ منه والجواب أنه مطيع لا شر له ولكن الله تعالى جعل الليل والنهار آيتين فمحا آية الليل وجعل آية النهار مبصرة وكانت آية الليل هي القمر وآية النهار هي الشمس ويكون القمر للمحو الذي محاه الله فيه سببا للظلمة وأهل المعاصي ينبئون بالليل لما يخافون من إظهار المعاصي بالنهار فيظهرون المعاصي من أنفسهم بالليل لأنهم عليها فيه ولله تعالى خلق وهم الشياطين ينبثون في الليل دون النهار كما روي في الآثار المسندة بطرقها فأمر النبي ﷺ عائشة
стр. 1150
بالاستعاذة من شر القمر مريدا استعاذتها من شر الأشياء التي تحدث في الليل من شياطين الإنس والجن مما القمر سبب لها مثل قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي: أهلها ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ أي: أهل العير ومثله قوله ﷺ عند نزول قرية: "اللهم إني أسألك من خير هذه القرية ومن خير أهلها وأعوذ بك من شرها وشر أهلها"، والقرية نفسها لا خير لها ولا شر لها فأضافهما إليها لكونهما فيها فكذا الإضافة إلى القمر هنا.
стр. 1151
في الشباب
روى أنس مرفوعا قال ﷺ : "دخلت الجنة فإذا بقصر من ذهب فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لشاب من قريش فظننت أني هو فقلت: من هو؟ فقالوا: عمر بن الخطاب فيا أبا حفص لولا ما أعلم من غيرتك لدختله"، فقال عمر: من كنت أغار عليه يا رسول الله لم أكن أغار عليك، فيه ما يدل على فساد قول من ذهب إلى أن الشاب من كانت سنه أربعين سنة فما دونها بعد بلوغه والنظر الصحيح في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ يفيد أن نهاية الطفولية مبينة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ فما بعد الحلم ضد لما قبله وهو مبدأ الشباب أذلا ثاني للطفولية غيره فعلم أن من احتلم شاب ثم ينتهي الشباب بقوله: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ وبين بلوغ الأشد في آية أخرى بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ فهذه نهاية الشباب بدليل قوله تعالى بعده: ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً﴾ ولكن يحتمل أن تكون بين بلوغهم الأشد وبين ن يكونوا شيوخا مدة والله أعلم بمقدارها كما في قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ يعني: آدم ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ يعني: أولاده وبين الخلقين زمان ما شاء الله فتكون السن التي كان رسول الله ﷺ فيها يوم رأى الرؤيا فوق الأربعين ودون الحال التي يكونون فيها شيوخا والله أعلم، واسنان الكهولة داخلة في سن الشباب لأنه يقال: شاب كهل فيجعل كهلا وهو شاب ولا يقال: شيخ كهل إنما يكون شيخا بعد الخروج
стр. 1152
من التكهل وهو آخر مدة الشباب ومنه قولهم: اكتهل الزرع إذا بلغ الحال التي يحصد مثله عليها ويدل عليه قوله ﷺ لأبي بكر وعمر: "هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين"، رواه أنس وعلي بن أبي طالب والنبي ﷺ قال: "لا تخبرهما بذلك يا علي"، قال: فما حدث بها حتى ماتا.
стр. 1153
في من له الأجر مرتين
روي مرفوعا "ثلاثة يؤتون أجورهم مرتين رجل آمن بنبيه ثم أدرك النبي ﷺ فآمن به وعبد أدى حق الله وحق مولاه ورجل أدب جارية فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها" المراد بالنبي الذي كان نبينا ﷺ يعقبه هو عيسى فمن كان آمن به ثم آمن بالنبي استحق الأجر مرتين وإلا فيستحق أجرا واحدا بدخوله في الإسلام وما كان قبل عيسى من دين موسى وغيره فلا يستحق ذلك لأن عيسى قد كان طرأ على موسى فإذا لم يكن أتبعه خرج بذلك من دين موسى وخرج من طاعة الله تعالى فإنه كان متعبدا بدين عيسى وعصى ذلك فعلم أنه إنما يتسحق الأجر مرتين إذا كان متعبدا على الدين الذي كان تعبده الله من دين النبي الذي كان قبله وهو عيسى حتى دخل منه في دين النبي ﷺ يؤكده قوله ﷺ في خطبته: "أن الله ﵎ اطلع على عباده فمقتهم عجمهم وعربهم إلا بقايا أهل الكتاب"، وهم عندنا والله أعلم الذين بقوا على ما بعث به عيسى ممن لم يبد له ولم يدخل فيه ما ليس منه وبقي على ما تبعده الله عليه حتى قال النبي ﷺ يومئذ هذا القول.
стр. 1154
في تعلم كتاب السريانية
روي عن زيد بن ثابت أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أتحسن السريانية أنه يأتيني كتب" قال: قلت: لا قال: "فتعلمها" قال: فتعلمتها في سبع
стр. 1155
عشر يوما، وفي رواية أمرني رسول الله ﷺ أن أتعلم كتاب يهود فما مر بي نصف شهر حتى تعلمت وقال ﷺ : "والله إني ما آمن يهود على كتابة فلما تعلمت كنت أكتب إلى يهود إذا كتب إليهم وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابتهم"، إنما أمره بتعلم السريانية لعدم أمنه ﷺ من تحريفهم وخيانتهم وليكون كتابه إذا ورد على اليهود بقراءة عامتهم فيأمن من كتمان ما فيه وتحريفه لا سيما إن كان الذي يقرأه لهم من عبدة الأوثان الذين في قلوبهم للنبي ﷺ ما لا خفاء به ولأهل الكتاب في قلوبهم ما فيها.
стр. 1156
في لولا الهجرة لكنت امرءا من الانصار
...
في لولا الهجرة لكنت امرء من الأنصار
روي مرفوعا "لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار" سموا أنصارا من النصرة لاستحقاقهم إياها بنصرهم الله ورسوله ﷺ وكانت الهجرة قبل ذلك استحقها أهلها بمثل ذلك وبهجرهم دارهم التي كانوا من أهلها لله ولرسوله إلى الدار التي اختارها الله لرسوله ولهم فجعلها لهم موطنا وكان رسول الله ﷺ أولى الفريقين بالشيئين جميعا وأعلاهم فيهما منزلة، وعن حذيفة بن اليمان خيرني رسول الله ﷺ بين الهجرة والنصرة فاخترت النصرة وكان ﷺ لو اختار النصرة لنفسه وترك الهجرة صار الناس جميعا أنصارا ولم يبق أحد منهم مهاجرا فلم يجعل نفسه من الأنصار لتبقى الهجرة والنصرة جميعا.
стр. 1157
في كراهية طلب العقوبة في الدنيا
روي أنس عن النبي ﷺ أنه رأى رجلا قد صار مثل الفرخ فقال: "هل كنت تدعو الله بشيء أو قال تسأله إياه"؟ قال: يا رسول الله كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا فقال: "سبحان الله لا تستطيعه أولا تطيقه فهلا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار". لا يعارض هذا ما روي مرفوعا "إذا أراد الله
стр. 1158
بعبد خيرا عجل الله له العقوبة في الدنيا وإذا أراد الله بعبد شرا امسك عنه ذنبه حتى يوفيه يوم القيامة" لان رسول الله ﷺ اختار لأمته إشفاقا عليهم ورأفة بهم أن يدعوا الله بالمعافاة في الدنيا وإن يؤتهم في الآخرة ما يؤمنهم من العذاب وهذا على الأحوال كلها فلا تضاد بين الحديثين.
стр. 1159
في لكع ابن لكع والكريم ابن الكريم
روي مرفوعا يوشك أن يغلب على الدنيا لكع ابن لكع ابن لكع وأفضل الناس مؤمن بين كريمين اللكع العبدأ واللئيم والكرم التقوى، وروى مرفوعا أن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق صلى الله عليهم قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ رد الكرم إلى التقوى وإلى المنازل الرفيعة من الله لا إلى ما سوى ذلك ومعنى قوله: بين كريمين مؤمن بين أب مؤمن تقي هو أصله وابن مؤمن تقي هو فرعه فيكون له من الإيمان موضعه إيمان نفسه وموضعه بإيمان أبيه وإن كان دونه يرفعه الله إلى منزلته لتقربه عينه على ما روي أن الله ليرفع ذرية المؤمن إلى منزلته وإن كانوا دونه في العمل وقرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ويكون له موضعه أيضا بإيمان ابنه على ما روي أن الرجل إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاثة ولد صالح يدعو له أو علم منه أو صدقة جارية ومن جمع هذه الثلاثة فقد جمع خير الدنيا والآخرة.
стр. 1160
في الأكل متكئا
روي أنه ما رئى رسول الله ﷺ يأكل متكئا قط ولا يطأ عقبه رجلان وقال ﷺ : "أما أنا فلا آكل متكئا"، وسبب منع إيطاء عقبه هو ما روي جابر في حديثه الطويل الذي ذكر فيه دخول رسول الله ﷺ بيته قال: فقام رسول الله ﷺ وقام أصحابه فخرجوا بين يديه وكان يقول: "خلوا ظهري للملائكة"، وفي هذا ما قد دل على