← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 11816

المعتصر من المختصر من مشكل الآثار

جمال الدين الملطي

Полный текст (1 343 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

مدين من حنطة أو صاعا من تمر ومن رواية ثعلبة بن أبي صغير عن أبيه قال النبي ﷺ : "أدوا صدقة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو نصف صاع من بر" وقال: "وقمح عن كل إنسان صغير أو كبير أو ذكر أو أنثى حر أو مملوك غني أو فقير" ومن روى ولم يذكر فيه القمح فقد قصر عما زاده عليه من هو أولى منه ففيه دليل على أن ما كانوا يخرجون صاعا من البر حينئذ كان على التبرع وقد أخبر سعيد بن المسيب وأبو سلمة وعبيد الله بن عبد الله والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله كلهم من التابعين ان الفرض كان في عهد رسول الله صلى اله عليه وسلم في زكاة الفطر مدين من الحنطة فدل أن نصف الصاع منها أصل من الأصول يستغنى به عن التقويم وقد روى عن الصديق وعمر وعثمان وعبد الله أنهم قبلوا مدين من حنطة في صدقة الفطر وأمروا بذلك وروى كذلك عن عمر بن عبد العزيز ومجاهد وغيرهم.

стр. 247

كتاب الصيام في رؤية الهلال ... كتاب الصيام فيه عشرون حديثا في رؤية الهلال في حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فقال: "لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له" وفي حديثه أيضا أن رسول الله ﷺ قال: "الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له" وقال الشافعي عن مالك: فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين وأحسن ما قيل في "فاقدروا له" أن الله قال: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ فأخبر أنه قدره منازل يجري عليها فجعله يجري في كل ليلة حتى يسقط منزلة واحدة وهي ستة أسباع ساعة لأن منازل الليل أربع عشرة منزلة وساعاته اثنتى عشرة ساعة فحذاء كل منزلة ستة أسباع ساعة فيجري كذلك إلى تمام ثمان وعشرين ليلة ثم يستتر فإن كان الشهر ثلاثين استتر ليلتين وإن كان تسعا وعشرين استتر ليلة فكان المأمور به إذا غم علينا ثم طلع في الليلة التي بعدها نظرنا إلى سقوطه في تلك الليلة فإن كان

стр. 248

بمنزلة واحدة علمنا أنه لليلته تلك وإن كان بمنزلتين علمنا أنه لليلتين وعقلنا بذلك أن بينهما يوما وأن علينا قضاءذلك اليوم إن كان من رمضان وهذا الاعتبار مما يخفى على أكثر الناس لذلك رد الأمر إلى ما يتساوون فيه بما روى مما هو ناسخ لذلك وهو قوله ﷺ : "فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين" على ما روى عنه ابن عباس وأبو هريرة وجابر وحذيفة وعدي وقيس بن طلق عن أبيه.

стр. 249

في شهادة الواحد به عن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية قال فقدمت إلى الشام فقضيت حاجتها واستهل على شهر رمضان فرأينا الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني ابن عباس قال: متى رأيت الهلال؟ قلت: رأيته ليلة الجمعة, قال: أنت رأيته؟ قلت: نعم, ورآه الناس فصاموا وصام معاوية قال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين يوما أو نراه فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية؟ قال: لا هكذا أمرنا رسول الله ﷺ وعن عكرمة عن ابن عباس قال جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: أبصرت الهلال الليلة فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله؟ " قال: نعم, قال: "يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا" لا تضاد بين الحديثين فحديث عكرمة على قبول شهادة الواحد المسلم على رؤية الهلال وحديث كريب على إخباره ابن عباس في وقت قد فات الصيام بتلك الرؤية ولما فاته ذلك رجع إلى انتظار ما يكون آخر الشهر من الهلال مما يدل على أوله فكان جائزا أن يمضي ثلاثون يوما على ما حكاه له كريب ولا يرى فيظهر بطلان ما حكاه له فيصوم ثلاثين على رؤيته وكان جائز أن يراه بعد مضي تسعة وعشرين يوما فيقضى يوما لاستعماله ما في حديث عكرمة وهذا يوافق ما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه من قبول شهادة الواحد على هلال رمضان دون هلال الفطر ويقولون أن صاموا بشهادة واحد فمضت ثلاثون ولم يروا الهلال أنهم يصوموا يوما آخر بخلاف ما لو شهدت بها بينة مقبولة يجوز الحكم بها في غير ذلك فأمرهم الإمام بالصوم فصاموا ثلاثين ثم لم يروا الهلال أنه يأمرهم بالافطار لأن الصوم بشهادة واحد احتياط وباثنين صوم بحجة تامة كأنهم رأوه جميعا.

стр. 250

في السحور روى أن رسول الله ﷺ قال: "فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر" كان الشرع في أول الإسلام أن الصائم إذا قام من الليل يحرم عليه ما يحرم على الصائم إلى خروجهم من صوم الغد كما كان شريعة أهل الكتاب ثم نسخ الله بما نسخه به من كتابه فجاز لنا أن نأكل في لياليه وذكر عن معاذ بن جبل في حديث طويل أن الصيام كان في أول الإسلام وبعد أن قدم النبي ﷺ المدينة سنة عشر شهرا أو سبعة عشر من كل شهر ثلاثة أيام وصوم عاشوراء إلى أن أنزل الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فكانوا يمتنعون من الأكل والشرب بعد النوم إلى أن نسخه الله تعالى بقوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ .

стр. 251

في بيان وقته روى عن العرباض بن سارية قال سمعت رسول الله ﷺ يدعو إلى السحور في شهر رمضان فقال: "هلموا إلى الغداء المبارك" وعن المقدام عن النبي ﷺ قال: "عليك بهذا السحور فإنه الغداء المبارك" تسمية السحور غداء وإن كان خلافه لمجاورته إياه من تسمية الشيء باسم ما قرب منه ويحتمل أن يكون ذلك حين كان الصيام من طلوع الشمس إلى غروبها عن حذيفة قال: أكلت وشربت بعد الصبح مع الرسول ﷺ غير أن الشمس لم تطلع فكان غداء على حقيقته وقال القاضي: الأشبه أنه إنما سمي غداء لأن للصائم مكان الغداء لغيره إذ كان عند العرب في حن الغداء أكلتان في اليوم قال الله تعالى في مخاطبته إياهم بما يعتادون: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ فتحولت أكلة الغداة للصائم إلى قرب السحر فسميت سحورا وسميت غداء لأنها بدل منها عند عدم القدرة عليها بتحريم الأكل والشرب في ذلك الوقت كما سمى التيمم طهارة لأنه بدل منها عند العجز.

стр. 252

في صوم الجنب روى أبو هريرة عن الفضل بن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "من أصبح جنبا أفطر ذلك اليوم" وأنه كان يفتى به وحكت عائشة وأم سلمة عن النبي ﷺ أنه كان يصبح جنبا ويصوم ذلك اليوم لما علم استواء النبي ﷺ مع أمته بغضبه على السائل الذي سأله عن ذلك لما قال له: إنك لست مثلنا قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر, وقوله: "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقى" لم يمكنا استعمال الأثرين ووجب أن نحملهما على كون أحدهما منسوخا بالآخر فجعلنا حديث عائشة وأم سلمة ناسخا للأول لأنه أخف مع أن قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ يوجب ذلك لأنه إذا كان له أن يطأ حتى يطلع الفجر لم يكن الغسل إلا بعده وهذا بين ومع أنه روى عن أبي هريرة أنه رجع عن فتواه وقال: عائشة أعلم برسول الله ﷺ مني.

стр. 253

في تناول الصائم البرد روى عن أنس أنه قال: مطرت السماء بردا فقال لنا أبو طلحة: ناولوني من هذا البرد فجعل يأكل وهو صائم في رمضان فقلت: أتأكل البرد وأنت صائم؟ فقال: إنما هو برد نزل من السماء نطهر به بطوننا وإنه ليس بطعام ولا شراب فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بذلك فقال: "خذها عن عمك" لا يصح رفعه إلى النبي ﷺ لأن الذي رواه عن أنس مرفوعا ليس من أهل الثبت وإنما هو موقوف على أبي طلحة فيحتمل أن ذلك قبل نزول قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ ولعل ذلك من فعله لم يقف النبي ﵇ عليه فلا يكون شيئا يتمسك به كفتوى زيد بعدم الغسل من الجنابة بايلاج وبلوغ خبره إلى عمر وإنكاره عليه فقال سمعت من أعمامي شيئا فقلت به فقال: من أي أعمامك فقال من أبي وأبي أيوب ورفاعة فالتفت إلى رفاعة فقال: إنا كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ ثم لا نغتسل, قال أفسألتم النبي ﷺ عن ذلك قال: لا, ثم قال عمر: لئن أخبرت بأحد يفعله ثم لا يغتسل لأنهكنه عقوبة.

стр. 254

في قيئ الصائم روى عن النبي ﷺ أنه قاء فأفطر معناه أنه قاء فضعف فافطر فسكت عن ذلك لعلم السامع به مثل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ يؤيده قوله ﷺ قال: "من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه شيء ومن استقاء فليقض" ولا خلاف بين أهل العلم فيمن ذرعه القيء إنه لا قضاء عليه.

стр. 255

في الافطار متعمدا عن أبي هريرة أن رجلا قال يا رسول الله إني وقعت على أهلي في رمضان قال: "اعتق رقبة" قال: ما أجدها يا رسول الله, قال: "فصم شهرين متتابعين" قال: "ما أستطيع" قال: "فأطعم ستين مسكينا" قال: ما أجده يا رسول الله فأتى النبي ﷺ بمكتل فيه خمسة عشر صاعا من تمر قال: "خذ هذا فتصدق به" قال: على أحوج مني وأهل بيتي؟ قال: "فكله أنت وأهل بيتك وصم يوما مكانه" لا يعارض هذا ما روى عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : "من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقض عنه صيام الدهر وإن صامه" لأنه مأمور بالقضاء وإن كان لا يدرك ما فاته من فضيلة اليوم الذي أفطر فيه بعينه وإن صام الدهر كما إذا ترك صلاة يجب عليه قضاؤها وإن كان لا يدرك فضيلة الأداء في وقته.

стр. 256

في الصيام عن الميت عن ابن عباس ﵄ أن امرأة ركبت البحر فنذرت أن الله نجاها منه أن تصوم شهرا فماتت قبل أن تصوم فسألت خالتها أو بعض قرابتها النبي ﷺ فأمر أن يصام عنها وروى عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه". وإنما لم نأخذ بهذين الحديثين لأن ابن عباس وعائشة تركا ما رويا من ذلك وقالا بخلافه وهما العدلان فيما قالا فعلمنا أنهما يتركا ما سمعا إلا إلى من هو أولى منه مما قد نسخه كما قال محمد بن سيرين في متعة الحج هم يعني أصحاب النبي ﷺ حضورها وهم نهوا عنها فما في مذهبهم ما يتهم ولا في رأيهم ما يستقصر والذي رجع إليه ابن عباس هو ما روى عنه لا يصلي أحد عن أحد ويفتدى الكبير إذا لم يطق الصيام وروى عن عائشة أنها سألت عن امرأة ماتت وعليها صوم شهر فقال: أطعموا عنها.

стр. 257

في الفدية روى عن عطاء ومجاهد أنهما سمعا ابن عباس يقول: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينا وفي رواية مجاهد عنه: نصف صاع عن كل يوم وروى سعيد بن جبير عنه في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قال الذين يتجشمونه ولا يطيقونه يعنى إلا بالجهد الحبلى والمريض والكبير وصاحب العطاش فاختلفت الروايات عنه في يطيقونه ويطوقونه

стр. 258

واتفقت على إعادة البدل من الصيام إلى الإطعام لا إلى الصيام وروى عن سلمة بن الأكوع أنها منسوخة نسخها قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ الآية وقد كان الناس يخيرون بين الصيام والاطعام قال الطحاوي فكأن الله رد البدل من الصوم إلى الفدية بالاطعام لا إلى ما سواه من صيام عمن وجب عليه ثم نسخ ذلك بما في الآية الثانية وبقي ما في الآية الأولى مما يفعله من عجز عن الصيام وهو الفدية بالطعام لا بصيام غيره عنه ويحتمل أن يكون ما في الآثار من الصيام عن الموتى كان قبل نزول الآية المذكورة في الحديث فلما نزلت استعمل أصحاب رسول الله ﷺ الاطعام في ذلك الصيام مكانه منهم أنس بن مالك وقيس بن السائب كانا قد كبرا فكانا يفطران ويطعمان

стр. 259

في صيامها بغير إذن زوجها عن أبي سعيد الخدري أنه قال: جاءت امرأة صفوان بن المعطل إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن صفوان يضربني إذا صليت ويفطرني إذا صمت, ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس وصفوان عنده, فقال صفوان: يا رسول الله أما قولها يضربني إذا صليت, فإنها تقوم بسورتي التي أقرأ بها فتقرأ بها, فقال رسول الله ﷺ : "لو كانت سورة واحدة لكفت الناس" وأما قولها: يفطرني إذا صمت فإنها تنطلق تصوم وأنا رجل شاب, فقال رسول الله ﷺ : "يومئذ لا تصومن امرأة إلأ بإذن زوجها" وأما قولها: لا يصلي حتى تطلع الشمس فأنا أهل بيت قد عرف لنا ذلك لا نستيقظ حتى تطلع الشمس فقال رسول الله ﷺ : "فإذا استيقظت فصل" كانت تقرأ في صلاتها السورة التي قرأها زوجها في صلاته فظن أنه لا يحصل لهما إلا ثواب واحد فأعلمه النبي ﷺ أنه يحصل لهما بها ثوابان ونهى النبي ﷺ عن الصوم لمنعها نفسها من الزوج فإذا لم يكن به حاجة إليها إما لغيبته أو لاستغنائه عنها بغيرها فلا بأس بالصوم

стр. 260

وإن لم يأذن لها الزوج يؤيده حديث أبي هريرة مرفوعا لا تصوم امرأة وزوجها شاهد إلا بإذنه وقوله: "إذا استيقظت فصل" لا حجة فيه لمن يقول بجواز الصلاة المكتوبة عند الطلوع لأن النبي ﷺ لما نام وأصحابه حتى طلعت الشمس لم يصل الصبح عند ذلك حتى خرج وقتها إلى انتشار الشمس وبياضها فمعنى قوله: "فصل" أي كما يجب أن يصلى في الأوقات التي يصلى فيها ألا ترى أنه لم يطلق له أن يصلي كما يستيقظ من غير وضوء ولا ستر عورة وإنما أطلق له أن يصلي كما ينبغي أن يصلي متلبسا بشرائطها وآدابها محترزا عن مكروهاتها ومنقصاتها وإنما خاطب ﷺ صفوان بذلك لعلمه ﷺ بمعرفته ما ينبغي إذ هو كان صحابيا فقيها وعساه قد كان معه في سفره ليلة التعريس فاكتفى به عن اعادته.

стр. 261

في ستة من شوال روى عن النبي ﷺ من رواية أبي أيوب الأنصاري أنه قال: "من صام رمضان وأتبعه بستة من شوال فكأنما صام السنة" وعن ثوبان مولى رسول الله أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "جعل الله الحسنة بعشر" فشهر بعشرة أشهر وستة أيام بعد الفطر تمام السنة ولا يقال فيه تسوية بين صوم رمضان وغيره ولا خلاف في فضله على غيره لأن الله تعالى كما كفى عن صائم رمضان ما يكون منه في بقية عشرة أشهر من سنته على ما روى: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" وروى: "من قام رمضان" الحديث وروى: "من صام رمضان وقامه إيمانا واحتسابا" الحديث لصيامه الفرض وقيامه المسنون كذلك تفضل بصوم ستة أيام من شوال فيكون الحسنة بعشر أمثالها فيكون ذلك مع ما جاد به لصائم رمضان كفارة للسنة كلها.

стр. 262

في عاشوراء روى عن قيس بن سعد أنه قال: كنا نعطي صدقة الفطر قبل أن تنزل

стр. 263

الزكاة ونصوم عاشوراء قبل أن ينزل رمضان فلما نزل رمضان ونزلت الزكاة لم نؤمر به ولم ننه عنه وكنا نفعله وخرج من طرق وذكر مثله في يوم عاشوراء عن ابن مسعود وعائشة وجابر وروى عن ابن عباس أنه كان يصام بخلاف ذلك قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وجد اليهود والنصارى يصومون يوم عاشوراء فسألهم فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون, فقال: "أنتم أولى بموسى منهم فصوموه". ففيه أنهم كانوا يصومون للشكر لا للفرض ويحتمل أنه كان للشكر ثم فرض عليهم فكانوا يصومونه للفرض ويدل عليه ما روى قتادة عن عبد الرحمن بن سلمة الخزاعي عن عمه قال: غدونا على رسول الله ﷺ صبيحة يوم عاشوراء وقد تغدينا فقال: "أصمتم هذا اليوم؟ " فقلنا: قد تغدينا قال: "فأتموا بقية يومكم". وما روى عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ ذكر يوم عاشوراء فعظم فيه أمره ثم قال لمن حوله: "من كان لم يطعم منكم فليصم يومه هذا ومن كان قد طعم فليصم بقية يومه" فدل هذا أنه كان حينئذ كشهر رمضان وإنما أمر يومئذ بالإمساك عن الأكل بقية اليوم ولم يؤمر بقضائه لأن الفرض كان لحقهم في يوم عاشوراء بعد ما دخلوا فيه وكان دخولهم فيه وهو غير مفروض عليهم دل عليه ما في حديث أبي سعيد الذي ذكرناه من تعظيم رسول الله ﷺ أمره ومن أمره من كان حوله بصومه فكانوا كمن بلغ في رمضان أو أسلم فيه فيؤمر بصوم بقية يومه وإن كانوا قد أكلوا ولا يؤمرون بقضائه وأما ما في حديث قيس مما ذكرناه في زكاة الفطر فقد روى عن ابن عمر ما يخالفه قال أمر رسول الله ﷺ بصدقة الفطر عن كل صغير وكبير وحر وعبد صاعا من شعير أو صاعا من تمر قال: فعدله الناس بمدين من حنطة وذكره من طرق في بعضها مكان أمر فرض بغير تعديل وفي بعضها ذكر التعديل وذلك لا يكون إلا مع بقاء فرضها فهو مخالف لما قاله قيس غير أنه يحتمل أنه كان فرضا واجبا كوجوب الصلوات الخمس وكوجوب زكاة المال في تكفير الجاحد فلما فرضت زكاة الأموال انتقل الفرض إليها وجعل الفرض في زكاة الفطر دونه حتى لو جحده لا يكفر كما كان قبل.

стр. 264

في صيام العشر عن عائشة: ما رأيت رسول الله ﷺ صائما في العشر قط, وروى مرفوعا من رواية ابن عباس وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وجابر واللفظ لابن عباس أنه قال: "ما من عمل أزكى عند الله ولا أعظم منزلة من خير عمل في العشر من الأضحى" قيل: يا رسول الله ولا من جاهد في سبيل الله بنفسه وماله؟ قال: "ولا من جاهد في سبيل الله بنفسه وماله إلا من لم يرجع بنفسه وماله" فيجوز أن يكون تخلفه ﷺ عن صيام العشر مع ماله من الفضيلة لاشتغاله بما هو أعظم منزلة من الصوم كالصلاة وذكر الله وقراءة القرآن وكان الصوم يضعفه كما روى عن ابن مسعود أنه كان لا يكاد يصوم فإذا صام صام ثلاثة أيام من كل شهر ويقول إني إذا صمت ضعفت عن الصلاة والصلاة أحب إلي من الصوم ومن قدر على جمع الصوم مع غيره فقد يميل إليه إحرازا لفضيلته وللناس فيما يعشقون مذاهب.

стр. 265

في "الصوم لي " روى عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : "كل عمل ابن آدم فهو له إلا الصيام هو لي وأنا أجزي به", كأنه يحكيه عن الله "والذي نفس محمد بيده لخلفة فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" قيل: الصوم ليس بعمل لأنه ترك الأشياء ولكن الله تعالى يثيب على تركها كما يثيب على الأعمال الصالحة فيكون "إلا الصيام" بمعنى لكن كقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ﴾ وعلامته أن يكون بعد إلا خبر تام وإذا لم يكن بعد إلا خبر تام فهو استثناء كقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال القاضي: احتياج الصوم إلى النية دال على أنه عمل لكنه من أعمال القلوب. قلت: في الصوم اتعاب البدن وليس له نظير في أعمال القلوب

стр. 266

واحتياجه إلى النية ليصير عبادة لا ليصير عملا والوجه في تخصيص الصوم بأنه لله كون الصوم غير ظاهر فلا يعلمه من صاحبه غير الله تعالى فلا يمكن أن يراد به سواه وسائر العبادات صلاة وصدقة وحجا وغيرها تظهر من فاعلها فيمكن أن يراد بها غير الله تعالى فلما كان الصيام مما ينفرد الله بمعرفته ان أخفاه ولا يقصد به سوى الله أضيف إليه بخلاف سائر العبادات والله أعلم.

стр. 267

في أي الصيام أفضل عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ قال: "أحب الصيام إلى الله صوم داود كان يفطر يوما ويصوم يوما وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه" مع ما روى عن أبي هريرة أنه قال: أتى رجل إلى النبي ﷺ فقال: أي الصلاة بعد المكتوبة أفضل؟ قال: "صلاة في جوف الليل" قال: وأي الصيام أفضل؟ قال: "شهر الله الذي يدعونه المحرم" لا تضاد في الأفضل من الصيامين لأن المعنى أن المحرم أفضل الأوقات لمن أراد أن يصوم صوما خاصا وصيام داود أفضل لمن أراد أن يصوم دائما ففي المحرم فضل الوقت وفي صوم داود فضل الدوام ومنه ما روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله مرني بصيام قال: "صم يوما ولك تسعة أيام" قال: قلت يا رسول الله إني أجد قوة فزدني قال: "صم يومين ولك ثمانية أيام" قال: قلت: يا رسول الله إني أجد قوة, قال: "صم ثلاثة أيام ولك سبعة أيام" فما زال يحط به حتى قال: "إن أفضل الصوم صوم أخي داود صوم يوم وافطار يوم" فقال عبد الله لما ضعف: ليتني قبلت ما أمرني به رسول الله ﷺ . وفيما روى عنه أنه أتى النبي ﷺ فقال: "صم يوما ولك عشرة أيام" قال: زدني يا رسول الله فإن لي قوة قال: "صم يومين ولك تسعة أيام" قال: زدني فإن لي قوة, قال: "صم ثلاثة أيام ولك ثمانية أيام" قال ثابت

стр. 268

فحدثت بذلك مطرفا فقال: ما أراه إلا يزاد في العمل وينقص من الأجر ففيه أنه جعل لعبد الله بن عمرو في صوم اليوم الأول عشرة أيام يعني ثوابها ثم جعل له باليوم الثاني الذي زاده تسعة أيام يعني ثواب صيامها وباليوم الذي زاده بعد ذلك ثمانية أيام يعني ثواب صيامها فكل ما كثر عمله قل أجره١ ووجهه أن بصوم اليوم الأول قوته على قراءة القرآن والصلاة باقية من غير نقص فله الأجر كاملا بعشرة كاملة فأمره ﷺ بالصيام الذي يبقي معه قوته ليصل إلى الأعمال التي نفعها أفضل من الصيام فلما قال له: زدني زاده يوما يكون ضعفه أكثر مما يكون عليه بصيام يوم فينقص بذلك حظه من هذه الأعمال التي نفعها أفضل فرد ثوابه على اليومين اللذين يصومهما مع تقصيره عن الأعمال إلى دون ثوابه على صوم اليوم الأول وكذلك رده في صيام الثلاثة الأيام من الثواب إلى ما دون ثوابه على صيام يومين لهذا المعنى٢ ومنه ما روى عنه قال: قال النبي ﷺ : "أحب الصيام

стр. 269

إلى الله صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوما". لا يقال فيه أن صيام داود أفضل وفيه الزيادة على الصيام المذكور في الحديث الذي قبل هذا فدل على أن صوم ثلاثة أيام أحب من صوم يومين وصوم يومين أحب من صوم يوم وهذا خلاف ما ذكرنا آنفا لأنا نقول لا مخالفة بينهما لأن هذا إخبار عن صوم داود ﵇ وحال الأنبياء في صيامهم ليس كغيرهم ألا ترى أن رسول الله ﷺ نهى الناس عن الوصال وواصل هو فقال إني لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني فكذلك داود يكون صومه أحب إلى الله بخلاف غيره ومما يدل على أن قلة

стр. 270

الصيام مع الملابسة بالأعمال المتقرب بها إلى الله أفضل ما روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : "ألم أنبأ أنك تصوم الدهر وتقوم الليل" قلت: إني أقوى, قال: "إنك إذا فعلت ذلك نفهت له النفس وهجمت له العين" إلى أن قال: "فصم صوم أخي داود كان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفر إذا لاقى" فأخبر أن داود مع صيامه هذا كان لا يفر إذا لاقى لبقاء قوته ولم يخرجه الصوم عما كان عليه من القوة بخلاف غيره لما يدخل على نفسه من الضعف في بدنه الذي يقطعه عن ذلك كما روى عن أنس قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر فنزلنا في يوم شديد الحر فمنا الصائم ومنا المفطر وأكثرنا ظلالا صاحب الكساء ومنا من يستتر من الشمس بيده فسقط الصوام وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسقوا الركاب فقال رسول الله ﷺ : "ذهب المفطرون بالأجر اليوم" وفي هذا كشف للمعاني الذي ذكرناها فيما تقدم.

стр. 271

في "شهرا عيد لا ينقصان " عن خلد الحذاء عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة" يعني العبادة فيهما كاملة تامة في الصوم والحج وإن كانا ناقصين في العدد كما لها فيهما لو كانا ثلاثين ثلاثين ولا يصح حمله على نقصان العدد لوجود النقصان فيهما عددا وفي أحدهما دون الآخر مع أن قوله ﷺ : "صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته" الحديث يحقق النقصان في بعض السنين وروى هذا الحديث عبد الرحمن بن إسحاق عن عبد الرحمن بن أبي بكرة على خلافه فقال فيه كل شهر حرام ثلاثون يوما وثلاثون ليلة وليس بشيء لأن عبد الرحمن ابن إسحاق لا يقاوم خالد الحذاء ولأن العيان يدفعه قال القاضي ولو صح لكان معناه في الأجر والثواب ويحتمل أن يكون شهرا عيد لا ينقصان كان في عام بعينه ويحتمل أن يكون على الأعم الأغلب لأنهما لا يجتمعان ناقصين في عام واحد إلا نادرا والله أعلم.

стр. 272

في صوم يوم عرفة روى عقبة بن عامر الجهني عن النبي ﷺ قال: "إن أيام الأضحى وأيام التشريق ويوم عرفة عيدنا أهل الإسلام أيام أكل وشرب" هذه الأيام سوى يوم عرفة مخصوصات بمعنى يتقرب به إلى الله تعالى فيها من صلاة ونحر وتكبير عقيب المكتوبات فصارت بذلك أعيادا في جميع المواضع ووجدنا يوم عرفة مخصوصا بمعنى يتقرب به وهو الوقوف بعرفة لأهل الحج دون غيرهم من الناس فصار لهم بذلك عيدا فلم يصلح لهم صومه بخلاف غيرهم ممن ليس له بعيد يؤيده ما روى عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام يوم عرفة بعرفة فصيام يوم عرفة فيما عدا عرفة جائز من حوله روى أبو قتادة عن النبي ﷺ أنه سئل عن صيام يوم عرفة فقال: "يكفر السنة الماضية والباقية" لا يقال إن صام من عليه واجب يوم عرفة بعرفة عنه أجزأه بخلاف من صام يوما من تلك الأيام عن واجب عليه لا يجزيه فكيف افترقت أحكامها وهي مجموعة بمعنى واحد لأن الأشياء قد تجتمع في شيء واحد وأحكامها في أنفسها مختلفة من ذلك قوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ فجمع الله هذه الأشياء في نهي واحد وأحكامها مختلفة لأن الرفث هو الجماع يفسد الحج وما سواه لا يفسد الحج فكذلك ما جمعه رسول الله ﷺ في النهي عن صومه من الأيام المذكورة مع المخالفة بين أحكامها.

стр. 273

كتاب الاعتكاف في اعتكاف المرأة ... كتاب الاعتكاف فيه ثلاثة أحاديث في اعتكاف المرأة عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد

стр. 274

أن يعتكف صلى الصبح ثم دخل المكان الذي يريد أن يعتكف فيه فأراد أن يعتكف في العشر الأواخر فأمر فضرب له خباء وأمرت حفصة فضرب لها خباء فلما رأت زينب خباءهما أمرت بخباء فضرب لها فلما راح رسول الله ﷺ قال: "البر تردن؟ " فلم يعتكف في رمضان واعتكف عشرا من شوال وفيما روى عنها أن النبي ﷺ أراد الاعتكاف فاستأذنته عائشة لتعتكف معه فأذن لها فضربت خباءها فسألتها حفصة لتستأذنه لها لتعتكف معه فلما رأته زينب ضربت معهن وكانت امرأة غيورا فرأى رسول الله ﷺ اخبيتهن فقال: "ما هذا البر تردن؟ " فترك الاعتكاف حتى أفطر من رمضان ثم انه اعتكف في عشر من شوال فيه إذنه ﷺ لنسائه في اعتكاف المسجد فذهب أهل الحجاز إلى تجويز اعتكاف النساء في المساجد كما يعتكف الرجال ولا حجة لهم في هذا الحديث إذ يحتمل أن يتسع لنسائه ﷺ لكونه معهن بحق الزوجية ولحرمتهن على جميع المسلمين ما لم يتسع لغيرهن يؤيده قول عائشة: لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدثه النساء بعده لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل مع تفطنها وفهمها أن النساء كان لهن إتيان المساجد في حياة النبي ﷺ ما ليس لهن بعده وإذا كن كذلك في حياة عائشة كن بعد موتها أبعد فعل أنهن إن أردن الاعتكاف ففي غير مساجد الجماعات.

стр. 275

في الاعتكاف فيما سوى المساجد الثلاثة روى عن حذيفة أنه قال لعبد الله بن مسعود: عكوف بين دارك ودار أبي موسى لا تغير وقد علمت أن رسول الله ﷺ قال: "لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة المسجد الحرام ومسجد النبي ومسجد بيت المقدس" قال عبد الله: لعلك نسيت وحفظوا وأخطأت وأصابوا, لم ينكر ابن مسعود على حذيفة ما حققه من قول رسول الله ﷺ ما ذكره بقوله: لعلك نسيت وحفظوا يعني لعلك نسيت نسخ ذلك وحفظوه وظاهر القرآن يدل

стр. 276

عليه ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ على العموم وعليه المسلمون في الاعتكاف في مساجد بلدانهم التي لها الأئمة والجماعة إلى يومنا هذا.

стр. 277

في الصوم للاعتكاف عن عمر بن الخطاب سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن اعتكف في المسجد الحرام, فقال: "فأوف بنذرك" ليس فيه ذكر نذر عمر ما كان فروى عنه أنه كان نذر اعتكاف ليلة في المسجد الحرام فاحتج بذلك من ذهب إلى إجازة الاعتكاف بلا صيام وروى عنه أنه كان نذر اعتكاف يوم فتكافأت الروايتان فسقط الاحتجاج وروى عن ابن عباس وابن عمر وعائشة أن الاعتكاف لا يكون إلا بصوم. وعن أبي سهيل قال: اجتمعت أنا وابن شهاب عند عمر بن عبد العزيز وكان على امرأتي اعتكاف ثلاث في المسجد الحرام فقال ابن شهاب لا يكون الاعتكاف إلا بصيام فقال عمر بن عبد العزيز أمن رسول الله ﷺ ؟ قال: لا, قال: أفمن أبي بكر؟ قال: لا, قال: أفمن عثمان؟ قال: لا, قال أبو سهيل: فانصرفت فوجدت طاووسا وعطاء فسألتهما عن ذلك فقال طاووس: كان ابن عباس لا يرى على المعتكف صياما إلا أن يجعله على نفسه قال عطاء ذلك رأيي فعلم بهذا أن مما تكافأت فيه الأقوال فوجب أن يرجع في مثله إلى النظر فهو الذي يقضي بين المختلفين فوجدنا من ذهب إلى تجويزه بغير صوم ومنهم الشافعي استدل بأن المعتكف يدخل عليه الليل وهو معتكف مع أنه لا صوم في الليل فليس الصوم لازما له ولكن لمانعيه وهم أبو حنيفة وأصحابه ومالك وأصحابه والثوري وأصحابه أن يقولوا كما لا ينتقص الاعتكاف بعد صحته بالخروج من المسجد لحاجته فيصير في الطرقات والمنازل التي لا يصلح له الاعتكاف فيها لا ينتقص بدخول الليل عليه وإن لم يصلح للصوم فيه بجامع الضرورة وهو أنه لا بد له من قضاء الحاجة ودخول الليل عليه مع أن الخروج بفعله ودخول الليل لا بفعل.

стр. 278

قال القاضي: والأوجه أن يقول لو كان بقاء المعتكف على اعتكافه في الليل وليس بصائم فيه دليلا على جواز الاعتكاف بغير صوم لكان خروج المعتكف عن المسجد الذي هو موضع الاعتكاف إلى حاجة الإنسان وبقاؤه على اعتكافه في الطرقات والمنازل حتى يعود إلى المسجد دليلا على جواز الاعتكاف في غير المساجد ولكن ليس فليس انتهى بمعناه ولأن اللبث في الأماكن لا يوجد قربة إلا بتحرم من اللبث كعرفة والمزدلفة ومنى ولهذا لا يكون قربة في غير الحج لعدم التحرم فكذلك اللبث في المسجد إذا كان في حرمة بأن اللابث فيه عن اللابث فيما سواه من البيوت وليس لنا حرمة إلا حرمة الصيام فلا يكون اعتكافا إلا بصيام وما روى عن يعلى بن أمية أنه كان يجلس في المسجد ساعة ويعد ذلك اعتكافا لا يصح عنه لأن عطاء يرويه عنه وليس له سماع منه ولئن صح فإنه سمى نفسه معتكفا بالقعود والاقبال على الذكر فيه على معناه اللغوي قال تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ لم يكن على الاعتكاف المختلف فيه بل على تساوي الجلوس فيه وأنه ليس بعضهم أولى به من بعض.

стр. 279

كتاب ليلة القدر روى عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ : "تحروها لعشر يبقين من شهر رمضان" فيه ذكر الباقي من الشهر في طلب ليلة القدر في ليلة من ليالي الشهر المطلوبة فيه وكان قوم من أهل العلم لا يؤرخون بالباقي من الشهر وإن كان قد مضى أكثره لأنهم لا يعلمون مقدار الباقي منه ويحتجون بما روى أن ابن عمر سمع رجلا يقول اليوم نصف الشهر أو الليلة نصف الشهر فقال ويحك وما يدريك قال الرجل اليوم خمسة عشرا والليلة خمس عشرة فقال ابن عمر: قال رسول الله ﷺ : "الشهر هكذا وهكذا" وقبض في الثالثة واحدا كأنه يعقد تسعة وهو من عند عبد الله بن عمر استخراج حسن من حديث عائشة الذي بدأنا بذكره لأنه قد يحتمل أن

стр. 280

يكون الرسول أعلمه الله تعالى قبل ذلك الباقي من الشهر كم هو فقال ذلك القول على التماسها في شهر بعينه الباقي منه ذلك المقدار وقد دل على ذلك سؤال الصحابة عن ليلة القدر فقال ﷺ : "التمسوها لمضى ثلاث وعشرون" فقال رجل: فهي أولى ثمان, فقال: "إنها ليست أولى ثمان ولكنها أولى سبع" ما تريد بشهر لا يتم فكان في هذا الحديث ما قد دل على أنه أراد شهرا بعينه كان منه فيه ذلك القول الذي دل على نقصانه فإن قيل فقد روى عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "اطلبوا ليلة القدر في العشر الأواخر تسعا يبقين وسبعا يبقين" فدل ذلك على أن تلك الليلة مطلوبة بذكر ما بقي من الشهر ذلك يدفع ما ذكرت قيل يحتمل أن يكون قصد به إلى شهر بعينه قد وقف على حقيقة عدده واحتمل أن يكون مطلوبه في سائر الدهر سواه فيما قد يحتمل أن يكون تسعا يبقين وسبعا يبقين وخمسا يبقين حتى يكون جميع من طلبها في ذلك مصيبا لحقيقتها في بعضها والله نسأله التوفيق.

стр. 281

كتاب الحج في رفع الصوت ... كتاب الحج فيه ثمانية وثلاثون حديثا في رفع الصوت روى عن النبي ﷺ أنه قال: "أتاني جبرئيل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالاهلال" وخرج ذلك من طرق كثيرة وألفاظ متقاربة ومعان متفقة لا يعارضه ما روى عن أبي موسى الأشعري لما دنونا المدينة أقبل الناس يرفعون أصواتهم فقال رسول الله ﷺ : "يا أيها الناس إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إن الذي تدعون بينكم وبين أعناق أكتافكم" ثم قال: "يا أبا موسى ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة" قلت: بلى قال: "لا حول ولا قوة إلا بالله" وفي حديث آخر فرفع الناس أصواتهم بالتكبير فقال: "يا أيها الناس اربعوا عن أنفسكم", الحديث لأن التلبية من شعار الحج فسبيله رفع الصوت بها, روى عن أبي بكر الصديق قال: سئل رسول الله ﷺ أي الحج أفضل؟ قال: "العج والثج" فالعج: رفع الصوت بالتلبية والثج: نحر البدن فشعار الحج رفع الصوت بالتلبية فبان الحج بذلك كما بان به في سوى التلبية من حلق الرأس عند الاحلال ومن اجتناب المحظورات ولم يكن رفع الصوت بالتكبير في حديث أبي موسى من شعار دخول المدينة فلم يكن له معنى فظهر الفرق واندفع التعارض.

стр. 282

في دخول الكعبة عن عائشة قالت: رأيت رسول الله ﷺ حزينا فقلت: مالك يا رسول الله حزينا؟ فقال: "إني دخلت الكعبة وددت أن لا أكون دخلتها أخشى أن أكون أتعب أمتي" خاف النبي ﷺ ظن الأمة بعدم تمام الحج إلا بالدخول فيها إذ هو قربة كسائر القرب التي فعلها ﷺ ليقتدى به فيها وهذا نحو قوله لبني عبد المطلب: "فلولا أن يغلبكم الناس على سقياكم لنزعت معكم" فناولوه دلوا فشرب فكان تركه لذلك خوف اقتداء الناس به فيحصل مشقة لأهلها على ما إليهم أمرها١ دون من سواهم ومثله في ترك التراويح قوله: "خشيت أن تكتب عليكم".

стр. 283

في ما يرخص للمحرم روى عن عثمان بن عفان أن النبي ﷺ رخص إذا اشتكى المحرم عينه أن يضمدها بالصبر الصبر ليس بطيب ولكن في التضميد تغطية بعض الوجه إذ لو لم يكن كذلك لقيل له زمام لا ضماد ولا يعارضه ما روى أن عثمان غطى وجهه وهو محرم لأنه يحتمل أنه فعله لضرورة دعته وكفر مع ذلك كما روى عن ابن عباس أنه قال لمولاه زر على طيلساني فقال له: كيف تنهى عن هذا؟ فقال: أريد أن أفتدي فلعل عثمان فعله ليفتدي وفيما ذكرنا ما علم به أن تغطية الوجه في الاحرام حرام على المحرم وعن ابن عمر ما فوق الذقن من الرأس لا يخمره المحرم وهو القياس لأن المرأة في الاحرام لا تغطي وجهها مع سعة الأمر عليها في احرامها في تغطية الرأس ولبس المخيط فالرجل بذلك أحرى وهو قول أبي حنيفة ومالك.

стр. 284

في الثوب المعصفر روى عن أم عطية قال رسول الله ﷺ : "لا تحد المرأة فوق ثلاثة أيام إلا على زوج فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا ولا تلبس ثوبا معصفرا إلا ثوب عصب ولا تكتحل ولا تمس طيبا إلا نبذات من قسط اظفار" فيه أن المعصفر من الطيب لأنه إنما نهيت عنه لأجله ولو كان لأجل الزينة لنهيت عن العصب لأنه فوق المعصفر في الزينة وفي هذا ما يؤيد مذهب أبي حنيفة وأصحابه في العصفر أنه ممنوع في الاحرام.

стр. 285

في لبس الخفين روى عن عامر قال: سمع عمر مع عبد الرحمن بن عوف الغناء فأتاه في بعض الليل فلما أصبح رأى عليه خفين قال: والخفان مع الغناء؟ قال: لقد لبستهما مع من هو خير منك يعني رسول الله ﷺ قيل لا حجة فيه إذ لم يخبر أن رسول الله ﷺ قد كان وقف على ذلك منه فأمضاه له قلنا: روى عن عبد الرحمن ما يدل على وقوف رسول الله ﷺ على ذلك منه وتركه النكير عليه فيه وهو ما روى عن عامر قال: خرجت مع عمر إلى مكة ورجل معنا يرتجز فلما أن طلع الفجر قال له: هيه اذكر الله طلع الفجر ثم التفت فرأى على عبد الرحمن خفين وهو محرم فقال: وخف أيضا وأنت محرم؟ قال: فعلته مع من هو خير منك مع رسول الله ﷺ فلم يعبه علي ففيه ما دل على جواز لباس الخف في الاحرام عن النبي ﷺ .
следующие страницы →