في الإراحة بالصلاة
عن عبد الله بن محمد بن الحنفية قال: دخلت مع أبي على صهر لنا من الأنصار فحضرت الصلاة فقال: يا جارية ائتيني بوضوء لعلي أتوضأ فأستريح فكأنه رآنا أنكرنا ذلك فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قم يا بلال فأرحنا بالصلاة" لا يتوهم أن فيه طلب الاراحة من الصلاة وإنما فيه أن يراح بالصلاة من غيرها إذا الصلاة قرة عينه فأمر أن يراح بها مما ليس بمنزلتها إذ لا شيء عنده ﷺ مثلها يشتغل به عنها.
стр. 177
في الصلاة الوسطى
عن عائشة وحفصة ﵄ كل واحدة منهما أمرت كاتب المصحف لها أن يزيد فيه وصلاة العصر عند قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ وذكرت أنها سمعت من رسول الله ﷺ ذلك فيه أنه نسخ من القرآن وأعيد إلى السنة والدليل عليه ما روى عن البراء ابن
стр. 178
عازب ﵁ قال: نزلت ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ وصلاة العصر فقرأناها على عهد رسول الله ﷺ ما شاء الله ثم نسخ فأنزل ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ وكذلك كل ما روى من القرآن ولا نجده في مصاحفنا فهو مما كان قرأنا ونسخ فأخرج من القرآن وأعيد إلى السنة فصار منها قال القاضي: فيحتمل أنهما أمرتا الكاتب لأنهما لم يتعلما نسخ ذلك أو أمرتا بالكتابة على أنه سنة لا على أنه قرآن والله أعلم.
стр. 179
في حمل المصلى صغيرة
عن عمرو بن سليم عن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو حامل أمامة ابنة زينب بنت رسول الله ﷺ فإذا قام حملها وإذا سجد وضعها وله طرق كثيرة في بعضها سمعت أبا قتادة يقول بين نحن جلوس في المسجد ننتظر الصلاة فخرج علينا رسول الله ﷺ على عاتقه ابنة ابنته أمامة ابنة أبي العاص وأمها زينب فكبر وهي على عاتقه فلما ركع وضعها بالأرض فلما قام أعادها على عاتقه حتى قضى صلاته وهو يفعل ذلك.
فيه جواز مثل هذا الحمل والوضع لأمته أيضا ولكن بإجماع الفقهاء لا يجوز فعله وأهل العلم لا يجتمعون على خلاف ما فعله رسول الله ﷺ إلا بعد ثبوت نسخ ذلك لأنهم مأمونون على ما فعلوا كما كانوا مأمونين على ما رووا وقد كانت أشياء فعلها رسول الله ﷺ في صلاته لا يصلح للناس فعلها في صلاتهم فمن ذلك مده يده لأخذ العنقود الذي رآه من الجنة وهو يصلي وما كان منه في إبليس وهو يصلي على ما روى أبو الدرداء أنه قام رسول الله ﷺ فسمعناه يقول: "أعوذ بالله منك" ثم قال: "ألعنك بلعن الله " ثلاثا ثم بسط يده كأنه يتناول شيئا فلما فرغ قالوا: يا رسول الله سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك وبسطت يدك. فقال: "إن
стр. 180
عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي" الحديث ولا خلاف بين أهل العلم أنه لا ينبغي للمصلي أن يفعل مثل هذا في صلاته فعقلنا أن هذه الأشياء من الأقوال والأفعال كانت مباحة ثم نسخت يؤيده ما روى عن جابر ﵁ قال دخل رسول الله ﷺ المسجد فرأى قوما يصلون وقد رفعوا أيديهم فقال: "ما لي أراكم ترفعون أيديكم كأنها أذناب خيل شمس اسكنوا في صلاتكم" وأبين من ذلك ما روى عن زيد بن أرقم قال كنا نكلم في الصلاة حتى نزلت ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت والقنوت هو الخشوع والإقبال على ما فيه القانت غير متشاغل عنه بغيره من فعل أو قول وذلك جرى عليه عمل أمة محمد ﷺ الذي قد أخبر أن الله تعالى لن يجمعهم على ضلالة وفيما ذكرنا من هذا كفاية.
стр. 181
في تشبيك الأصابع
عن أبي ثمامة لقيت كعب بن عجرة وأنا أريد الجمعة وقد شبكت بين أصابعي ففرق بينهما وقال: أنا نهينا أن يشبك أحدنا أصابعه في الصلاة قلت إني لست في الصلاة قال ألست قد توضأت وأنت تريد الجمعة قال قلت بلى قال فأنت في صلاة وعن كعب بن عجرة قال ﷺ : "لا يتطهر رجل في بيته يريد الصلاة إلا كان في صلاة حتى يقضي صلاته فلا يخالف بين أصابع يديه في الصلاة" وروى عنه ايضا سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا توضأ أحدكم وخرج يريد المسجد فهو في صلاة ما لم يشبك بين أصابعه" وروى عنه قال يا كعب بن عجرة إذا توضأت فأحسنت الوضوء ثم خرجت إلى الصلاة فلا تشبك بين أصابعك فإنك في صلاة وروى عنه أنه قال: قال النبي ﷺ : "من شبك بين أصابعه في المسجد فليتوضأ".
стр. 182
ففي هذه الآثار النهي عن تشبيك الأصابع في طريقه إلى الصلاة ففهم بذلك أن مريد الصلاة في حكم من هو فيها إلا ما أباح الله تعالى له من النطق ومن المشي إليها دون أن يتجاوز ذلك إلى السعي يؤيده قوله ﷺ : "إذا ثوب بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" والأمر بالسكينة في الاتيان إلى الصلاة هو معنى ما في حديث كعب من النهي عن التشبيك في حال الإرادة لها كالنهي لمن قد دخل فيها.
стр. 183
في انتظار الإمام من يجيء بعد شروعه فيها
روى عن الإمام أبي حنيفة ﵁ وفيمن تنحنح له وهو يصلي فانتظر المتنحنح أن صلاته فاسدة قال: وأخشى عليه أي بأن يكون قد عمل بعض صلاته لغير الله فيكون بذلك كافرا وقد وجدنا عن النبي ﷺ ما يدفع هذا القول وهو ما روى عن أبي هريرة ﵁ سمع صوت صبي وهو في الصلاة فخفف.
فإن قيل لا حجة فيه لأنه من كلام أبي هريرة بناء على ظنه أن التخفيف كان من أجله يؤيده قول أنس سمع النبي ﷺ بكاء صبي وهو في الصلاة فظننا أنه خفف رحمة لبكاء الصبي إذ علم أن أمه معه في الصلاة قلنا روى عبد الله بن شداد بن الهاد عن أبيه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ في إحدى صلاتي العشى وهو حامل أحد ابنيه الحسن أو الحسين فتقدم رسول الله ﷺ ووضع الغلام عند قدمه اليمنى فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها قال أبي: فرفعت رأسي بين الناس فإذا رسول الله ﷺ ساجد وإذا الغلام راكب ظهره فعدت وسجدت فلما صلى قالوا: يا رسول الله إنك قد سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها أشيء أمرت به أم كان يوحى إليك؟ قال: "كل ذلك لم يكن ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته مني" فلم يكن
стр. 184
انتظاره ابنه حتى يقضي حاجته منه مفسدة صلاته ولا مخرجا له عنها فدل أن مثل هذا لحاجة دعت أو لضرورة حلت غير مفسد ولا مكروه من المصلي وكيف يفسدها وهو أخف من قتل الحية والعقرب في الصلاة وقد أطلق ذلك للمصلي فمثل ذلك من انتظر غيره ليدخل فيها وليدرك من فضلها ما قد طلبه من إتيانها والحق أن عند أبي حنيفة يكره هذا الفعل ولا يفسد لأن غيره ممن سبقه إليها أولى بأن يفعل معه ما يتبع فيه إمامه ممن قصر من إتيانها وأبطأ فيه وهو مذهب مالك ومعنى قول الشافعي واستعمال ما روى عن النبي ﷺ في ذلك وجهه على ما لا زيادة فيه من المتنحنح له تضر من خلفه في صلاته التي قد سبق إليها وتحرم بها ونقول لا بأس بفعل ذلك إذا كان لا ضرر فيه على المصلين معه ولا يكون بفعله يسمى متشاغلا بخلاف صلاته ويكون في إصلاحه إصلاح صلاة غيره كما يكون في إصلاحه إياها لنفسه من التقدم من صف إلى صف ليسد الخلل الذي فيه روى عن خيثمة بن عبد الرحمن أنه قال صليت إلى جنب ابن عمر فرأى في الصف خللا فجعل يغمزني أن أتقدم ويمنعني من التقدم الضن بمكاني إذا جلس أن أبعد منه فلما رأى ذلك تقدم هو فإذا كان هذا مباحا للمصلي في أمر نفسه كان مباحا منه لغيره مما يكون في فعله إصلاح لصلاته.
стр. 185
في البداءة بالعشاء قبل العشاء
روى عن النبي ﷺ : "إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء" هذا مخصوص بالصائم دون من سواه روى ابن شهاب عن أنس سمعته يحدث عن رسول الله ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاة وأحدكم صائم فليبدأ بالعشاء قبل صلاة المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم". دل هذا على أن المقصود من المخاطبين الصوام وقال الشافعي ﵀: هذا ترخيص عام في التخلف عن الجماعة لكل ذي حاجة كالحاقن يحتاج إلي
стр. 186
تجديد وضوء وقد أقيمت الصلاة فيرخص في ترك الجماعة وتجديد الوضوء لأن صلاة من يدافع الأخبثين منهي عنها وكذا حضور العشاء لمن له توقان إلى طعام يشغله عن الاقبال إليها ويحمله على العجلة عن الاكمال صائما كان أو غيره قال ﷺ لا يصلين أحدكم بحضرة الطعام ولا هو يدافعه الأخبثان الغائط والبول.
قال القاضي: فالحق أن الأمر بالابتداء بالعشاء ليس على إطلاقه وإنما معناه عند حاجته إلى الطعام صائما كان أو غير صائم لكن طعامهم ما كان على مقدار طعامنا اليوم في الكثرة بل على القصد والقناعة بما فيه البلغة فيبتدئ المحتاج بقدر ما يدفع توقانه ويتفرغ قلبه للاقبال على صلاته وإتمامها.
стр. 187
كتاب الجنائز
في توجيه المحتضر القبلة
عن كعب أن رسول الله ﷺ قال: "من سيدكم يا بني سلمة؟ " قالوا: سيدنا ناجد بن قيس قال: "بم سودتموه؟ " قال: بأنه أكثرنا مالا وأنا على ذلك لنداريه بالبخل, فقال رسول الله ﷺ : "أي داء أدوأ من البخل؟ ليس ذلك سيدكم" قالوا: فمن سيدنا يا رسول الله؟ قال: "سيدكم بشر بن البراء بن معرور" أول من استقبل القبلة حيا وعند حضور وفاته قبل أن يوجهها رسول الله ﷺ , فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأمره أن يستقبل بيت المقدس وهو بمكة فأطاع رسول الله ﷺ حتى حضرته الوفاة فأمر أهله أن يوجهوه قبل المسجد الحرام ورسول الله يومئذ بمكة قال أبو حنيفة وأصحابه: يستقبل المحتضر القبلة على جنبه كما في لحده لأنه سبب من أسباب الموت فيعطى له حكمة ولا حجة لمن قال: يستقبل عند الموت كما يستقبل للصلاة استدلالا بفعل البراء فإنه أول من استقبل القبلة حيا وعند حضور وفاته وتناهى ذلك إلى النبي ﷺ فلم ينكره إذ ذكر استقباله القبلة للصلاة وعند الموت ذكرا واحدا فكان ذلك دليلا على استواء كيفيتهما لأنه يجوز أن يذكر في الحديث استقباله القبلة في الشيئين المذكورين لاستقباله فيهما القبلة وإن اختلف كيفيتهما في ذلك.
стр. 188
في التكفين
عن خباب بن الأرت هاجرنا مع رسول الله ﷺ ونحن نبتغي وجه الله فوجب أجرنا على الله فمنا من مات ولم يأكل من أجره شيئا وكان منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد فلم يترك إلا نمرة فكنا إذا غطينا رأسه بدت رجلاه وإذا غطينا رجليه بدأ رأسه فقال رسول الله ﷺ : "غطوا رأسه واجعلوا على رجليه من الأذخر ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهد بها".
وعن ابن عباس أمر رسول الله ﷺ بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وقال: "ادفنوهم بدمائهم" فيه أن الكفن مقدم على الديون والوصايا والميراث وهو قول أهل العلم جميعا حاشا سعيد بن المسيب فإنه قال في أحد قوليه: أن الكفن من الثلث وهو محجوج بأمر رسول الله ﷺ بدفن الموتى في ثيابهم التي هي جميع أموالهم التي تركوها من غير سؤال عن دينهم ووصيتهم وورثتهم.
стр. 189
في الصلاة على المنافق
روى ابن عمر وابن عباس أن رسول الله ﷺ صلى على عبد الله بن ابي ابن سلول وفيما روى عن جابر ما دل أنه لم يصل عليه وهو الأشبه بأفعاله لأنه كان لا يصلي على مديون لا وفاء له به ولا على من غل زجرا له فالمنافق بذلك كان أحرى لما أخبر الله تعالى به من كفرهم روى أن عمر بن الخطاب قال لما أتى ليصلى عليه: أتصلي عليه وقد نهاك الله عن الصلاة على المنافقين؟ وهو أصح مما روى عنه أنه قال: أتصلي عليه وقد نهاك الله عن الصلاة عليه؟ لأنه محال أن يصلي على ما نهاه عن الصلاة عليه والله أعلم.
стр. 190
في الصلاة على المرجومة
روى أن رسول الله ﷺ صلى على الجهينية التي رجمها بإقرارها على نفسها بالزنا ولم يصل على ماعز المرجوم بإقراره أيضا والمعنى فيه أن من سنته الصلاة على المحمودين لا على المذمومين كالغال وقاتل نفسه وما أشبههما والجهنية حمدت لأنها جادت لله بنفسها لإقامة الحد عليها قال رسول الله ﷺ : "لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم وهل وجدت أفضل من أن جادت لله بنفسها" جوابا لعمر أو على حين قال له: أتصلي عليها يا رسول الله وقد زنت؟.
وأما ماعز فلم يجد لله بنفسه وإنما جاءه وهو يرى أنه لا يفعل به ذلك دل عليه قوله لما وجد مس الحجارة صارخا يا قوم ردوني إلى رسول الله فإن قومي قتلوني وغروني من نفسي أخبروني أن رسول الله غير قاتلي فلم ينزع عنه حتى قتل فهروبه دل على رجوعه عن إقراره أو إعراضه عن إقامة الحد عليه وهو مذموم في الحالين وما روى في حديث جابر أن رسول الله ﷺ لما بلغه هروبه قال له خير أولم يصل عليه فدل أنه كان محمودا عنده معارض بما روى أبو سعيد الخدري فسبقنا إلى الحرة فأتبعناه فقام لنا فرميناه حتى سكت فما استغفر له الرسول ﷺ ولا سبه ويحتمل أن الحمد له لم يكن إلا بعد أن فات وقت الصلاة لمعنى حدث في أمره من رحمة لحقته من الله وعلم بوحي أوحى إليه أو رؤيا رآها دل عليه ما روى عن بريدة أنهم لبثوا بعد رجم ماعز يومين أو ثلاثة فجاء النبي ﷺ وهم جلوس فسلم ثم جلس فقال: "استغفروا لماعز" فقالوا: أغفر الله لماعز؟ فقال: "لقد تاب توبة لو قسمت بين مائة أو بين أمة لوسعتهم" وما روى أنه قال موصولا بانصرافهم من رجمه لأن رسول الله ﷺ لم يحضر رجمه ثم كان هذا القول منه بعد وقوفه على حقيقة ما صار إليه من العفو عنه.
стр. 191
في الصلاة على قاتل نفسه
عن جابر بن سمرة أن رجلا نحر نفسه بمشاقص فلم يصل عليه النبي ﷺ هذه مسألة اختلف أهل العلم فيها فطائفة ذهبوا إلى جواز الصلاة عليه منهم إبراهيم النخعي وأبو حنيفة وأصحابه وطائفة منعوها عليه محتجين بهذا الحديث فوجدنا ترك الصلاة عليه إنما كان من النبي ﷺ لا من الناس جميعا فيحتمل أن ما كان منه من الامتناع من الصلاة لأن صلاته رحمة على من يصلي عليه وقد كان حيل بينه وبين الجنة بما كان من ذلك المقتول وصلى عليه غيره ممن ليست صلاته في هذا المعنى كصلاته ﷺ كما فعل بالذي غل بخيبر وبالذي مات وعليه الدين إذ كان من شريعته أن لا يصلي على المذمومين من أمته قال القاضي إنما ترك الصلاة عليهم أدبا لهم وزجرا لمن سواهم عن مثل أحوالهم لا يأسا من قبول رحمة الله لهم.
стр. 192
في الصلاة على النجاشي
روى عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال: "إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه" قال: ونحن نرى أن الجنازة قد أتت فصففنا فصلينا عليه وإنما مات بالحبشة فصلى عليه رسول الله ﷺ حين دخل المدينة فيه أنه حمل إلى المدينة بلطيف قدرة الله تعالى في اليوم الذي مات فيه بناء على ظن الصحابة في أمره فصلوا عليه كما يصلى على من مات بالمدينة عندهم فاندفع به احتجاج من أطلق الصلاة على الميت الغائب وكان هذا من لطيف القدرة كما كان لنبيه ﷺ في بيت المقدس إذ كذبته قريش حين أخبرهم أنه أسري به إليه روى عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : "لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن أمري فسألوني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربت كربا ما كربت مثله قط فرفعه الله تعالى إلي أنظر إليه فما سألوني عن شيء إلا أنبأتهم به" لا يقال حديث عمران محال لأن
стр. 193
فيه إتيان الحنازة وصلاته عليه كان حين دخل المدينة والجنازة لا اتيان لها والنجاشي لا دخول له لأن هذا ونحوه قد يذكر به الأموات كما يذكر به الأحياء يقال حضرت الجنازة بمعنى احضرت وقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا﴾ الآية أضاف الإتيان إلى البأس وقال: ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ الآية وإنما كان إتيان الرزق بإتيان من يأتي به إليها فلا استحالة في الحديث ولا حجة فيه لمن يرى الصلاة على الغائب وأبو حنيفة ومالك وأصحابه ممن لا يرونها على الميت الغائب.
стр. 194
في الصلاة على القبر
روى عن ابن عباس أن النبي ﷺ صلى على قبر بعد ثلاث من مات ولم يصل عليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه يصلى على قبره إلى ثلاثة أيام ولا يتجاوز إلى ما هو أكثر منها لأن الميت بعدها يخرج من حال من يصلى عليه لكن الحديث يدفع ذلك١ مع أن قولهم توقيف والتوقيف لا يؤخذ إلا بالتوقيف وقد رأينا غير واحد يخرجون من قبورهم بعد مدة طويلة وهم على حال تجوز الصلاة عليهم وقد وجدنا الغرقى يخرجون بعد الأيام التي تجاوز هذا الوقت فيصلى عليهم فكذا غيرهم ما كانت أبدانهم موجودة غير مفقودة بفنائها أما ببلاء أو بغيره يصلى عليهم.
стр. 195
في الدعاء على الميت
روى من دعاء النبي ﷺ على الميت: "اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا" سؤال الغفران للأصاغر لأجل ما يعملونه في حال الكبر فيغفر لهم ذنوبهم قبل أن يعملوها ومثله في المعنى ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ وقوله ﷺ لعمر في
стр. 196
قصة حاطب وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.
وروى عبد الله بن الحارث عن أبيه أن النبي ﷺ قال في الصلاة: "اللهم اغفر لأحيائنا وأمواتنا وأصلح ذات بيننا وألف بين قلوبنا اللهم عبدك فلان بن فلان ولا نعلم إلا خيرا وأنت أعلم به منا فاغفر لنا وله" فقلت وأنا أصغر القوم: فإن لم نعلم خيرا؟ قال: "فلا تقل إلا ما تعلم", الحارث هذا هو أبو قتادة الأنصاري وقد كشف معنى هذا الحديث بسؤاله وبما أجابه إذ لا يشك أحد أن النبي ﷺ لا يقول: "ولا نعلم إلا خيرا" فيمن يعلم منه غير الخير قال: ميمون بن مهران إذا صليت على من تتهمه فيكفي أن تقول: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً﴾ الآية وإذا صليت على من تحب فاجتهد في الدعاء أي من تحب لخيره ولا تتهمه في اعتقاده وهذا إنما هو في أهل الأهواء الذين ما خرجوا بهواهم عن الإسلام وإن كانوا مذمومين وأما من كان على شيء من الأهواء مما يخرج به عن الإسلام فلا يصلى عليه.
стр. 197
في ثواب المصلى عليها
روى أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "من أتى الجنازة عند أهلها فمشى معها حتى يصلى عليها فله قيراط ومن شهدها حتى يدفن فله قيراطان مثل أحد" وروى أيضا: "من جاء جنازة فتبعها من أهلها حتى يصلى عليها فله قيراط وإن مضى معها حتى تدفن فله قيراطان مثل أحد" مع ما روى عنه ﷺ : "من صلى على جنازة فله قيراط ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان". اختلف في سبب استحقاق القيراط هل هو المشي معها أو الصلاة عليها أو التشييع ولو راكبا ففي الحديث الأول ذكر المشي معها وفي الباقين اغفال من رواتها ومن حفظ شيئا كان حجة على من لم يحفظه ولا شك أن المشيع لها بالركوب معها حتى يصلى عليها ثوابه دون ثواب الماشي معها حتى يصلى عليها
стр. 198
لكن هذا في الراكب اختيارا وأما الراكب لعجزه عن المشي فكالماشي معها فإن قيل فهل جزء القيراط من الشيء الذي هو منه معلوم في شيء من الآثار قيل له ما وجد لذلك ذكر في شيء روى عن رسول الله ﷺ غير شيء من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "الدينار كنز والدرهم كنز والقيراط كنز" قالوا: يا رسول الله أما الدرهم والدينار فقد عرفناه فما القيراط؟ قال: "نصف درهم نصف درهم" قال الطحاوي: فكان ذلك مقدار القيراط من الشيء الذي هو منه وكان ذلك دليلا على أن الصرف الذي كانوا عليه مما هو عدل الدينار اثنى عشر درهما على مذهب من يجعل الدية اثنى عشر وأما من يجعل من الورق عشرة آلاف درهم فذلك على أن عدل الدينار من الدرهم كان عندهم عشرة دراهم وعلى أن القراريط التي جملتها الدينار كانت عندهم عشرون قيراطا القيراط منها نصف درهم والله أعلم فإن قيل فهل وجدتم للشيء الذي القيراط منه ذكر مقدار في شيء من الآثار قيل له ما وجدنا ذلك والله أعلم وقد يجوز أنه أخفى ذلك حتى يعلمه أهله إذا لقوه فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين قال القاضي أبو الوليد: فإذا علم مقدار القيراط مما هو منه وأنه جزء من عشرين أو من أربعة وعشرين وعلم مقدار القيراط بالنص أنه مثل أحد فقد علم مقدار الشيء الذي القيراط منه فيعلم قدر المثل به الخير في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ إذ مقدار الذرة ومقدار جبل أحد معلوم عيانا ولا نعلم قدر وزنهما من الثواب إلا يوم الجزاء والحساب هذا من تمثيل المعقول بالمحسوس ليفهم معناه لأن الثواب ليس بجسم يعير بالوزن فعقلنا به أن الله تعالى يتفضل على من شهد جنازة من عند أهلها وصلى عليها باضعاف ما يتفضل به على من عمل أدنى يسير١ من خير عدد ما في جبل أحد ومن مثاقيل الذر.
стр. 199
في عدد من يشفع في الميت
روى عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "ما من رجل يموت فيصلى عليه أمة من المسلمين يبلغون أن يكونوا مائة فيشفعون له إلا شفعوا له" ومن رواية أبي هريرة أنه قال: "من صلى عليه مائة من المسلمين غفر له" مع ما روى عنه من حديث ابن عباس أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه" ليس هذا باختلاف وتعارض لأنه يحتمل أن الله تعالى قد جاد بالغفران لمن صلى عليه مائة من المسلمين بشفاعتهم له ثم جاد بالغفران بشفاعة أربعين فحديث ابن عباس متأخر عن حديث عائشة وأبي هريرة لأن الله تعالى لا يرجع فيما يجود به.
стр. 200
في الصلاة على الشهيد
عن عقبة بن عامر الجهني قال آخر ما خطب لنا رسول الله ﷺ أنه صلى على شهداء أحد ثم رقى على المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: "إني لكم فرط وأنا عليكم شهيد" فيه أن رسول الله ﷺ صلى على قتلى أحد بعد مقتلهم بثمان سنين, فاحتمل أن يكون ذلك لأنه لم يكن سنة الشهداء قبل ذلك الصلاة عليهم ثم صار سنة فصلى عليهم لذلك وما روى عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله ﷺ كان يوضع بين يديه يوم أحد عشرة فيصلي عليهم وحمزة موضوع ثم يوضع عشرة فيصلي عليهم وعلى حمزة معهم.
وما روى عنه أيضا قال: أمر رسول الله ﷺ يوم أحد بالقتلى فجعل يصلي عليهم فيوضع تسعة وحمزة فيكبر عليهم سبع تكبيرات ثم يرفعون ويترك حمزة ثم يجاء بتسعة فيكبر عليهم سبعا حتى فرغ منهم قد خالفه جابر بن عبد الله وأنس فروى عن جابر أن رسول الله ﷺ أمر بدفن
стр. 201
قتلى أحد بدمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلوا وعن أنس أن شهداء أحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم ولم يصل عليهم ويجوز أن يكون لم يصل عليهم وقد صلى عليهم غيره بأمره.
стр. 202
في الصلاة على حمزة ﵁
...
في الصلاة على حمزة
روى عن أنس أن رسول الله ﷺ يوم أحد مر بحمزة وقد جدع ومثل به فقال: "لولا أن تجزع صفية لتركته حتى يحشره الله من بطون الطير والسباع" فكفنه في نمرة إذا خمر رأسه بدت رجلاه وإذا خمر رجليه بدا رأسه فخمر رأسه ولم يصل على أحد من الشهداء غيره وقال: "أنا شهيد عليكم اليوم" ففيه أن رسول الله ﷺ لم يصل على أحد من الشهداء يوم أحد غير حمزة ويجوز أن يكون ما فعل من الصلاة على حمزة ومن تركه الصلاة على غيره بما شغله يومئذ مما نزل به في وجهه ومن هشم البيضة على رأسه قال سهل: كسرت البيضة على رأسه وكسرت رباعيته وجرح وجهه فكانت فاطمة تغسله وعلي يسكب الماء بالمجن فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة حصير فأحرقتها وألصقتها على جرحه فاستمسك الدم وقال ﷺ : "كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله" فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ فاحتمل أن يكون ترك الصلاة لما شغله عنهم غير حمزة فإنه اختصه بالصلاة عليه لمكانه منه ولا يقال لم يرو أنس الصلاة على حمزة لأن زيادة الثقة حجة ولا يدفع ما في حديث عقبة من أن رسول الله ﷺ صلى على قتلى أحد ما ذكرنا قبل هذا أن الميت إذا فنى بلاء حتى صار معدوما لا يصلى على قبره لأن شهداء أحد قد علم رسول الله ﷺ أنهم لم يفنوا بما أنزل الله عليه فيهم: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً﴾ الآية فصلى عليهم بذلك وقد روى في بقائهم على حالهم بعد مدد جابر بن عبد الله قال: لما أراد معاوية أن يجري العين التي عند قبور الشهداء بالمدينة أمر مناديا فنادى من كان له ميت فليأته قال جابر فذهبت إلى أبي فأخرجناهم رطبا فأصابت المسحاة أصبع رجل منهم فانقطرت دما فهكذا نقول من علم بقاء بدنه بعد مدة وإن طالت في قبره جاز أن يصلى على قبره إذ لم يكن صلى عليه قبل دفنه اقتداء برسول الله ﷺ في ذلك واتباعا له.
стр. 203
في اللحد والشق
روى عن النبي ﷺ أنه قال: "اللحد لنا والشق لغيرنا" أو لأهل الكتاب على ما روى عنه يحتمل تخصيص اللحد بنا كون العرب لا تعرف غيره والشق لأهل الكتاب لأنه الذي كانوا يستعملونه وكان أنبياؤهم على ذلك في أيامهم وقد أمر نبينا ﷺ وعليهم بالاقتداء بهم إلا فيما ورد نسخه ولم يرد ناسخ للشق فبقي اللحد والشق جميعا من سنن المسلمين غير أن اللحد أولاهما لأنه للمختار للمختار صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومما يدل على إباحة الشق ما روى عن أنس لما توفى رسول الله ﷺ كان بالمدينة رجل يلحد ورجل يضرح فقالوا: نستخير ربنا ونرسل إليهما فأيهما سبق تركناه فأرسل إليهما فسبق صاحب اللحد فلحدوا الرسول ﷺ وما ورد من قوله: "الحدوا ولا تشقوا" ليس النهي للكراهة بل لترك الأفضل والأخذ بما دونه.
стр. 204
في إلحاد المرأة
روى عن أنس قال: ماتت إحدى بنات رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "لا يدخل القبر أحد قارف أهله الليلة" فلم يدخل زوجها هي أم كلثوم توفيت في سنة تسع من الهجرة والمقارفة قد تكون من المقاولة المذمومة وقد تكون من غيرها من الإصابة واستحال الثاني لأن إصابة الرجل أهله غير مذمومة فيحتمل أنه ﷺ علم ممن كان يصح له دخول قبرها من ذوي محارمها أنه جرى بينه وبين زوجته في تلك الليلة مقارفة من القول مذمومة فكره أن يتولى إدخال بنته في قبرها وما أراد أن يواجهه
стр. 205
بذلك إذ كان دأبه أن لا يواجه أحد إنما يكره بما كان يقول تعريضا جريا على مقتضى الاخلاق الكريمة التي جبل عليها وشرفه الله سبحانه بها وخصه بأعلى مراتبها كما قال ﷺ : "ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله تعالى وما بال رجال يقول أحدهم قد طلقتك قد راجعتك" وهذا أحسن محامله وأما ما فيه من قول الراوي فلم يدخل زوجها يعني قبرها فإن ذلك حمله قوم على أنه يحتمل أنه كان بينه وبينها قبل وفاتها في تلك الليلة هذه المقارفة وهم الذين يذهبون إلى أن للزوج غسل زوجته بعد وفاتها وإدخالها قبرها ومذهبنا أنه لا يغسلها لانقطاع ما كان بينهما في حياتها بوفاتها.
وروى أنس قال شهدنا بنت لرسول الله ﷺ وهو جالس على قبرها فرأيت عينيه تدمعان فقال: "هل منكم أحد لم يقارف أهله الليلة؟ " فقال أبو طلحة: أنا, قال: "فانزل في قبرها" وهذا مما يبعد لأن أبا طلحة لم يكن محارمها اللهم إلا أن يكون لم يحضر قبرها حينئذ من ذوي محارمها غير رسول الله صلى الله عليه وسلام فاحتاج إلى معونته فاتسع له ما يتسع للأجنبي من أن ييمم الميتة من وراء ثيابها مكان غسلها عند الضرورة وزوجها كان عثمان بن عفان.
стр. 206
إقبار زينب أم المؤمنين
روى أن عمر بن الخطاب صلى على زينب ﵂ بالمدينة فكبر عليها أربعا ثم أرسل إلى أزواج النبي صلى الله عليه وعليهن وسلم من يأمرن أن يدخل في قبرها قال: وكان يعجبه أن يكون هو الذي يلي ذلك فأرسلن إليه انظر من كان يراها في حياتها فليكن هو الذي يدخلها القبر فقال عمر: صدقتن وإنما كان أعجبه ظنا منه أن ذلك جائز له إذ كانت اماله ثم استظهر بما عندهن إذ حكمهن حكمها وأشكل عليه إذ ليست أم نسب ولا أم رضاع ولهذا ألا تجوز رؤيتها ويجوز نكاح بنتها منه فأعلمنه في ذلك بخلاف ما كان الأمر عنده عليه فرجع إليه ورآه الصواب ومن جعل أم حبيبة مكان زينب فقد أخطأ لأن أم حبيبة بقيت بعد عمر دهرا طويلا وقد قال رسول الله ﷺ لأزواجه أولكن لحوقا بي أطولكن يدا وكانت زينب امرأة قصيرة فلما توفيت أولهن علمن أنه إنما أراد طول يدها بالصدقة لأنها كانت تصنع بيدها ما تعين به في سبيل الله.
стр. 207
في فتنة القبر
روت عائشة وابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إن للقبر لضغطة لو كان أحدا ناجيا منها نجا منها سعد بن معاذ" زاد في حديث ابن عمر ثم قال بأصابعه الثلاث يجمعها كأنه يقلله ثم قال: "لقد ضغط ثم عوفي" ولا يعارضه ما روى ربيعة بن سيف عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا برئ من فتنة القبر" لأنه منقطع الإسناد فإن ربيعة لم يلق عبد الله وبينهما رجلان أحدهما مجهول وعن علي ﵁ قال كنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ فيه اثبات عذاب القبر ورويت عن النبي ﷺ آثار متواترة باستعاذته منه روى مصعب بن سعد أنه كان يحدث عن أبيه قال كان يأمرنا بهذا الدعاء مرفوعا: "اللهم إني أعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر وأعوذ بك من فتنة الدنيا وأعوذ بك من عذاب القبر" وروى عمر قال كان رسول الله ﷺ يتعوذ من خمس: "من الجبن والبخل وسوء العمر وفتنة القبر وعذاب القبر" وخرج في هذا المعنى آثار كثيرة من رواية أبي هريرة وأبي بن كعب وغيرهم وروى عن ابن عباس قال مر رسول الله ﷺ على قبرين فقال: "إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير أما هذا فكان لا يستتر من بوله وأما هذا فكان يمشي بالنميمة" ثم دعا بعسيب رطب فشقه بائنين فغرز على هذا واحدا وعلى هذا واحدا ثم قال لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا خص البول من النجاسات لتهاون الناس به إذ لا يظهر على الثياب منه أثر بخلاف الغائط
стр. 208
والقيح والدم فيتحاماها الناس لقذرهم إياها ومعنى لا يستتر من بوله أي لا يتوقى منه ومنه دعاء الناس سترك الله من النار أي وقاك منها ومنه قوله ﷺ : "أكثر عذاب القبر بالبول" أي أكثر عذاب القبر من أجل البول بما شاء الله أن يعذب به من أصناف عذابه يؤيده ما روى عن ابن عباس مرفوعا: "أن عامة عذاب القبر من البول فتنزهوا من البول" وقيل: أن الناس يعذبون في قبورهم بالبول كما يعذب به في الدنيا لأنه من غليظ عذاب الدنيا والله أعلم.
стр. 209
في عذاب القبر
روت عمرة عن عائشة أن يهودية جاءت تسألها, فقالت: أعاذك الله من عذاب القبر فسألت عائشة رسول الله ﷺ : أيعذب الناس في قبورهم؟ فقال رسول الله ﷺ : "عائذا بالله من ذلك" ثم ركب رسول الله ﷺ ذات غداة مركبا خسفت الشمس فرجع ضحى فمر بين ظهراني الحجر فقام يصلي فذكرت صلاة الكسوف وكيف صلاها فقالت: ثم انصرف فقال ما شاء الله أن يقول ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر دفع رسول الله ﷺ قول اليهودية كان قبل أن يوحى إليه بذلك وأمرنا بالتعوذ من عذاب القبر بعد الوحي إليه بذلك لا يقال: كيف دفع خبر اليهودية وقد قال ﵊: "ما حدثكم به أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله فإن كان حقا لم تكذبوهم وإن كان باطلا لم تصدقوهم" لأنه يحتمل أن يكون دفع قولها وردها قبل أن يؤمر بالالتفات إلى ما حدثه به أهل الكتاب ثم أمر بعد ذلك بالوقوف عنده وترك التصديق به والتكذيب له فكان له دفع ما حدثوه به كما للرجل أن يدفع ما لم يعلمه وإن كان في الحقيقة حقا فإن المدعي عليه إذا لم يعلم صحة دعوى المدعي كان في سعة من انكاره إياه ومن حلفه له عليه وإن كان يجوز أن يكون عليه حق فذهبت عنه معرفته فكان صلى الله عليه
стр. 210
وسلم لما سئل عن ما لا علم له به كان في سعة من نفيه وإن كان في الحقيقة حقا ثم أمر أن يقابل قولهم بالتوقف وإن كان الدفع واسعاله مع أنا تأملنا حديث عائشة فوجدنا رواته خالفوا عمرة فيه منهم مسروق عن عائشة أنها قالت أتتني عجوز يهودية فقالت يعذب أهل القبور فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "صدقت يعذب أهل القبور عذابا يسمعه البهائم" وروى عنها أنها دخلت عجوزان من عجائز يهود المدينة فقالتا لي: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم فكذبتهما فخرجتا ودخل رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إن عجوزين دخلتا علي فزعمتا أن أهل القبور يعذبون في قبورهم؟ فقال: "صدقتا إنهم ليعذبون عذابا تسمعه البهائم كلها" قالت عائشة: فما رأيته بعد ذلك في صلاة إلا يتعوذ من عذاب القبر وروى عن ذكوان عنها, قالت: استطعمت يهودية فقالت: اطعموني أعاذكم الله من فتنة الدجال ومن فتنة عذاب القبر, فقلت: يا رسول الله ما تقول هذه اليهودية؟ قال: "وما قالت؟ " فقلت: إنها قالت: أعاذكم الله من فتنة الدجال ومن فتنة عذاب القبر, فقام رسول الله ﷺ فرفع يديه مدا يستعيذ بالله من فتنة الدجال وعذاب القبر وروى عروة عن عائشة أن يهودية دخلت عليها وعندها رسول الله ﷺ فقالت: أشعرت أنكم تفتنون في القبور فارتاع رسول الله ﷺ وقال: "إنما تفتن يهود" قالت عائشة: فلبثنا ليالي ثم قال رسول الله ﷺ : "أما شعرت أنه أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور؟ ", ثم سمعت رسول الله ﷺ يستعيذ من عذاب القبر فوافقت رواية عروة رواية عمرة فالصواب أنه تقدم دفعه ﷺ ثم اثباته إياه بعد ذلك والذي عند مسروق وذكوان هو الأمر الثاني والذي عند عروة وعمرة الأمر الأول والثاني فكان بذلك أولى إذ حفظا من ذلك ما قصر مسروق وذكوان عن حفظه.
стр. 211
في سماع عذاب القبر
روى عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ على بغلة شهباء فمر على حائط لبني النجار فإذا قبر يعذب صاحبه فحاصت فقال رسول الله ﷺ : "لولا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر" فيه إن البهائم تسمعه وابن آدم لا يسمعه وقد روى عن أبي أيوب أن رسول الله ﷺ خرج حين غابت الشمس فقال: "هذه أصوات يهود تعذب في قبورها" ففيه أن ابن آدم قد سمعوا أصوات يهود الذين كانوا يعذبون في قبورهم فالوجه فيه أن ذلك كان بعد دعاء النبي ﷺ أن يسمعهم إياها ويحتمل أن يكون المسموع أصوات اليهود ولم يسمعوا أصوات المسلمين المعذبين في قبورهم فلا تضاد بينهما وعن عبد الرحمن بن حسنة قال: انطلقت أنا وعمرو بن العاص فجاء رسول الله ﷺ ومعه درقة أو شبه الدرقة فجلس فاستتر بها قال: فقلت أنا وصاحبي: انظروا إلى رسول الله ﷺ يبول كما تبول المرأة وهو جالس, فأتانا فقال: "أوما علمتم ما لقي صاحب بني إسرائيل كان إذا أصاب أحدهم شيء من البول قرضه بالمقراض فنهاهم عن ذلك فعذب في قبره" يحتمل أنه كان من شريعة بني إسرائيل قرض الأبدان إذا أصابها بول بالمقراض فنهاهم ذلك الرجل عن ذلك آمرا لهم بترك شريعتهم فعوقب على ذلك في قبره لعظم عصيانه.
стр. 212
في زيارة القبور
روى عن ابن عباس قال: لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور ويحتمل أن يكون أراد الجمع بين الزيارة واتخاذ اسقاط المساجد والسرج فيكون مجرد الزيارة مباحة بل هي الأولى لأنه قد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن فيه عبرة" وفي رواية وليزدكم زيارتها خيرا وكذلك روى مرفوعا في لعنة اليهود والنصارى لاتخاذهم ذلك على قبور أنبيائهم قالت عائشة وابن عباس لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصته على وجهه فإذا اغتم كشفها عن وجهه قال وهو كذلك لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا والتحذير باللعن الذي في الحديث الأول لمن هذا سبيله لا لما سواه من زائري القبور وهذا القول إنما كان عند وفاته ولا ناسخ له.
стр. 213
في عذاب الميت
روى عن النبي ﷺ أنه قال: "كسر عظم المسلم ميتا مثل كسره حيا" لا يقال فليجب في كسر عظم الميت قصاص أو دية لأن عظم الميت له حرمة مثل حرمة عظم الحي ولكن لا حياة فيه فكان كاسره في انتهاك الحرمة ككاسر عظم الحي وعدم القصاص والارش لانعدام المعنى الذي يوجبه من الحياة كالصحيح يقطع اليد الشلاء لا قصاص عليه ولا دية وإنما فيه الحكومة بقدر ما نقص ولا قيمة لذلك من الميت يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ بطريق الإيماء فلا يجب القصاص إلا بإزالة الحياة.
стр. 214
في ثناء الناس على الميت
روى عن أنس قال مر على النبي ﷺ بجنازة فأثنى عليها خير فقال ﷺ : "وجبت وجبت وجبت" ومر بجنازة فأثنى عليها شر فقال: "وجبت وجبت وجبت" فقال عمر: فداك أبي وأمي مر بجنازة فأثنى عليها خير فقلت وجبت وجبت وجبت ومر بجنازة فأثى عليها شر فقلت وجبت وجبت وجبت فقال ﷺ : "من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض" وعن عمر مثل ذلك فيمن أثنى عليه بخير وفيمن أثنى عليه بشر فقال له أبو الأسود: بما قلت وجبت؟ قال: قلت: كما قال رسول الله ﷺ : "أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة" فقلنا
стр. 215
أو ثلاثة فقال: "أو ثلاثة" فقلنا: أو اثنان, قال: "واثنان" ثم لم نسأله عن الواحد ووجه ذلك أن الشهادة بالخير لمن شهد له ستر من الله سبحانه عليه في الدنيا ومن ستر الله عليه في الدنيا لم يرفع عنه ستره في الآخرة ومن لم يرفع الله عنه ستره في الآخرة أدخله الله الجنة والشهادة بالشر في الدنيا هو رفع الستر عن المشهود عليه وهو في ذلك ضد من اثنى عليه خير في الدنيا فكذلك هو في الأخرى فيستحق النار وهذا من أدق استنباط وأحسنه.