← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 11816

المعتصر من المختصر من مشكل الآثار

جمال الدين الملطي

Полный текст (1 343 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

في المرور بين يدي المصلي روى عن رسول الله ﷺ قال: "لو يعلم المار بين يدي المصلي

стр. 107

ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه" المراد به أربعين سنة والله أعلم لأنه قد روى عنه من رواية أبي هريرة أنه قال: "لو يعلم الذي يمر معترضا بين يدي أخيه وهو يناجي ربه لكان أن يقف مكانه مائة عام خيرا له من الخطوة التي خطاها" وهذا متأخر لأن فيه زيادة في الوعيد وهو لطف بالعاصي ليمتنع عن اقتراب سببه والذي يروى عن المطلب بن أبي وداعة رأيت النبي ﷺ مما يلي باب بني سهم والناس يمرون بين يديه ليس بينه وبين القبلة شيء. ويروى عنه ليس بينه وبين الطواف سترة لا يعارض ما روى من النهي عن المرور ونهى المصلي عن الامتناع من الدفع لأن حديث المطلب إنما هو في الصلاة إلى الكعبة مع المعاينة والنهي عن المرور فيمن يتحرى الصلاة إلى الكعبة إذا غابت عنها ويحتمل في المعاينة ما لا يحتمل في المغايبة فإن الناس إذا تحلقوا الكعبة وصلوا جماعة لا بد أن تستقبل وجوه بعضهم بعضا ولا كراهة فيه بخلاف من غاب وصلى مستقبل وجوه الرجال فإنه يكره فكما اتسع لهم الصلاة مع استقبال الوجوه اتسع لهم بين يديه المرور تخصيصا للكعبة بهذا الحكم لأن الغالب استيلاء شرفها على القلوب بحيث يذهل عن الالتفات إلى غيرها فليس الخبر كالعيان.

стр. 108

في وقت العشاء عن النعمان بن بشير قال: أنا أعلم بوقت صلاة رسول الله ﷺ للعشاء الآخرة كان يصليها لسقوط القمر ليلة الثالثة فيه أنه كان يؤخر العشاء عن أول وقتها إلتماسا لوقت الفضل من وقتها كما كان يصلي غيرها في أفضل أوقاتها وكان يصلي الظهر في أيام الشتاء معجلا لها وفي الصيف مؤخرا والمغرب دائما معجلا وأما صلاة الصبح والعصر فكان يختلف في الساعتين اللتين كان يصليهما فيهما مثل الساعة التي كان يصلي فيها العشاء الآخرة لأنها

стр. 109

ساعة الفضل من وقتها وسقوط القمر لثلاث يكون بمضي ساعتين ونصف ساعة ونصف سبع ساعة من الليل.

стр. 110

في تسميتها العتمة عن ابن عمر ﵄ قال النبي ﷺ : "لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم إنما هي العشاء ولكنهم يعتمون عن إبلهم" فيه أن اسم هذه الصلاة العشاء وأن الذين يسمونها العتمة هم الأعراب وما روى معاذ قال النبي ﷺ : "اعتموا بهذه الصلاة فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم ولم تصلها أمة قبلكم". ليس فيه تسمية الرسول ﷺ إياها بالعتمة وإنما فيه أمرهم بالاعتام بها أي بالتأخير لها كما يقال أمسيت بالعصر ليس المساء اسم لها ولكن اخبار منك أنك أمسيت بها واسمها غير مشتق من المساء بها وحديث أبي هريرة مرفوعا لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا قد رواه ابن مسعود بخلافه قال رسول الله ﷺ : "ما صلاة أثقل على المنافقين من صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما من الفضل لأتوهما ولو حبوا". وتصحيح الحديثين أن الذي تعرفه العرب في اسمها العتمة لا غير وتسميتها في حديث أبي هريرة بناء على ما عهدته العرب وألفته ثم سماها الله تعالى بالعشاء في قوله: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ فعلم أن ما حكاه ابن مسعود في اسمها متأخرا عما حكاه أبو هريرة وسبب تسميتها بالعشاء أنها تصلى بعد أن تعشى الأبصار بالظلام الطاري عليها كما سميت الصبح لأنها تصلى عند الاصباح والفجر لأنها تصلى بقرب الفجر والظهر لأنها تصلى في الظهيرة والعصر لأنها تصلى عند الاعصار وهو التأخير ومنه قولهم عصرني حقي إذا أخره عن وقت أدائه والمغرب لأنها تصلى عند الغروب وما روى من قوله ﷺ : "من صلى العصرين

стр. 111

دخل الجنة". وقوله ﵇ لفضالة: "حافظ على العصرين" قلت: وما العصران؟ قال: "صلاة قبل غروب الشمس وصلاة قبل طلوعها" فالمراد بهما الفجر والعصر من باب التغليب فانتقلت أسماء الصلوات الخمس لأوقاتها التي تصلى فيها وارتفع التضاد والاختلاف بحمد الله ومنه.

стр. 112

في الوتر روى عن عمرو بن العاص قال أخبرني رجل من الصحابة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن الله تعالى قد زادكم صلاة فصلوها ما بين العشاء الآخرة إلى صلاة الصبح الوتر الوتر" ألا وإنه لو بصره الغفاري قال أبو ذر يا أبا بصرة أنت سمعت رسول الله ﷺ : "أن الله زادكم صلاة فصلوها فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر الوتر الوتر" فقال أبو بصرة: نعم, قال: أنت سمعته؟ قال: نعم قال: أنت سمعته؟ قال نعم. قوله: صلاة الصبح يحتمل نفس الصلاة فيجوز أداء الوتر بعد طلوع الفجر قبل صلاتها وقد روى عن علي الوتر ما بين الصلاتين ويحتمل أن يكون وقت صلاة الصبح الذي يعقب صلاة العشاء ويفسره الحديث الآخر الذي استفسره أبو ذر من أبي بصرة وقال خارجة بن أبي حذافة سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله قد أمركم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الوتر الوتر" روى ابن عمر مرفوعا: "إذا طلع الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر اوتروا قبل الفجر" وحديث أبي بكر وعمر مشهور قال ﷺ لأبي بكر: "أخذت بالحزم" حين قال: أوتر من أول الليل وقال لعمر: "أخذت بالقوة" حين قال أوتر آخره.

стр. 113

وعن ابن مسعود الوتر ما بين صلاة العشاء إلى الفجر وروى عنه سئل هل بعد الأذان وتر فقال نعم وبعد الإقامة وفي هذا ما دل على أنه مطلق عنده في الزمان كله وأهل العلم في ذلك على قولين فأبو حنيفة وأصحابه على أنه يقضي مطلقا كسائر الفوائت. وقال مالك والشافعي إنه يصلى فيما بين صلاة العشاء وصلاة الصبح ولا يصلى بعد ذلك والحق أنه إذا صلى بعد خروج الليل فيما قرب منه وجب أن يصلي فيما بعد منه لأن الصلوات منها لا تقضى بعد خروج وقتها في قرب ولا بعد كالجمعة ومنها ما تقضى بعد ذهاب وقتها في قرب وبعد وهي المكتوبات فينبغي أن يكون الوتر كذلك.

стр. 114

في القنوت روى عن عبد الله بن مسعود قال: بت مع رسول الله ﷺ لأنظر كيف يقنت في وتره فقنت قبل الركوع ثم بعثت أم عبد فقلت لها بيتي مع نسائه فانظري كيف يقنت فأتتني فأخبرتني أنه يقنت قبل الركوع قد كان ابن مسعود على ذلك روى علقمة عنه وروى جماعة من الصحابة أنه ﷺ كان يقنت في الوتر قبل الركوع. منهم أبي بن كعب قال كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث ركعات لا يسلم فيهن حتى ينصرف يقرأ فيها سورة الأعلى وقل يا أيها الكافرون والاخلاص ويقنت قبل الركوع وبعد الانصراف يقول: "سبحان الملك القدوس" مرتين يرفع صوته ويجهر بالثالثة ومنهم عبد الله بن عباس في حديثه عن مبيته عند خالته ميمونه والقياس يشهد لهذا القول لأن القنوت زائد فيه على غيرها من الصلاة كالتكبير الذي هو زائد في صلاة العيد على غيرها وأنه قبل الركوع وكان علي وابن مسعود يقنتان قبل الركوع ويكبران قبل القنوت ولا يعلم هذا إلا توقيفا وروى طارق قال صليت خلف عمر صلاة الصبح فلما فرغ من القراءة في الثانية كبر ثم قنت ثم كبر

стр. 115

فركع والذي روى من فعل هؤلاء الثلاثة الأعلام أولى بالأخذ مما روى عائشة: علمني الحسن بن علي أن رسول الله ﷺ كان إذا فرغ من القراءة في الثالثة من الوتر قال قبل الركوع: "اللهم اهدني فيمن هديت" الحديث لأن من حفظ شيئا كان أولى ممن قصر عنه.

стр. 116

في سنة الفجر عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : "لا تتركوا ركعتي الفجر وإن طردتكم الخيل" وعن عائشة قالت: لم يكن رسول الله ﷺ على شيء من النوافل أشد معاهدة منه على ركعتي الصبح وعنهما مرفوعا: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" وينبغي أن يصليهما في البيت لمنع رسول الله ﷺ من صلاهما في المسجد روى عبد الله بن بحينة أن رسول الله ﷺ خرج لصلاة وابن القشب يصلي فضرب رسول الله ﷺ منكبه وقال: "يا ابن القشب تريد أن تصلي الصبح أربعا أو مرتين؟ " عن عائشة ﵂: خرج رسول الله ﷺ حين أقيمت الصبح فرأى ناسا يصلون ركعتي الفجر فقال: "أصلاتان معا؟ ". وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" وأوقفه بعضهم وفيما تقدم من منع رسول الله ﷺ الناس أن يصلوا ركعتي الفجر في المسجد ما يغني عنه لأنه إذا منع عن صلاتها في المسجد قبل أن تقام الصلاة فالمنع من ذلك بعد الإقامة أوكد فالواجب علينا امتثال ما أمرنا به من صلاة ركعتي الفجر في منازلنا قبل أن نأتي المسجد ما لم تدع إلى ذلك ضرورة روى أن رسول الله ﷺ لما نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس صلى بعد أذان بلال لها ركعتي الفجر ثم صلى صلاة الفجر في موطن واحد. فدل على إباحة صلاتهما في الموطن الذي يصلى فيه الفرض عند مثل

стр. 117

هذه الضرورة وروى أن سعيد بن العاص طلب أبا موسى وحذيفة وابن مسعود قبل أن يصلي الغداة فسألهم كيف نصلي صلاة العيد فأجابه عبد الله بما أجابه ثم خرجوا من عنده وقد أقيمت الصلاة فجلس عبد الله إلى اسطوانة من المسجد فصلى الركعتين ثم دخل في الصلاة. وذلك والله أعلم أنه دعاهم من الليل وامتد بهم الأمر إلى وقت لم يكونوا يظنون به فدعته الضرورة إلى أن صلاهما في المسجد خشية الفوات وعن أبي الدرداء أنه قال إني لأجيء إلى القوم وهم في الصلاة فأصلي الركعتين ثم انضم إلى الصفوف. وذلك عندنا على ضرورة دعته إليه والآثار بمنها في المسجد ستجيء في باب التنفل بعد الجمعة وما روى الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن أبيه عن جده قيس بن فهد أنه صلى مع رسول الله ﷺ الصبح ولم يكن صلى ركعتي الفجر فلما سلم رسول الله ﷺ قام فركع ركعتي الفجر ورسول الله ﷺ ينظر إليه فلم ينكر ذلك عليه فهو من الأحاديث التي لا يحتج بمثلها لعله في روايته ذكرت مفصلة في المطول. وروى عن أبي هريرة ﵁ بإسناد أحسن من هذا أنه قال كان النبي ﷺ إذا فاتته ركعتا الفجر صلاهما إذا طلعت الشمس وروى عن ابن عمر والقاسم بن محمد أنهما كانا يفعلان ذلك.

стр. 118

في صلاة القاعد روى عن عمر أن ابن حصين أنه قال كان به باسور فسأل النبي ﷺ عن الصلاة فقال: "صل قائما فإن لم تقدر فقاعدا فإن لم تقدر فعلى جنب" وفيما روى عنه أنه قال: سألت النبي ﷺ عن صلاة الرجل قاعدا فقال: "من صلى قائما فهو أفضل ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم

стр. 119

ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد". لا اختلاف بين الحديثين لأن الأول في الفرائض والثاني في النوافل ثم المتطوع إذا صلى قاعدا مع قدرته على القيام له نصف أجر القائم ولو لم يكن له قدرة على القيام يكتب ثوابها وهو قاعد كما كان يصليها وهو قائم وقوله: "من صلى نائما" يعني يقدر على الصلاة قاعدا ولا يقدر على السجود لأن الذي يقدر على السجود فليس له أن يصلي نائما على جنبه فعقلنا بذلك أنه النائم القادر على أن يصلي قاعدا يومي بالركوع والسجود فصلى نائما يومي بهما اختيارا منه لذلك فاستحق بذلك نصف أجر القاعد وهو ربع أجر القائم

стр. 120

في هيئة القعود روى عن مجاهد عن مولى السائب عن السائب قال رسول الله ﷺ : "القاعد على النصف من صلاة القائم غير متربع" فيه ما يدل على نقص صلاة القاعد متربعا عن قاعد غير متربع ولا يحتج بمثله لأن مولى السائب مجهول والراوي له عن مجاهد إبراهيم بن مهاجر وليس بالقوى وكذا ما روى عن ابن مسعود ﵁ لأنه أجلس على رضفين أحب إلي من أن أتربع في الصلاة. لا حجة فيه لأنه يحتمل أن يكون المراد التربع في القعود للتشهد وهو منهي عنه وقد روى عن عائشة ﵂ بإسناد صحيح قالت: رأيت النبي ﷺ صلى متربعا فكان هذا الحديث أولى من حديث مولى السائب وروى الحسن عن أمه أنها رأت أم سلمة تصلي متربعة من رمد كان بها. وعن إبراهيم بن أبي عبلة أنه رأى أم الدرداء تصلي متربعة ويؤيد النظر وهو تحصيل الفرق بين القعود الذي هو بدل من القيام وقعود التشهد كما فرق بين الإيماء للركوع وبين الإيماء للسجود وفيما ذكرنا صحة قول أبي حنيفة وصاحبيه في أمرهم العاجز عن القيام في الصلاة أن يتربع بدلا من قيامه خلاف ما يقول زفرا بالتسوية بينهما.

стр. 121

فيمن نام عن حزبه عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل" لما تفضل الله تعالى بنسخ فرض قيام الليل تخفيفا محضا بقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ لم يحلهم من الحض على قيامه وأخذ الحظ منه بقوله: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ ندبا فإنه قال: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ . فإذا كان في حقه نافلة كان لأنته أحرى أن يكون نافلة ثم زاد في التفضل بأن وسع الأمر عليهم في نيل ثوابه واستنجاز وعده المحمود إذا قطعهم عن ذلك مرض أو سفر أو عائق وأقام طائفة من النهار مقام طائفة من الليل وجعل القراءة فيها كالقراءة فيها والقيام فيها كالقيام فيها رحمة منه لهم واشفاقا عليهم.

стр. 122

في الأوقات المكروهة روى زر عن عبد الله قال: كنا ننهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعن غروبها ونصف النهار. وروى عن عقبة بن عامر قال: ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيها أو نقبر فيها موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل وحين تنصب الشمس للغروب حتى تغرب وخرج الآثار بذلك من طرق كثيرة بألفاظ مختلفة ومعان متفقة في بعضها فإن الشمس تطلع بين قرني الشيطان وهي ساعة صلاة الكفار فدع الصلاة حتى ترتفع ويذهب شعاعها.

стр. 123

وفي بعضها حتى ترتفع قدر رمح لا خلاف أن التطوع كله قد دخل في النهي المذكور في هذه الآثار غير أن مالكا ﵀ ذهب إلى أن الصلاة غير منهي عنها عند قيام الشمس لأنها كما تقوم تميل من غير أن يتخللها زمان يتهيأ فيه صلاة ولكن رسول الله ﷺ هو الحجة ولم ينه إلا عن ممكن وقد وجدناها تقوم وتكون شبه المضطربة مدة ما ثم تزول وأبا يوسف والشافعي استثنيا يوم الجمعة عند قيام الظهيرة واحتجا في ذلك بآثار فيها استثناء يوم الجمعة من النهي لم نجد لها صحة ولا رويت عن ثبت ممن يؤخذ عنهم العلم وإنما هي آثار منقطعة لا أسانيد لها وما كان مثل هذا لم يجز الاحتجاج به وقد احتج لهما بعض بأنه لما أمر رسول الله ﷺ بالابراد بصلاة الظهر في الحر ولم يأمر بذلك في يوم الجمعة علم أن يوم الجمعة مخصوص بمعنى لم يوجد في سائر الأيام ورد بأن الابراد بعد الزوال والوقت المنهي عن الصلاة فيه عند قيام الشمس وهما مختلفان لكل منهما حكم غير حكم صاحبه. واختلف أهل العلم في قضاء المكتوبات في هذه الساعات فقيل لا يجوز فيها شيء من المكتوبات إلا عصر اليوم الذي يصلى فيه وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ﵏ لأن آخر وقت العصر غروب الشمس فأخرجوها من عموم النهي في ذلك الوقت والقياس أن يكون آخر وقتها تغير الشمس لأن كل وقت سوى ذلك الوقت يجوز أن تصلى فيه الفرائض يجوز أن تصلى فيه النوافل وما لا فلا وهذا قول أبي بكرة الصحابي روى عن ابنه يزيد أنه قال: واعدنا أبو بكرة إلى أرض له فسبقنا إليها فأتيناه ولم يصل العصر فوضع رأسه فنام ثم استيقظ وقد تغيرت الشمس فقال: أصليتم العصر؟ فقلنا: لا قال: ما كنت أنتظر غيركم فأمهل عن الصلاة حتى غابت الشمس ثم صلاها فهذا هو القياس في هذا الباب وذهب مالك والشافعي إلى أن المنهي عنه هو التطوع لا غير والقياس يرد ذلك لأن النبي ﷺ نهى عن الصلاة في أوقات كما نهى عن الصيام في أيام من العام

стр. 124

فكما لم يجز الصيام في الأيام الخمسة تطوعا وفرضا لا يجوز أن تقضى تلك الأوقات صلاة فريضة ولا يصلى فيها تطوع. فإن قيل ورد النهي بعد صلاة الصبح إلى أن تطلع الشمس وبعد صلاة العصر إلى أن تغرب وخص بالتطوع اتفاقا وصح قضاء الفائتات فيهما فليكن النهي في هذه الأوقات كذلك لأن أحكام الصلاة بأحكام الصلاة أشبه من الصيام قلنا: النهي فيهما لمعنى في الصلاة بدليل أن من صلى العصر أو الصبح ليس له أن يصلي فيهما التطوع ومن لم يكن صلاهما له أن يصلي فيهما والوقت بالنسبة إليهما واحد في الأوقات الثلاثة النهي لمعنى في الوقت لاستواء جميع الناس فيه كالمانع من الصيام في الأيام الخمسة هو الوقت لا ما سواه فلذلك صح قياس الصلاة في تلك الأوقات على الصيام في تلك الأيام ولم يصح قياسها على الصلاة بعد الصبح وبعد العصر وما روى من قوله ﵇: "من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح أو فليصل إليها أخرى ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب فقد أدرك العصر" يحتمل أن يكون النهي في هذه الأوقات ناسخا لذلك ويحتمل أن يكون منسوخا بهذا وإذا احتملا ارتفعا ورجع الأمر فيه إلى ما يجب الرجوع إليه عند عدم الدليل من الكتاب والسنة والاجماع وهو القياس الذي ذكرنا وقد روى عن ابن عمر ﵁ في الأوقات الثلاثة ما يدل على أنه لا تصلى فيها نافلة ولا فريضة وهو أنه منع الصلاة على الجنازة فيها وهي فرض كفاية وأجازها بعد صلاة الصبح والعصر إذا صليتا لوقتهما المختار بحيث يبقى من وقتها ما يصلى فيه على الجنائز كذلك روى نافع عنه.

стр. 125

فيمن نام عن صلاة عن أبي قتادة ﵁ سرينا مع رسول الله ﷺ في

стр. 126

غزوة وعرسنا فما استيقظنا حتى أيقظنا حر الشمس فجعل الرجل منا يثب جزعا دهشا فاستيقظ رسول الله ﷺ فأمرنا فارتحلنا من مكاننا حتى ارتفعت الشمس ثم نزلنا فقضى القوم حوائجهم ثم أمر بلالا فأذن فصلى ركعتين فأقام فصلى الغداة الحديث مذكور بطرق كثيرة بمعان متفقة وزيادات في بعضها وفيه من تأخير رسول الله ﷺ صلاة الصبح إلى ارتفاع الشمس ما يدل على أنه لا يصلى الفوائت عند الطلوع لأنه لا يظن به التأخير مع جواز فعله حينئذ وبه احتج أبو حنيفة ﵁ وخالفه في ذلك الشافعي وغيره وقالوا سبب تأخيره حضور الشيطان إياهم في ذلك الوادي على ما ورد فيه من قوله ﵇: "تحولوا عن هذا المكان الذي أصابتكم فيه الغفلة" ومن قوله: "ليأخذ كل واحد منكم برأس راحلته فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان" وما أشبه ذلك ورد بأن حضور الشيطان لا يصلح مانعا إذ قد عرض للنبي ﷺ في صلاته فلم يخرج منها حتى أتمها وقال: "لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان المدينة". والحديث مشهور في الصحاح فاستحال أن يكون التأخير لذلك سيما وفي حديث أبي قتادة أنه أخر الصلاة إلى أن ارتفعت الشمس ثم صلاها ففيه أن تأخيره إنما كان ليحل وقت الصلاة لا لما سواه وما ورد من قولهم فما أيقظنا إلا حر الشمس لا دليل فيه على الارتفاع قبل الاستيقاظ إذ يحتمل أن يكون طلعت بحرارتها كما هو موجود بالحجاز في حرها إلى الآن ثم ممن روى هذا الحديث عمران بن الحصين قال عرسنا مع رسول الله ﷺ فلم نستيقظ إلا بحر الشمس فاستيقظ منا ستة ثم استيقظ أبو بكر ﵁ فجعل يمنعهم أن يوقظوه ويقول: لعل الله تعالى أن يكون احتبسه في حاجته فجعل أبو بكر يكبر حتى استيقظ. ففيه أنه ﷺ نام نوما ذهب عنه به الفهم بقلبه وفي ذلك نوم قلبه إذ لو لم يكن كذلك لما خفي عليه استيقاظ الجماعة ولا احتاج أبو بكر

стр. 127

إلى متابعة التكبير حتى يوقظه وهو يخالف ما قال لعائشة ﵂: "يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي" ظاهرا ولكن الذي أخبر به عن نفسه لعائشة هو الذي كان الأمر عليه وهو علم من أعلام النبوة أبانه الله تعالى به عمن سواه من خلقه, وكان نومه في الوادي كنوم من سواه لمعنى أراد الله سبحانه به أن يكون سببا لما يفعل من بعده في مثل تلك الحال لما روى أنه قال: "لو شاء الله لم تناموا ولكن أراد أن يكون سنة لمن بعدكم فيمن نام أو نسي" إذ يجوز أن يقال: كان ينبغي أن تسقط بعد خروج الوقت كالجمعة أو لا تجب الصلاة على النائم لأن وقتها لم يمر عليه إلا والقلم مرتفع عنه قال رسول الله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق" فعلموا بذلك من فعله ومن قوله, ما لم يكونوا علموه قبل ذلك فبان بحمد الله أن لا تضاد في شيء من هذه الآثار.

стр. 128

في التنفل بعد صلاة العصر عن وهب بن الأجدع قال: سمعت عليا ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا تصلوا بعد العصر إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة" وذكره من طرق وليس هذا بخلاف لما روى أن علي بن أبي طالب ﵁ سبح بعد العصر ركعتين في طريق مكة فتغيظ عليه عمر ﵁ وقال والله لقد علمت أن رسول الله ﷺ كان ينهى عنها. لأنه يحتمل أن يكون علي ﵁ صلى والشمس عنده مرتفعة الارتفاع الذي يبيح الصلاة وكان عند عمر ﵁ على خلاف ذلك فالاختلاف بينهما حينئذ يكون في الارتفاع المبيح لا فيما علمناه من رسول الله ﷺ ثم كان النهي عن الصلاة بعد العصر وإن كانت مرتفعة حتى تغيب فوقف عمر ﵁ عليه ولم يبلغ ذلك عليا وكان على ما روى وهب عنه وروى عن ابن عباس ﵁ أنه قال: شهد عندي رجال مرضيون وارضاهم عندي عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع

стр. 129

الشمس وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب وسئلت عائشة ﵂ كيف كان يصنع رسول الله ﷺ بعد الظهر والعصر قالت كان يصلي الهجير ثم يصلي بعدها ركعتين ثم يصلي العصر ثم يصلي بعدها ركعتين فقيل لها: إن عمر يضرب رجلا يصلي بعد العصر ركعتين فقالت: لقد صلاهما عمر ﵁ ولكن قومك أهل اليمن طغام فكانوا إذا صلوا الظهر صلوا بعدها إلى العصر وإذا صلوا العصر صلوا بعدها إلى المغرب فقد أحسن فيحتمل أن يكون الأمر عند عائشة ﵂ كما كان عند علي ﵁ وما وقفت على ما كان عند عمر ﵁ من النهي بعد صلاة العصر حتى تغرب والأخذ بما عند عمر ﵁ أولى مما كان عندهما لأنه قد دخل فيه ما كان عندهما وزاد عليه ما لم يكن عندهما والزيادة أولى ويكون النهي المتأخر ناسخا والله أعلم.

стр. 130

في الإشارة في الصلاة روى أبو بكرة أن النبي ﷺ دخل في صلاة الصبح فأومى إليهم أن مكانكم ثم جاء ورأسه يقطر ماء فصلى بهم ورواه أنس أيضا كذلك وعن غيرهما من الصحابة أن الذي كان من رسول الله ﷺ حينئذ قيامه قيام المصلي لا أنه دخل بتكبير قال: أقيمت الصلاة وصف الناس صفوفهم فخرج رسول الله ﷺ حتى قام مقامه ثم ذكر أنه لم يغتسل فقال: "مكانكم" فانصرف إلى منزله فاغتسل ثم خرج حتى قام مقامه ورأسه يقطر ماء ورواه أبو هريرة ﵁ فهذا الاختلاف إنما هو من حكايات الصحابة ونحن نجيب عنهم بما يرفعه ويعود إلى الوفاق فنقول معنى دخل في الصلاة على معنى قرب دخوله فيها كما قال تعالى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ الآية إذا لا مساك بعد انقضاء العدة لا يكون ومثله تسمية ابن إبراهيم ذبيحا لقربه من الذبح والله أعلم.

стр. 131

في إمامة أبي بكر ﵁ ... في إمامة أبي بكر روى عن عائشة ﵂ قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ جاءه بلال يؤذنه الصلاة فقال: "ائتوا أبا بكر فليصل بالناس" قالت: فقلت: يا رسول الله لو أمرت عمر أن يصلي بهم فإن أبا بكر رجل أسيف ومتى يقوم مقامك لا يسمع الناس, قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" فأمروا أبا بكر فصلى بالناس فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله ﷺ خفة فقام يهادي بين رجلين ورجلاه تخطان في الأرض فلما سمع أبو بكر حسه ذهب ليتأخر فأومى إليه أن "صل كما أنت" فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس عن يسار أبي بكر فكان رسول الله ﷺ يصلي بالناس وأبو بكر يقتدي بالنبي ﷺ وهو قائم والناس يقتدون بأبي بكر وعنهما ﵄ من رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قالت ثم إن رسول الله ﷺ وجد من نفسه خفة فخرج يهادي بين رجلين لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فومى إليه أن لا تتأخر وقال لهما: "أجلساني إلى جنبه" فأجلساه إلى جنب أبي بكر فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي ﷺ والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي ﷺ قاعد قال عبيد الله" فدخلت على ابن عباس فعرضت حديثها عليه فما أنكرت من ذلك شيئا في الحديث الأول عود أبي بكر مأموما وكان رسول الله ﷺ إماما والناس كلهم مقتدون بصلاته ﷺ وفي الحديث الثاني استمراره على إمامته التي كان قبل حضور النبي ﷺ وهو قائم يصلي بصلاة النبي ﷺ وهو قاعد والحديثان عن عائشة والثاني عن ابن عباس أيضا وإذا تعارضا فما روى عن عائشة ﵂ ارتفع وثبت ما روى عن ابن عباس ﵄ وقد روى عنها قالت: صلى النبي ﷺ في مرضه الذي توفى فيه خلف أبي بكر قاعدا

стр. 132

وروى عنها أن أبا بكر صلى بالناس ورسول الله ﷺ بالصف ففي هذين الحديثين أنه ﷺ كان مصليا بصلاة أبي بكر مأموما فيها ثم نظرنا في قول ابن عباس وعائشة فكان أبو بكر يصلي بصلاة النبي ﷺ فوجدنا محتملا أن المراد كان يصلي بقدر طاقته ﷺ عليها للمرض الذي كان فيه إذ طاقة المريض ليس كطاقة الصحيح وقد كانت السنة التي أمر الأئمة بها أن يصلوا بصلاة أضعفهم قال عثمان بن أبي العاص: أمرني رسول الله ﷺ أن أؤم الناس وأن أقدرهم بأضعفهم فإن فيهم الكبير والسقيم والضعيف واذا الحاجة وكان هذا أولى مما حمل لأن الناس في تلك الصلاة لم يكن لهم إمامان ولما كان أبو بكر ﵁ هو الإمام فيها بالناس وجب أن يكون هو الإمام فيها بالنبي ﷺ أيضا وحقق ذلك ما روى عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان في تلك الصلاة خلف أبي بكر واستدلال بعض على أن الإمام كان النبي ﷺ بما روى عنها وكان النبي ﷺ بين يدي أبي بكر يصلي قاعدا وأبو بكر يصلي بالناس والناس خلفه غير متضح إذ من أهل العلم من يجوز للمأموم أن يصلي بين يدي الإمام كما يصلي خلفه منهم مالك مع ما روى أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى خلف أبي بكر في ثوب واحد برد مخالف بين طرفيه فكانت آخر صلاة صلاها وكيف يجوز أن يكون احد إماما لغيره في صلاة قد دخل فيها ذلك الغير قبله ثم يلزم من كون أبي بكر إماما وجوب سجدة السهو عليه ووجوب القراءة عليه ومن كونه مأموما يلزم عدم وجوب السجود بسهوه وعدم وجوب القراءة فكيف يخرج من صلاة هذا حكمها إلى صلاة أخرى حكمه ضده بلا تكبير يستانفه لها وكيف يظن ذلك بأبي بكر وقد كان من السنة أن لا يسبقوا الأئمة بالركوع والسجود في الصلاة التي يصلونها

стр. 133

معهم وأن يكونوا مقتدين بهم لا مخالفين لهم فيه فإن قيل أليس أن رسول الله ﷺ كبر بالناس في صلاة ثم تذكر أن عليه غسل فأومى إليهم أن يكونوا مكانهم حتى مضى واغتسل ثم رجع فصلى بهم ففيه دخول القوم في الصلاة قبل دخول إمامهم فيها. قلنا: قد ذكرنا أنه ما دخل فيها حقيقة بل قام مقام المصلي فلا يصح الاستدلال بذلك وما روى أن معاذا لما صلى العشاء مع النبي ﷺ ورجع على عادته يؤم قومه فقرأ سورة البقرة فتنحى رجل من خلفه فقيل له أنافقت فأتى الرجل النبي ﷺ وأخبره بما كان من معاذ ومنه فقال ﷺ لمعاذ: "أفتان أنت؟ " مرتين لا دليل فيه على جواز خروج المأموم من صلاة نفسه بغير استئناف تكبير إذ يحتمل أنه صلى بتكبير استأنفه لها وكذا لا دليل فيما يحتج به من حديث يزيد بن رومان في صلاة الخوف بذات الرقاع أنه ﷺ صلى بكل طائفة ركعة إذ كانت الطائفة الأولى قد خرجت من الائتمام إلى صلاة أنفسهم فأتموها قبله لأنه روى عن جابر قال أقيمت الصلاة هناك فصلى رسول الله ﷺ بطائفة ركعتين وتأخروا وصلى رسول الله ﷺ بالطائفة الأخرى ركعتين فكان لرسول الله ﷺ أربع ركعات وللقوم ركعتان وهذا خلاف ما في حديث يزيد بن رومان وإذا تكافأت الروايتان ارتفعتا ولم يكن في واحدة منهما حجة على من خالفه.

стр. 134

في إمامة الجالس لا يحتج على متابعة الإمام في الجلوس وإن كان للمأموم قدرة على القيام بما روى عن عائشة ﵂ أنها قالت: صلى رسول الله ﷺ وهو شاك فصلى جالسا فصلى وراءه قوم قياما فأشار إليهم أن اجلسوا فلما انصرف قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون" وفي رواية جابر قال بعد الانصراف: "كدتم

стр. 135

أن تفعلوا فعل فارس والروم بعظمائهم ائتموا بأئمتكم فإن صلوا قياما فصلوا قياما وإن صلوا جلوسا فصلوا جلوسا" وخرجه من رواية أنس وأبي هريرة وعبد الله بن عمر بزيادة ألفاظ في بعضها على بعض مع اتفاقها على أمر النبي ﷺ باتباع الإمام في الجلوس لأنه روى عن رسول الله ﷺ أنه كان حاله في مرضه الذي توفى فيه خلاف ما في هذه الآثار فكان ناسخا لها وروى أرقم بن شرحبيل عن ابن عباس ﵄ قال: أن رسول الله ﷺ لما مرض مرضه الذي مات فيه كان في بيت عائشة فقال: "ادعوا لي عليا" إلى أن قال: "ليصل بالناس أبو بكر" فتقدم أبو بكر فصلى بالناس ووجد رسول الله ﷺ من نفسه خفة فخرج يهادي بين رجلين فلما أحسه أبو بكر ذهب يتأخر فأشار إليه أن مكانك فاستتم رسول الله ﷺ من حيث انتهى أبو بكر من القراءة وأبو بكر قائم ورسول الله جالس فائتم أبو بكر برسول الله وائتم الناس بأبي بكر فما قضى رسول الله ﷺ الصلاة حتى ثقل فخرج يهادي بين رجلين وإن رجلاه١ لتخاطان بالأرض فمات رسول الله ﷺ ولم يوص ففيه أنه ﷺ صلى بالناس جالسا وأبو بكر قائما والناس كذلك فدل ذلك على نسخ ما كان منه في تلك الآثار. فإن قيل أن النبي ﷺ في آخر صلاته كان مأموما لا إماما قالت عائشة صلى رسول الله ﷺ في مرضه الذي توفى فيه خلف أبي بكر قاعدا وروى عن أنس مثله قلنا الأصل أن تحمل الآثار على الاتفاق ولا تحمل على التنافي مهما أمكن وكان أبو بكر يصلي بالناس أيام تخلفه ﷺ عن الصلاة فيها لمرضه فما في حديث عبيد الله عن عائشة وابن عباس دل على أنه كان النبي ﷺ هو الإمام وما كان في حديث أنس وعائشة ففي صلاة أخرى صلاها خلف أبي بكر مأموما فعقلنا أن رسول الله ﷺ قد كان صلى بالناس جالسا ومن خلفه قيام وحقق ذلك ما في

стр. 136

حديث الأرقم من أخذه ﷺ في القراءة من حيث انتهى أبو بكر ولا يكون ذلك إلا وهو الإمام ودل بما انتهى إليه أبو بكر في القراءة أنها صلاة يجهر فيها بالقراءة لأن المأموم لا يقرأ خلف الإمام فيما يجهر فيه بالقراءة إلا ما قالت طائفة أنه يقرأ بالفاتحة خاصة وفي حديث الأسود عن عائشة ﵂ أن جلوسه كان عن يسار أبي بكر وذلك مقام الإمام لأن أبا بكر عاد بذلك عن يمينه وجلوسه عن يسار أبي بكر دليل على أنه أراد الإمامة لا الائتمام فيها بغيره إذ لو أراد الائتمام بأبي بكر لجلس خلفه كما فعل في يوم بني عمرو بن عوف لما ذهب ليصلح بينهم فجاء وأبو بكر يصلي بالناس وساق الحديث من طرق وكذلك فعل إذ ذهب لحاجته فجاء وعبد الرحمن بن عوف يؤمهم وقد صلى بهم ركعة فصلى خلفه ركعة وقضى الركعة التي فاتته ومذهب الإمام أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر والشافعي تجويز إمامة القاعد الراكع والساجد القوام الذين يركعون اتباعا عالما روى عن رسول الله ﷺ وموافقة للقياس الصحيح لأن القعود لما كان بدلا من القيام كان فاعل البدل كفاعل والذي يروى من المبدل منه فجاز أن يكون القاعد إماما للقائم ومذهب مالك ومحمد عدم الجواز والذي يروي عن رسول الله ﷺ كان مخصوصا به وليس لأحد من أمته سواه قلنا الأصل عدم التخصيص عند عدم التوقيف.

стр. 137

فيمن هو أحق بالإمامة عن أبي مسعود الأنصاري قال رسول الله ﷺ : "يؤم القوم اقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سنا ولا يؤم الرجل في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه" وروى مرفوعا: "يؤم القوم أقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سنا فإن كانوا في ذلك سواء فأقرؤهم وروى يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء

стр. 138

فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سنا". وروى "ليؤمكم أقرؤكم فإن كانت القراءة واحدة فأقدمكم هجرة فإن كانت الهجرة واحدة فأعلمكم بالسنة فإن كانت السنة واحدة فأقدمكم سنا ولا يؤم الرجل في بيته ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه" والحديث الأول أولى لأن النظر يعضده لأن الإمامة مدارها على أربع مراتب وهي الأقرأ والأعلى والأقدم والأكبر لكن القراءة والسنة مضمنة بالصلاة لا بد لها منهما والهجرة والسن ليس كذلك وإنما يستعملان فيها أدبا لا فرضا بدليل جواز صلاة من أم مهاجريا ومن فوقه في السن وإن كان الأولى أن يؤتم بهما ولا يؤمهما ثم الهجرة على المرتبتين الثانيتين فكذا القراءة أعلى المرتبتين الأولين. قال القاضي: قدم السن إنما يعتبر إذا تساويا في الإسلام حتى لا يقدم الأقدم في السن على الأقدم في الإسلام لأن لقدم الإسلام زيادة فضيلة ليست لقدم السن مع عدم الإسلام وقد يقدم الأسن مطلقا في التكلم وما أشبهه من أمور الدنيا ويتوخى في تقديم من يكون أدعى إلى بلوغ الغرض المقصود من ذلك إذا الأسن قد يكون السن والحن بمعانيه انتهى. وأما قوله ﷺ : "لا يؤم أمير في إمارته" فقد دخل تحت إطلاقه صلاة الجنازة أيضا كمذهب أبي حنيفة وأصحابه أن لا يصلى على الجنازة إلا الأمير إذا حضر لما روى أن الحسين بن علي ﵄ قال لسعيد بن العاص يوم مات الحسن بن علي ﵄ تقدم فلولا أنها سنة ما تقدمت وهو القياس لأنها من الفروض العامة التي تسقط عنهم بقيام الخاصة لأن على المسلمين الصلاة على جنائزهم كما عليهم غسلهم ومواراتهم فمن قام بذلك منهم سقط عن بقيتهم فوجب أن يكون الأمير أحق به إذا حضرها كالإمامة في المكتوبات في المساجد إذا حضرها لأن إقامة الجماعة في المساجد واجبة على المسلمين ومن قام بذلك منهم سقط عن بقيتهم وخالفهم الشافعي في صلاة الجنازة لأنها عنده من الفروض الخاصة.

стр. 139

في إمامة الصبي عن عمرو بن سلمة قال كنا بحاضر يمر بنا الناس إذا جاؤا من عند رسول الله ﷺ فيقولون قال رسول الله وقال رسول الله وكنت غلاما حافظا فحفظت من ذلك قرآنا كثيرا فوفد أبي في ناس من قومه إلى رسول الله ﷺ فعلمهم الإسلام وقال: "ليؤمكم أقرؤكم" فلم يكن في القوم أحد أقرأ مني فكنت أؤمهم وأنا ابن سبع سنين أو ثمان وعلي بردة لي فكنت إذا سجدت انكشفت فمرت بنا ذات يوم امرأة وأنا أصلي بهم فقالت: واروا عنا عورة قارئكم هذا, فاشتروا لي قميصا يمانيا فلم أفرح بشيء بعد الإسلام ما فرحت بذلك القميص, وله طرق كثيرة ذهب قوم منهم الشافعي إلى إجازة إمامة الصبيان الرجال إذا عقل الصلوات الخمس بهذا الحديث وخالفهم جماعة منهم أبو حنيفة وأصحابه فلم يجيزوا صلاة من عليه تلك الصلاة خلف من ليست عليه لأن تقديم عمرو لم يكن بأمر النبي ﷺ وإنما كان بتقديم قومه لقلة علمهم دل عليه ائتمامهم به مكشوف العورة ولا يقال كان في عهده ﷺ لأنه لم يقف عليه فلم يكن حجة ألا ترى أن رفاعة الأنصاري وهو من جلة الصحابة ومن نقباء الأنصار وممن شهد بدرا لما ذكر لعمر بن الخطاب ﵁ أنهم كانوا على عهد رسول الله ﷺ يفعلونه يعني الاكسال ثم لا يغتسلون على ما كانوا يرون أن لا ماء إلا من الماء فقال عمر أفسألتم النبي ﷺ عن ذلك فقال لا فقال لئن أخبرت بأحد يفعله ثم لا يغتسل لأنهكنه عقوبة بعد أن اختلف عليه في ذلك الصحابة فأصفق أكثرهم على أن الماء لا يكون إلا من الماء فأرسل إلى أزواج النبي ﷺ يسئلهن عن ذلك فقالت عائشة: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل فإذا لم يكن رفاعة بن رافع فعلمهم إلى عهد رسول الله ﷺ حجة إذ لم يعرف أنه ﷺ وقف عليه فحمده منهم فأحرى أن لا يكون تقديم عمرو وهو صغير حجة.

стр. 140

في قصر الصلاة روى عبد الرحمن بن الأسود عن عائشة ﵂ أنها اعتمرت من المدينة إلى مكة مع رسول الله ﷺ حتى إذا قدمت مكة قالت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي قصرت وأتمت وأفطرت وصمت قال: "أحسنت يا عائشة" وما عاب علي قد احتج بهذا من أباح الاتمام وهو حديث يبعد في القلوب مع أنه روى على خلاف هذا قالت خرجت مع النبي ﷺ في عمرة رمضان فأفطر رسول الله ﷺ وصمت وقصر وأتممت فلما قدمنا مكة قلت: يا رسول الله أفطرت وصمت وقصرت وأتممت. والمعروف عنها عمن هو فوق عبد الرحمن في الجلالة وهما عروة بن الزبير ومسروق أن الصلاة فرضت ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيدت في الحضر قال الزهري فقلت لعروة فما بال عائشة كانت تتم في السفر قال إنها تأولت ما تأول عثمان ﵁. فعلى ما روينا عنها فرض السفر ركعتان كما فرضها في الحضر أربعا فكما كان من صلى ثمانيا في الحضر غير محسن لأنه خلط الفرض بالنفل كذلك من صلى بالسفر أربعا ولما نهى النبي ﷺ في حديث معاوية من صلى مكتوبة أن يصلي بعدها حتى يتقدم أو يتكلم وإن كان سلم كان نهيه لمن فعل ذلك وهو لم يسلم أوكد وكان فاعله في خلاف ما أمره به أكثر ولا يظن بعائشة ﵂ المخالفة وموضعها من الاقتداء برسول الله ﷺ على ما يجب أن يكون عليه مثلها كيف وقد وافقها ابن عباس ﵁ قال فرض رسول الله ﷺ الصلاة في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين فكما يتطوع في الحضر قبلها وبعدها فكذلك يصلي في السفر قبلها وبعدها فانتفى بما ذكرنا حديث عبد الرحمن عنها وثبت عنها حديثا مسروق وعروة. ولا يقال أن قوله ﷺ : "أن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة" يدل على أنها كانت في السفر أربعا لأنه لا يضع إلا ما قد كان ثابتا.

стр. 141

لأن وضعه تعالى إنما هو تركه فرض ما وضعه عمن وضعه عنه وإن لم يكن مفروضا عليه نظيره قوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة" الحديث ولم يكن ما رفع عنهم كان مكتوبا قبل ذلك عليهم وإنما معناه لم يكتب عليهم فكذا وضع الشطر عن المسافر عدم الكتابة عليه لا أنه كان مكتوبا قبل وضعه.

стр. 142

في اتمام عثمان روى أن عثمان ﵁ صلى بأهل منى أربع ركعات فلما سلم أقبل إليهم فقال: إني تأهلت بمكة وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من تأهل في بلدة فهو من أهلها فليصل أربعا" فلذلك صليت أربعا. وإنما قال ذلك لما أنكر الناس عليه الاتمام وفيه ما يدل على ما يقوله أبو حنيفة وأصحابه والشافعي ﵃ أن الإمام إذا كان من أهل مكة وكذا غيره من الحاج لا يقصرون الصلاة بمنى لأنهم في سفر لا يقصر في مثله وإليه ذهب عطاء ومجاهد وهما إماما الناس في الحج والنظر أيضا يوجب ذلك لأن قصر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ الصلاة بمنى في حجهم لا يخلو من ثلاثة معان لا رابع لها إما أن يكون للموطن الذي كانوا به وذلك منتف لاجماعهم أن من لم يكن حاجا ولا مسافرا يتم في ذلك الموطن وأما أن يكون للحجيج وهو منتف أيضا لاجماعهم أن الحاج من أهل منى يتمون الصلاة بمنى فلم يبق إلا أن يكون للسفر الذي يقصر في مثله وكان مالك ﵀ يقول في الحاج من أهل منى أنهم يتمون بمنى ومن أهل مكة وأهل عرفة يقصرون بمنى وأهل منى يقصرون بعرفة وإذا انتفى أن يكون قصر الصلاة إلا للسفر انتفى قول من قال أن غير المسافر يقصر بمنى حاجا كان أو غير حاج نقل عن مالك وابن القاسم في أحد قوليهما أن الحاج يقصر بمنى وإن لم يكن مسافرا لأنه منزل سفر وغير الحاج لا يقصر إذا لم يكن مسافرا اجماعا.

стр. 143

في سبب إتمام عائشة روى عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال لنسائه: "هذه الحجة ثم عليكن بظهور الحصر" وكن يحججبن غير زينب وسودة تقولان لا تحركنا دابة بعد أن سمعنا قول رسول الله ﷺ . وعن أبي واقد الليثي عن رسول الله ﷺ قال لنسائه في حجة الوداع: "هذه حجة الإسلام ثم ظهور الحصر" فزعم زاعم أن عائشة كان سبب تركها للقصر في أسفارها بعد النبي ﷺ ما كان من قوله لهن: "عليكن بظهور الحصر" وهو تأويل فاسد لأن عائشة ﵂ كانت أعلم بالله وأحكامه من أن تخالف رسول الله ﷺ في السفر وتترك القصر من أجل ذلك بل إنما تركته لأنها كانت لا تراه واجبا على أحد أو كانت تتأول كما تأول عثمان آنفا وكان تأويلها أنها أم المؤمنين فحيث ما حلت فهو دارها لأنها ما كانت تنزل إلا عند أولادها فكانت تعد نفسها مقيمة كما عد عثمان نفسه مقيما بمكة لما تأهل بها ثم الوجه في خروج بعضهن إلى الحج بعد قول النبي ﷺ لهن ما في هذين الحديثين وترك الخلفاء الانكار عليهن والله أعلم أنه قد روى عن عائشة ﵂ أنها قالت استأذن النبي ﷺ في الجهاد فقال: "جهادكن أو حسبكن الحج" وإنها قالت: يا رسول الله ألا نخرج نجاهد معكم فإني لا أرى عملا في القرآن أفضل منه؟ قال: "لا إن لكن أحسن الجهاد وأجمله حج البيت حج مبرور". يعلم منه دوام الحج لهن كدوام الجهاد فاحتمل أن يكون ذلك بعد الحديثين الأولين فوقفت على ذلك هي ومن سواها فأطلق لها ولمن وقفت على ذلك الحج ولم تقف على ذلك سودة ولا زينب فلزمتا الحصر وكلهن رضوان الله عليهن على ما كن عليه محمودات وكذلك الخلفاء وسائر الصحابة ﵃ في تركهم الخلاف عليهن محمودون لعلمهم ما علموا

стр. 144

من ذلك ولا يجوز أن يحمل الأحاديث على ما قلنا لأن في ذلك السلامة وحسن الظن بخلفاء رسول الله ﷺ وأزواجه وأصحابه صلى الله عليه وعليهم ونعوذ بالله من إساءة الظن فيهم. قال القاضي: تحقيق القول فيه أن اختلافهن فيما سبيله الاجتهاد وهن من أهله وكانت كل واحدة منهن متعبدة بما أداها الاجتهاد إليه ولم يكن للخلفاء عليهن في ذلك حكم لأنه لا يلزمهن الرجوع إلى اجتهاد أحد من خليفة ولا غيره. قلت هن من أهل الاجتهاد ولكن المحل ليس بمحله لظهور النص فيه وهو قوله: "عليكن بظهور الحصر" ولا اعتبار للاجتهاد مع وجود النص بخلافه فالقول ما قالت حذام بأن سكوتهم عن الانكار على من حجت بعد ذلك لعلمهم بالنسخ كعلمهن به بالتوقيف كما ذكرنا آنفا.

стр. 145

في سجدة التلاوة عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قرأ "ص" وهو على المنبر فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة تهيأ وا أو كلمة نحوها للسجود فقال رسول الله ﷺ : "إنما هي توبة نبي ولكني رأيتكم تهيأتم" أو "تشزنتم" أو كلمة نحوها "للسجود" فنزل وسجد. فيه أنها ليست من عزائم السجود وإنما هي لمعنى كان ذلك إلى النبي داود ﷺ دونهم فعقلنا بذلك أنه إذا كان من الله تعالى إلى أحدهم ما هو من جنس ذلك كان مباحا له السجود عنده وفيه ما قد دل على إباحة سجدة الشكر كما يقوله محمد بن الحسن والشافعي رحمهما الله. وفيه أن السجود منه عزيمة لا بد منه وما ليس كذلك يؤيده ما روى عن علي ﵁ قال: عزائم السجود "الم", "تنزيل", و"حم", و"النجم", و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ إذ لا يكون ذلك استنباطا منه فالعزيمة واجبة وما لم يكن عزيمة فتاليه وسامعه
следующие страницы →