في ما اجتمع لأبي بكر وابنه وابن ابنه من المبايعة
عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ في مرضه الذي قبض فيه روحه مر به ابن لعبد الله أو عبد الرحمن بن أبي بكر١ ومعه إراكة خضراء فلحظ إليه فدعوته فأخذتها منه فناولتها إياه فوضعها على فيه وكان رأسه بين سحري ونحرى فبينما نحن كذلك إذ رفع رأسه فظننت إنه بعض ما يريد من أهله وكانت ريحا باردة فقبض الله روحه وما أشعر.
стр. 1262
علمنا بهذا الحديث أنه قد كان لعبد الله ولعبد الرحمن ابن ومحال أن يكون حينئذ في حال من يسعى إلا وسنه متقدمة لفتح مكة وكان الناس بمكة جاؤوا بأبنائهم الصغار إلى رسول الله ﷺ حتى يبايعوا مع آبائهم كما بايع من لم يبلغ قبل ذلك كالزبير وعلي فكان ابن عبد الله وابن عبد الرحمن كذلك وكان الناس يأتونه بصبيانهم فيمسح على رؤوسهم ويدعو لهم فيكون ابن ابن أبي بكر من أولائك ويحتمل أنه كان عقل البيعة فبايعه ويكون أبو بكر ممن تفرد بالبيعة من نفسه يومئذ وبالبيعة من ابنه وبالبيعة من ابن ابنه لرسول الله ﷺ ولا يعلم اجتماع ذلك لأحد من الناس سواه.
стр. 1263
في فضل أهل بدر
عن رافع بن خديج أتى النبي ﷺ جبريل أو قال: ملك عظيم فقال: كيف أهل بدر فيكم؟ قال رسول الله ﷺ : "هم عندنا أفضل الناس" قال: الملك كذلك عندنا من شهد بدرا من الملائكة لا يعارض هذا قوله: جميعا وهم في أنفسهم متفاضلون بأسباب تختص ببعضهم كالأنبياء أفضل الناس وفيما بينهم متفاضلون فأهل بدر يفضلون أهل قرنهم بشهودهم بدرا واختصاصهم بهذا.
стр. 1264
في أحب الناس إلى الرسول ﷺ
عن أسامة بن زيد قال: مررت فإذا علي والعباس قاعدان فقالا: يا أسامة استأذن لنا فقلت: يا رسول الله إن عليا والعباس بالباب يستأذنان فقال: أتدري ما جاء بهما قلت: لا قال: لكني أدري ائذن لهما فدخلا فقال: علي يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ قال: "فاطمة" ابنة محمد قال: إني لست أسألك عن النساء إنما أسألك عن الرجال قال: "من أنعم الله عليه وأنعمت عليه؟ أسامة بن زيد" قال علي: ثم من؟ قال: "ثم أنت"؟ وفي رواية فدخلا فقالا: يا رسول الله
стр. 1265
نسألك عن أحب أهل بيتك إليك فقال: "فاطمة" قالا: لسنا نسألك عن النساء إنما نسألك عن الرجال قال: "أسامة" فقال العباس شبه المغضب ثم من يا رسول الله؟ قال: "ثم علي" فقال: جعلت عمك آخر القوم فقال: يا عباس إن عليا سبقك بالهجرة،
وما روى ابن عمر قال: بعث النبي ﷺ أسامة بن زيد فطعن بعض الناس في إمرته فقام رسول الله ﷺ فقال: "إن تطعنوا في إمرته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل وإيم الله أنه كان خليقا للإمارة وإن كان لمن أحب الناس إلي وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعد"، لا يعارض ما ذكرنا لأنه لما سأله علي عن أحب الناس إليه وعن أحب أهل بيته إليه فقال: "فاطمة" دل أنها في المحبة فوق أسامة وقوله: في أسامة من أحب الناس يريد من أحب الرجال.
وما روي عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ بعث جيشه على ذات السلاسل قال: فقلت أي الناس أحب إليك؟ قال "عائشة": قلت: فمن الرجال؟ قال: "أبوها" قلت: ثم من قال "عمر": فعد رجالا يحتمل أن يكون عمرو علم مزية أهل البيت في المحبة على جميع الناس فكان سؤاله رسول الله ﷺ عن أحب الناس من سوى أهل البيت وعلم ﷺ مراده فأجابه عليه وأجاب عليا بما أجابه من أحب الناس من أهل بيته وأسامة كان حينئذ من أهل بيته لأن أباه كان يدعي زيد بن محمد ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ الآية ولكن محبة أسامة بعد أهل البيت مقدم على غيرهم.
وما روي عن عائشة أنها سألت أي أصحاب رسول الله كان أحب إليه؟ قالت: أبو بكر قيل: ثم من؟ قالت: عمر قيل: ثم من؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح قيل: ثم من؟ فسكتت يحتمل أنها أخبرت على ما وقع في قلبها وفي ظنها فقد روي عن عائشة أنه ذكر لها علي فقالت: ما رأيت رجلا كان أحب إلي رسول الله ﷺ منه ولا امرأة أحب إليه ﷺ من امرأته
стр. 1266
فالتوفيق أنها كانت علمت أن أحدا لا يذهب عنه تقدم أهل البيت في محبته ﷺ فأجابت أولا بما أجابت ولما سألت عن علي أجابت بما أجابت به فيه يحققه ما روي عن النعمان بن بشير أن أبا بكر استأذن على رسول الله ﷺ فسمع صوت عائشة تقول والله لقد عرفت أن عليا أحب إليك من أبي مرتين أو ثلاثا فاستأذن أبو بكر فدخل فأهوى إليها وقال يا بنت فلان ألا أسمعك ترفعين صوتك على رسول الله ﷺ ولم ينكر رسول الله ﷺ على عائشة ما قالته من ذلك فخرج بحمد الله معانى الآثار خروجا لا تضاد فيه ولم يكن تقدم علي في المحبة على أبي بكر بأفضل من تقدم أبي بكر في الفضل عنده ﷺ فلكل واحد منهما موضعه من محبته ومن فضله رضوان الله عليهم أجمعين.
стр. 1267
في عثمان وخلافته
عن عائشة أن رسول الله ﷺ وجد يوما ألما فأرسل إلى عثمان أن الله سيقمصك قميصا فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه فقيل لها فأين كنت لم تذكري هذا قالت نسيته فيه ما يدل على أن أوصافه التي بها استحق الخلافة وأجمع الناس على استحقاقه من أجلها لم تتغير عما كانت عليه لأنه لو أحدث ما لا يصح معه بقاؤه على الخلافة على زعم بعض لما أمره ﷺ بالتمسك بها.
стр. 1268
في أما بعد
روى النبي ﷺ من قوله في ابتداء خطبته أما بعد في حديث المسور بن مخرمة خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "أما بعد فإن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب" الحديث والمعنى فيه أن العرب من عادتها ألا يجازوا الاختصار في الكلام بالإيماء إلى ما يفهم به من مخاطبة مراده وكانت عادتهم استفتاح الكلام
стр. 1269
باسم الله وحمده والثناء عليه فكان معنى قولهم أما بعد أما بعد ذي كان منهم من التسمية والحمد والثناء كان كذا وكذا فيذكرون حاجتهم مع حدفهم ذكر ما أرادوه من ذلك ولهذا يرفعون بعد إذ كان المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد ولو جاؤا بالكلام لنصبوا بعد فقالوا أما بعد كذا وكذا لأنها صفة فلو حذفوا رفعوا بعد وهو الذي يسمى غاية ومنه قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ ومنه أعطيتك درهما لا غير ولو ذكروا لنصبوا غير فقالوا أعطيتك درهما لا غيره.
стр. 1270
في شفاعة الأولياء
عن أنس بن مالك قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الجنة صفوفا وأهل النار صفوفا فينظر الرجل من صفوف أهل النار إلى الرجل من صفوف أهل الجنة فيقول يا فلان ألا تذكر يوم اصطنعت إليك معروفا فيقول: اللهم إن هذا اصطنع إلي في الدنيا معروفا فيقال له: خذ بيده وأدخله الجنة برحمة الله "، فيه إن الشفاعة قد تكون من ذوي المنازل العليا وإن لم يكونوا أنبياء لكن في أهل التوحيد من المذنبين فضلا من الله على عباده الصالحين فيشفعون على قدر منازلهم كما أن الأنبياء يشفعون فيما يشفعون فيه لعلو منازلهم.
стр. 1271
في موضع سوط من الجنة
روي مرفوعا: "موضع سوط من الجنة خير من الدنيا وما فيها" أي موضع سوط مما أوتي من أدخل الجنة خير من الدنيا وما فيها إذ لا منفعة في ذلك المقدار من الجنة كما يقول الرجل شبر من داري أحب إلي من كذا وكذا ليس على أنه ليس له الإشبر منها وإنما يعني ذلك المقدار من الدار التي هي له فقد روي أن أدنى أهل الجنة منزلة يعطى مثل الدنيا وعشرة أمثالها.
стр. 1272
في العزلة
عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "ألا أخبركم بخير
стр. 1273
الناس منزلا"؟ قلنا: بلى يا رسول الله قال: "رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله حتى يقتل أو يموت وأخبركم بالذي يليه"؟ قلنا: نعم يا رسول الله قال: "رجل معتزل في شعب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعتزل شرور الناس وأخبركم بشر الناس منزلا"؟ قلنا: نعم يا رسول الله قال: "الذي يسأل بالله ولا يعطي به"، لا يعارضه قوله ﷺ : "المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم"، لأن قوله: "خير الناس" عام أريد به الخصوص يعني من خير الناس كقوله ﷺ : "خير الناس من طال عمره وحسن عمله وخياركم من تعلم القرآن وعلمه"، وقال تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ولم تؤت مما اختص الله تعالى به سليمان وكذا قوله: "أخبركم بالذي يليه" يحتمل أن المراد به من خير أهلها ويحتمل أن يكون بين المنزلتين منزلة فيكون من يخالط ويصبر أفضل ممن لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم باعتزاله شرورهم وانقطاعه عنهم ولعلها فوق المنزلة التي هي قبلها وتكون هذه تليها على حاله يؤيده حديث أبي ذر فيما تقدم في الثلاثة الذين يحبهم الله ذكر فيهم رجل له جار يؤذيه فيصبر على أذاه ويحتسبه حتى يفرج الله له منه أما بموت وأما بغيره فإذا نال هذه الدرجة بصبره على أذى رجل واحد فالذي بذل نفسه للناس ويصبر على أذاهم ويخالطهم بذلك أولى.
ويحتمل أن يكون المخالطة في وقت أفضل والاعتزال عن الناس في وقت آخر أفضل من المخالطة يؤيده حديث أبي ثعلبة الخشني سئل رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية فقال: "بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأى برأيه رأيت أمرا لابد منه فعليك نفسك إياك أمر العوام"، الحديث، فيكون اعتزال الناس أفضل من المخالطة فلا تضاد.
ومما يدل على صحة هذا التأويل ما روي من قوله ﷺ : "أنها ستكون فتن تكون فتنة المضطجع فيها خير من القاعد والقاعد فيها خير من
стр. 1274
القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي فإذا وقعت فمن كانت له أرض فليلحق بأرضه ومن كانت له إبل فليلحق بابله ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه" فقال رجل: يا رسول الله فمن لم يكن له أرض ولا إبل ولا غنم قال: فليغمد سيفه ثم ينج إن استطاع النجاة ثم قال: اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت فاشهد فقال رجل: يا رسول الله فإن أكرهت حتى يذهب بي فأصير بين الصفين فيجئ الرجل فيقتلني قال: يبوء بإثمك ويكون من أصحاب النار، فاعتزال الناس في هذا الحال مرتبة عالية فيحتمل أن تكون هي المرادة في الحديث الأول.
стр. 1275
في المرأة تقبل في صورة شيطان
روي أن النبي ﷺ رأى امرأة فدخل على زينب بنت جحش فقضى حاجته ثم خرج إلى أصحابه فقال لهم: "أن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان"، لم يرد الصورة التي هي الخلقة لأن الله تعالى شبه رؤوس الشياطين بالشجرة التي تخرج في أصل الجحيم لقبح ما هي عليه وفظاعته وشبهت المرأة بالشيطان لأنه يخالط قلوب الناس من الفتنة المؤدية إلى العقوبة في الدنيا والخزي في الآخرة كما تخالط قلوب الناس بإلقاء الشياطين ما يغويهم ويزين لهم الآثام والقبائح قال تعالى: ﴿لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ الآية فكان مثل ذلك ما يكون رؤيتهم المرأة مما يوقع في قلوبهم ما لا خفاء به مما يكون مثل ما يوقعه الشيطان بقلوبهم.
стр. 1276
في مثقال حبة من الكبر أو الإيمان
عن عبد الله بن مسعود قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل الجنة من كان في قبله مثقال حبة من كبر ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان"، وخرجه من طرق يعني لا يدخل النار دخول تخليد كالكافر لأن الآثار تظاهرت بدخول المؤمنين المذنبين وخروجهم منها بالشفاعة يؤيده حديث أنس قال رسول الله ﷺ : "يخرج من قال: لا إله إلا الله وكان
стр. 1277
في قلبه من خير ما يزن ذرة".
"ولكل نبي دعوة دعا بها لأمته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة" وعن عبد الله بن مسعود مرفوعا "أني لأعلم آخر أهل النار خروجا من النار وآخر أهل الجنة دخولا الجنة رجل يخرج من النار حبوا فيقال له: ادخل الجنة فيدخل وقد أخذ الناس مساكنهم فيخرج فيقول: أي رب لم أجد فيها مسكنا فيدخل ثم يخرج فيقول: رب لم أجد فيها مسكنا فيقول الله له: فإن لك مثل الدنيا وعشرة أضعافها أو قال: هل ترضى أن يجعل لك مثل الدنيا وعشرة أضعافها، فيقول: أي رب أتسخر بي وأنت الملك قال: فضحك رسول الله ﷺ عند ذلك حتى بدت نواجذه ولا يخرج من النار إلا من كان دخلها".
فإن قيل: أفيجوز أن يقال: لا يدخل النار من يدخلها فقلت: جاء القرآن بمثله قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ فلم يكن ذلك على كل من أشرك بل على من بقي على شركه حتى خرج من الدنيا أما من تاب من شركه حتى خرج من الدنيا وهو مؤمن فلا يتناوله لقوله: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ الآية إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ فكذا حديث ابن مسعود فيه نفي دخول معه تخليد وإثبات دخول بغير تخليد.
والمراد بالكبر هو الترفع عن الناس ووضع الرجل نفسه في موضع لم يضعه الله فيه وغمصه الناس بإنزالهم دون المواضع التي جعلهم الله فيها وفي ذلك خلاف لحكم الله تعالى فيهم وفيه الوعيد من الله غير مستنكر في ذلك يبين ما قلنا ما روي عن عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال: "لا يدخل النار مثقال ذرة من إيمان ولا يدخل الجنة مثقال ذرة من كبر" فقال رجل: يا رسول الله إن أحدنا يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا قال: "الكبر بطر الحق وغمص الناس".
стр. 1278
وعن ثابت بن قيس قال: ذكر النبي ﷺ الكبر فشدد فيه وقال: "إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا" فقال رجل من القوم: والله يا رسول الله إن ثيابي لتغسل فيعجبني بياضها ويعجبني شراك نعلي وعلاقة سوطي فقال رسول الله ﷺ : "ليس ذلك من الكبر إنما الكبر أن تسفه الحق وتغمص الناس".
والمعنى فيما روينا أنه لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة من كبر أنه لا يدخل الجنة قبل دخول النار إلا أن يغفر الله له لأنه دون الشرك ويحتمل أن الحديث عام يراد به الخصوص وهو من سبق في علم الله تعالى أنه لا يغفر له فيكون معناه أنهم لا يدخلون الجنة قبل أن يدخلوا النار وإنما يدخولنها بعد أن يخرجوا من النار لأنه لا يمكن إجراؤه على ظاهره إنهم لا يدخلون أبدا إذ لا يخلد في النار إلا الكفار وكذا قوله: "لا يدخل النار من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان"، عام أريد به خاص وهو من سبق في علم الله تعالى أنه يغفر له من الموحدين المذنبين.
стр. 1279
في الأمر بأخذ القرآن عن أربعة
عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال رسول الله ﷺ : "خذوا القرآن من أربعة عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة"، سبب اختصاص الأمر بالأخذ منهم دون غيرهم مع مشاركتهم لهم في حفظ جميع القرآن كزيد بن ثابت وأبي زيد هو أن من يجمع القرآن قد يصلح لأن يؤخذ عنه لضبطه إياه ولحسن أخذه على من يقرأه عليه وقد يجمعه من لا يكون كذلك فاحتمل أن يكون الأربعة يصلحون لذلك ويقدرون عليه من أنفسهم ويقدر الناس عليه منهم ومن سواهم يقصر عن ذلك فأمر الناس أن يأخذوه عن الذين لا تقصير معهم فيما يحتاج إليه في أخذه عنهم دون من يقصر عن ذلك.
стр. 1280
في قراءة النبي ﷺ على أبي
عن أبي قال لي رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقرأ القرآن عليك" قال: قلت: سماني لك ربك قال: نعم فقرأ علي ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ، بالتاء جميعا أي: بعض القرآن لا كله يؤيده رواية قتادة عن أنس أنه لما قال: الله سماني لك قال: "الله سماك لي" فجعل أبي يبكي قال قتادة: نبئت أنه قرأ عليه ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهذا كما يقال: سمعت القرآن أي: بعضه وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ ومن قرأ شيئا منه مأمور بالاستعاذة ولا وجه لإنكار منكر بأن القارئ يقرأ على من فوق رتبته ليأخذ عنه لحاجته إليه لأن قراءة النبي ﷺ ليوقفه على ما يقرأ عليه حتى يكون آخذا له من فيه كقراءة الشيخ الحديث على من سمعه منه وعن الحسن أن النبي ﷺ قال لأبي بن كعب: "إن الله أمرني أن اقرئك" قال أبي: وقد ذكرت عنده قال: نعم، فاغرورقت عيناه وجعل يبكي، وفي رواية عبد الرحمن بن ابزي عن أبي أن الله أمره أن يقرئه سورة من القرآن لا أن يقرأ عليه القرآن.
فإن قيل: فهل لأحد من الصحابة من الرتبة في القرآن مثل ما لأبي منها؟ قلنا: لعبد الله بن مسعود زيادة على ما وجدناه لأبي وذلك ما روي عن أبي ظبيان قال: قال عبد الله بن عباس: أي القراءتين تقرأ؟ قلت: القراءة الأولى قراءة ابن أم عبد قال: بل هي الآخرة إن رسول الله ﷺ كان يقرأ القرآن على جبريل في كل عام مرة فلما كان العام الذي قبض فيه عرضه عليه مرتين فحضر ذلك عبد الله بن مسعود فعلم ما نسخ وما بدل فكان فيه حضوره لقراءة رسول الله ﷺ القرآن على جبريل ونحن نحيط علما أن تلك المرتبة لم يبلغها ابن مسعود إلا بأمر الله إياه أن يبلغه إياها.
стр. 1281
وعن علقمة جاء رجل إلى عمر بعرفات فقال: جئتك من الكوفة وتركت بها رجلا يملي المصاحف عن ظهر قلب فغضب عمر وانتفخ قال: ويحك من هذا؟ قال عبد الله بن مسعود: قال: فوالله مازال يطفأ ويذهب عنه الغضب حتى عاد إلى حاله التي كان عليها ثم قال: والله ما أعلم أحدا من الناس هو أحق بذلك منه وسأحدث عن ذلك كان رسول الله ﷺ يسمر عند أبي بكر في أمر المسلمين وأنا معه ثم خرج رسول الله ﷺ وخرجنا معه فلما دخلنا المسجد إذا رجل قائم يصلي فقام رسول الله ﷺ ويسمع قراءته فلما كدنا أن نعرف الرجل قال: "من سره أن يقرأ القرآن رطبا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد"، ثم جلس الرجل يدعو فقال ﷺ : مثل قوله فقلت: والله لأغدون إليه فلأبشرنه فغدوت إليه فوجدت أبا بكر سبقني إليه فبشره ولا والله ما سابقته إلى خير إلا سبقني إليه ففيه حلف عمر أنه لا يعلم أحدا من الناس أحق بما ذكر له من ابن مسعود وأبي وغيره حي خلا سالم فإنه كان مات وخلا أبي زيد فإنه قد يجوز أن يكون مات قبل ذلك لأن موته كان في أيام عمر وعن أبي وائل قال: خطبنا عبد الله على المنبر فقال: والله ما نزل من القرآن شيء إلا وأنا أعلم في أي شيء نزل وما أحدا علم بكتاب الله مني وما أنا بخيركم ولو إني أعلم أحدا يبلغه الإبل أعلم بكتاب الله مني لأتيته قال أبو وائل: فلما نزل من المنبر جلست في الحلق فلم ينكر أحد ما قال وفي سكوت الصحابة من الإنكار عليه دليل على متابعتهم له فيه.
стр. 1282
في الأعلام بحال عائشة
عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال لنسائه: "أيتكن صاحبة الجمل إلا دبب تنبحها كلاب الحوأب يقتل عن يمينها وشمالها قتلى كثير ثم تنجو بعد ما كادت"، قيل فيه: أن رسول الله ﷺ لم يقف على أي
стр. 1283
أزواجه يكون ذلك منها وليس كذلك فإنه صح أن رسول الله ﷺ قال لعلي: "أنه سيكون بينك وبين عائشة أمر"؟ قال: نعم قال: أنا من بين أصحابي؟ قال: نعم قال: فأنا أشقاهم يا رسول الله، قال: "لا فإذا كان ذلك فأرددها إلى مأمنها"، ولا تضاد بينهما إذ يجوز أن يكون أعلم الله تعالى نبيه إحدى زوجاته إجمالا ثم بينها له بيانا شافيا فخاطب عليا بما خاطبه بعد ذلك.
стр. 1284
في التفدية
روي أن وفد عبد القيس لما أتوا النبي ﷺ قالوا: يا نبي الله جعلنا الله فداك ما يصلح لنا من الأشربة فقال: "لا تشربوا في النقير" قالوا: يا نبي الله أتدري ما النقير؟ قال: "نعم الجذع ينقر وسطه ولا في الدباء ولا في الحنتم".
وعن أبي عبد الرحمن الفهري قال: أتيت النبي ﷺ وهو في فسطاطه فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته الرواح يا رسول الله فقال: "أجل ثم قال: يا بلال فثار من تحت سمرة كأن ظله ظل طائر فقال: لبيك وسعديك وأنا فداؤك فقال: أسرج لي فرسي"، الحديث.
قيل: كيف يقبل هذا وقائله غير قادر عليه وغير مجاب إليه كما قال رسول الله ﷺ لأم حبيبة لما قالت: اللهم متعني بزوجي رسول الله وبابي أبي سفيان وبأخي معاوية سألت لآجال مضروبة وأرزاق مقسومة وآثار معلومة لا يعجل منها شيء قبل حله ولا يؤخر بعد حله.
والجواب أن السائل والمسؤول له يعلمان أنه غير مجاب إليه ومعناه لو وصل إلى ذلك وقدر عليه لفعله فلم يكره ذلك من قائله لما فيه مما يوجب المودة من بعضهم لبعض ويؤكد الأخوة وذلك كدعاء بعضهم لبعض بطول البقاء وزيادة العمر والنسئ في الأجل وهو معروف عرفا غير مستنكر نصا.
стр. 1285
وعن محمد بن سيرين قد علم المسلمون أن لا دعوة لهم في الأجل وعن علي بن أبي طالب سمعت رسول الله ﷺ يقول لسعد يوم أحد: "إرم فداك أبي وأمي"، وعن سعد بن أبي وقاص لقد جمع لي رسول الله ﷺ يوم أحد أبويه وقال ﷺ للحسن والحسين: "بابي أنتما وأمي من أحبني فليحب هذين"، يعني: لو كنت أقدر على أن أجعل أبي وأمي لمن جعلتهما فداء له لفعلت لما قد بلغ مني نهاية مبلغه.
стр. 1286
في نسبة الرجل إلى موضع استيطانه
عن أنس مرفوعا: قال: ليصيبن قوما سفع من النار عقوبة بذنوب عملوها ثم ليدخلنهم الله الجنة بفضل رحمته وشفاعة الشافعين يقال لهم: الجهنميون سموا جهنميون وإن لم يولدوا بجهنم لأنهم حلوها وأقاموا بها وهو مذهب أبي يوسف أن من حل بموضع فاوطنه جاز أن يقال أنه من أهله خلافا لأبي حنيفة من أنه أهل من موضع ميلاده لا غيره من المواضع التي تحول إليها لأنه ﷺ تحول إلى المدينة ولم يخرجه من أن يكون من أهل مكة ولكن لأبي يوسف أنه يقال له: مدني لاستيطانه المدينة وإن لم يكن ولد بها وفيه ما دل على جواز القول بعد انتقاله من الموضع الذي قد صار من أهله باستيطانه إياه أنه من أهل الموضع الأول يقال لمن سكن مصر من أهل الكوفة كوفى كما سمي الجهنميون بعد انتقالهم إلى الجنة ولمن انتصر للإمام أن يقول: إنما سموا الجهنميون لأن بني آدم لا يولدون في الآخرة ولكن جهنم أول موضع لمن دخلها كمولد الشخص أول موضع وجد فيها لا لإقامته فيها.
стр. 1287
في العجوة والكمأة
عن ابن عباس مرفوعا: "العجوة من الجنة وفيها شفاء من السم والكمأة من المن وفيها أو ماؤها شفاء للعين والكبش العربي الأسود شفاء من عرق النساء يؤكل من لحمه ويحسى من مرقه" ولا يضاده حديث صلاته صلى الله عليه
стр. 1288
وسلم عند المقام مع الجماعة فلما فرغ من صلاته أهوى بيده بينه وبين الكعبة كأنه يريد أن يأخذ شيئا بيده فقال: "هل رأيتموني حين قضيت الصلاة أهويت بيدي قبل الكعبة كأني أريد أن آخذ شيئا" قالوا: نعم يا نبي الله قال: "أن الجنة عرضت علي فرأيت فيها الأعاجيب والحسن والجمال فمرت بي خصلة من عنب فأعجبتني فأهويت إليها لآخذها فسبقتني ولو أخذتها لغرستها بين أظهركم حتى تأكلوا من فاكهة الجنة واعلموا أن العجوة من فاكهة الجنة".
فإن لو امتناع فدل على أنهم لم يأكلوا من فاكهة الجنة لأنه يحتمل أن مراده بأن العجوة من فاكهة الجنة عن الله تعالى أتحف بعض أوليائه بشيء من عجوة الجنة فأكل من ذلك وغرس نواة في الدنيا فكان عنه النخيل الذي منه العجوة وإن انتقلت عما كانت عليه ألا ترى أن النواة من الحجاز إذا غرس في غير الحجاز أعادتها الأرض المغروس فيها إلى ثمار كلها ويقال: أنها من الحجاز ويؤيده قوله: "لو أخذته لغرسته" أي لغرست نواة لأن العنقود لا يغرس حتى تأكلوا من ثمار الجنة ويحتمل أن يكون حتى تأكلوا من ثمار الجنة يريد العنب الذي في العنقود لا ما سواه وقوله: "العجوة من فاكهة الجنة" يقضي بصحة قول أبي يوسف ومحمد في أن الرطب من الفاكهة وكذا قوله ﷺ جوابا لليهود يا محمد في الجنة فاكهة قال: "فيها فاكهة ونخل ورمان" لاستحالة إجابة من سأله عن الفاكهة بذكر ما سواها ولا وجه لمن حمل الآية على التأكيد من باب قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ لأن الحجة قامت في ذلك وفي ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوح﴾ ولم تقم الحجة بمثل ذلك في الرطب أنه من الفاكهة.
وروى من تصبح كل يوم سبعا من عجوة العالية لم يضره ذلك اليوم سحر ولا سم وروي من ابتكر سبع تمرات ما بين لأبتي المدينة لم يضره ذلك اليوم سم حتى يمسي فيه أن المراد بالعجوة في الحديث عجوة في المدينة لا ما سواها من جنس
стр. 1289
وعن جابر كثرت الكمأة على عهد رسول الله ﷺ فقال بعض أصحابه: أن الكمأة من جدري الأرض فامتنعوا من أكلها فبلغ ذلك النبي صلى الله عيه وسلم فخرج فصعد المنبر فخطب فقال: "ألا ما بال أقوام يزعمون أن الكمأة من جدري الأرض ألا وأنها ليست من جدري الأرض إلا أن الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين إلا أن العجوة من الجنة وفيه شفاء من السم"، فيه بيان سبب أعلام الرسول الله ﷺ الناس في الكمأة ما علمهم فيها.
стр. 1290
في أول نبي بعث
عن أنس مرفوعا: "أول نبي بعث نوح ﵇" يعني أول نبي بعث إلى من في الأرض جميعا في زمنه دل عليه تغريق الأرض كلها عقوبة لهم إذ عتوا ولا يكون ذلك إلا باستحقاق الجميع عقوبة المخالفة لأن إلياس من المرسلين وهو إدريس وهو جد نوح١ لأن نوحا هو ابن لأمك بن متوشلح بن
стр. 1291
اخنوح وهو إدريس إلا أنه كان مبعوثا إلى قومه خاصة بدليل قوله تعالى: ﴿إذ قال لقومه ألا تتقون أتدعون بعلا﴾ الآية فلا مخالفة بين الحديث وبين الكتاب كما توهم بعض لأنه لم ينطق عن هوى بل عن وحي كالقرآن يصدق بعضه بعضا قال تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾
стр. 1292
في النهي عن المبالغة في الحلب
عن ضرار بن الأزور قال: أتيت رسول الله ﷺ بلقوح من أهلي فقال: "أحلبها" فذهبت لأجهدها فقال: "لا تجدها دع دواعي اللبن".
فيه أن النبي ﷺ كان يحب أخلاق العرب فيما لم يؤمر بخلافها وكان عادتهم في حلب الناقة تبقية شيء من اللبن في ضرعها فإذا احتاجوا لضيف نزل بهم أو لحاجة احتلبوا مما كانوا قد أبقوه في الضرع وإن قل ثم خلطوه بماء بارد ثم ضربوا به ضرعها وأدنوا منه حوارها أو جلده محشوا إن كانوا نحروه فتلحسه فتدر عليه من اللبن ملء ضرعها فيصرفون فيما يحتاجون إلى صرفه من أضيافهم ومن أنفسهم فأمرهم ﷺ بذلك لهذا المعنى والله أعلم.
стр. 1293
في لا وحي إلا القرآن
عن ابن عباس لا وحي إلا القرآن ما قاله رأيا بل توقيفا وليس فيه ما يدفع أن يوحى إلى النبي ﷺ بأشياء كثيرة ليست في القرآن ويكون معنى قوله: لا وحي إلا القرآن أي: القرآن نفسه وما أمر به القرآن مما لم يقله إلا بالقرآن لأن الله قال لنا فيه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية ويكون هذا مراد ابن عباس كما كان مراد علي بن أبي طالب في جواب سؤال أبي جحيفة عنه هل عندكم من رسول الله ﷺ شيء سوى القرآن قال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا من رسول الله ﷺ سوى القرآن إلا أن يؤتي الله فهما في القرآن وما في الصحيفة قال: قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر فحلف بما حلف ومعه من السنة ما قد كان معه التي منها الوحي الذي يوحي إليه مما ليس هو بقرآن لأن ما كان معه من ذلك عن النبي ﷺ داخل في القرآن إذ كان قبولهم إياه منه ﷺ بأمر القرآن إياهم به يحتمل أن يكون قوله: لا وحي سوى القرآن من باب لا عالم سوى فلان يعني هو في أعلى مراتب العلم وكل عالم سواه
стр. 1294
دون رتبته لا أن لا عالم أصلا سواه ومثله لا زاهد إلا عمر بن عبد العزيز وفي الدنيا زهاد كثير إلا أنهم لم يقدروا من الدنيا على مثل ما قدر هو فرسه فيها.
стр. 1295
في أن عثمان داخل في بيعة الرضوان
عن المسور ومروان بن الحكم في حديث الحديبية وقد كان بعث رسول الله ﷺ خداش ابن أمية إلى مكة وحمله على جمل له يقال له: الثعلب فلما دخل عثرت به قريش فأرادته ومنعته الأحابيش حتى أتى رسول الله ﷺ فدعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى أهل مكة فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي وليس بها من عدي بن كعب أحد يمنعني وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها ولكني أدلك على رجل أعز بها مني عثمان بن عفان فدعاه رسول الله ﷺ ليبعثه إلى قريش يخبرهم أنه لم يأت بحرب وأنه إنما جاء زائر لهذا البيت معظما لحرمته فخرج عثمان حتى أتى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص فنزل عن دابته وحمله بين يديه ورد فيه وأجاره حتى بلغ رسالة رسول الله ﷺ فانطلق عثمان حتى اتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به فقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به قال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ قال: واحتبسته قريش عندها فبلغ رسول الله ﷺ والمسلمين أن عثمان قد قتل فقال رسول الله ﷺ : "لا نبرح حتى نناجز القوم"، فكانت بيعة الرضوان وكانت بيعتهم على أن لا يفروا ثم أتى رسول الله ﷺ أن الذي ذكر من أمر عثمان باطل.
فكان عثمان هو السبب في البيعة الرضوان وبايعهم رسول الله ﷺ فيها على ما لم يبايع من قبل على مثله وقول من قال: أن عثمان كان غائبا فلم ينل فضيلتها قول جاهل بالآثار وبمناقب الصحابة بل كان له أجل ما كان لأحد ممن كان حاضرا تلك البيعة يؤيده قول ابن عمر أن رسول الله صلى الله
стр. 1296
عليه وسلم قال يوم بدر: إن عثمان انطلق في حاجة الله وحاجة رسوله فضرب بسهم ولم يضرب لأحد غاب غيره وبعث رسول الله ﷺ عثمان يوم بيعة الرضوان وهو يريد أن يدخل مكة فقال: إن عثمان انطلق في حاجة الله وحاجة رسوله وإني أبايع الله له فصفق إحدى يديه على الأخرى فبان بحمد الله أنه كان لعثمان في تلك البيعة مع غيبته عنها ما لم يكن لأحد شهدها سواه لأن رسول الله ﷺ بايع له وصفق يده على يده فأي فضيلة كهذه الفضيلة.
стр. 1297
في عشرة من الصحابة فيهم سمرة آخركم موتا في النار
عن أبي هريرة قال ﷺ لعشرة من أصحابه فيهم سمرة: "آخركم موتا في النار"، وعنه كنت أنا وابن عمر وسمرة انطلقنا نطلب النبي ﷺ فقيل: توجه نحو مسجد التقوى فأتيناه فإذا هو قد أقبل واضعا يده على منكب أبي بكر والأخرى على كاهل عمر فلما رأيناه جلسنا فقال: "من هؤلاء"؟ فقال أبو بكر: هذا أبو هريرة وعبد الله بن عمر وسمرة فقال: "أما ان آخرهم موتا في النار"، فمات أبو هريرة وابن عمر ثم مات سمرة وعنه أنه قال لي ولحذيفة ولسمرة: آخركم موتا في النار وكان يسأل بعضهم عن موت بعضهم وكان آخرهم موتا سمرة.
يحتمل أنه أراد به نار الآخرة ولكن لما كان موحدا يؤول أمره إلى الخير ويحتمل نارالدنيا وأنه موته في النار لا أنه من أهل النار كما أجاب محمد بن سيرين لما سأل عن أمره قال أصابه كزاز شديد فكان لا يكاد يدفأ فأمر بقدر عظيمة فملئت ماء وأوقد تحتها واتخذ هو فوقها مجلسا فكان يصعد إليه فيجد حرارتها فتدفئه فبينا هو كذلك إذ خسف به فظن أن ذلك هو لذلك فعلم أن النار المذكورة في أره كانت من نيران الدنيا فعاد إلى الأعلام بفضيلة سمرة وأنه من جملة الشهداء الذين أخبر رسول الله ﷺ أنهم شهداء بالحريق
стр. 1298
فكان هذا مثل قوله ﷺ لنسوانه: "أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدا" فلما توفيت زينب ابنة جحش وكانت قصيرة صناعا تصنع بيدها ما تخرجه في سبيل الله علمن أنها كانت أطولهن يدا بالخير وبان لهن بعد موته ﷺ كما بان للناس أمر سمرة بعد موته ﵁.
стр. 1299
في الدعاء للأنصار وأبنائهم
عن زيد بن أرقم أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "اللهم اغفر للأنصار"، وعنه أنه كتب إلى أنس بن مالك يعزيه بمن أصيب من ولده وقومه يوم الحرة وأبشر وابشرك ببشرى من الله سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولأبناء أبناء الأنصار ولنساء أبناء الأنصار ولنساء أبناء أبناء الأنصار"، وكان أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم يقول: أنا آخر من بقي من أهل هذه الدعوة ما بقي أحد غيري قيل فيه ما دل على أن أبناء الأنصار لم يدخلوا في الأنصار ولهذا ذكرهم ثانيا وقيل بل هذا من باب قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ بعد دخولهم في النبيين ولا يقال: كيف يدخلون في الأنصار ولم يكن منهم نصرة لأنه ﷺ حين تلمظ عبد الله بن أبي طلحة قال: حب الأنصار التمر ففيه أنه من الأنصار ولم يكن منه نصرة وكان ﷺ أخذ من تمرات العجوة ومضغه بريقه فأوجره إياه فتلمظ الصبي وقيل له سمه يا رسول الله قال: هو عبد الله.
فإن قيل فلم لا يسم ابن المهاجر مهاجرا قلنا لأن المهاجرين أسلموا في دارهم فمن هاجر بنفسه كان مهاجرا والأنصار أتوا النبي ﷺ إلى مكة فبايعوه على أن يمنعوه فيما يمنعون منه أنفسهم وأبنائهم فعقدوا له النصرة على أنفسهم فدخل في تلك البيعة أبناؤهم كدخولهم فيها كما يدخل أبناء أهل الحرب فيما يصالح الإمام إياهم عليه مما يجري عليه أمورهم في المستقبل ومثله صلح عمر نصارى بني تغلب على ما كان صالحهم عليه من تضعيف الصدقة حتى دخل فيه
стр. 1300
من حضر صلحة منهم ومن لم يحضر منهم ودخل فيه من يولد منهم بعد ذلك إلى يوم القيامة فمثل ذلك الأنصار الصالحون على النصرة للنبي ﷺ بعد قدومه عليهم ذلك فدخل فيه من حضر منهم ومن كان غائبا منهم ومن سواهم ممن يولد إلى يوم القيامة.