الصادق المصدوق "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما وأربعين ليلة دما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله ملكا فيؤمر أن يكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد فوالله إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيغلب عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيغلب عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة" وفي رواية فيسبق عليه الكتاب الذي سبق في الموضعين جميعا وزاد بعضهم عقب قوله: شقي أو سعيد فوالذي نفس ابن مسعود بيده الحديث فأضافه إلى ابن مسعودوأخرجه من كلام النبي ﷺ وقد قال بعضهم: فوالذي نفس محمد بيده الحديث فدل ذلك أنه من كلامه ﷺ لا من كلام ابن مسعود إذ لا يجوز أن يكون من عبد الله كما هو ورسول الله ميت لأنه إنما يحلف بأنفس الإحياء لا بأنفس الأموات وعلى كل تقدير فالكلام حق ولا يقوله ابن مسعود رأيا بل توقيفا وقول بعض الرواة فيه ثم ينفخ فيه الروح يبين معنى ما حده الله في مدة الوفاة روي أن أبا العالية سئل لأي شيء ضمت هذه العشرة إلى الأربعة الأشهر في قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ قال: أنه ينفخ فيه الروح في هذه العشرة وقد استدل محمد بن الحسن في الجارية المشتراة إذا تأخر حيضها لا يحل له حتى يمضي أربعة أشهر وعشرا بأن الروح ينفخ في تلك المدة إن كانت حاملا فيقف عن وطئها حتى يتبين حملها فإن لم يظهر وسعه وطئها لأن أمرها بذلك يغلب الظن على فراغ رحمها.
стр. 1192
في المؤمن والفاجر
روي عن النبي ﷺ المؤمن "غر كريم والفاجر خب لئيم" الغر هو الذي لا غائلة معه ولا باطنة خلاف ظاهره ومن كانت هذه سبيله أمن المسلمون من لسانه ويده والفاجر على عكسه لأنه يبطن ما يكره ويظهر خلافه
стр. 1193
كالمنافق يظهر الإسلام ويبطن الكفر فكان مثله الخب الذي يظهر ما يحمده عليه المسلمون ويبطن ما يذمه عليه المسلمون والفاجر الذي خالف بينه وبين المؤمن.
стр. 1194
في صفة قريش
روي مرفوعا أن للقرشي مثلي قوة الرجل من غير قريش ما يراد بذلك إلا تنبيل الرأي فيكون المراد به قرشي صاحب رأي لا غير لأن الشيء إذا وصف به رجل من قوم ذوي عدد جاز أن تضاف الصفة إلى أولئك القوم جميعا وإن كان الموصوف بها خاصا منهم منه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ أي: المؤمنين منهم ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ أي: من لم يؤمن به لا جميعهم وكذا قوله ﷺ : "واشدد وطأتك على مضر"، أي: على من لم يؤمن منهم ومنه قوله تعالى: ﴿كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ بالإضافة واختاره أبو عبيد لإجماعهم على ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ بالإضافة ولم يقل أحد فيه بالتنوين فاحتج عليه بأن هنا لو كان بالإضافة يلزم النفي عمن سواهم فأجاب أبو عبيد بأن الشيء إذا كثر جاز أن يضاف إلى إلى كله ما كان من بعضه فيجوز أن يقال لبعض الناصرين ناصروا الله اتفاقا، وفيما روي عنه ﷺ "انظروا إلى قريش واسمعوا قولهم وذروا فعلهم"، ليس على عمومه أي: اسمعوا من ذوي القول منهم الذي يجب سماعه لا من سواهم ممن ليس بذي القول المسموع شرعا وكذلك وذروا فعلهم أي: من كان من ذوي الفعل المذموم لا من سواهم من ذوي الفعل المحمود.
стр. 1195
في عزاء الجاهلية
روي أن رجلا تعزى بعزاء الجاهلية عند أبي بن كعب فأعضه أبي ولم يكنه فنظر إليه أصحابه فقال: كأنكم أنكرتموه فقال أبي: أني لا أهاب أحدا في هذا أبدا إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من تعزى بعزاء
стр. 1196
الجاهلية فأعضوه ولا تكنوه"، وفي حديث آخر فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا، لا يعارض هذا ما روي مرفوعا: الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة والبذاء من الجفاء والجفاء في النار، يريد أهله لأن البذاء المأمور به هو على من يستحقه عقوبة كمن يدعو بدعوى الجاهلية لأنه يدعو برجل من أهل النار كانوا يقولون: يا آل بكر يا آل تميم فجعل ﷺ عقوبة من دعا كذلك أن يقابل بما ذكر في الحديث استخفافا بالداعي والمدعو إليه لينتهي الناس عن ذلك في المستأنف والبذاء المنهي عنه هو البذاء على من لا يستحق.
فإن قيل: روى أن مهاجرا كسع أنصاريا فقال المكسوع: يا آل الأنصار وقال الكاسع: يا آل المهاجرين فقال النبي ﷺ : "ما بال دعوى الجاهلية"؟ قالوا: يا رسول الله رجل من المهاجرين كسع رجلا من الأنصار فقال ﷺ : "دعوها فإنها منتنة"، يدل على دفع هذا المعنى إذ لو كان الأمر على ما في الحديث الأول لأنكر النبي ﷺ على من ترك ذلك قيل له: أن هذا دعاء بأهل الهجرة وأهل النصرة فلم يكن كالدعاء إلى رجل جاهل من أهل النار كافر بالله ورسوله وإنما قال: "ما بال دعوى الجاهلية" لمشابهتها بدعواهم يا آل فلان فكره ﷺ ذلك القول ممن قاله إذ كان الله تعالى أوجب لأهل الإسلام على أهل الإسلام النصرة ودفع الظلم والأذى عنهم وأوعد من مر بمظلوم فلم ينصره.
стр. 1197
في الخصال المنهي عنها
عن أبي ريحانة أن رسول الله ﷺ حرم عشرا الوشر والوشم والنتف ومكامعة الرجل الرجل بغير شعار ومكامعة المرأة المرأة بغير شعار والحرير أن تصنعوه من أسفل ثيابكم كما يصنع العجم والنمر والنهبة والخاتم إلا لذي سلطان، وروي كان رسول الله ﷺ نهى عن معاكمة الرجل الرجل إلى آخره عن أبي عبيد المعاكمة هو أن يضاجع الرجل
стр. 1198
صاحبه في ثوب واحد أخذ من العكيم وهو الضجيع ومنه قيل لزوج المرأة: عكيمها١ وروى نهى عن المكاعمة وهو أن يكعم الرجل صاحبه أخذ من كعام البعير وهو أن يشد فمه إذا هاج يقال: كعمه كعما فهو مكعوم وكذلك كل مشدود الفم فهو مكعوم وأما المعاكمة فهو مأخوذ من ضم الشيء إلى الشيء ومنه قيل: عكمت الثياب إذا شددت بعضها إلى بعض ومنه ما روي أبو هريرة لا تباشر المرأة المرأة ولا الرجل الرجل والوشر هي التي تشر أسنانها حتى تصلحها وتجددها والوشم ففي اليد تغرز الأبرة بظهر كفها ومعصمها حتى يؤثر فيه ثم تحشوه بالكحل فيخضر بذلك.
стр. 1199
في الذباب والشراب
روي مرفوعا: "إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه كله ثم يطرحه فإن في أحد جناحيه سما وفي الآخر شفاء وأنه يقدم السم ويؤخر الشفاء"، وفي رواية: فليمقله ثم يلقيه أنكره جاهل وقال: لا اختيار للذباب في تقديم جناح وتأخير آخر ولكن الله تعالى يلهمه لما شاء أن يكون سببا لفعل وكيف ينكره وقد قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي﴾ الآية أي: ألهمها وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ أي: للأرض و ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ الآية فألهمت ما كان فيه نجاتها ونجاة ما سواها من سليمان وجنوده وقصة هدهد مع سليمان أكبر شاهد بإلهام الله إياه ذلك.
стр. 1200
في القمار
روى مرفوعا: "من قال لأخيه تعال أقامرك فليتصدق" أي: فليتصدق بالقمار وذلك أن القمار حرام وسبيل المتقامرين إخراج كل من ماله ما يقامر به فأمر أن يصرف ما أخرجه للمعصية في الطاعة التي هي قربة إلى الله تعالى ووسيلة لديه ليكون ذلك كفارة لما حاول أن يصرف فيه مما هو حرام لا أن يتصدق من الحاصل بالقمار فإنه حرام غير مقبول له حكم الغلول وتسميته بالقمار تسمية الشيء باسم ما قرب منه كتسميتهم ابن إبراهيم ذبيحا ومثله كثير وحكم ما قامر به الرد إلى صاحبه وإلى ورثته فإن لم يقدر يتصدق به عنه لا عن نفسه والله أعلم.
стр. 1201
في كراهة الوقف قبل تمام الكلام
عن عدي بن حاتم جاء رجلان إلى رسول الله ﷺ فتشهد أحدهما فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصمها فقال رسول الله ﷺ : "بئس الخطيب أنت قم" - الإنكار راجع إلى معنى التقديم والتأخير فيكون التقدير من يطع الله ورسوله ومن يعصهما فقد رشد وذلك كفر وكان ينبغي الوقف على فقد رشد ثم يبتدئ ومن يعصهما فقد غوى مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ وإذا كان هذا مكروها في كلام الناس ففي كتاب الله أشد كراهة والمنع أوكد.
стр. 1202
في التمثل بالشعر والرجز
عن عائشة أن النبي ﷺ كان يتمثل بشعر ابن رواحة
ويأتيك بالأخبار ما لم تزود
وروى مرفوعا: أنه نزل يوم حنين فاستنصر فقال:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب
وروى أنه ﷺ خرج في غداة باردة والمهاجرون والأنصار يحفرون الخندق بأيديهم فقال:
стр. 1203
اللهم لا خير إلا خير الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة
فأجابوه
نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا
وعن البراء بن عازب قال: رأيت رسول الله ﷺ ينقل التراب يوم الخندق حتى وارى التراب شعر صدره وهو يرتجز بكلمة عبد الله بن رواحة يقول:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
فانزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام ان لاقينا
ان الأولى قد بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا
يمد بها صوته. وعن أبي هريرة مرفوعا: أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد.
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
وكاد ابن أبي الصلت يسلم، وعن جندب قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة فشكت أصبعه فقال:
هل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت
قد أنكر منكر هذه الآثار كلها متمسكا بقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ وليس في الآية ما يدفعها لأنها نزلت ردا على المشركين قولهم: ﴿بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ يعني: أن المنزلة التي أنزله الله تعالى إياها من نبوته وكرامته تجل عن أحوال الشعراء من المدح والهجاء والغلو وإن يقولوا ما لا يفعلون وفي كل واد يهيمون ونفي النبي ﷺ عن نفسه الشعر في قوله: "اللهم إن فلان بن فلان هجاني وهو يعلم أني لست بشاعر فأهجوه فألعنه عدد ما هجاني"، ثم لما كان في الشعر حكما وما ذكرنا في الآثار كلها من حكم الشعر أجرى الله تعالى الحكمة على لسانه لا أنه شعر إرادة وقصدا إليه دل عليه أنه لم يأت منه إلا بما فيه حاجة من هذا الجنس وقد يتكلم الرجل بكلام موزون
стр. 1204
مما لو شاء أن يبني عليه ما يكون شعرا فعل وليس بشعر ولا قائله شاعر وقد يحكى عن الفقيه من ليس بفقيه ولا يصير بذلك فقيها ولقد زعم الخليل وموضعه من العربية موضعه إن الأراجيز ليست بشعر فبان جهل المنكر الذي نفى عن النبي ﷺ ما ليس منفيا عنه إذ ما تكلم به مما في الآثار كلها حكمة علق بلسانه من الشعر فنطق به ولم يكن به شاعرا.
قيل في قوله ﷺ : "وهو يعلم إني لست بشاعر فأهجوه" إنه لو كان شاعر لهجا الهاجي وهذا لا يناسب خلقه العظيم فإنه صح أنه قال لأبي جرى الهجيمي: "يا أبا جرى لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تصب من دلوك في دلو المستقى وإن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط وإياك وإسبال الإزار فإنه من المخيلة والله لا يحب الخيلاء" قال: يا رسول الله الرجل يسبني بما في أسبه بما فيه قال: "لا فإن أجر ذلك لك وإثمه ووباله عليه".
قلت: لا دليل فيه على ما توهمه لأن المقصود أعلام الناس بذلك لأنه ليس بشاعر مثله كقوله: فيهجوه إذا التهاجي إنما يكون من الأكفاء ولا كفء له من الناس وكانوا يرفعون أنفسهم عن أن يهاجوا من ليس لهم بكفء أو في ذلك يقول حسان بن ثابت مخاطبا لأبي سفيان بن حرب١:
هجوت محمدا أفأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
فإن أبي ووالدتي وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء
أتهجوه ولست له بكفء ... فشركما لخير كما الفداء
стр. 1205
في زمان لا معنى فيه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
عن أنس قيل: يا رسول الله متى نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: "إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل" قيل: وما ذاك؟ قال: "إذا ظهر الإدهان في خياركم والفاحشة في شراركم ويحول الملك في صغاركم والفقه في أراذلكم".
وعن ابن مسعود وأبي موسى مرفوعا: أن بني إسرائيل كان أحدهم يرى من صاحبه الخطيئة فينهاه تعذيرا فإذا كان من الغد جالسه وواكله
стр. 1206
وشاربه كأنه لم يره على خطيئته بالأمس فلما رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض ثم لعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف وتنهون عن المنكر ولتأخذون على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله قلوب بعضكم على رقاب بعض١ ويلعنكم كما لعنهم.
فالزمان الذي يكون أهله ملعونين لا معنى لأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر والإدهان التليين ممن لا ينبغي التليين له قاله الفراء ومنه قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ أي: تلين فيلينوا لك وإدهان الخيار للشرار هو التليين لهم لأن المفروض عليهم خلاف ذلك وتحول الملك في الصغار تولي أمور الإسلام من إقامة الجمعة وجهاد العدو وسائر الأشياء التي إلى الأئمة إقامتها وعلى العامة الاقتداء بهم فيها والفقه في أراذلكم أي: ممن ليس له نسب معروف قال ﵇: "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا"، والخيار في الجاهلية بالشرف في الأنساب فإذا فقهوا كانوا خيار أهله٢ وفقه من ليس له نسب ليس كذلك.
стр. 1207
في حفظ سر الرسول ﷺ
...
في حفظ سر الرسول الله ﷺ
روي أن رسول الله ﷺ أسر إلى ابنته فاطمة فبكت ثم أسر إليها فضحكت فسألتها عائشة عن ذلك فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله ﷺ ، وإن رسول الله لما توفي عزمت عليها عائشة أن تخبرها بذلك فقالت: أما الآن فنعم أنه لما سارني في المرة الأولى قال: "إن جبريل كان يعارضني القرآن في كل عام مرة وأنه عارضني العام مرتين وإني لا أظن إلا أجلي قد حضر فاتقى الله فنعم السلف أنا لك"، فبكيت بكائي الذي رأيت ثم سارني في الثانية فقال: "أما ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة أو نساء
стр. 1208
المؤمنين"، فضحكت.
وعن أنس كنت في غلمان فأتى علينا النبي ﷺ فسلم علينا ثم أخذ بيدي فبعثني في حاجة له وقعد في الجدار أو في ظل الجدار حتى رجعت إليه فلما أتيت أم سليم فقالت: ما حبسك؟ فقلت: أرسلني رسول الله صلى الله عيه وسلم برسالة قالت: ما هي؟ قلت: أنها سر قالت: احفظ سر رسول الله ﷺ فما أخبرت بها أحدا بعد.
وعن عبد الله بن جعفر أردفني رسول الله ﷺ ذات يوم خلفه ثم أسر إلي حديثا أن لا أحدث به أحدا من الناس.
وعن عمر بن الخطاب حين بانت حفصة من زوجها وكان قد شهد بدرا توفي قال عمر: فلقيت عثمان فعرضت عليه حفصة فقال: سأنظر في ذلك فلبثت ليالي ثم لقيني فقال: بدا لى أن لا أتزوج يومي هذا فلقيت أبا بكر فعرضتها عليه فصمت أبو بكر ولم يرجع إلي شيئا فكنت عليه أوجد مني على عثمان فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله ﷺ فأنكحتها إياه فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئا؟ قلت: نعم قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك إلا أني علمت أن رسول الله ﷺ قد ذكرها فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ ولو تركها لقبلتها.
إنما جاز لفاطمة الإخبار بما أسر إليها لأن ذلك السر ظهر بموته فخرج من خبر السر إلى ضده فأطلق لها الأخبار وكذلك اعتذار أبي بكر لعمر لم يكن من إفشاء ما اؤتمن عليه من السر وأما الذي أسر إلى أنس وعبد الله بن جعفر مما لم يظهر فكتما لأنه أمانة اؤتمنا عليها فلم يحل لهما الخبر بها وعن جابر مرفوعا: "إذا حدث الرجل حديثا فالتفت فهي أمانة".
стр. 1209
في ترك الإفتخار بالنسب
روي أن أبا الدرداء توفي له أخ من أبيه وترك أخا له لأمه فنكح
стр. 1210
امرأته فغضب أبو الدرداء فأقبل إليها فقال: أنكحت ابن الأمة فرد ذلك عليها فقالت: أصلحك الله إنه كان أخا زوجي وكان أحق بي فضمني وولده فسمع بذلك رسول الله ﷺ فأقبل عليه حتى وقف ثم ضرب على منكبه فقال: "يا أبا الدرداء يا ابن ماء السماء طف الصاع طف الصاع طف الصاع"، كناية عن تقصيره عن الإملاء ومنه المطفف وقيل: هو أن يقرب إلى الامتلاء ولما يمتلئ انتقاص أبي الدرداء أخا أخيه لأمه بأنه ابن أمة يتضمن وصف نفسه بكمال النسب والإسلام أمر بترك الافتخار بالنسب قال ﷺ : "إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها مؤمن تقي أو فاجر شقي أنتم بنو آدم وآدم من تراب ليدعن رجلا فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن".
فأعلم النبي ﷺ بتساويه معه ومع الناس جميعا في النقصان بقوله: "طف الصاع" وإن تباينوا في النقصان بقدر أعمالهم المحمودة وأن لا يدرك أحد بنسبه درجة الكمال وقال ﷺ : "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا"، ففيه إعلاء مرتبة الفقه وجلالة مقادير أهله وعلوهم على من سواهم من المتخلفين عنه وإن كانوا ذوي نسب يؤيده قوله ﷺ : "إن سبابكم هذه ليست بمساب على أحد إنما أنتم بنو آدم طف الصاع لم تملؤه ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين أو عمل صالح بحسب الرجل أن يكون فاحشا بذيا بخيلا جبانا".
стр. 1211
في الستة الملعونين
روي أن رسول الله صلى الله عليه وسم قال: "ستة ألعنهم لعنهم الله وكل نبي مجاب: الزائد في كتاب الله ، والمكذب بقدر الله ، والمتسلط بالجبروت يذل به من أعز الله ويعز من أذل الله، والتارك لسنتي، والمستحل لحرم الله ، والمستحل من عترتي ما حرم الله "، الجبروت
стр. 1212
اشتقاقه من الجبر كالملكوت من الملك ومعنى استحلال الحرم جعله كسائر البلاد من اصطياد صيده والدخول فيه بغير إحرام وعدم جعل من دخله آمنا وعدم الامتناع من القتال فيه وغير ذلك وقد أعلمنا رسول الله ﷺ أن مكة لا تغزى بعد العام الذي غزاها وأنه لا يقتل قرشي بعد عامه هذا صبرا لأنه لا يكفر أهلها فيغزون ولا يكفر قرشي بعد ذلك العام الذي أباح دماء أهلها القرشيين فمن أنزل الحرم هذه المنازل كان به ملعونا، والعترة: هم أهل البيت الذين على دينه والتمسك بهديه، روي أنه خطب بماء يدعى خم بين مكة والمدينة فحمدالله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد أيها الناس إنما انتظر أن يأتيني رسول ربي فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله فيه الهدى والنور فاستمسكوا بكتاب الله وخذوا به" ثم قال: "وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي" فمن أخرج عترته من المكان الذي جعلهم الله به على لسان نبيه فجعلهم كسواهم ممن ليس من أهل عترته كان ملعونا والباقي ظاهر.
стр. 1213
في قتال العجم على الدين عودا كما قوتلوا عليه بدءا
عن عباد خطبنا علي على منبر من آجر وصعصة بن صولجان حاضر فجاء رجل يتخطى رقاب الناس حتى دنا منه فقال: يا أمير المؤمنين غلبتنا هذه الحمراء على وجهك فضرب صعصعة في ظهري وقال: ليبدين من أمر العرب أمرا قد كان يكتمه ثم قال: من يعذرني من هذه الضياطرة يتقلب أحدهم على حشاياه ويجهر قوم بذكر الله يأمرني أن أطردهم فأكون من الظالمين والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليضربنكم على الدين عودا كما ضربتموهم عليه بدءا- الحمراء الموالي" ومنه أرسلت إلى الأحمر والأبيض والضياطرة الذين يحضرون الأسواق بلا مال معهم فحضورهم كعدم الحضور وأحدها ضيطار والمعنى: هو أن
стр. 1214
العرب قاتلوا العجم حتى أدخلوهم في الإسلام كما روي أنه ﷺ ضحك حتى استغرب فقال: "ألا تسألوني مم ضحكت" فقالوا: مم ضحكت يا رسول الله؟ قال: "عجبت من قوم يقادون إلى الجنة في سلاسل وهم يتقاعسون عنها فما يكرهها لهم" قالوا: وكيف يا رسول الله؟ قال: "قوم من العجم يسبيهم المهاجرون ليدخلوهم في الإسلام وهم كارهون"، فالعرب أدخلوا العجم بدءا في الإسلام حتى صار فيهم من عقل عن الله تعالى وعن رسوله شرائع دينه حتى صارت إليه مطالبة من خرج عما عليه إلى ضده بالرجوع إلى ما خرج منه فكان قتالهم إياه عود ليعودوا إلى ما تركوا منه كمثل ما كان العرب قاتلوهم على الدخول في الدين بدءا، ويحتمل أن يكون المراد من العجم من قد وصفه بقوله: "لو كان الدين أو العلم بالثريا لناله رجال من أبناء فارس"، يدل عليه ما روي عن سهل بن سعد قال: كنت يوم الخندق مع رسول الله ﷺ فأخذ الكرزن فصادف حجرا فضحك فسأل ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: "ناس يؤتي بهم من قبل المشرق في كبول يساقون إلى الجنة وهم كارهون"، ففهم إنما أراد به من العجم الذي قاله في الحديث وهم أبناء فارس بناحية المشرق الذين وصفهم بما وصفهم به من الدين والعلم الذين دخلوا في قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ أي: بالمذكورين في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ الآية.
стр. 1215
في اللاعنة ناقتها
عن عمران بن حصين قال: كنا مع النبي ﷺ فلعنت امرأة ناقتها فقال رسول الله ﷺ : "خذوا متاعكم عنها فإنها ملعونة"، قال عمران: فكأني انظر إليها اللعن الطرد والأبعاد فلما قالت: لعنها الله طردها وأبعدها عن رحمة الله وافقت دعاؤها وقت الإجابة فصارت مطرودة عنها فحرمت بذلك الانتفاع بها وعادت العقوبة بذلك عليها لا على ناقتها إذ لا ذنب
стр. 1216
لها بل عادت تخفيفا عنها بترك الحمل عليها والركوب لها وقال ﷺ في غزوة بواط لما قال الأنصاري لناضحه: لعنك الله فقال رسول الله ﷺ : "من هذا اللاعن بعيره"؟ قال: أنا يا رسول الله قال: "أنزل عنه لا يصحبنا ملعون لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على أموالكم فتوافقوا من الله ساعة يمتد فيها عطاؤه فيستجيب لكم".
стр. 1217
في ما اختص به أبو بكر وعلي
روي أنه قال ﷺ في مرضه: "سدوا هذه الأبواب الشوارع في المسجد إلا باب أبي بكر فإني لا أعلم امرءا أفضل عندي يدا في الصحابة من أبي بكر وإني لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن أخوة الإسلام أفضل أو إني رأيت على كل باب منها ظلمة" - وروي أن الباب المستثنى منها باب علي بن أبي طالب.
عن عمر بن الخطاب لقد أعطي علي بن أبي طالب خصالا لأن تكون في خصلة منها أحب إلي من أن أعطي حمر النعم قالوا: وما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: تزوجه فاطمة وسكناه المسجد مع رسول الله يحل له فيه ما يحل لرسول الله والراية يوم خيبر.
وعن سعد أنه قال: شهدت لعلي أربعة مناقب لأن تكون في إحداهن أحب إلي من الدنيا وما فيها سد رسول الله ﷺ أبواب المسجد وترك باب علي فسأل عن ذلك فقال: "ما أنا سددتها وما أنا تركتها" - وفي حديث آخر فتكلم في ذلك ناس فقام رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد فإني أمرت بسد هذه الأبواب غير باب علي فقال قائلكم فيه والله ما سددت ولا فتحت ولكني أمرت بشيء فأتبعته".
وعن ابن عباس أمر رسول الله ﷺ بأبواب المسجد فسدت إلا باب علي كان يدخل المسجد وهو جنب وهو طريقه ليس له
стр. 1218
طريق غيره.
وعن عبد الله بن عمر أنه سئل عن عثمان وعلي فقال: أما علي فلا تسألنا عنه ولكن إلى منزلته١ من رسول الله ﷺ أنه سد أبوابنا في المسجد غير بابه وأما عثمان فإنه أذنب ذنبا يوم التقى الجمعان عظيما عفا الله عنه وأذنب ذنبا صغيرا فقتلتموه.
لا تضاد ولا اضطراب فيما روينا إذ يحتمل أن يكون الأمر بالسد في قولين مختلفين فكان الأول منهما أمره بسد تلك الأبواب إلا الباب الذي استثناه أما باب أبي بكر وأما باب علي ثم أمر بعد ذلك بسد الأبواب التي أمر بسدها بقوله الاول ولم يكن منها الباب الذي استثناه بقوله الأول واستثنى بقوله الثاني الباب الثاني أما باب أبي بكر إن كان المستثنى الأول باب علي أو باب علي إن كان المستثنى الأول باب أبي بكر فعاد البابان مستثنيين بالاستثنائين جميعا ولم يكن ما أمر به آخرا رجوعا عما كان أمر به أولا وكان ما اختص به أبو بكر وعلي كما اختص غيرهما من الصحابة كاختصاص عمر بأنه من المحدثين واختصاص عثمان باستحياء الملائكة منه واختصاص طلحة بأخباره عنه أنه ممن قضى نحبه واختصاص الزبير بقوله: "لكل نبي حواري وحواريي الزبير"، والحواري الناصر واختصاص سعد بن مالك بجمعه له أبويه جميعا بقوله يوم أحدا: إرم فداك أبي وأمي، وفي أبي عبيدة بن الجراح بأنه أمين الأمة فهذه خصائص اختص بها النبي ﷺ من أصحابه من اختصه بها ممن اختصه الله منهم بقوله: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ الآية فبانت به فضيلتهم وارتفعت به درجاتهم ثم قال: ﴿وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ فدخل في ذلك جميع الصحابة فثبت بذلك أن للصحابة فضلا على الناس جميعا وأنهم يتفاضلون بما كان منهم مما قد ذكره الله تعالى في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1219
في كراهة التبرج بالزينة
روي مرفوعا كراهية التبرج بالزينة قبل محلها في العشرة الأشياء التي كرهها في حديث ابن مسعود وذلك أن الله تعالى قال: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ الآية فكان محل التبرج وهو التبدي بمحضر من في هذه الآية وكان التبدي بمحضر غيرهم منهيا عنه وهو المكروه والمنهي عنه.
стр. 1220
في لعن من لا يستحقه
عن عبد الله بن مسعود سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أن اللعنة إذا وجهت إلى أحد توجهت فإن وجدت عليه سبيلا أو وجدت فيه مسلكا دخلت عليه وإلا رجعت إلى ربها فقالت: أي رب أن فلانا وجهني إلى فلان وإني لم أجد عليه سبيلا ولم أجد فيه مسلكا فما تأمرني؟ قال: ارجعي من حيث جئت".
وروي أن ابن مسعود أتى أبا عبيد وكان صديقا له فاستأذن أهله فدخل عليهم فسلم عليهم واستسقاهم من الشراب فبعثت المرأة الخادم إلى الجيران في طلب الشراب فاستبطأتها فلعنتها فخرج عبد الله فجلس في جانب الدار فجاء أبو عبيد فقال: رحمك الله وهل يغار على مثلك ألا دخلت على ابنة أخيك فسلمت عليها وأصبت من الشراب قال: قد فعلت ولكن لعنت المرأة الخادم فخفت أن تكون الخادم معذورة فترجع اللعنة فأكون بسبيلها فذلك الذي أخرجني.
لا منافاة بين ما روينا في المرأة اللاعنة بعيرها وفي الرجل الذي لعن بعيره حيث لم ترجع اللعنة على لاعنيهما مع أنه لا ذنب للبعيرين يستوجبان به اللعن وبين هذا الحديث لأن اللعن للأشياء التي لا ذنوب لها وليس بمكلف يرجع إلى معنى الدعاء عليها فيعود ذلك على لاعنه عقوبة عليه يمنع الانتفاع بما لعنه ويتضرر اللاعن به وأما اللعن للإنسان قد يكون منه الأخلاق المذمومة التي يكون بها ملعونا فيكون لاعنه غير معنف في لعنه إياه لأن الله لعن الظالمين وقال:
стр. 1221
﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ ولعن رسول الله ﷺ في قنوته من لعن من القبائل وكان ذلك سببا لقتلهم حتى لم يبق منهم أحد وإن كان الملعون بخلاف ذلك كان لاعنه ممن قد سبه فاستحق العقوبة على سبه إياه وهي بعود اللعنة إليه.
стр. 1222
في من سرته حسنته وساءته سيئته
...
في من سرته حسنته وساءته سيئة
روي مرفوعا: "من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن" يعني: فيرجو ثوابه من الله ويخاف عقابه فهو مؤمن لأن الرجاء والخوف من الأحوال المحمودة في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ .
وعن أبي هريرة مرفوعا أن رجلا أذنب ذنبا فقال: أي رب أذنبت ذنبا أو عملت ذنبا فاغفره فقال : عبدي عمل ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي ثم عمل ذنبا آخرا وقال: أذنبت ذنبا آخر فقال: أي رب إني عملت ذنبا فاغفره فقال ﵎: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي ثم عمل ذنبا آخر أو أذنب ذنبا آخر فقال: رب إني عملت ذنبا فاغفره فقال: عبدي علم أن له ربا يغفر الذين ويأخذ به أشهدكم إني قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء.
وذلك لأن علم العبد بذنبه وعقابه عليه إن شاء وبمغفرته له إن شاء إيمان منه به وسبب لرجائه وخوفه فلذلك يسره حسناته ويسوءه سيئاته بخلاف من ظن أن الله يخفي عليه خافية فإنه كافر قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ﴾ الآية فاستحق النار مع الأشرار.
стр. 1223
في الدخول على أهل الحجر
عن محمد بن أبي كبشة عن أبيه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 1224
في غزوة تبوك فتسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم فنودي في الناس الصلاة جامعة، فانتهينا إلى رسول الله ﷺ وهو ممسك بعيره فقال: "علام تدخلون على قوم غضب الله عليهم" فناداه رجل تعجبا منهم يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بأعجب رجل من أنفسكم يخبركم بما كان قبلكم وبما هو كائن بعدكم فاستقيموا وسددو فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئا ثم يأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا". لما كشف ﷺ المعنى الذي لأجله منعهم من الدخول دل على أنه لو دخلوا عليهم لغير ذلك جاز لهم، يؤيده ما روي عن عبد الله بن عمر قال: مررنا مع النبي ﷺ على الحجر فقال لنا رسول الله ﷺ : "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا إلا أن تكونوا باكين حذرا أن يصيبكم ما أصابهم" ثم زجر فأسرع حتى خلفها، فقوله: "باكين حذرا" أي: من أن يخالفوا أمر الله فينزل بهم عند ذلك ما نزل بهم ففي ذلك الاعتبار منهم.
وعن أبي ذر أنهم كانوا مع رسول الله ﷺ فأتوا على واد فقال لهم النبي ﷺ : "يا أيها الناس إنكم بواد ملعون فأسرعوا" فركب فرسه يدفع ودفع الناس ثم قال: "من كان اعتجن عجينه فليطعمها بعيره ومن كان طبخ قدرا فليكفأها" - لما غضب الله على أهل ذلك الوادي جعل ماءهم ماء يضرهم ويضر أمثالهم من المكلفين فأمروا فيما عجنوا بذلك الماء أن لا يأكلوه وأباح لهم أن يطعموه إبلهم التي لا تعبد عليها ولا ذنوب لها وكان إسراعه ﷺ ليقتدي الناس به خوفا منه عليهم أن يؤاخذوا بذنوبهم هناك كما أخذ من تقدمهم من أهل الوادي هناك والمراد بلعن الوادي لعن أهله المغضوب عليهم كقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ والمراد: أهلها بدليل قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ﴾ وقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ .
стр. 1225
في المؤمن في ظل صدقته
روي مرفوعا: "ظل المؤمن يوم القيامة صدقته" أي ثواب صدقته لأن الثواب يدفع عنه ما يؤذيه يوم القيامة كما يدفع الظل عن الرجل في الدنيا ما يؤذيه من حر الشمس فهي استعارة.
стр. 1226
في عبادة الحنفاء
عن عياض بن حمار سمع رسول الله ﷺ يقول في خطبته: "أن الله أمرني أن أعلمكم ما جهلتم من دينكم هذا وإن كل مال نحلته عبدي فهو له حلال وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وأنه أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم فحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم ينزل به عليهم سلطانا"، ومن وجه آخر أن رسول الله ﷺ قال للناس يوما: "إلا أحدثكم بما حدثني الله في الكتاب أن الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين فأعطاهم المال حلالا لا حرام فيه فمن شاء أفنى ومن شاء أحدث فجعلوا مما أعطاهم الله حلالا وحراما وعبدوا الطاغوت فأمرني الله أن آتيهم فأبين لهم الذي جبلهم عليه فقلت لربي أخاطبه: إني أن آتهم به تثلغ رأسي قريش كما تثلغ الخبزة فقال لي: أمضه أمضك وانفق انفق عليك وقاتل بمن أطاعك من عصاك فإني سأجعل مع كل جيش عشرة أمثالهم من الملائكة ونافخ في صدر عدوك الرعب ومعطيك كتابا لا يمحوه الماء أذكركه نائما ويقظانا فأبصروني وقريشا هذه فإنهم قد رموا وجهي وسلبوني أهلي وأنا أناديهم فإن أغلبهم يأتوني ما دعوتهم إليه طائعين أو كارهين وإن يغلبوني فاعلموا إني لست على شيء ولا أدعوهم إلى شيء".
الحنف الميل في اللغة وجمع الحنيف حنفاء يعين خلقوا ميلاء إلى ما خلقوا له وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ فكانوا بذلك حنفاء وكان في خلقهم كتب بعضهم سعيد أو بعضهم شقيا فالشقي من أطاع
стр. 1227
الشياطين فيما دعته إليه والسعيد من خالفهم وتمسك بما خلق له من العبادة وترك الميل إلى ما سواه وعن ابن عباس في تأويل: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ قال علي: ما خلقتهم عليه من طاعتي ومعصيتي وشقوتي وسعادتي فالخلق من الله لعبادته هو ما كتب فيهم من طاعة معصية لا يخرجون عن ذلك إلى غيره وإن كان أعمالهم السعيدة كانت باختيارهم لها وإن كان أعمالهم الشقية كانت باختيارهم لها أيضا وكل ذلك مما قد سبق من الله فيهم أنهم سيعملونها فيسعدون بها أو يشقون بها.
стр. 1228
في بيع التالد
روي مرفوعا: "من باع تالدا سلط الله عليه تالفا" وما من عبد يبيع تالدا إلا سلط الله عليه تالفا التالد عند العرب هو القديم والمعنى والله أعلم أن من متعه الله بشيء طال مكثه عنده فقد أنعم عليه بذلك فإذا أباعه فقد استبدل به ضد ما أنعم الله عليه به فيسلط الله عليه عقوبة له متلفا لما استبدل به لأن معنى تالف متلف قال العجاج: ومنزل هالك من تعرجا أي مهلك ومثله ما روي عن النبي ﷺ : "من باع دارا أو عقارا ثم لم يجعل ثمنه في مثله وفي رواية من ثمنه في مثله لم يبارك له فيه وفي رواية فمن أن لا يبارك له فيه" قال ابن عيينة في قوله تعالى: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ يعني: الأرض فكان من باع عقارا باع ما بارك الله فيه فعاقبه إذا استبدل بغيره وإن يجعله غير مبارك له فيه.
стр. 1229
في لمن خاف مقام ربه جنتان
عن أبي الدرداء سمعت رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقول: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ فقلت: وإن زنى وإن سرق فقال رسول اله صلى الله عيه وسلم الثانية ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ فقلت: وإن زنى وإن سرق فقال الثالثة ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ فقلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله
стр. 1230
قال: "وإن رغم أنف أبي الدرداء"، وعن مجاهد: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقام الله فيدعها ومعنى الحديث وإن زنى وإن سرق ثم زال عن تلك الحال إلى حال الخوف لله فرد السرقة على صاحبها لأن الخوف من الله يمنع من صغير معاصي الله وكبيرها فهما حالان متضادان فلا يجتمعان فلابد من الانتقال إلى الحال المحمودة التي يرجو فيها وعده ويخاف وعيده فيجتنب معاصيه ومصداقه ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ أي: مكان سيئاتهم على الخوف كقوله واسأل القرية كالإيمان مع الكفر والطاعة مكان المعصية.
ومن هذا المعنى ما روي مرفوعا من رواية أبي الدرداء: "من شهد أن لا إله إلا الله أو مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ولم يدخل النار" قال: قلت: وإن زنى وإن سرق قال: "وإن زنى وإن سرق وإن رغم أنف أبي الدرداء"، ورواه أبو ذر وغيره عن النبي ﷺ أيضا: أن من قال لا إله إلا الله عارفا بما يجب على أهلها فقد قالها وهو عارف لمقام الله وبما يرجوه أهلها ويخافونه عند خلافهم أمره والخروج عن طاعته وذلك لا يكون إلا والزنى والسرقة فيه قد زال عنهما وانتقل منهما إلى ضدهما يؤيده ما في حديث أبي موسى من قال: لا إله إلا الله صادقا بها دخل الجنة أي موفيا لها حقها.