← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 11816

المعتصر من المختصر من مشكل الآثار

جمال الدين الملطي

Полный текст (1 343 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

لأن وضعه تعالى إنما هو تركه فرض ما وضعه عمن وضعه عنه وإن لم يكن مفروضا عليه نظيره قوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة" الحديث ولم يكن ما رفع عنهم كان مكتوبا قبل ذلك عليهم وإنما معناه لم يكتب عليهم فكذا وضع الشطر عن المسافر عدم الكتابة عليه لا أنه كان مكتوبا قبل وضعه.

стр. 142

في اتمام عثمان روى أن عثمان ﵁ صلى بأهل منى أربع ركعات فلما سلم أقبل إليهم فقال: إني تأهلت بمكة وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من تأهل في بلدة فهو من أهلها فليصل أربعا" فلذلك صليت أربعا. وإنما قال ذلك لما أنكر الناس عليه الاتمام وفيه ما يدل على ما يقوله أبو حنيفة وأصحابه والشافعي ﵃ أن الإمام إذا كان من أهل مكة وكذا غيره من الحاج لا يقصرون الصلاة بمنى لأنهم في سفر لا يقصر في مثله وإليه ذهب عطاء ومجاهد وهما إماما الناس في الحج والنظر أيضا يوجب ذلك لأن قصر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ الصلاة بمنى في حجهم لا يخلو من ثلاثة معان لا رابع لها إما أن يكون للموطن الذي كانوا به وذلك منتف لاجماعهم أن من لم يكن حاجا ولا مسافرا يتم في ذلك الموطن وأما أن يكون للحجيج وهو منتف أيضا لاجماعهم أن الحاج من أهل منى يتمون الصلاة بمنى فلم يبق إلا أن يكون للسفر الذي يقصر في مثله وكان مالك ﵀ يقول في الحاج من أهل منى أنهم يتمون بمنى ومن أهل مكة وأهل عرفة يقصرون بمنى وأهل منى يقصرون بعرفة وإذا انتفى أن يكون قصر الصلاة إلا للسفر انتفى قول من قال أن غير المسافر يقصر بمنى حاجا كان أو غير حاج نقل عن مالك وابن القاسم في أحد قوليهما أن الحاج يقصر بمنى وإن لم يكن مسافرا لأنه منزل سفر وغير الحاج لا يقصر إذا لم يكن مسافرا اجماعا.

стр. 143

في سبب إتمام عائشة روى عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال لنسائه: "هذه الحجة ثم عليكن بظهور الحصر" وكن يحججبن غير زينب وسودة تقولان لا تحركنا دابة بعد أن سمعنا قول رسول الله ﷺ . وعن أبي واقد الليثي عن رسول الله ﷺ قال لنسائه في حجة الوداع: "هذه حجة الإسلام ثم ظهور الحصر" فزعم زاعم أن عائشة كان سبب تركها للقصر في أسفارها بعد النبي ﷺ ما كان من قوله لهن: "عليكن بظهور الحصر" وهو تأويل فاسد لأن عائشة ﵂ كانت أعلم بالله وأحكامه من أن تخالف رسول الله ﷺ في السفر وتترك القصر من أجل ذلك بل إنما تركته لأنها كانت لا تراه واجبا على أحد أو كانت تتأول كما تأول عثمان آنفا وكان تأويلها أنها أم المؤمنين فحيث ما حلت فهو دارها لأنها ما كانت تنزل إلا عند أولادها فكانت تعد نفسها مقيمة كما عد عثمان نفسه مقيما بمكة لما تأهل بها ثم الوجه في خروج بعضهن إلى الحج بعد قول النبي ﷺ لهن ما في هذين الحديثين وترك الخلفاء الانكار عليهن والله أعلم أنه قد روى عن عائشة ﵂ أنها قالت استأذن النبي ﷺ في الجهاد فقال: "جهادكن أو حسبكن الحج" وإنها قالت: يا رسول الله ألا نخرج نجاهد معكم فإني لا أرى عملا في القرآن أفضل منه؟ قال: "لا إن لكن أحسن الجهاد وأجمله حج البيت حج مبرور". يعلم منه دوام الحج لهن كدوام الجهاد فاحتمل أن يكون ذلك بعد الحديثين الأولين فوقفت على ذلك هي ومن سواها فأطلق لها ولمن وقفت على ذلك الحج ولم تقف على ذلك سودة ولا زينب فلزمتا الحصر وكلهن رضوان الله عليهن على ما كن عليه محمودات وكذلك الخلفاء وسائر الصحابة ﵃ في تركهم الخلاف عليهن محمودون لعلمهم ما علموا

стр. 144

من ذلك ولا يجوز أن يحمل الأحاديث على ما قلنا لأن في ذلك السلامة وحسن الظن بخلفاء رسول الله ﷺ وأزواجه وأصحابه صلى الله عليه وعليهم ونعوذ بالله من إساءة الظن فيهم. قال القاضي: تحقيق القول فيه أن اختلافهن فيما سبيله الاجتهاد وهن من أهله وكانت كل واحدة منهن متعبدة بما أداها الاجتهاد إليه ولم يكن للخلفاء عليهن في ذلك حكم لأنه لا يلزمهن الرجوع إلى اجتهاد أحد من خليفة ولا غيره. قلت هن من أهل الاجتهاد ولكن المحل ليس بمحله لظهور النص فيه وهو قوله: "عليكن بظهور الحصر" ولا اعتبار للاجتهاد مع وجود النص بخلافه فالقول ما قالت حذام بأن سكوتهم عن الانكار على من حجت بعد ذلك لعلمهم بالنسخ كعلمهن به بالتوقيف كما ذكرنا آنفا.

стр. 145

في سجدة التلاوة عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قرأ "ص" وهو على المنبر فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة تهيأ وا أو كلمة نحوها للسجود فقال رسول الله ﷺ : "إنما هي توبة نبي ولكني رأيتكم تهيأتم" أو "تشزنتم" أو كلمة نحوها "للسجود" فنزل وسجد. فيه أنها ليست من عزائم السجود وإنما هي لمعنى كان ذلك إلى النبي داود ﷺ دونهم فعقلنا بذلك أنه إذا كان من الله تعالى إلى أحدهم ما هو من جنس ذلك كان مباحا له السجود عنده وفيه ما قد دل على إباحة سجدة الشكر كما يقوله محمد بن الحسن والشافعي رحمهما الله. وفيه أن السجود منه عزيمة لا بد منه وما ليس كذلك يؤيده ما روى عن علي ﵁ قال: عزائم السجود "الم", "تنزيل", و"حم", و"النجم", و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ إذ لا يكون ذلك استنباطا منه فالعزيمة واجبة وما لم يكن عزيمة فتاليه وسامعه

стр. 146

مخير وعند أبي حنيفة وأصحابه سجود التلاوة أربع عشرة سجدة واجب منها ص وقد كان مالك يقول إنها إحدى عشرة سجدة فيها ص وإنها عزائم وكان أبو حنيفة ومالك وأصحابه لا يعدون في الحج إلا السجدة الأولى والشافعي يعدها ويخرج ص ويقول أنها أربع عشرة أيضا وما دل عليه الحديث وأيده قول علي ﵁ أولى مما قالوه جميعا وما روى عن مجاهد أنه سئل ابن عباس عن سجدة ص فقال أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده وكان داود ﵇ ممن أمر نبيكم أن يقتدي به فوجهه أن يقتدي به في أن يسجد كما سجد داود ﵇ شكرا وما روى عن عثمان ﵁ أنه سجد فيها يحتمل أن يكون قصد بذلك الشكر لله فيما كان منه إلى نبيه داود ﷺ من توبته عليه فيكون مذهبة أن لا سجود فيها إلا لمن قصد هذا المعنى بخلاف حكم سائر سجود القرآن ويحتمل أن يكون سجدها عن تلاوته إياها كسائر سجود القرآن. وما روى عن سعيد بن جبير أن عمر ﵁ قال له: أتسجد في ص؟ قلت: لا, قال: فاسجدها فيها فإن الله تعالى قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ظاهره أنه أمره بالسجود فيها اقتداء بداود ﵇ لا أنها سجدة التلاوة خاصة وقد اختلفت الروايات فيها عن ابن عباس ﵁ فعنه أنها من عزائم السجود وعنه أنها ليست منها وقد رأى رسول الله ﷺ يسجد فيها.

стр. 147

في السجدة في المفصل فيما روى عن أبي هريرة ﵁ أنه قال سجدت مع رسول الله ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ سجدتين وعن ابن عباس ﵁ لم يسجد رسول الله ﷺ في شيء من المفصل فيجوز أن يكون ابن عباس لم ير رسول الله ﷺ فعله بعد أن قدم المدينة فكان من رآه فعله أولى وروى عنه أنه قال

стр. 148

صحبت النبي ﷺ ثلاث سنين وأنه قال قدمت المدينة ورسول الله بخيبر ورجل من غفار يؤم الناس فسمعته يقرأ في الصبح في الركعة الأولى بمريم وفي الثانية بويل للمطففين الحديث واثبات الأشياء أولى من نفيها وما روى عن زيد بن ثابت أنه قرأ عند رسول الله ﷺ "النجم" فلم يسجد فيها لا دلالة له فيه على نفي السجود من المفصل وإن كان ذلك أيضا بالمدينة لأنه يجوز أن يكون الترك لكونه على غير طهارة حالئذ أو كان في وقت النهي أو لأنه عنده كان ندبا كما روى عن غير واحد من الصحابة منهم سلمان أنه مر بقوم قد قرأ واسجد فقيل ألا تسجد إنا لم نقعد لها ومنهم عبد الله بن الزبير قرأ السجدة فلم يسجد فسجد الحارث ثم قال: يا أمير المؤمنين ما منعك أن تسجد إذ قرأت فقال إني إذا كنت في صلاة سجدت. وإذا احتمل حديث زيد هذه المعاني كما روى عن أبي هريرة ﵁ من اثبات سجود رسول الله ﷺ فيما ذكر سجوده فيه بالمدينة أولى منه ومن حديث ابن عباس ولا حجة للشافعي فيما روى عن أبي بن كعب ﵁ أنه لا سجود في شيء من المفصل استدلالا بأنه ﷺ قال له: "أمرت أن أقرأ عليك القرآن" قال: قلت: سماني لك ربك؟ قال: نعم, فقرأ ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ الآية. وفي رواية فقرأ عليه ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فيكون هو أعرف بحال ما فيه سجود وما لا سجود فيه قال ابن أبي عمران هذا كلام فاسد لأنه يعارض ما روى عن ابن مسعود حضر عرض النبي ﷺ القرآن على جبرئيل في كل عام مرة وفي عام الوفاة مرتين فعلم ما نسخ منه وما تقرر عليه وأبي لم يقرأ عليه إلا سورة واحدة لا سجود فيها أو آية واحدة ويجوز اطلاق القرآن على آية أو سورة قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ والمسموع بعض القرآن وكذا المقروء بلا خلاف.

стр. 149

في فضل الجمعة روى عن سلمان قال رسول الله ﷺ : "أتدرون ما يوم الجمعة؟ " قال: قلت: الله ورسوله أعلم, قال: "أتدرون ما يوم الجمعة؟ " قلت: الله ورسوله أعلم, قال: قلت في الثانية أو الرابعة هو الذي جمع فيه أبوك وأبوكم قال: "لكني أخبرك بخير يوم الجمعة ما من مسلم يتطهر ثم يمشي إلى المسجد ثم ينصت حتى يقضي الإمام صلاته إلا كانت كفارة ما بينه وبين الجمعة التي قبلها ما اجتنبت المقتلة" فيه حض على الانصات بين الخطبة وبين الصلاة وهو مذهب أبي حنيفة وجماعة وخالفه أكثر أهل العلم منهم أبو يوسف ومحمد فلم يروا بالكلام بين الخطبة وبين الصلاة بأسا لما روى عن أنس قال كان النبي ﷺ ربما ينزل عن المنبر وقد أقيمت الصلاة فيعرض له الرجل فيحدثه طويلا ثم يتقدم إلى الصلاة. فيحتمل أن يكون الحديث الأول على الأفضلية وكثرة الثواب لا على وجوب السكوت كما في حال الخطبة فإنه فرض والكلام فيها لغو لكن النبي ﷺ تكلم تسهيلا على الناس وإن كان غيره أفضل منه كما توضأ مرة وإن كان مرتين مرتين أفضل منه وثلاثا ثلاثا أفضل منها فترك الأفضل إعلام منه ﷺ لأمته أن ذلك مباح لهم غير حرام عليهم فيرتفع التضاد بين الحديثين. وما روى عن ثعلبة بن أبي مالك أن جلوس الإمام على المنبر يقطع الصلاة وكلامه يقطع الكلام وقال إنهم كانوا يتحدثون حين يجلس عمر على المنبر فإذا قام عمر على المنبر لم يتكلم أحد حتى يقضي خطبته كلتيهما ثم إذا نزل عمر ﵁ عن المنبر وقضى خطبته تكلموا يحتمل أن يكون على التوسعة التي ذكرنا لا على ما سواها وإن كان غير ذلك أفضل منه وأعظم أجرا.

стр. 150

في الاحتباء يوم الجمعة روى عن النبي ﷺ أنه نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام

стр. 151

يخطب وروى عن جماعة أنهم كانوا يحتبون والإمام يخطب منهم عبد الله بن عمر ﵄ ومثل هذا النهي يبعد أن يخفى على الجماعة فالتوفيق والله أعلم أن النهي محمول على استئناف الحبوة في حال الخطبة لأن في ذلك اشتغالا عن الخطبة بغيرها والصحابة كانوا يحتبون قبلها فيخطب الإمام وهم على ما كانوا عليه من الاحتباء ففعلهم غير الذي نهى عنه.

стр. 152

في التنفل بعد الجمعة عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : "من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا أو من كان مصليا فليصل قبل الجمعة أربعا وبعدها أربعا". وروى عنه أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى الجمعة صلى بعدها ركعتين ثم أربعا يحتمل أن يكون الأمر بالأربع لمن صلى في المسجد وصلاته ﷺ ركعتين ثم أربعا في بيته بعد انصرافه من المسجد لما روى أن ابن عمر رأى رجلا يصلي ركعتين بعد الجمعة فدفعه وقال أتصلي الجمعة أربعا وكان ابن عمر يصليهما في بيته ويقول كذا السنة. وعن السائب بن يزيد قال: صليت الجمعة مع معاوية فلما فرغت قمت لأتطوع فأخذ بثوبي فقال لا تفعل حتى تتقدم أو تتكلم فإن رسول الله ﷺ كان يأمر بذلك ففيه إباحة التنفل بعد الجمعة في المسجد بخلاف حديث ابن عمر فالوجه إن الذي حظره ابن عمر هو التطوع بركعتين هما شكل للجمعة في عدتها فنهى عن فعلها في المكان الذي صلى فيه الجمعة كما أمر من يقصد المسجد لصلاة الصبح أن يصلي ركعتي الفجر في بيته ونهى عن أن يصليهما في المسجد والذي أمر في حديث أبي هريرة ﵁ أن يصلي أربعا لأنها من غير شكل الجمعة بعد أن يكون منه الكلام أو تقدم فالحاصل جواز التطوع في المسجد بعد الجمعة بما لا يشبه الجمعة في عددها بعد الكلام أو التقدم والمنع أن يصلي بعدها مثلها في العدد وأمر أن يكون ذلك بعد النصراف عن المسجد فيما سواه من المنازل

стр. 153

وما روى أن عليا ﵁ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين أو أربعا فمحمول على أنه كان يقدم الأربع لأنها ليست من شكل الجمعة ثم يصلي الركعتين توفيقا بين الأحاديث فإنه صح عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه قال قدم علينا عبد الله بن مسعود وكان يصلي بعد الجمعة أربعا والواو لا تفيد الترتيب فإن العرب قد تذكر الشيئين فتقدم بالذكر منهما ما كان مؤخرا في الفعل وفي التنزيل يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ وكان من سننه ﷺ فيمن صلى صلاة من الخمس ثم أراد أن يتطوع بعدها في المسجد الذي صلى فيه أن لا يفعل حتى يتقدم أو يتكلم.

стр. 154

في خطبة العيد روى عن عبد الله بن السائب قال شهدت مع رسول الله ﷺ العيد فلما صلى قال: "إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس ومن أحب أن يرجع فليرجع". فيه اعلام بالفرق بين خطبة الجمعة والعيد فإن الأولى موعظة قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ فلما كان هو مأمورا بالموعظة كان الجماعة مأمورين بالاستماع إليها والانصات لها ولهذا جعلت الصلاة مضمنة بها لا تجوز إلا بعد تقدمها عليها وخطبة العيد ليست كذلك إنما هي تعليم لوجوب صدقة الفطر ووقت إخراجها وعلى من تجب ولمن تجب وممن تجب وكذا عيد الأضحى تعليم بما يجزي فيها وبوقتها وما أشبه ذلك مما يستغني عنه كثير من الناس إما لعلمهم به أو لعدم الوجوب عليهم فهذا وجه الفرق ألا ترى أن خطب الحج التي هي لتعليم أمر الحج لا اختلاف بين أهل العلم في سعة التخلف عنها وترك الاستماع إليها.

стр. 155

في تكبير الطريق إلى المصلى عن الحسن بن علي ﵁ قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 156

أن نلبس أحسن ما نجد وأن نضحي بأسمن ما نجد البقرة عن سبعة والجزور عن عشرة وأن نظهر التكبير وعلينا السكينة والوقار. فيه الأمر بإظهار التكبير في العيد مطلقا وروى عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه أتى يوم الأضحى ببغلته فركبها فلم يزل يكبر حتى الجبانة وعن ابن عمر ﵁ أنه كان يخرج يوم الفطر ويوم الأضحى فيكبر ويرفع بذلك صوته حتى يجيء المصلى ولا يخرج حتى تطلع الشمس وعن أبي قتادة ﵁ أنه كان يكبر يوم العيد حتى يبلغ المصلى وعن ابن الزبير أنه خرج يوم العيد فلم يرهم يكبرون فقال ما لهم لا يكبرون أما والله لإن فعلوا ذلك لقد رايتنا في عسكر ما يرى طرفاه فيكبر فيكبر الذي يليه حتى يرتج العسكر وإن بينكم وبينهم كما بين الأرض السفلى إلى سماء الدنيا. ففي هذا الحديث عن ابن الزبير في التكبير في الطريق إلى المصلى كما في حديث علي وابن عمر وأبي قتادة ﵃ فدل ذلك على الحال التي يكون فيها التكبير المأمور بإظهاره في حديث الحسن المذكور وأما قول ابن عباس حين سمع الناس يكبرون ما شأن الناس أيكبر الإمام فقيل لا فقال أمجانين الناس يحتمل أن يكون إنكاره تكبير من قفي المصلى وليس لهم إلا أن يكبر الإمام فهذا من أحسن محامله. وما روى عن النخعي أنه سئل عن التكبير يوم الفطر فقال: إنما يفعله الحواكون فإسناده غير متصل به لأن علي بن حيي رواه عنه ولم يلقه ولا سمع منه وقد روى عن زيد بن أسلم في ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ قال التكبير يوم الفطر - وروى عن عطاء أنه سنة فيجب التمسك به وترك خلافه.

стр. 157

في اجتماع عيدين عن إياس بن رملة قال سمعت معاوية يسأل زيد بن أرقم هل شهدت

стр. 158

مع رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا في يوم واحد؟ , فقال: نعم, قال: فكيف صنع؟ قال: صلى ثم رخص في الجمعة, فقال: "من شاء أن يصلي فليصل" وفي حديث آخر رخص في الجمعة "من شاء أن يجلس فليجلس" استعظم بعض رخصة ترك الجمعة وقد قال تعالى: ﴿فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ولكن المرخصون أهل العوالي الذي منازلهم خارجة عن المدينة ممن ليست لهم جمعة لأنهم في غير مصر وعن علي ﵁ لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع ويتحقق أنه لم يقله رأيا بل توقيفا فلا استبعاد حينئذ ثم قيل أهل العوالي كان لهم التخلف عن الجمعة وعن الأعياد وكانوا إذا حضروا الأمصار لصلاة العيد كانوا بموضع على أهله حضور صلاة الجمعة فأعلمهم رسول الله ﷺ أنه ليس عليهم أن يقيموا به حتى يدخل وقت الجمعة فيجب عليهم الجمعة كما تجب على أهل ذلك الموضع وجعل لهم أن يقيموا به اختيارا حتى يصلوا فيه الجمعة أو ينصرفوا عنه إلى أماكنهم التي تجب عليهم الجمعة فيها. وعن أبي هريرة ﵁ اجتمع عيدان على عهد رسول الله صلى الله عليهوآله وسلم في يوم فقال أيما شئتم أجزأكم فيحتمل أن يكون النبي ﷺ خاطبهم بذلك قبل يوم العيد ليفعلوا في يوم العيد وقد روى هذا الحديث بألفاظ أدل على هذا المعنى من الحديث وهو ما روى عن ذكوان قال: اجتمع على عهد النبي ﷺ عيدان فقال: "إنكم قد أصبتم خيرا وذكروا أنا مجتمعون فمن شاء أن يجمع فليجمع ومن شاء أن يرجع فليرجع" ففيه ما يكشف عن المعنى الذي ذكرنا أولا وعن عثمان بن عفان ﵁ أنه كان أمر أهل العوالي بمثل ذلك في يوم اجتمع فيه عيدان في خلافته. روى أن عبيد قال: شهدت العيد مع عثمان في يوم جمعة فصلى ثم انصرف فخطب فقال: إنه قد اجتمع لكم عيدان في يومكم هذا فمن أحب من أهل العاليه أن ينتظر الجمعة فلينتظر ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له وهذا يؤيد ما حملنا عليه.

стр. 159

في صلاة السكران عن عمر بن الخطاب ﵁ أن منادي رسول الله ﷺ كان إذا أقيمت الصلاة ينادي لا يقربن الصلاة سكران فيه أنهم نهوا وفيهم بقية عقل يعلمون به ما نهوا عنه فالسكران ليس هو الذي لا يعقل الأرض من السماء ولا المرأة من الرجل كما كان أبو حنيفة يقول ذلك ولكنه يخلط من أجل السكر الذي صار من أهله كما قاله أبو يوسف يدل عليه قوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ نزلت فيمن خلط في صلاته وقد شرب الخمر قبل تحريمها وكذا ما روى من سؤال النبي ﷺ عن ماعز لما اعترف بالزنا بقوله: "هل تنكرون من عقله شيئا؟ " فقالوا: ما نرى به بأسا ولا ننكر من عقله شيئا ولم يخص شيئا مما ينكر فيه من عقله من سكر ومن غيره دال أنه إذا أنكر من عقله شيء خرج بذلك من أحكام من يقبل إقراره إلى من سواهم ممن لا يقبل اقراره كالمجنون وروى أنه سأل رسول الله ﷺ عن ماعز أبه جنون فقال لا فسأله أشربت خمرا فقام رجل فاستنكهه فلم يجد فيه ريح خمر فقال ﷺ : "أثيب أنت؟ " فقال: نعم فأمر به فرجم ففيه أن السكر يمنع اقراره بالزنا في وجوب الحد عليه وإن السكر الذي معه التخليط الذي لا يملكه من نفسه داخل في أحكام من معه التخليط بالجنون وروى عن عثمان ﵁ أنه قال: ليس للمجنون ولا للسكران طلاق وما روى عن معاوية أنه قال: كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه, وعن على: من طلق أجزنا طلاقه إلا طلاق المعتوه ليس بخلاف لما روى عن عثمان ﵁: لأن العته قد يكون من الجنون وقد يكون من السكر كما يكون من الجنون ولا وجه لمن فرق بأن السكران أدخل على نفسه السكر بفعله بخلاف

стр. 160

المجنون لأنا رأينا أن أحكام الجنون لا تختلف باختلاف أسبابه فقد يكون سبب جنونه مباشرة فعل أداه إليه كتناول شيء يذهب عقله وقد يكون بسبب لا دخل له فيه ولا فرق في سقوط الفرض عنه وارتفاع العمد في جنايته حتى تكون الدية على عاقلته في الصورتين فكذلك المراعي في ذهاب عقول الأصحاء ذهب عقولهم لا الأسباب التي ذهبت من أجلها فالعلة فالسكر أن ذهاب عقله لا السبب الذي به ذهب عقله فيكون في حكم من لا عقل له بالجنون وغيره ومثله العاجز عن القيام يصلي جالسا سواء كان عجزه بفعله بأن كسرتا ساق نفسه أو بجناية غيره أو بآفة سماوية في أنه لا إعادة عليه وكذلك السكران كالمجنون الذي لم يدخل الجنون على نفسه في طلاقه وأقواله وأفعاله خلافا لأبي حنيفة وأصحابه والشافعي وقال مالك: لو أعلم أنه لم يكن يعقل ما أجزت طلاقه لكنه يلزمه أن لا يطلق بالشك لأن ما علم يقينا لا يرتفع إلا بيقين مثله وكذلك فرائض الله تعالى في عباداتهم كلها وفيما سواها وهو القول عندنا الذي لا يجوز خلافه ولا يسع ذا فهم أن يتقلد غيره.

стр. 161

في ترك الصلوات روى عن النبي ﷺ قال: "خمس صلوات كتبهن الله تعالى على العباد فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ولم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة" فيه أن تارك الصلاة غير مرتد ولا مشرك لأن الله تعالى لا يغفر لمشرك ولا يدخله الجنة ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ وما روى: "بين العبد وبين الكفر أو قال الشرك ترك الصلاة" وأكثر الرواة "بين الكفر" ليس المراد الكفر بالله بل تغطية إيمان تارك الصلاة وستره قال لبيد: في ليلة كفر النجوم غمامها يعني غطى غمامها النجوم ومنه ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ يعني الزراع المغيبون بذرهم في الأرض ومنه "ورأيت أكثر أهلها النساء" قالوا: لم يا رسول الله؟ قال:

стр. 162

"بكفرهن" قالوا: أيكفرن بالله؟ قال: "يكفرن العشير ويكفرن الإحسان" ومنه "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" لم يكن ذلك على الكفر بالله ولكنه على ما غطى إيمانه بقبيح فعله وقد اختلف أهل العلم في تارك الصلاة فجعله بعضهم مرتد أو يستتاب فإن تاب وإلا قتل منهم الشافعي وبعضهم جعله من فاسقي المسلمين أهل الكبائر منهم أبو حنيفة وأصحابه والنظر الصحيح يؤيده لأن الصلاة فرض موقت كالصيام مفروض في وقت بعينه ثم تارك الصوم الفرض غير جاحد لفرضه عليه ليس بكافر ولا مرتد كان مثله مثل ترك الصلاة حتى يخرج وقتها لا يخرج عن الإسلام ولهذا نأمره أن يصلي ولو كان كافرا لأمرناه بالإسلام إذ لا يؤمر كافر بالصلاة حتى يسلم كيف وقد أمر النبي ﷺ المفطر عمدا في نهار رمضان بالكفارة وفيها الصيام والصوم لا يصح إلا من المسلم وأيضا لما كان الرجل بالإقرار مسلما قبل أن يأتي الصلاة الصيام كذلك يكون كافر بجحوده ذلك لا بتركه إياه بغير جحود منه له ولا يكون كافرا إلا بترك ما كان به مسلما لا يقال قوله ﵊: "من لم يحافظ على الصلوات الخمس كان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي صاحب العظام" يدل على كفر تاركه كفر القوم الذين ذكره معهم لأن جهنم دار العذاب يجمع الكافرين والمنافقين والعاصين من المسلمين قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ .

стр. 163

في الصلاة بغير طهارة روى عن النبي ﷺ أنه قال: "أمر بعبد من عباد الله أن يضرب في قبره مائة جلدة فلم يزل يسئل ويدعو حتى صارت جلدة واحدة فجلد جلدة واحدة فامتلأ عليه قبره نارا فلما ارتفع عنه أفاق قال: علام

стр. 164

جلدتموني؟ قال: إنك صليت بغير طهور ومررت على مظلوم فلم تنصره فيه" ما يدل على أنه لم يكن كافرا بترك الصلاة حتى خرج وقتها لأنه لو كان كافرا لكان دعاؤه داخلا في قوله: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ .

стр. 165

في ترك الجمعة روى عن النبي ﷺ قال: "من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير عذر ولا علة طبع الله على قلبه" ففيه أنه بتركه لم يصر كافرا أول مرة ويدل عليه ما روى عن النبي ﷺ أنه قال وهو على أعواد المنبر: "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات" أو "ليختمن الله على قلوبهم" أو "ليكونن من الغافلين" ثم التقييد بثلاث مرات على عادة لطف الله ورحمته في تأنيه به ثلاثا ليرجع إليها ويتوب فلا يطبع على قلبه أو يتمادى في تركها ثلاثا فيطبع على قلبه وإن كان قد استحق العقاب بتركه إياها وكذا المراد من قوله ﷺ : "لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم آمر برجال لا يشهدون الصلاة أن يشعل عليهم بيوتهم نارا" رواه عبد الله بن مسعود صلاة الجمعة بدليل ما روى عنه عن النبي ﷺ مفسرا: "لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال بيوتهم يتخلفون عن الجمعة" ولأن الله تعالى بين فرض صلاة الجمعة بقوله تعالى: ﴿فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ ودل أن السعي إلى الصلاة بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ فأطلق بعد الصلاة ما كان حظره عليهم قبلها من البيع ولأنه لا يسقط الفرض فيه عن أحد بفعل غيره بخلاف غسل الموتى والصلاة عليهم ودفنهم ولذا لحق الوعيد المتخلفين عنها ويحتمل أنه ﷺ عاقبهم على التخلف باحراق بيتهم نكالا لهم ويحتمل أن يكون ذلك في وقت كانت العقوبات على الذنوب في الأموال كما في أول الإسلام ثم نسخت من ذلك قوله ﷺ في مانعي الزكاة: "فإنا آخذوها وشطر ماله

стр. 166

غرمة من غرمات ربنا" وقوله في حريسة الجبل: "أن فيها غرم مثليها وجلدات نكال والاجماع" على نسخ ذلك واشكاله وردت العقوبات على ترك ما يفعل من الواجبات وفعل المحرمات إلى الأبدان فقط.

стр. 167

في فوت العصر روى عن النبي ﷺ أنه قال: "الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله" معناه كأنما نقص ماله وأهله ومنه ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ أي لن ينقصكم وفيه أيضا ما يدل على أنه لم يكن بذلك كافرا لأن ما نقصه بذهاب إيمانه لو كان كافرا أكثر مما نقصه بذهاب أهله وماله فكان القصر إلى ذكر ذلك لكونه أكثر وعيدا أولى. ثم اعلم أن في مذهب المعتزلة يصير تارك الصلاة كافرا حقيقة لأن الإيمان في الشريعة فعل جميع فرائض الدين وترك جميع المحظورات فإن الإيمان قد نقل من مقتضى اللغة إلى ذلك وأما من سواهم من القائلين بقتله فليس نفس الترك عندهم كفرا حقيقة وإنما عومل به معاملة الكفار في القتل وعدم توريث ورثته المسلمين منه فهو كافر حكما لا حقيقة ومنهم من قال أنه يقتل حدا فيورث ورثته من المسلمين وهو المختار عندهم فيمن ترك عمدا دون عذر ولا علة ولا جحود فإن جحد فهو كافرا جماعا.

стр. 168

في التخلف عن الجماعة روى عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن بها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا أو اومر ماتين حسنتين لشهد العشاء" وخرج من طرق الصلاة المسكوت عنها هي صلاة العشاء الآخرة والله أعلم بدليل ما روى عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله صلى الله

стр. 169

عليه وسلم أنه أخر العشاء حتى كان ثلث الليل أو قربه ثم دار في الناس وقدرهم عشرون فغضب غضبا شديدا ثم قال: "لو أن رجلا ندب الناس إلى عرق اومر ماتين لأجابوا له وهم يتخلفون عن هذه الصلاة لهممت أن آمر رجلا فيصلي بالناس ثم أتخلف على أهل هذه الدور الذين يتخلفون عن هذه الصلاة فأضرمها عليهم بالنيران". فإن قيل: كيف كان هذا الوعيد من الرسول ﷺ في التخلف عن الجماعة وهي في سائر الصلوات فرض كفاية بقيام البعض يسقط عن الباقين؟ قلنا: كان هذا قبل سقوط الفرض عنهم فكلهم بعد مأمورون بالاجتماع مأخوذون به حتى تقام الصلاة ويؤدى كما ينبغي ومما يحققه ما روى عن ابن أم مكتوم قال: خرج رسول الله ﷺ من المسجد فرأى في الناس رقة فقال: "إني لأهم أن أجعل للناس إماما ثم أخرج فلا أقدر على رجل يتخلف في بيته عن الصلاة إلا حرقت عليه" فقلت: يا رسول الله بيني وبين المسجد نخلا وشجر أوليس كل حين أقدر على قائد أفأصلي في بيتي فقال: "تسمع الإقامة؟ " قلت: نعم, قال: "فأتها". وفي رواية: "أليس تسمع النداء فإذا سمعت النداء فامش إليه؟ " فأجابه النبي ﷺ بما أجابه مع ما به من الضرر كالرجل الذي لا يعرف الطريق فلا يسقط عنه بذلك حضور الجماعات فعلم بذلك أنه واجب على المطيقين له وإن ذلك مما يخاطب به جميع أهله قبل سقوط فرضه بقيام البعض وكان الوعيد لما رأى في الناس رقة فلم تكن الجماعة التي حضرت لتلك الصلاة الجماعة المطلوبة لمثلها وروى عن أبي الزبير قال سألت جابرا قال رسول الله ﷺ : "لولا شيء لأمرت رجلا يصلي بالناس ثم لحرقت بيوتا على ما فيها" قال جابر إنما قال ذلك من أجل رجل بلغه عنه شيء, فقال: "لئن لم ينته لأحرقن بيته على ما فيه". ولا ينكر مجيء الوعيد عاما لأجل ما بلغه عن رجل واحد لأن دأبه

стр. 170

صلى الله عليه على ما جبل عليه من الخلق العظيم عدم مخاطبة من صدر منه هفوة وبلغته وكان إذا بلغه عن أحد شيء يقول ما بال أقوام يقولون كذا ويفعلون كذا ولا يقول ما بال فلان لئلا يلحقه في ذلك ما يبغضه عند غيره بل يحصل الانزجار عما كان منه بوقوفه ودخوله في العموم روى عن عائشة ﵂ قالت: صنع رسول الله ﷺ شيئا رخص فيه فتركه قوم فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فخطب فقال: "ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه فوالله إني أعلمهم بالله وأشهدهم له خشية" ولا يستبعد إضافة ما كان من الواحد إلى الجماعة لأنه جاء بمثله القرآن وهو قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ وإنما قاله عبد الله بن أبي فإن زيد بن أرقم شكا إلى رسول الله ﷺ وأخبره أنه سمع عبد الله يقول في غزوة بني المصطلق لئن رجعنا إلى قوله الأذل فجاء عبد الله فاعتذر وحلف لرسول الله ﷺ فكذبت الأنصار زيد فأنزل الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ الآية تصديقا لقول زيد فدعا زيد بن أرقم وهو في منزله فأخذ بيده وقال هذا الذي أوفى الله بإذنه يقول بما سمع فأضاف الله تعالى القول إلى الجماعة وإن كان المتكلم واحدا إذ كانوا لم يردوه عليه وكذا الذي تخلف في بيته قد وقف عليه بعض جيرانه فلم ينكروا عليه ماكان منه فكانوا مثله وإن كانوا لم يتخلفوا بأنفسهم فلذلك عمهم جميعا بالوعيد في الحديث الذي ذكرناه.

стр. 171

في فضيلة الجماعة عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة". وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعا أنه قال: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءا" والمعنى أن الله تعالى جعل

стр. 172

لصلاة الجماعة من الفضل أولا على صلاة الفذ خمسا وعشرين ثم زاد اله في فضلها جزئين آخرين فضلا منه ورحمة وروى عن رسول الله ﷺ قال: "أرأيتم لو كان بفناء أحدكم نهر يجري فيغتسل منه كل يوم خمس مرار ما كان مبقيا من درنه؟ " قالوا: لا شيء قال: "فإن الصلوات تذهب الذنوب كما يذهب الماء الدرن" تشبيه النبي ﷺ محو الذنوب بالصلوات بغسل الماء الدرن يدل على استعمال تشبيه الأشياء بغيرها من أمثالها ومن ذلك تضمين المتلفات بأمثالها إن كان لها مثل وبقيمتها إن لم يكن لها مثل واستعمال تشبيهها بأجناسها من الأشياء التي هي منها.

стр. 173

في صون المساجد عن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ : "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول والعذرة وإنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن" ولا يقال: أنه صح أنه اعتكف وضرب له خباء فيه وأخبية لمن اعتكف معه من نسائه وفي ذلك استعماله لغير ما ذكر لأن الاعتكاف سبب لذكر الله على الدوام فيكون داخلا فيما ذكر والمعتكف محتاج إلى ما يكنه من الحر والبرد والأخبية كانت تحجب أمهات المؤمنين عن الناس وتهيئ لهن ما يحتجن إليه مما لا بد منه من طعام وشراب ولم يكن ما فعل بقاطع للناس عن الصلاة في بقية المسجد وما روى من ضرب قبة في المسجد لسعد بن معاذ يحتمل أن يكون أراد بذلك ﷺ زيادة فضل لسعد بأن لا ينقطع عن الصلاة في مسجده بما أصابه مع قربه من عيادته والوقوف على أحواله وفي ذلك أيضا موافقة الحديث الأول.

стр. 174

فيمن نام حتى أصبح عن ابن مسعود ﵁ قال: سئل النبي ﷺ عن الذي ينام من أول الليل إلى آخره قال: "ذلك الذي بال الشيطان في أذنه"

стр. 175

وروى عنه ذكرت عند النبي ﷺ رجلا فقلت أن فلانا نام الليلة حتى أصبح ولم يصل فقال: "ذلك رجل بال الشيطان في أذنه" أو أذنيه وسبب بول الشيطان في أذنه هو تضييع فرض العشاء وفعل مكروه النوم قبلها ومخالفة ربه وإطاعة شيطانه وهو كناية عن ما ألقى في أذنه من ثقل النوم والعرب تسمي ذلك ضربا على أنه ومنه قول الله تعالى ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ﴾ وأضيف الفعل هنا إلى الشيطان لأنه مما يرضاه كقوله ﷺ : "يعقد الشيطان على قافية أحدكم إذا هو نائم ثلاث عقد" الحديث لا يريد بذلك حقيقة العقد التي يعقدها بنو آدم وإنما هو على الاستعارة لأن العقد التي يعقدها بني آدم تمنع من يعقدونها من التصرف فيما يحاول التصرف فيه فكان مثله ما يفعل الشيطان بالنائم يمنع النائم من قيامه إلى ما ينبغي أن يقوم إليه من ذكر الله والصلاة ومعنى بال أي فعل به أقبح ما يفعل بالنوام.

стр. 176

في الإراحة بالصلاة عن عبد الله بن محمد بن الحنفية قال: دخلت مع أبي على صهر لنا من الأنصار فحضرت الصلاة فقال: يا جارية ائتيني بوضوء لعلي أتوضأ فأستريح فكأنه رآنا أنكرنا ذلك فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قم يا بلال فأرحنا بالصلاة" لا يتوهم أن فيه طلب الاراحة من الصلاة وإنما فيه أن يراح بالصلاة من غيرها إذا الصلاة قرة عينه فأمر أن يراح بها مما ليس بمنزلتها إذ لا شيء عنده ﷺ مثلها يشتغل به عنها.

стр. 177

في الصلاة الوسطى عن عائشة وحفصة ﵄ كل واحدة منهما أمرت كاتب المصحف لها أن يزيد فيه وصلاة العصر عند قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ وذكرت أنها سمعت من رسول الله ﷺ ذلك فيه أنه نسخ من القرآن وأعيد إلى السنة والدليل عليه ما روى عن البراء ابن

стр. 178

عازب ﵁ قال: نزلت ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ وصلاة العصر فقرأناها على عهد رسول الله ﷺ ما شاء الله ثم نسخ فأنزل ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ وكذلك كل ما روى من القرآن ولا نجده في مصاحفنا فهو مما كان قرأنا ونسخ فأخرج من القرآن وأعيد إلى السنة فصار منها قال القاضي: فيحتمل أنهما أمرتا الكاتب لأنهما لم يتعلما نسخ ذلك أو أمرتا بالكتابة على أنه سنة لا على أنه قرآن والله أعلم.

стр. 179

في حمل المصلى صغيرة عن عمرو بن سليم عن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو حامل أمامة ابنة زينب بنت رسول الله ﷺ فإذا قام حملها وإذا سجد وضعها وله طرق كثيرة في بعضها سمعت أبا قتادة يقول بين نحن جلوس في المسجد ننتظر الصلاة فخرج علينا رسول الله ﷺ على عاتقه ابنة ابنته أمامة ابنة أبي العاص وأمها زينب فكبر وهي على عاتقه فلما ركع وضعها بالأرض فلما قام أعادها على عاتقه حتى قضى صلاته وهو يفعل ذلك. فيه جواز مثل هذا الحمل والوضع لأمته أيضا ولكن بإجماع الفقهاء لا يجوز فعله وأهل العلم لا يجتمعون على خلاف ما فعله رسول الله ﷺ إلا بعد ثبوت نسخ ذلك لأنهم مأمونون على ما فعلوا كما كانوا مأمونين على ما رووا وقد كانت أشياء فعلها رسول الله ﷺ في صلاته لا يصلح للناس فعلها في صلاتهم فمن ذلك مده يده لأخذ العنقود الذي رآه من الجنة وهو يصلي وما كان منه في إبليس وهو يصلي على ما روى أبو الدرداء أنه قام رسول الله ﷺ فسمعناه يقول: "أعوذ بالله منك" ثم قال: "ألعنك بلعن الله " ثلاثا ثم بسط يده كأنه يتناول شيئا فلما فرغ قالوا: يا رسول الله سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك وبسطت يدك. فقال: "إن

стр. 180

عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي" الحديث ولا خلاف بين أهل العلم أنه لا ينبغي للمصلي أن يفعل مثل هذا في صلاته فعقلنا أن هذه الأشياء من الأقوال والأفعال كانت مباحة ثم نسخت يؤيده ما روى عن جابر ﵁ قال دخل رسول الله ﷺ المسجد فرأى قوما يصلون وقد رفعوا أيديهم فقال: "ما لي أراكم ترفعون أيديكم كأنها أذناب خيل شمس اسكنوا في صلاتكم" وأبين من ذلك ما روى عن زيد بن أرقم قال كنا نكلم في الصلاة حتى نزلت ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت والقنوت هو الخشوع والإقبال على ما فيه القانت غير متشاغل عنه بغيره من فعل أو قول وذلك جرى عليه عمل أمة محمد ﷺ الذي قد أخبر أن الله تعالى لن يجمعهم على ضلالة وفيما ذكرنا من هذا كفاية.
следующие страницы →