← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 11816

المعتصر من المختصر من مشكل الآثار

جمال الدين الملطي

Полный текст (1 343 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

كتاب الحج في رفع الصوت ... كتاب الحج فيه ثمانية وثلاثون حديثا في رفع الصوت روى عن النبي ﷺ أنه قال: "أتاني جبرئيل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالاهلال" وخرج ذلك من طرق كثيرة وألفاظ متقاربة ومعان متفقة لا يعارضه ما روى عن أبي موسى الأشعري لما دنونا المدينة أقبل الناس يرفعون أصواتهم فقال رسول الله ﷺ : "يا أيها الناس إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إن الذي تدعون بينكم وبين أعناق أكتافكم" ثم قال: "يا أبا موسى ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة" قلت: بلى قال: "لا حول ولا قوة إلا بالله" وفي حديث آخر فرفع الناس أصواتهم بالتكبير فقال: "يا أيها الناس اربعوا عن أنفسكم", الحديث لأن التلبية من شعار الحج فسبيله رفع الصوت بها, روى عن أبي بكر الصديق قال: سئل رسول الله ﷺ أي الحج أفضل؟ قال: "العج والثج" فالعج: رفع الصوت بالتلبية والثج: نحر البدن فشعار الحج رفع الصوت بالتلبية فبان الحج بذلك كما بان به في سوى التلبية من حلق الرأس عند الاحلال ومن اجتناب المحظورات ولم يكن رفع الصوت بالتكبير في حديث أبي موسى من شعار دخول المدينة فلم يكن له معنى فظهر الفرق واندفع التعارض.

стр. 282

في دخول الكعبة عن عائشة قالت: رأيت رسول الله ﷺ حزينا فقلت: مالك يا رسول الله حزينا؟ فقال: "إني دخلت الكعبة وددت أن لا أكون دخلتها أخشى أن أكون أتعب أمتي" خاف النبي ﷺ ظن الأمة بعدم تمام الحج إلا بالدخول فيها إذ هو قربة كسائر القرب التي فعلها ﷺ ليقتدى به فيها وهذا نحو قوله لبني عبد المطلب: "فلولا أن يغلبكم الناس على سقياكم لنزعت معكم" فناولوه دلوا فشرب فكان تركه لذلك خوف اقتداء الناس به فيحصل مشقة لأهلها على ما إليهم أمرها١ دون من سواهم ومثله في ترك التراويح قوله: "خشيت أن تكتب عليكم".

стр. 283

في ما يرخص للمحرم روى عن عثمان بن عفان أن النبي ﷺ رخص إذا اشتكى المحرم عينه أن يضمدها بالصبر الصبر ليس بطيب ولكن في التضميد تغطية بعض الوجه إذ لو لم يكن كذلك لقيل له زمام لا ضماد ولا يعارضه ما روى أن عثمان غطى وجهه وهو محرم لأنه يحتمل أنه فعله لضرورة دعته وكفر مع ذلك كما روى عن ابن عباس أنه قال لمولاه زر على طيلساني فقال له: كيف تنهى عن هذا؟ فقال: أريد أن أفتدي فلعل عثمان فعله ليفتدي وفيما ذكرنا ما علم به أن تغطية الوجه في الاحرام حرام على المحرم وعن ابن عمر ما فوق الذقن من الرأس لا يخمره المحرم وهو القياس لأن المرأة في الاحرام لا تغطي وجهها مع سعة الأمر عليها في احرامها في تغطية الرأس ولبس المخيط فالرجل بذلك أحرى وهو قول أبي حنيفة ومالك.

стр. 284

في الثوب المعصفر روى عن أم عطية قال رسول الله ﷺ : "لا تحد المرأة فوق ثلاثة أيام إلا على زوج فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا ولا تلبس ثوبا معصفرا إلا ثوب عصب ولا تكتحل ولا تمس طيبا إلا نبذات من قسط اظفار" فيه أن المعصفر من الطيب لأنه إنما نهيت عنه لأجله ولو كان لأجل الزينة لنهيت عن العصب لأنه فوق المعصفر في الزينة وفي هذا ما يؤيد مذهب أبي حنيفة وأصحابه في العصفر أنه ممنوع في الاحرام.

стр. 285

في لبس الخفين روى عن عامر قال: سمع عمر مع عبد الرحمن بن عوف الغناء فأتاه في بعض الليل فلما أصبح رأى عليه خفين قال: والخفان مع الغناء؟ قال: لقد لبستهما مع من هو خير منك يعني رسول الله ﷺ قيل لا حجة فيه إذ لم يخبر أن رسول الله ﷺ قد كان وقف على ذلك منه فأمضاه له قلنا: روى عن عبد الرحمن ما يدل على وقوف رسول الله ﷺ على ذلك منه وتركه النكير عليه فيه وهو ما روى عن عامر قال: خرجت مع عمر إلى مكة ورجل معنا يرتجز فلما أن طلع الفجر قال له: هيه اذكر الله طلع الفجر ثم التفت فرأى على عبد الرحمن خفين وهو محرم فقال: وخف أيضا وأنت محرم؟ قال: فعلته مع من هو خير منك مع رسول الله ﷺ فلم يعبه علي ففيه ما دل على جواز لباس الخف في الاحرام عن النبي ﷺ .

стр. 286

وعن أبي الشعثاء قال: أخبرنا ابن عباس سمع النبي ﷺ يخطب بعرفة يقول من لم يجد إزار لبس سراويل ومن لم يجد نعلين لبس خفين قلت: ولم يقل يقطعهما قال: لا وخرجه من طرق عن ابن عباس وجابر بن عبد الله وحدث مالك عن نافع عن ابن عمر أن رجلا سأل النبي ﷺ ما نلبس من الثياب إذا حرمنا فقال: "لا تلبسوا السراويلات ولا العمائم ولا البرانس ولا الخفاف إلا أن يكون أحد ليست له نعلان فليلبس خفين أسفل من الكعبين" فكان في هذه الآثار لمن لم يجد النعلين من المحرمين من الرجال أن يلبس الخفين بعد أن يقطعهما أسفل من الكعبين لا يقال هذه معان متضادة لاختلاف أوقاتها فإنه كان لباس الخفاف في الاحرام مباحا حالة الاختبار كما في حديث عبد الرحمن ثم نسخ ذلك بما في حديث ابن عباس وجابر بإباحة لبسها عند انعدام النعال من غير قطع ثم نسخ ذلك بما في حديث ابن عمر بالإباحة بعد أن يقطع أسفل من الكعبين وهذا باب من الفقه اختلف فيه أهله بعد الاجماع على نسخ الاباحة مطلقا فقال بعض بالإباحة عند العجز وهو مذهب الشافعي والثوري في قول وقال بعض بالإباحة بشرط القطع من أسفل الكعبين وهو أبو حنيفة وأصحابه ومالك وأصحابه ووجه ذلك في النظر أن الأشياء المحظورات كلبس الثياب وحلق الشعر تدفع الضرورة إليها الإثم في استباحتها ولا تدفع الكفارة فكذلك إذا احتيج إلى لبس الخفين لعدم النعلين يرتفع الإثم دون الكفارة الواجبة عليه في ذلك مع وجود النعلين.

стр. 287

في صيد المحرم روى عن عبد الرحمن بن أبي عمار أنه سأل جابر بن عبد الله عن الضبع فقال: آكلها؟ قال: نعم - أصيد هي؟ قال: نعم, قلت: وسمعت ذلك من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم, قد أنكر يحيى بن سعيد القطان على عبد الرحمن بن أبي عمار فقال كان يحدث به عن جابر عن عمر ثم صيره عن جابر عن

стр. 288

النبي ﷺ وقد خالف إبراهيم الصائغ فيما روى عن عطاء عن جابر أن رسول الله ﷺ سئل عن الضبع فقال: هي من الصيد وجعل فيها إذا أصابها المحرم كبشا مسنا وتؤكل منصور بن زاذان وعبد الكريم بن مالك فرويا عن عطاء عن جابر أنه قال في الضبع إذا أصابها المحرم كبش واثنان أولى بالحفظ من واحد فوجب بما ذكرناه رد الحديث إلى من دون رسول الله ﷺ وقد روى عن النبي ﷺ من رواية علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير وروى عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "أكل كل ذي ناب من السباع حرام" وكانت هذه السنة قائمة ظاهرة في أيدي العلماء وكان أئمة الأمصار الذين تدور عليهم الفتوى متمسكين بتحريم رسول الله ﷺ كل ذي ناب من السباع غير مختلفين فيه فوجب دخول الضبع في ذلك لأنها ذو ناب ولم يجز إخراجها منه. قال القاضي - وفيه نظر لأن مالكا لا يحرم أكل كل ذي ناب من السباع وإنما ذلك عنده مكروه قال الطحاوي وما روى عن ابن عباس أنه سئل عن أكل لحوم الحمر الأهلية فلم ينه عن ذلك وتلا قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً﴾ الآية محمول على أنه ما كان عالما بالتحريم حتى وقف على تحريم الله تعالى على لسان رسوله الله ﷺ ما حرمه من ذي الناب من السباع وذي المخلب من الطير ثم علم أنه مستثنى مما أمح بهذه الآية ولاحق بما حرم بها وهذا كما قال من دونه هو الزهري أنه لم يسمع بنهي النبي ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع حتى دخل الشام أي فسمعه وأخذ به وقد كان معه علم ذلك بالمدينة فسقط عنه فاستثنى كل واحد من العلماء من الآية ما بلغ إليه تحريمه عن النبي ﷺ وكان في ذلك محمودا لتمسكه بكتاب الله تعالى ولماا أعلمه به رسول الله ﷺ مما استثناه من مجمل الكتاب.

стр. 289

في صيد البر ذهب الشافعي إلى أن المحرم من صيد البر ما يحل له أكله في حال الإحلال وكان ابن عمر أن يحكي عن أصحابه الذي حرم منه ما كانوا يصيدونه ليأكلوه وليطعموا لجوارحهم مما يأكلونه كالذئاب وذوي الناب من السباع وذوي المخالب من الطيور وهذا القول أولى لأن الله تعالى عم الصيد المأكول منه وغيره بقوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ لكن استدلاله بقوله لما أباح رسول الله ﷺ للمحرم قتل الخمس الدواب دل على أن سواها غير مباح له قتلها فاسد إذ لا يمتنع أن يكون غير الخمس لاحقة بالخمس لعدم النص بمنع الالحاق مثل ما روى أنه قال ﷺ : "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم الذي لا يعطي شيئا إلا منه والمسبل إزاره والمنفق سلعته بالحلف الفاجر" فلم ينتف بذلك أن يكون غيرهم يلحق بهم إذ قد روى ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر وفي حديث آخر رجل على فضل ماء بالطريق يمنعه من ابن السبيل ورجل حلف على سلعته بعد العصر لقد أخذها بكذا وكذا فصدقه الذي باعه منه فأخذها وهو كاذب ورجل بايع إمامه لا يبايعه إلا للدنيا فإن أعطاه وفى وإن لم يعطه لم يف فإن قال كل من الثلاثة الحق بنصوص ولم يوجد نص في الحاق ما سوى الخمس بها قيل له فكيف ينفي بها غيرها مما لم يعلم أنها قد نفته فالحجة الصحيحة أن الله تعالى عم الصيد بقوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ فلم يصح أن يخرج من ذلك شيء إلا بآية مسطورة أو سنة مأثورة أو اجماع وأخرجنا الخمس الدواب من ذلك بالسنة المأثورة ولا ما سواها والله أعلم.

стр. 290

في العمرة في أشهر الحج روى عن ابن عباس قال: كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور وكانوا يسمون المحرم صفر وكانوا يقولون: إذا برأ الدبر وعفى الأثر ودخل صفر حلت العمرة لمن اعتمر فقدم رسول الله ﷺ مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة وهم ملبون بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة فيه أن أمره ﷺ الناس بترك الحج بعد إحرامهم به وإقامة العمرة مكانه لنقض ما كانت العرب عليه من تحريم العمرة في أشهر الحج وما روى عن ابن عباس قال: والله ما أعمر رسول الله ﷺ عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر الجاهلية فإن هذا الحي من قريش ومن دان بدينهم كانوا يقولون إذا عفا الوبر وبرأ الدبر ودخل صفر فقد حلت العمرة لمن اعتمر فكانوا يحرمون العمرة حتى ينسلخ ذو الحجة والمحرم فهو مستحيل لأن رسول الله ﷺ قبل ذلك أمر الناس أن يفتتحوا لإحرامهم١ بالحج ويحرموا مكانه بعمرة وفيهم عائشة روى عنها قالت: خرجنا مع رسول اله ﷺ ولا نذكر إلا الحج فلما جئنا سرف طمثت فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي فقال: "ما يبكيك؟ ", فقلت له: لوددت إني لم أحج العام أو لم أخرج العام, قال: "لعلك نفست" فقلت: نعم قال: "هذا أمر كتبه الله تعالى على بنات آدم فافعلي ما يفعل الحاج غير أن تطوفي بالبيت", قالت: فلما جئنا مكة قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "اجعلوها عمرة" فحل الناس إلا من كان معه هدي فكان الهدي معه ومع أبي بكر وعمر وذي اليسارة ثم أهلوا بالحج فلما كان يوم النحر طهرت فأرسلني رسول الله ﷺ فأفضت فأتى بلحم بقر فقلت: ما هذا؟ فقالوا: أهدى رسول الله ﷺ عن نسائه البقر حتى إذا كانت ليلة الحصبة قلت: يا رسول الله يرجع الناس بحجة وعمرة وأرجع بحجة فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر فأردفني خلفه فأنا لا أذكر أني كنت أنعس

стр. 291

فيضرب وجهي مؤخرة الرحل حتى جئنا التنعيم فأهللت بعمرة حذاء عمرة الناس التي اعتمروها. ففي هذا الحديث أن عائشة كانت أحرمت بالحج كما أحرم الناس ثم عاد إحرامها إلى العمرة كعود إحرام الناس إلى مثلها فأمروا أن يجعلوها عمرة ثم أدركها الحيض فيها فأمرت برفضها والاحرام بالحج مكانها. وقد روى عن عائشة ما دل على ما قلنا من أنها كانت أحرمت بالحج ثم عادت إلى العمرة بسبب الحيض إلى الحج١ وروى عنها قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن نهل بالحج ومن شاء فليهل بالعمرة قالت: فكنت ممن أهل بعمرة فحضت فدخل علي النبي ﷺ فأمرني أن أنقض رأسي وأمتشطه وأدع عمرتي فبينت في هذا الحديث أنها إنما خرجت من عمرتها بأمر النبي ﷺ إياها بنقض راسها وامتشاطها وتركها إياها ففي هذا كله ما قد دل على أن نقض النبي ﷺ لما كان عليه المشركون مما ذكرنا إنما كان بفسخهم الحج واحرامهم بالعمرة لا بعمرة عائشة التي كانت ليلة الحصبة لأنها كانت قضاء لعمرتها التي كانت فيها كسائر الناس فخرجت عنها بالحيض الطارئ قبل طوافها لعمرتها ومما يدل على ما ذكرناه ما روى أن سراقة بن جعثم قال للنبي ﷺ لما أمر أصحابه أن يحلوا من الحج ويجعلوها عمرة: يا رسول الله أرأيت عمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد؟ قال: فشبك النبي ﷺ أصابعه في الأخرى فقال: "دخلت العمرة هكذا في الحج" وقوله في حديث ابن عباس الثاني "أنهم كانوا يحرمون بالعمرة في المحرم" والمحرم ليس من شهور الحج وهم من رواية لأن المستفيض عند الناس من تحريم العرب العمرة إنما كان في شهور الحج لا فيما سواها وكذلك نص عليه في حديث ابن عباس الأول لأنه قال فيه أنهم كانوا يسمون المحرم صفرا فدل أنهم كانوا يريدون بقولهم ودخل صفر أي دخل محرم الذي كانوا يسمونه صفرا وقد روى هذا

стр. 292

الحديث عن طاووس من أوقفه عليه ولم يرفعه إلى ابن عباس فقال فيه: قدموا بالحج خالصا لا يخالطه شيء يعني أصحاب رسول الله ﷺ وكانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور وكان يعجبهم من أمر الإسلام ما كان في الجاهلية وكانوا يقولون إذا برأ الدبر وعفا الوبر وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر وهو أيضا وهم وإنما هو ودخل صفر يريدون به المحرم الذي كانوا يسمونه صفرا إذ ليس المحرم ولا صفر من أشهر الحج وروايته من روى عن جابر بن عبد الله قال لما قدمنا مع رسول الله ﷺ مكة في حجة الوداع سأل الناس بماذا أحرمتم قال: أناس أهللنا بالحج وقال آخرون: قدمنا متمتعين وقال آخرون: أهللنا بإهلالك يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ : "من كان قدم ولم يسق هديا فليحلل فإني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم اسق الهي حتى أكون حلالا" فقال سراقة بن مالك بن جعثم: يا رسول الله عمرتنا هذه لعامنا أم للأبد؟ فقال: "لا بل لأبد الأبد" مستبعدة لأنهم لم يكونوا يعرفون العمرة في أشهر الحج فكيف يتمتعون التمتع الذي لا يكون إلا بعمرة وهو وهم من رواية ورواية من ذكر أنهم كانوا أحرموا بالحج هي الصواب والله أعلم وكذلك ما روى عن أنس أن رسول الله ﷺ جمع بين الحج والعمرة فلما قدمنا مكة أمرهم رسول الله ﷺ أن يحلوا فلما كان يوم التروية أهلوا بالحج. مما يبعد كانوا لا يعرفون العمرة وكانوا يرونها في أشهر الحج من أفجر الفجور وكيف يجوز أن يؤمروا بالاحلال من الاحرام الذي كانوا فيه وفيه عمرة إلى عمرة وقد كان ابن عمر انكر على أنس بن مالك وأخبر أن احرامهم إنما كان بالحج لا عمرة معه وما روى عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال للناس: "من شاء أن يهل بالحج فليهل ومن شاء أن يهل بالعمرة فليهل" هو عندنا والله أعلم على قول كان منه لهم بعد أن فسخوا الحج الذي كانوا احرموا به وقدموا مكة عليه فقال لهم: من شاء فليهل بالعمرة حتى يكون بها

стр. 293

متمتعا ومن شاء أن يهل بالحج بلا عمرة معه لأنه قد قامت الحجة بإحلالهم من الحج قبل ذلك فعقل عنهم أن ذلك لم يكن إلا بسبب أن يريد إباحة الإحرام لهم حينئذ لأنها كانت محرمة عليهم ولأنه لا يصلح إدخال العمرة على الحج ويصلح إدخال الحج على العمرة فأمرهم بالخروج من الحج لذلك ليتسع لهم الإحرام بالعمرة لمن شاء أن يحرم بها واستئناف حجة لمن شاء أن يحرم بها بلا عمرة معها. فيرجع بحجة ولا عمرة معها روى عن عطاء عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها: "إذا رجعت إلى مكة فإن طوافك لحجك يكفيك لحجك وعمرتك" وقد روى عن عائشة هذا الحديث بخلاف هذه الألفاظ من ذلك ما روى عنها من رواية عطاء أيضا أنها قالت: قلت: يا رسول الله أكل أهلك يرجع بحجة وعمرة غيري قال: "انفري فإنه يكفيك" قال حجاج في حديثه عن عطاء فألظت على رسول الله ﷺ فأمرها أن تخرج إلى التنعيم فتهل منه بعمرة وبعث معها أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر فأهلت منه بعمرة ثم قدمت وطافت وسعت وذبح عنها رسول الله ﷺ قال عبد الله عن عطاء بقرة. ومنه ما روى عن جابر بن عبد الله أن عائشة حاضت فنسكت المناسك كلها غير أنها لم تطف بالبيت فلما طهرت وأفاضت قالت: يا رسول الله أينطلقون بحجة وعمرة وانطلق بالحج؟ فأمر عبد الرحمن أن يخرج معها إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج في ذي الحجة ففي الحديث الأول ما يدل على أنها قد كانت بقيت في حرمة العمرة التي كانت أحرمت بها حتى حلت منها ومن الحجة التي كانت أحرمت بها في وقت واحد بطواف واحد كما يكون الطواف القارن في حجته وعمرته لهما غير أن قوله فيه: "طوافك لحجك يكفيك لحجك وعمرتك" يبعد في القلوب أن يكون من كلام النبي ﷺ لأن الطواف إن كان للحج فهو له دون العمرة وإن كان الطواف لهما جميعا لم يجز أن يضاف إلى أحدهما دون الآخر وقولها في الحديث أكل أهلك يرجع بحجة وعمرة غيري

стр. 294

يدل أنها لم تكن حينئذ في عمرة وإنما كانت في حجة لا عمرة معها إذ لم ينكر النبي ﷺ ذلك من قولها غذ لو كانت في عمرة وحج لكانت هي وغيرها سواء وما فضلوها بشيء ولتا احتاجت إلى عمرة بعد الحج وبعد العمرة اللذين كانا منها فاستحال أن يكون الطواف الذي كان منهال يجزئها لعمرة لم تكن فيها وحديث جابر عن عائشة يدل على ذلك أيضا ويخالف الحديث الأول وقد روى عن جابر أيضا ما شد الحديث الأول أن خروجها كان من حجها وعمرتها معا وهو ما روى أبو الزبير عنه أن رسول الله ﷺ دخل عليها وهي تبكي فقال: "ما شأنك؟ " قالت: شأني أني حضت وقد حل الناس ولم أحل ولم أطف بالبيت والناس يذهبون إلى الحج الآن, قال: "فإن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاغتسلي ثم أهلي بالحج" ففعلت ووقفت المواقف حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وبالصفا والمروة ثم قال: "قد حللت من حجك وعمرتك جميعا" فقالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت, قال: "ما دمت بها يا عبد الرحمن فاعمرها من التنعيم" وذلك ليلة الحصبة. قال الطحاوي ولما اختلفت الرواة عن عطاء وجابر في حديث عائشة هذا الاختلاف نظرنا إلى رواية غيرهم عنها فوجدنا الأسود بن يزيد قد روى عنها قالت خرجنا ولا نرى إلا أنه الحج فلما قدم النبي ﷺ مكة طاف بالبيت ولم يحل وكان معه الهدي فحاضت هي قالت: فقضينا مناسكنا من حجنا فلما كانت ليلة الحصبة ليلة النفر قالت: يا رسول الله أيرجع أصحابك كلهم بحجة وعمرة وأرجع بالحج؟ قال: "أما كنت تطوفين ١ بالبيت ليالي قدمنا" قالت: لا, قال: "فانطلقي مع أخيك إلى التنعيم فأهلي بعمرة ثم موعدك كذا وكذا" قال: ففي سؤال النبي ﷺ عائشة طوافها دليل على أنها لو كانت طافت ليالي قدموا لكانت العمرة قد تمت لها فلما لم تطف لم تتم عمرتها وأمرها بالاعتمار من التنعيم ليكون لها عمرة مع الحجة

стр. 295

التي صارت لها ويدل على أنها قد كانت خرجت من العمرة قبل ذلك أنه لا يجوز عند أهل العلم جميعا أن يدخل عمرة على عمرة ويختلفون فيما على من فعل ذلك فمنهم من يقول لا تلزمه وهو في حكم من لم يحرم بها وهو قول محمد بن الحسن والشافعي وروى ذلك عن عطاء ومنهم من يقول قد لزمته فإذا عمل في الأول صار رافضا لهذه التي أحرم بها وكان عليه لرفضها دم عمرة مكانها وهو قول أبي حنيفة ومنهم من يقول لما أحرم بها لزمته وكان حينئذ رافضا لها وعليه دم لرفضها وعمرة مكانها وهو قول ابي يوسف وروى مثله عن محمد بن الحسن أيضا فلما كان إدخال العمرة على العمرة غير محمود عند جميع العلماء استحال أن يكون النبي ﷺ أمر عائشة بذلك ودل على أنه لم يأمرها بالعمرة وإلا وقد كانت خرجت من عمرتها التي لم تطف لها ليالي قدموا إما بتوجهها إلى عرفة مريدة للحج كما تقول طائفة من أهل العلم منهم أبو حنيفة في أحد قوليه أن من أحرم بعمرة وهو في حجة أو كان في عمرة وحجة فتوجه إلى عرفة ولم يطف لعمرته أنه بذلك رافض لعمرته وعليه لرفضها دم وعمرة مكانها وأما بوقوفها بعرفة لحجها كما تقول طائفة أنه لا يكون رافضا حتى يقف بعرفة بعد الزوال فيكون حينئذ رافضا لها ويكون عليه دم لرفضها وعمرة مكانها وهو قول أبي حنيفة الآخر والله أعلم بأي ذلك كان واستحال بذلك أن تكون قارنة وثبت أنها كانت مفردة بحجة لا عمرة إذ كانت قد خرجت من عمرتها قبل ذلك بما خرجت به منها. ولا حجة لمن استدل على أنها كانت قارنة بما في حديث جابر من أن النبي ﷺ نحر عنها بقرة لأنه يحتمل أن يكون نحر عنها لرفضها للعمرة وخروجها منها قبل تمامها كما يقول من ذكرنا عنه من أهل العلم ووجدنا عروة بن الزبير قد روى عنها ما يوجب أيضا خروجها من عمرتها تلك قبل توجهها إلى عرفة وقبل إحرامها بالحج وذلك رواية عنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله

стр. 296

صلى الله عليه وسلم: "من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منها جميعا" قالت: فقدمت مكة وأنا حائض فلم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: "انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة" ففعلت فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله ﷺ مع عبد الرحمن فاعتمرت فقال: "هذه مكان عمرتك" قالت: فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا. ووجدنا القاسم بن محمد قد روى عنها ما يوجب ذلك غير أنه خالف الأسود وعروة في شيء من حديثه إذا وقف عليه تبين معناه ثم وافقهما في بقية التي يوجب ما ذكرناه وذلك حديثه عنها أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ ولا نذكر إلا الحج فلما جئنا سرف طمثت فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي فقال: "ما يبكيك؟ " فقلت لوددت أني لم أحج العام قال: "لعلك نفست؟ " قلت: نعم قال: "فإن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم فافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت " فلما جئنا مكة قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "اجعلوها عمرة" فحل الناس إلا من كان معه الهدي فكان معه ومع أبي بكر وعمر وذي اليسارة ثم أهلوا بالحج فلما كان يوم النحر طهرت فأرسلني رسول الله ﷺ فأفضت حتى إذا كانت ليلة الحصبة قلت: يا رسول الله أيرجع الناس بحجة وعمرة وأرجع بحجة؟ فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر فأردفني خلفه حتى جئنا التنعيم فأهللت بعمرة جزاء عمرة الناس التي اعتمروها ففي هذا الأثر أيضا ما قد حمل١ على خروجها من العمرة الأولى التي أمر رسول الله ﷺ الناس في حجتهم التي كانوا فيها وهي منهم أن يجعلوها عمرة فلم تكن في وقت طوافها في عمرة مع الحجة ووافقهم على روايتهم عنها ابن أبي مليكة فيما ذكرناه ما يدفع حديث عطاء الذي ذكرناه أولا لأن النبي

стр. 297

صلى الله عليه وسلم لم يأمرها أن تنقض شعرها وهي في حرمة عمرة لأن في ذلك ما يسقط به شعرها ولا يأمرها أن تمتشط والأغلب في الامتشاط أنه يكون بالطيب أو بما يمنع منه الإحرام سواه وفيه ما هو أدل من هذا وهو قوله هذه مكان عمرتك أو هذه قضاء من عمرتك إذ لا يكون الشيء مكان الشيء ولا قضاء منه إلا وذلك الشيء مفقود قبله. قال الطحاوي: ثم رجعنا إلى طلب الحكم في ذلك من غير حديث عائشة أو في غير قصتها التي ذكرنا فوجدنا ما روى عن نافع أن عبد الله بن عمر أراد الحج عام نزل الحجاج بابن الزبير فقيل له إن الناس كائن بينهم قتال وإنا نخاف أن يصدوك فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ إذا أصنع كما صنع رسول الله ﷺ إني أشهدكم أني قد أوجبت عمرة ثم خرج حتى إذا كان بظهر البيداء قال: ما شان العمرة والحج إلا واحد إني أشهدكم أني قد أوجبت حجا مع عمرتي, وأهدي هديا اشتراه بقديد فانطلق يهل بهما جميعا حتى قدم مكة فطاف بالبيت وبين الصفا والمروة ولم يزد على ذلك ولم ينحر ولم يقصر ولم يحل من شيء حرم عليه حتى كان يوم النحر فنحر وحلق ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول وكذلك فعل رسول الله ﷺ زاد في حديث آخر قال: وكذلك فعل رسول الله ﷺ فدل ذلك على اتصاله لأن قوله في الحديث الأول: وكذلك فعل رسول الله ﷺ يحتمل أن يكون من كلام نافع. فإن قيل: ففيه ما يدل على أن النبي ﷺ إنما طاف لعمرته وحجه طوافا واحدا قلنا: أن سالما قد روى عن ابن عمر ما يخبر به أن النبي ﷺ كان في حجته تلك متمتعا لا قارنا روى عنه أنه قال: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى وساق الهدي من ذي الحليفة وبدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج وتمتع الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج فهذا يخبر أن

стр. 298

طواف العمرة قد كان قبل طواف الحجة لأن المتمتع هكذا يفعل ولأن إحرام رسول الله ﷺ بالحجة إنما كان بعد ما طاف للحجة التي تحولت عمره كما في حديث جابر بن عبد الله روى جعفر بن محمد عن أبيه قال دخلنا على جابر فسأله عن حجة رسول الله ﷺ فقال: إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج ثم اذن في الناس بالعاشرة إن رسول الله ﷺ حاج فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ فخرجنا حتى إذا أتينا ذي الحليفة أهل بالتوحيد وأهل الناس بهذا الذي يهلون به ولم يزد رسول الله ﷺ عليهم شيئا ولزم رسول الله ﷺ تلبيته قال جابر لسنا ننوي إلا الحج لسنا نعرف العمرة حتى إذا كان آخر طواف على المروة قال: "إني لو أستقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي وجعلتها عمرة فمن كان ليس معه الهدي فليحلل وليجعلها عمرة" فحل الناس وقصروا إلا النبي ﷺ ومن كان أهدى. قال الطحاوي: ففيه ما دل على أن النبي ﷺ قد طاف لها حينئذ وعقلنا بذلك أن الطواف الذي طافه بعد أن رجع إلى منى كان طوافا لحجته لا لعمرته لأن المتمتع يطوف لعمرته قبل خروجه إلى منى أو لعمرته ولحجته على ما يختلف في ذلك لا طواف لعمرته غير ذلك الطواف ثم يكون الطواف الذي يطوفه بعد أن يرجع من منى إلى مكة إنما هو لحجته لا لعمرته فاستحال أن يكون ابن عمر يريد بقوله وكذلك فعل رسول الله ﷺ أي طاف طوافا واحدا لعمرته ولحجته لأن ذلك الطواف الذي كان منه إنما كان منه لحجته لأن عمرته قد طاف لها مرة وإنما للعمرة طواف واحد والحج له طوافان طواف عند القدوم إلى مكة وطواف بعد الرجوع من منى فإن قيل فقد روى عن عائشة في الحديث المتقدم بطوله إلى قوله: "وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا" فهذه عائشة تخبر في هذا الحديث أن الذين جمعوا الحج والعمرة إنما طافوا طوافا واحدا – قلنا

стр. 299

قد روى عن عائشة من رواية عروة عنها أن النبي ﷺ تمتع في حجة الوداع وتمتع الناس معه وإذا كان فيها متمتعا كان طوافه لعمرته إنما يكون عند قدومه وطوافه الذي يكون منه بعد أن يرجع من منى إنما يكون لحجته دون عمرته واحتمل بذلك أن يكون قول عائشة: فإنما طافوا لهما طوافا واحدا أي طوافا واحدا للإحرام الذي كانوا فيه فكان ذلك الطواف للحج لا للعمرة ومما حقق أن الطواف للقارن طوافان أن علي بن أبي طالب قد كان مع رسول الله ﷺ ومذهبه في طواف القارن أنه طوافان وروى عن أبي نصر قال: أهللت بالحج فأدركت عليا فقلت له إني أهللت بالحج أفأستطيع أن أضيف إليه عمرة قال لا لو كنت أهللت بالعمرة ثم أردت أن تضيف إليها الحج ضممته قال قلت كيف أصنع إذا أردت ذلك قال تصب عليك أداوة من ماء ثم تحرم بهما جميعا وتطوف لكل واحدة منهما طوافا قال منصور بن إبراهيم راوي الحديث عن أبي نصر فذكرت ذلك لمجاهد فقال ما كنت أفتي الناس إلا بطواف واحد فأما الآن فلا. قال الطحاوي: فاستحال أن يكون علي ﵁ يأمره بخلاف ما فعلوه مع رسول الله ﷺ وقد روى ذلك أيضا عن ابن مسعود أنه قال القارن يطوف طوافان ويسعى سعيين وهو ممن قد كان مع النبي ﷺ في حجته وإذا كان لا طواف للعمرة إلا طواف القدوم وطواف القدوم للحجة ليس يغني عن الطواف لها بعد الرجوع من منى لأن الطواف لها بعد الرجوع من منى هو الفرض والطواف للعمرة الذي هو الفرض فيها هو الطوف عند القدوم فكان موضعهما مختلفا عقلنا بذلك أن أن من جمع الحج والعمرة فقد جمع إحرامين الطواف لكل واحد منهما في وقت غير الوقت الذي يكون فيه الطواف الاخر منهما فعقلنا بذلك أنهما طوافان لا طواف واحد وروى عن جابر بن عبد الله قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج معنا النساء والولدان فلما قدمن مكة طفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقال لنا

стр. 300

رسول الله ﷺ : "من لم يكن معه هدي فليحل" قلنا: أي الحل؟ قال: "الحل كله" فأتينا النساء ولبسنا الثياب ومسسنا الطيب فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج وكفانا الطواف الأول بين الصفا والمروة هذا مشكل لأن السعي بين الصفا والمروة. مما لا بد منه في الحج في قول أهل العلم جميعا فلا يجزي فيه الطواف بينهما قبل الدخول في الحج الذي كان منهم قبل أن يتحول ما كانوا فيه إلى العمرة وقد خالف ذلك ما في حديث عائشة الذي ذكرناه فيما تقدم من قولها فيه فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم هو على طواف كالطواف الأول الذي كانوا طافوه للعمرة وفيه الطواف بين الصفا والمروة وهو أولى من حديث جابر لما قد بيناه قبل هذا من وجوب السعي بين الصفا والمروة في الحج والعمرة وروى عنه أيضا خرجنا مع رسول الله صلى اله عليه وسلم في حجة الوداع لسنا ننوي إلا الحج حتى إذا كان آخر الطواف على المروة قال إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة فمن كان ليس معه هدي فليحلل إنما افترق من ساق الهدي ممن لم يسقه في الاحلال بعد تمام العمرة التي رجعوا إليها بعد أن كان إحرامهم بالحج من سنة رسول الله ﷺ فيمن تمتع بالعمرة إلى الحج إذا لم يسق الهدي أنه يحل بعد فراغه من عمرته كما يحل المعتمر الذي لا يريد التمتع وأنه ذا ساق هديا لتمتعه لم يحل بين عمرته وحجته حتى يكون إحلاله منهما معا على ما روى عنه ﷺ من رواية حفصة قالت: قلت يا رسول الله ما شان الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك؟ قال: "إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أحل من الحج" وعلى ما روى عنه ﷺ من رواية ابن عباس أنه قال: "هذه عمرة استمتعنا بها فمن لم يكن عنده هدي فليحل الحل كله فقد دخلت العمرة في الحج". ومن رواية عائشة أنه ﷺ قال: "لو استقبلت من أمري

стр. 301

ما استدبرت ما سقت الهدي ولحللت مع الناس حين حلوا من العمرة", وهكذا كان أبو حنيفة وأصحابه والثوري يقولون في المتمتع بالعمرة إلى الحج أنه لا يحل بينهما إذا ساق الهدي حتى يحل منهما جميعا والحجازيون يخالفونهم في ذلك ولا يجعلون لسياقة الهدي في هذا المعنى ويقولون أن المتمتع بعد فراغه من عمرته يحل منهما سواء كان ساق هديا أو لم يسقه وليس لأحد أن يخرج عما كان من رسول الله ﷺ من قول أو فعل بغير خصوصية في ذلك لأحد دون أحد وروى عنه أيضا أن عليا قدم على النبي ﷺ من اليمن ومعه هدي فقال له: "ماذا قلت حين فرضت الحج؟ " قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك قال: "فلا تحلل فإن معي هديا" وفيما روى عن أبي موسى قال قدمت على رسول الله صلى الله عليه وهو منيخ بالبطحاء فقال لي: "بما أهللت؟ " قلت: إهلالا كإهلال النبي ﷺ قال: "قد أحسنت طف بالبيت وبين الصفا والمروة ثم أحل" إنما افترق أمرهما في الإحلال مع استوائهما في الإهلال لأن عليا كان معه هدي ولم يكن مع أبي موسى هدي والإهلال لا يوجب اللبث بين العمرة والحج حتى يكون الإحلال منهما معا إنما الذي يوجب ذلك الهدي الذي ساق لهما لا ما سواه وفي إهلال كل واحد منهما بمثل إهلال النبي ﷺ وهو لا يعلم إن كان النبي ﷺ قد أحرم ولا بما به أحرم دليل على أن من أحرم كإحرام فلان دون أن يدري ما هو أنه يكون محرما كإحرامه ولا يضره جهله بذلك وأن من دخل في شيء قبل علمه بدخول وقته أو قبل علمه أن ما كان دخل فيه له قد كان أنه يرد إلى حقيقة ذلك الشيء فيجعل من دخل فيه على جهله كمن دخل فيه على علمه من ذلك من دخل في صلاة الظهر ولا يعلم أن الشمس قد زالت ثم علم أنها قد كانت زالت أن صلاته تجزئه كما تجزئه لو كان دخل فيها بعد علمه بدخول وقتها ومثل ذلك من دخل في صوم يوم على أنه يصومه من رمضان ولم يعلم أن الهلال قد رئى قبل ذلك أن الصوم يجزئه من رمضان كما كان أبو حنيفة وأصحابه يقولون في ذلك وبخلاف ما كان يقول مخالفهم فيه من أنه لا يجزئه حتى يعلم وجوب فرضه عليه قبل دخوله فيها وبالله التوفيق.

стр. 302

في الطواف عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله تعالى أحل لكم فيه المنطق فمن نطق فلا ينطق إلا بخير" فيه دليل على أن الطائف ينبغي أن يكون حاله كحال من يصلي في الطهارة وستر العورة والخشوع والحضور وأن لا يخرج إلى ما يمنع من مثله المصلي إلا إلى ما أبيح له مما يكون به طائفا وهذا مثل ما قلنا في بيان النهي عن تشبيك الأصابع في التوجه إلى المسجد وروى عن طاوس عن رجل أدرك النبي ﷺ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إنما الطواف صلاة فإذا طفتم فأقلوا الكلام" فقد يكون ذلك الرجل أدرك النبي ﷺ ولم يره فلا تقوم به الحجة على مذاهب أصحاب الإسناد واختلف الفقهاء فيمن طاف الطواف الواجب جنبا فقال بعضهم أن عليه أن يعيده فإن لم يفعل حتى رجع إلى أهله عليه بدنة ويجزئه وإن كان طافه وهو على غير وضوء ولم يرجع إلى أهله ولم يعده كان عليه دم ويجزئه ذلك عن الطواف وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وقال غيرهم من أهل الحجاز ومن سواهم: لا يجزئه وهو عندهم كمن لم يطف والأولى بنا إذا لم نجد فيه شيئا من كتاب ولا سنة أن نرجع إلى النظر الصحيح ونقول فيه بالجواز قياسا على الإهلال بالحج والعمرة لأنهم قد أمروا ألا يفعلوه إلا مع الطهارة كما أمروا ألا يطوفوا إلا وهم طاهرون فلما كان عدم الطهارة لا يمنع صحة الإحرام كان مثله الطواف.

стр. 303

في السعي عن الزهري عن عروة قال: سألت عائشة فقلت: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية فقلت: والله ما على أحد جناح

стр. 304

ألا يطوف بين الصفا والمروة فقالت عائشة: بئس ما قلت يا ابن أختي, إن هذه الآية لو كانت على ما تأولتها عليه كانت "فلا جناح عليه أن يطوف بهما" وإنها إنما أنزلت في الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدون عند المشلل وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة فلما سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك أنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ثم قد سن رسول الله ﷺ الطواف بينهما فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما قال الزهري: فأخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن بالذي حدثني عروة عن عائشة فقال أبو بكر: إن هذا العلم ما كنت سمعته ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يزعمون أن الناس إلا من ذكرت عائشة ممن كان يهلل لمناة الطاغية كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة فلما ذكر الله الطواف بالبيت ولم يذكر الطواف بالصفا والمروة قالوا هل علينا يا رسول الله أن نطوف بالصفا والمروة فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قال أبو بكر فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما في الذين كانوا يتحرجون في الجاهلية أن يطوفوا بالصفا والمروة والذين كانوا يطوفون في الجاهلية بين الصفا والمروة ثم تحرجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام من أجل أن الله أمر بالطواف بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة مع الطواف بالبيت حين ذكره وقد روى عن عائشة أنها قالت: ما تمت حجة أحد ولا عمرته ما لم يطف بين الصفا والمروة لا يقال رأيا فإن قيل فقد كان ابن عباس يقرؤها فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما قلنا: يحمل لا على الصلة كقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ بمعنى ليعلم وكقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ بمعنى أن تسجد فيكون معناه أن يطوف حينئذ على ما عليه القراءة الثابتة في الصحف التي قامت بها الحجة وقد روى عن أنس مثل حديث عائشة بزيادة قوله: وهما

стр. 305

تطوع" وذلك رأي منه إذ لم يذكره عن النبي ﷺ وقد خالفته عائشة في ذلك وروت أنه سن الطواف بهما في الحج والعمرة جميعا وقالت هي ما تمت حجة أحد ولا عمرته ما لم يطف بين الصفا والمروة فكان هذا عندنا أولى من قول أنس لاسيما وفقهاء الأمصار لا يختلفون فيه ولم يقولوا ذلك كابرا عن كابر إلا بما وجب أن يقولوه به فلا معنى لخلاف ذلك ولا يصلح القول به والله أعلم.

стр. 306

في عرفة والمزدلفة عن ابن عباس قال رسول الله ﷺ : "عرفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرفة والمزدلفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن محسر وشعاب منى كلها منحر" يحتاج إلى الوقوف على سبب الارتفاع عن بطن عرفة لكون عرنة ليس من عرفة أم لغير ذلك فوجدنا ما روى عن علي بن أبي طالب قال وقف رسول الله ﷺ بعرفة فقال: "هذه عرفة وهذا الموقف وعرفة كلها موقف وجمع كلها موقف". وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "كل عرفة موقف وكل المزدلفة موقف" يدل على أنه من عرفة قطعا لكن ما روى عن شرحبيل قال: سمعت عمرو بن معد يكرب يقول: كنا عشية عرفة ببطن عرنة نتخوف أن يتخطفنا الجن فقال لنا رسول الله ﷺ : "أجيزوا إليهم فإنهم أسلموا إخوانكم" كذا روى والأصح "فإنهم إذا أسلموا إخوانكم" أي إذا صاروا مسلمين فيه أنهم كانوا يقفون عشية عرفة ببطن عرنة خوفا منهم على أنفسهم أن يتخطفهم الجن وأن النبي ﷺ أمرهم أن يجيزوا إليهم أي إلى ما سوى بطن عرنة من عرفة وهي المواضع التي كانت الجن فيها قبل ذلك وكانوا يخافون من غواتهم فأعلمهم النبي ﷺ انهم إخوانهم إذ قد اسلموا فكان هذا الأمر بعد إسلام الجن. فإن قيل فهل كان الجن يحجون قبل إسلامهم قلنا وما يمنع من ذلك

стр. 307

كما كان كفار بني آدم يحجون حتى نسخ بقوله تعالى: ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ فأنذروا في الحجة التي حجها أبو بكر وأما أمره ﷺ بالارتفاع عن محسر وهو من المزدلفة فذلم بمعنى آخر يحتمل أن يكون لخروجه من مشاعر إبراهيم فأمر الناس بالرفع عنه وبالرجوع إلى مشاعر إبراهيم والله أعلم بمراد رسول الله ﷺ .

стр. 308

في الإفاضة من عرفات روى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ لما صلى الصبح يوم عرفة بمنى مكث قليلا حتى طلعت الشمس فركب وأمر بقبة من شعر فنصبت له بنمرة فسار ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية فأجاز حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فركب حتى أتى بطن الوادي فخطب الناس فيه أن قريشا كان موقفهم يوم عرفة خلاف الموقف الذي يقف فيه الناس اليوم وذلك لأن عرفة ليست من الحرام وقريش لا تجاوز الحرم ولا تقف لحجها في يوم عرفة إلا في موضع الحرم وكان ذلك هو المزدلفة وروى عن محمد بن جبير عن أبيه قال ذهبت اطلب بعير إلى يوم عرفة فخرجت فإذا النبي ﷺ واقف بعرفة مع الناس فقلت إن هذا من الحمس فما له خرج من الحرم وكانت قريش تقف بالمزدلفة. وروى عن عائشة كانت قريش تقف بالمزدلفة ويسمون الحمس وسائر العرب تقف بعرفة فأمر الله نبيه ﷺ أن يقف بعرفة ثم يدفع منها وأنزل عليه ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ ففيه دليل على أن النبي ﷺ قد كان في الجاهلية لتوفيق الله إياه يقف يوم عرفة حيث يقف الناس سوى قريش وفي الآية دليل على أن الإفاضة من ذلك المكان وقد كان منهم قبلها وقوف فيه وقد روى عن يزيد بن سنان

стр. 309

قال: أتانى ابن مربع الأنصاري بعرفة ونحن في مكان الموقف فقال: أنا رسول رسول الله ﷺ إليكم يقول لكم: كونوا على مشاعركم هذه فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم ﵇ فيه دليل على أن عرفة قد كان من مواقف إبراهيم في الحج حيث يقف الناس اليوم لحجهم.

стр. 310

في الإفاضة من جمع روى عن الشعبي عن عروة بن مضرس قال: أتى رجل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله احفيت وانقبت, فقال رسول الله ﷺ : "من أدرك جمعا والإمام واقف ووقف مع الإمام ثم أفاض مع الناس فقد أدرك الحج ومن لم يدرك فلا حج له" فوت الحج بفوات الوقوف بجمع لم ينقله أحد عن الشعبي غير مطرف بن طريف فأما الجماعة من أصحابه فلا يذكرونه فيه وإنما يروون عنه عن عروة قال: أتيت النبي ﷺ بجمع فقلت: يا رسول الله هل لي من حج وقد أنضيت راحلتي, فقال: "من صلى معنا هذه الصلاة وقد وقف معنا" قبل ذلك وأفاض من عرفة ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه وزاد بعضهم من شهد معنا هذه الصلاة ووقف معنا حتى نفيض وقد كان وقف قبل ذلك بعرفة من ليل أو نهار فقد تم حجه وقضى تفثه وزاد بعضهم أتيت رسول الله ﷺ حين برق الفجر ثم ذكر الحديث وقال بعضهم: جئت من جبلي طيء وقد أتعبت نفسي وانضيت راحلتي ولم يبق جبل من جبال عرفة إلا قد وقفت به فهل لي من حج؟ فقال النبي ﷺ : "من صلى معنا صلاتنا هذه" الحديث فتأملنا زيادة مطرف عن الشعبي على أصحابه بعد وقوفنا على اتفاق فقهاء الأمصار على أن من فاته الوقوف بجمع وقد كان وقف بعرفة قبل ذلك لا يفوته الحج بل هو مدرك له ويجيز ما فاته منه بالدم غير شرذمة ذهبت إلى فوات حجه إن فاته الوقوف بجمع بعد طلوع الفجر كفوت الوقوف بعرفة حتى يطلع الفجر ولا نعلم أحدا ممن تقدم نقل هذا عنه غير علقمة بن قيس مع أنه يحتمل أنه أراد به التغليظ

стр. 311

في التخلف عن المزدلفة كمثل ما روى "لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له" فكذلك قوله: "لا حج له" يريد كحج من أدرك الصلاة معنا بالمزدلفة ووقف بها ويؤيده النظر الصحيح وذلك أنا قد وجدنا الوقوف بعرفة من صلب الحج لا يجزئ الحج إلا به كان له عذر أو لم يكن وجمع ليس كذلك لأن رسول الله ﷺ رخص لسودة أن تفيض منها قبل أن تقف قالت عائشة: كانت سودة ثبطة ثقيلة فاستأذنت النبي ﷺ أن تفيض من جمع قبل أن تقف فأذن لها ولوددت أني كنت استأذنته فأذن لي. وكذا قدم ضعفه أهله من جمع بليل ويرتفع بعذر فليس من صلب الحج ألا ترى أن طواف الإفاضة فرض لا يرتفع بعذر وطواف الصدر بخلافه فإن الحائض عذرت في تركه.

стр. 312

في من أدرك جمعا روى عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال رأيت رسول الله ﷺ واقفا بعرفات فأقبل ناس من أهل نجد فسألوه عن الحج فقال: "الحج يوم عرفة ومن أدرك جمعا قبل صلاة الصبح فقد أدرك الحج" أيام منى ثلاثة أيام أيام التشريق ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ثم أردف خلفه رجلا ينادي بذلك معنى قوله: "فقد أدرك الحج" أي لم يفته كما فات من لم يدرك الوقوف بعرفة لا أنه كمن أكمل حجه حتى لا يحتاج إلى عمل ما بقي منه عليه ومثله قوله ﷺ : "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" ليس يعني أنه كمن صلاها ولكنه بمعنى أنه قد أدرك من ثوابها ما أدركه من دخل فيها من أولها ومعنى ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي في تركه الترخيص برخصة التعجيل في يومين غذ لا يقال لا إثم عليك إلا لمن قصر فيما رخص له فيه ومن لم يتعجل في يومين فلم يقصر في شيء فإنما رفع الحرج عنه في ترك الأخذ بالرخصة كما لا يقال لمن صلى في أول وقتها لا إثم عليك.

стр. 313

في الجمار عن ابن عباس قال بعث رسول الله ﷺ بضعفة أهله ليلا من جمع وقال لهم: "لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس" وخرجه من طرق كثيرة في بعضها: "لا ترموا الجمرة إلا مصبحين" وتصحيح ذلك مع غيرها من الأحاديث على المنع من جمرة العقبة يوم النحر حتى تطلع الشمس وإذا كان هذا حكم المترخص بالتعجيل من هناك كان من لا رخصة الأحاديث على المنع من جمرة العقبة يوم النحر حتى تطلع الشمس وإذا كان هذا حكم المترخص بالتعجيل من هناك كان من لا رخصة له في ذلك بالنهي أولى وبهذا احتج الأوزاعي والثوري على إعادة الرمي إن رمى جمرة العقبة قبل طلوع الشمس وهو القول عندنا إذ لا خروج عما قاله ﷺ . وعن أبي مجلز سألت ابن عباس عن رمي الجمار فقال: والله ما أدري بكم رمى رسول الله ﷺ بست أو بسبع. وروي عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: لا أدري بكم رمى النبي ﵊ وعن ابن عباس عن الفضل بن عباس قال كنت ردف النبي ﷺ فرمى جمرة العقبة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منهن فدل ذلك على أنه إنما أخبر في الحديث الأول عن رؤية نفسه ثم أخبر في الحديث الثاني بحقيقة عدد ما رماها به رسول الله ﷺ وأنه سبع حصيات ومثل هذا يتأول على جابر بن عبد الله فيما روى عنه أيضا أن رسول الله ﷺ في حجة الوداع أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة مثل حصى الحذف رمى من بطن الوادي ثم انصرف. وقد تعلق قوم بما روى عن ابن عباس وجابر في هذا من قولهما فأباحوا بذلك للحاج أن يرمي الجمرة بما شاء من الحصى بغير عدد يقصد إليه قصر عن السبعة تجاوزها وذكروا في ذلك ما روى عن أبي حية الأنصاري أنه قال: لا بأس بما رمى به الإنسان الجمرة من الحصى يقول من عددها فبلغ قوله ذلك ابن عمر فقال: صدق أو حية رجل من أهل بدر وما روى عن سعد بن أبي وقاص قال قدمنا على النبي ﷺ في حجته منا من رمى بسبع وأكثر وأقل فلم يعب

стр. 314

ذلك علينا. وما روى عنه أيضا قال رجعنا في الحجة مع النبي ﷺ وبعضنا يقول: رميت بسبع وبعضنا يقول: رميت بست فلم يعب بعضهم على بعض ولكن قد روى أن رسول الله ﷺ "رمى الجمرة بسبع سبع" من رواية عبد الله بن عمر وعائشة وسليمان بن عمرو بن الأحوص عن أمه فكان الرمي بعدد معلوم كما كان منه الطواف بالبيت والسعي بعدد معلوم أولى أن يؤخذ به مع أنه قال ﷺ : "لتأخذ أمتي مناسكها فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا" ليتبع في أفعاله فكما وجب أن يتبع في عدد الأشواط ولا يخرج عنها بزيادة ولا نقصان فكذلك يجب أن يتبع في عدد الحصى ولا يخالف ولا يعصى. وروى عن أم سلمة أن النبي ﷺ أمرها أن توافى الضحى معه بمكة يوم النحر١ لا حجة للشافعي فيه على تجوزيه رمي جمرة العقبة قبل الفجر ليلة النحر بعد مضي نصف الليل إذ لا يمكنها الموافاة بمكة ضحى إلا وقد دفعت من جمع قبل طلوع الفجر لبعد المسافة بينهما فلابد من رميها جمرة العقبة قبل طلوع الفجر لأن مداره على أبي معاوية محمد بن خازم الضرير واضطرب فيه فرواه مرة عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب عن أم سلمة ورواه مرة عنها بالسند أن رسول الله صى ل الله عليه وسلم أمرها يوم النحر أن توافى معه صلاة الصبح بمكة وهذا خلاف ما في الحديث الأول لأن فيه أمرها يوم النحر بهذا عن اليوم الذي بعده وذكر أحمد بن حنبل الحديث الأول وقال أنه خطأ ولم يسنده غير أبي معاوية وقال وروى عن عروة مرسلا أنه أمرها أن توافيه صلاة الصبح يوم النحر بمكة وهو أيضا عجب وما يصنع النبي ﷺ يوم النحر بمكة ينكر ذلك وسألت عن ذلك يحيى بن

стр. 315

سعيد فقال إنما الحديث أن توافي ليس أن توافيه. قال الطحاوي: وهذا كلام صحيح يجب به فساد الحديث وقد روى عن هشام بن عروة عن أبيه أن يوم أم سلمة دار إلى يوم النحر فأمرها رسول الله ﷺ ليلة جمع أن تفيض فرمت جمرة العقبة وصلت الفجر بمكة ويحتمل أن يكون رميها كان بغير أمره إياها ويكون الذي أراده ﷺ منها ما أراده من غيرها من ضعفة هلها أن يرموها بعد طلوع الشمس على ما قد ذكرناه وقد روى مسندا عن هشام عن أبيه عن عائشة أن رسول الله ﷺ أمر أم سلمة أن توافيه يوم النفر بمكة زاد غيره من الرواة وكان يومها فأحب أن توافيه. وقد روى أن أفاضة النبي ﷺ إلى مكة إنما كان في آخر يوم النحر وروى عنه أنه أخر طواف الزيارة إلى الليل ففي هذا دليل على أن رسول الله ﷺ لم يكن به حاجة إلى موافاة أم سلمة إياه يوم النحر بمكة وفيه ما دل على فساد حديث أبي معاوية المبدي بذكره قال القاضي: ويحتمل أن يأول على أن فيه تقديما وتأخيرا تقديره أن النبي ﷺ أمرها يوم النحر أن توافى معه الضحى بمكة على ما في الحديث الذي بعده فيستقيم معناه ولا يكون الإنكار من أنكره وجه ويسقط احتجاج الشافعي لمذهبه الذي قد شذ فيه وخرج به عن الجمهور.

стр. 316

في المبيت بمنى روى أن العباس استأذن النبي ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل السقاية فأذن له فيه أن من سوى العباس ممن لا سقاية له لا يرخص في المبيت عن منى ليالي منى وما روى أنه ﷺ كان يزور البيت كل ليلة من ليالي منى لا يضاده لأنه يجوز أن يكون ﷺ يزوره ويرجع قبل نصف الليل فيبيت في ليلته تلك بمنى بل فيه دليل على أنه لا يلزم أن لا يبرح الحاج عن منى لياليها وإنما عليه أن لا يبيت إلا بها ولهذا يجوز أن يأتوا

стр. 317

مكة بليل فيكوفوا طواف الزيارة ثم يرجعون إليها للمبيت ألا ترى أن من حلف أن لا يبيت في هذا المنزل الليلة فأقام فيه قبل نصفها لا يحنث ولو أقام أكثر من نصفها ثم خرج عنه إلى غيره فأقام فيه بقيتها يحنث لأنه بات فيه يحققه أنك إذا لقيت رجلا قبل نصف الليل حسن أن تسأله أين يبيت وإذا لقيته بعد نصف الليل حسن أن تسأله أين بات.

стр. 318

في الحلق والتقصير روي أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم ارحم المحلقين" قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: "اللهم ارحم المحلقين" قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: "والمقصرين" سبب تكرار الدعاء للمحلقين هو ما روى أنهم سألوا رسول الله ﷺ فقالوا: ما بال المحلقين ظاهرت لهم بالترحم؟ قال: "إنهم لم يشكوا" وذلك أن يوم الحديبية لما حلق رسول الله ﷺ حلق معه كثير من الصحابة وأمسك آخرون فقالوا: والله ما طفنا بالبيت فقصروا, فقال رسول الله ﷺ : "اللهم ارحم المحلقين" الحديث فلما توقفوا وبادر المحلقون إلى الاقتداء به فضلوا عليهم لا لفضل في نفس الحلق لأن الله تعالى أباحهما فقال: ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ﴾ ولكن لأن السبق إلى المعرفة يوجب الفضيلة للسابقين إليها كما وجبت الفضيلة لأبي بكر بسبقه إلى التصدييق في إخباره ﷺ بإتيان بيت المقدس من مكة ورجوعه منه إلى منزله في ليلته وكما وجبت الفضيلة لخزيمة بشهادته لرسول ﷺ على الأعرابي حتى سمى ذا الشهادتين لما سبقعم إلى معرفة جواز أداء الشهادة بدعواه ﷺ وإن لم يشاهد الحال فكذا المحلقون فضلوا على المقصرين بسبقهم إلى الطاعة وانتفاء الشك عن قلوبهم وعلمهم أن ما عاينوا منه أولى بهم مما قدمت معرفتهم به وروى أن المقصرين إنما كانوا رجلين أحدهما من قريش والآخر من الأنصار قال القاضي: ويمكن أن يقال الحلق أفضل لكونه سنة الرسول ﷺ ولكونه أبلغ في قضاء التفث أشق والأجر على قدر التعب

стр. 319

والإجماع على أن فضيلة الحلق لا تختص بأهل الحديبية بل هي باقية إلى يوم القيامة فالعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب.

стр. 320

في نفي الحرج عمن قدم أو أخر روى عن أسامة بن شريك قال: خرج النبي ﷺ حاجا فكان ناس يأتونه فمن قائل يقول له: يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف: وأخرت شيئا, وقدمت شيئا فكان يقول: "لا حرج لا حرج إلا رجل اقترض عرض رجل مسلم وهو ظالم له فذلك الذي حرج وهلك". أكثر الفقهاء على أن من سعى قبل الطواف لا يجزئه وهو كمن لم يسع ولا نعلم لأهل الحجاز والعراق مخالفا غير الأوزاعي فإنه قال: يجزئه ولا يعبده بعد لطواف وروى عن عطاء مثله ولكنهم اختلفوا في القارن إذا حلق قبل أن يذبح هديه قال أبو حنيفة ومالك وزفر: أن عليه الفدية لأنه حلق قبل أوانه وأكثرهم كأبي يوسف ومحمد والشافعي يقولون: لا شيء عليه في ذلك ويحتجون بما روى عن علي قال: أتى رسول الله ﷺ رجل فقال: يا رسول الله إني أفضت قبل أن أحلق, قال: "فاحلق ولا حرج" وجاءه آخر فقال إني ذبحت قبل أن أرمي قال: "ارم ولا حرج". وبما روى عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ سئل عمن حلق قبل أن يذبح أو ذبح قبل أن يحلق قال: "لا حرج لا حرج" قال القاضي: صوابه ذبح قبل أن يرمى لأن الذبح حقه أن يكون قبل الحلق وبما روى عن ابن عباس أيضا عن النبي ﷺ أنه قيل له يوم النحر وهو بمنى في النحر والحق والرمي والتقديم والتأخير فقال: " لا حرج" وبما روى عن عبد الله بن عمرو أنه قال: وقف رسول الله ﷺ في حجة الوداع للناس يسألونه فجاءه رجل فقال: يا رسول الله لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح, فقال: "اذبح ولا حرج" فجاءه آخر فقال: يا رسول الله لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي فقال: "ارم ولا حرج" فما سئل رسول الله ﷺ يومئذ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: "افعل ولا حرج".
следующие страницы →