في المبيت بمنى
روى أن العباس استأذن النبي ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل السقاية فأذن له فيه أن من سوى العباس ممن لا سقاية له لا يرخص في المبيت عن منى ليالي منى وما روى أنه ﷺ كان يزور البيت كل ليلة من ليالي منى لا يضاده لأنه يجوز أن يكون ﷺ يزوره ويرجع قبل نصف الليل فيبيت في ليلته تلك بمنى بل فيه دليل على أنه لا يلزم أن لا يبرح الحاج عن منى لياليها وإنما عليه أن لا يبيت إلا بها ولهذا يجوز أن يأتوا
стр. 317
مكة بليل فيكوفوا طواف الزيارة ثم يرجعون إليها للمبيت ألا ترى أن من حلف أن لا يبيت في هذا المنزل الليلة فأقام فيه قبل نصفها لا يحنث ولو أقام أكثر من نصفها ثم خرج عنه إلى غيره فأقام فيه بقيتها يحنث لأنه بات فيه يحققه أنك إذا لقيت رجلا قبل نصف الليل حسن أن تسأله أين يبيت وإذا لقيته بعد نصف الليل حسن أن تسأله أين بات.
стр. 318
في الحلق والتقصير
روي أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم ارحم المحلقين" قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: "اللهم ارحم المحلقين" قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: "والمقصرين" سبب تكرار الدعاء للمحلقين هو ما روى أنهم سألوا رسول الله ﷺ فقالوا: ما بال المحلقين ظاهرت لهم بالترحم؟ قال: "إنهم لم يشكوا" وذلك أن يوم الحديبية لما حلق رسول الله ﷺ حلق معه كثير من الصحابة وأمسك آخرون فقالوا: والله ما طفنا بالبيت فقصروا, فقال رسول الله ﷺ : "اللهم ارحم المحلقين" الحديث فلما توقفوا وبادر المحلقون إلى الاقتداء به فضلوا عليهم لا لفضل في نفس الحلق لأن الله تعالى أباحهما فقال: ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ﴾ ولكن لأن السبق إلى المعرفة يوجب الفضيلة للسابقين إليها كما وجبت الفضيلة لأبي بكر بسبقه إلى التصدييق في إخباره ﷺ بإتيان بيت المقدس من مكة ورجوعه منه إلى منزله في ليلته وكما وجبت الفضيلة لخزيمة بشهادته لرسول ﷺ على الأعرابي حتى سمى ذا الشهادتين لما سبقعم إلى معرفة جواز أداء الشهادة بدعواه ﷺ وإن لم يشاهد الحال فكذا المحلقون فضلوا على المقصرين بسبقهم إلى الطاعة وانتفاء الشك عن قلوبهم وعلمهم أن ما عاينوا منه أولى بهم مما قدمت معرفتهم به وروى أن المقصرين إنما كانوا رجلين أحدهما من قريش والآخر من الأنصار قال القاضي: ويمكن أن يقال الحلق أفضل لكونه سنة الرسول ﷺ ولكونه أبلغ في قضاء التفث أشق والأجر على قدر التعب
стр. 319
والإجماع على أن فضيلة الحلق لا تختص بأهل الحديبية بل هي باقية إلى يوم القيامة فالعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب.
стр. 320
في نفي الحرج عمن قدم أو أخر
روى عن أسامة بن شريك قال: خرج النبي ﷺ حاجا فكان ناس يأتونه فمن قائل يقول له: يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف: وأخرت شيئا, وقدمت شيئا فكان يقول: "لا حرج لا حرج إلا رجل اقترض عرض رجل مسلم وهو ظالم له فذلك الذي حرج وهلك".
أكثر الفقهاء على أن من سعى قبل الطواف لا يجزئه وهو كمن لم يسع ولا نعلم لأهل الحجاز والعراق مخالفا غير الأوزاعي فإنه قال: يجزئه ولا يعبده بعد لطواف وروى عن عطاء مثله ولكنهم اختلفوا في القارن إذا حلق قبل أن يذبح هديه قال أبو حنيفة ومالك وزفر: أن عليه الفدية لأنه حلق قبل أوانه وأكثرهم كأبي يوسف ومحمد والشافعي يقولون: لا شيء عليه في ذلك ويحتجون بما روى عن علي قال: أتى رسول الله ﷺ رجل فقال: يا رسول الله إني أفضت قبل أن أحلق, قال: "فاحلق ولا حرج" وجاءه آخر فقال إني ذبحت قبل أن أرمي قال: "ارم ولا حرج".
وبما روى عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ سئل عمن حلق قبل أن يذبح أو ذبح قبل أن يحلق قال: "لا حرج لا حرج" قال القاضي: صوابه ذبح قبل أن يرمى لأن الذبح حقه أن يكون قبل الحلق وبما روى عن ابن عباس أيضا عن النبي ﷺ أنه قيل له يوم النحر وهو بمنى في النحر والحق والرمي والتقديم والتأخير فقال: " لا حرج" وبما روى عن عبد الله بن عمرو أنه قال: وقف رسول الله ﷺ في حجة الوداع للناس يسألونه فجاءه رجل فقال: يا رسول الله لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح, فقال: "اذبح ولا حرج" فجاءه آخر فقال: يا رسول الله لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي فقال: "ارم ولا حرج" فما سئل رسول الله ﷺ يومئذ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: "افعل ولا حرج".
стр. 321
ولا حجة لهم في هذه الآثار على عدم وجوب الفدية على القارن لأنه يحتمل أن يكون السائل غير قارن فيكون الذبح عليه غير واجب فيكون ما فعل من ذلك قد فعله ولا شيء يمنعه منه وإن كان قارنا فنفى الحرج والإثم عنه إذا لم يشعر لا يستلزم نفي الفدية كما لم يستلزم نفي الحرج في حديث أسامة نفي إعادة السعي الواقع قبل الطواف ويؤديه قول ابن عباس فيما روى مجاهد عنه من قدم شيئا من حجه أو أخر فليرق دما وهو أحد من روى ذلك فدل أنه لا منافاة بين وجوب الفدية ورفع الحرج.
стр. 322
في المحصر
عن عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأسلمي قال سمعت النبي ﷺ يقول: "من كسرا وعرج فقد حل وعليه حجة أخرى" قال فحدثت بذلك ابن عباس وأبا هريرة فقالا: صدق قوله: "فقد حل" أي له أن يحل بما يحل به مما هو فيه من الإحرام كما يقال للمطلقة بعد انقضاء عدتها حلت للأزواج أي بتزويج يستأنف عليهابطريقه حتى تصير حلالا وكذا قوله تعالى: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ﴾ فإنها بنكاح الزوج الثاني لا تعود حلالا للأول ولكنها تعود إلى حال يحل استئناف النكاح عليها بطريقه فمن كسر أو عرج لم يخرج عن إحرامه ولكنه سبب حل له به أن يفعل فعلا يخرج به من إحرامه بأن يبعث هديا إلى مكة فإذا نحر الهدى حل على ما روى أن رجلا من النخع أهل بعمرة فلدغ فبينما هو صريع في الطريق إذ طلع عليهم ركب فيهم ابن مسعود فسألوه فقال: ابعثوا بالهدى واجعلوا بينكم وبينه إمارة فإذا كان ذلك فليحل فقد عاد بما ذكرنا هذا الحديث إلى أن لا استحالة فيه.
وروى عن ابن عباس قال: جاءت ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إني امرأة ثقيلة وإني أريد الحج فكيف تأمرني أن أهل؟ قال: "أهلي واشترطي أن محلي حيث حبستني" فأدركت الحج، وخرجه من طرق كثيرة قد ذكرنا فيما تقدم أن قوله: فقد حل له أن يحل من غير
стр. 323
دليل ويوجب هذا التأويل ويمنع غيره ثم ظهر لنا بحديث ضباعة أن المراد بالحل الخروج من الإحرام حقيقة للحادثة التي منعته من النفوذ في حجه ولم يأمر النبي ﷺ في الحديثين بهدى فعقلنا بذلك أن الحكم كان كذلك أو لا ثم جعل الهدى بعد ذلك لمن يصير محصرا لا يخرج عن إحرامه إلا بنحر الهدى بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وهي آية محكمة.
ثم روى عن علقمة في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ الآية قال: إذا احصر الرجل بعث بالهدى ولا يحلق رأسه حتى يبلغ الهدى محله فمن كان به مرض أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك صيام ثلاثة أيام أو يتصدق على ستة مساكين كل مسكين نصف صاع والنسك صيام ثلاثة أيام أو يتصدق على ستة مساكين كل مسكين نصف صاع والنسك شاة فإذا أمن مما كان فيه فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فإن مضى من وجهه ذلك فعليه حجة وإن أخر العمرة إلى قابل فعليه حجة وعمرة ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ آخرها يوم عرفة ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ﴾ وذكر ذلك لسعيد بن جبير فقال هذا قول ابن عباس وعقد ثلاثين فعقلنا بمنع ابن عباس في رواية سعيد عنه من الإحلال مع الكسر والعرج حتى ينحر الهدى أنه قد رجع إلى ذلك عن تصديق الحجاج وحديث ضباعة عن مثل ما كان عليه حديث الحجاج وإن النسخ قد لحقهما جميعا بما في هذه الآية من منع المحصر أن يحل حتى ينحر عنه وقد كان ابن عمر ينكر الاشتراط في الحج ويقول حسبكم سنة نبيكم ﷺ أنه لم يشترط فإن حبس أحدكم حابس فإذا وصل إلى البيت طاف وسعى ثم يحلق أو يقصر ثم يحل وعليه الحج من قابل ومحال أن يكون ابن عمر أنكر ذلك إلا بعد أن بلغه ما روى في ذلك لأن علمه وورعه يمنعه أن يدفع شيئا روى له إلا بما يجب له دفعه من نسخ وغيره.
لا يقال: إن كان ابن عمر دفعه فغيره عمل به روى أن عثمان كان واقفا بعرفة إذ جاء رجل فقال أما اشترطت وهلا اشترطت لأنه منقطع لا يحتج بمثله
стр. 324
وما روى عن عروة أن عائشة أمرته أن يشترط إذا حج ويقول: اللهم الحج أردت وإليه عمدت فإن تيسر لي فإنه الحج وإن حبست فإنها عمرة يدل على نسخ حديث ضباعة لأن الذي في حديثها اشترطاها إحلالا يخرج به من الحج لا إلى عمرة والذي أمرت به عائشة إنما هو على خروجه أن حبس من حج إلى عمرة وهي العمرة التي تجب على من يفوته الحج حتى يحل بها من ذلك الحج.
وما روى عن إبراهيم أنه قال: كانوا يشترطون عند الإحرام يحتمل أن يكون كاشتراط ضباعة أو كاشتراط عروة وقد روى عنه قال: كانوا يقولون اللهم إني أردت الحج أن تيسر لي وإلا فعمرة أن تيسرت وإلا فلا حرج فعلم أنه كان على ما أمرت به عائشة عروة فيكون مؤكد النسخ حديث ضباعة ومعنى قوله فلا حرج أي على أن لم آت بما أحرمت به على ما يوجبه إحرامي علي لأن ذلك ليس باختياري واتفاق فقهاء الأمصار كأبي حنيفة وأصحابه وغيرهم على خلاف ما في حديث ضباعة دال على نسخه إذ لا تجتمع الأمة على خطأ.
стр. 325
في الهداية
ورى عن علي بن أبي طالب قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه وإن أقسم جلودها وجلالها وأمرني أن لا أعطي الجاز ومنها شيئا وقال: "نحن نعطيه من عندنا" وخرج الحديث من طرق في بعضها "ولا نعطي في جزارتها منها شيئا" وفي بعضها: "أنه كانت مائة فيها جمل لأبي جهل مزموم ببرة فضة وإن رسول الله ﷺ نحر منها بيده ستين وأعطى عليا أربعين" فيه فوائد من الفقه منها جواز تولية النحر لغيره وقيام نحر المأمور مع نيته مقام نحر الآمر ونيته ومنها أمره ﷺ بتصدق أجلة بدنه وخطمها كما يتصدق بلحمها وإجزائها إعطاء للجلال والخطام حكمها ومنها تجويز الاستئجار على نحرها بأجرة في ذمة الآمر أو المأمور من غير تعيين وجاز في ذلك ملك عمل بغير عينه على الجزار بأجرة بغير عينها يملكها على جزارته
стр. 326
مخالفا للعقود في البياعات على الأشياء التي ليست بأعيان بالإبدال التي ليست بأعيان لإفضائها إلى الكالي بالكالي المنهى عنه ومنها جواز الأكل من لحومها لمن نحر من ملاكها ومنها جواز الشركة في الهدايا لما روى أنه ﷺ أشرك عليا في هديه ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر وطبخت فكلا من لحمها وشربا من مرقها الحديث ومنها وجوب الأجرة على الوكيل فيما يستأجره لغيره لأن النبي ﷺ خاطب عليا أن لا يعطيه عن أجرته من لحوم البدن شيئا ولو لم يكن لعلي ذلك لاستغنى عن النهي لأنه غير مطلوب به لأن الأجرة ليست عليه ومنها استعمال الفضة في البرة للهدايا بخلاف استعمالها في الأكل والشرب.
стр. 327
في البدنة عن سبعة
وبوى عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهما قالا: خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالا وساق معه الهدى وكان الهدى سبعين بدنة وكان الناس سبعمائة رجل فكان كل بدنة عن عشرة انفرد محمد بن إسحاق برواية هذا الحديث عن ابن شهاب وخالفه سواه عنه فيه فقالوا: إن عدد القوم الذين كانوا مع رسول الله ﷺ حينئذ كانوا بضع عشرة مائة وهو الصواب لأن الجماعة أولى بالحفظ من الواحد ولأن جابرا والبراء شهدا القصة قالا إن عددهم كان ألفا وأربعمائة وروى عن جابر أيضا كانوا ألفا وخمسمائة والبدن يحتمل أن تكون سبعين أو غير ذلك إلا أنا وقفنا على أنه إنما نحرت كل بدنة منها عن سبعة كذا روى عن جبار من وجوه كثيرة ففيه أن السبعين لم تنحر إلا عن خاص من القوم الذين عددهم ألف وأربعمائة وما روى عن ابن عباس أنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فضحينا البعير عن عشرة ففيه موافقة جابر في السبعة وزيادة عليها فصارت السبعة إجماعا والزيادة مقبولة إلا أنه قد عارضها ما روى عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: "الجزور عن سبعة" فكان أولى لأن فيه من التوقيف عن رسول الله ﷺ على السبعة ما يمنع أن يجزئ عما هو أكثر من ذلك وقد احتج بعض الناس للسبعة بما روى ابن عباس قال: سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: على ناقة وقد عذبت على؟ ١ فقال: "اشتر سبعا من الغنم" وهو حديث فاسد الإسناد لا يوبه به.
стр. 328
في الفرق بين البقر والبدنة
وروى عن ابن عباس قال: قلت: البدن فأمر رسول الله ﷺ بالبقر ليس فيه أنه أمر بالبقر لأنها بدن فيحتمل أنه أمر بها لأنها تجزئ مما تجزئ عنه البدن بدليل حديث المهجر إلى الجمعة أنه كالمهدى بدنه ثم الذي يليه كالمهدى بقرة ثم الذي يليه كالمهدى شاة الحديث ففرق بين البدن والبقر في الاسم والثواب والذي يروى عن جابر من إدخال البقر في البدن لا يعارض ما تقدم لأنه موقوف على جابر من قوله.
стр. 329
في نهبة لحم الهدايا
روى عن النبي ﷺ أنه نهى عن النهبة وأنه قال: "أن النهبة لا تحل" وأنه قال: "من انتهب فليس منا" المراد به انتهاب ما لم يؤذن في انتهابه بدليل ما روى عن عبد الله بن قرط أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أحب الأيام إلى الله يوم النحر ثم يوم القر" فقرب إلى رسول الله ﷺ بدنات خمسا أو ستا فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ فلما وجبت جنوبها قال: كلمة خفية لم أفقهها فقلت للذي كان إلى جنبي: ما قال رسول الله ﷺ ؟ قال قال: "من شاء اقتطع" وما روى أن صاحب هدى رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله كيف أصنع بما عطب من الهدى؟ فقال له رسول الله ﷺ : "انحرها ثم الق قلائدها في دمها ثم خل بين الناس وبينها يأكلونها" لأنه ﷺ أباح في هذين الحديثين للناس الذين يحل لهم ذلك الهدى أخذ ما يجوز لهم أخذه منه بغير قصد منه إلى ناس بأعيانهم وإلى مقدار من الهدى لمن يأخذه منهم فتبين بذلك ما قلنا.
стр. 330
في الحج عن الغير
عن علي بن أبي طالب قال: استقبلت رسول الله ﷺ جارية شابة من خثعم فقالت: إن أبي شيخ كبير وقد أدركته فريضة الله تعالى في الحج أفيجزيني أن أحج عنه؟ قال: "حجي عن أبيك" ولوي عنق الفضل, فقال له العباس: لويت عنق ابن عمك, فقال: "إني رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما" وروى عن ابن عباس أن رجلا قال: يا رسول الله إن أمي عجوزة كبيرة إن أنا حملتها لم تستمسك وإن ربطتها خشيت أن أقتلها؟ قال: "أرأيت لو كان على أبيك أو علي أمك دين أكنت تقضيه؟ " قال: نعم, قال: "فاحجج عن أبيك أو عن أمك" وخرج الآثار بذلك من طرق بألفاظ مختلفة ومعان متفقة لا يقال فيه دليل على أن الحج يسلك به مسالك الديون حتى يكون ما يحج به عنه من المال دينا عليه في تركته وإن لم يوص بذلك لأنه لو كان دينا لما شبه بالدين إذ الشيء لا يشبه بنفسه وإنما هو حق في بدن من هو عليه حتى يخرج إلى الله تعالى منه عنه كالدين في ذمة من هو عليه حتى يخرج صاحبها منه أو يخرج إليه منه غيره عنه فلا دليل في هذه الآثار على وجوب قضائه من جميع المال ولا من ثلثه وفيه أن من قضى دين غيره بغير أمره لم يكن له به عليه رجوع وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي خلافا لمالك ومن يتابعه عليه.
стр. 331
في حج الصرورة
روى عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ سمع رجلا يقول: لبيك عن شبرمة, قال: "ومن شبرمة؟ " قال: أخ أو قريب لي قال: "هل حججت قط؟ " قال: لا, قال: "اجعل هذه عن نفسك ثم احجج عن شبرمة" استدل بعض بهذا أن من حج عن غيره قيل أن يحج عن نفسه فهو عن نفسه ثم قاسوا عليه أنه لو حج عن نفسه
стр. 332
تطوعا قبل حجة الإسلام أن حجه يكون عن الفرض ثم ناقضوا في صوم رمضان فقالوا من صام في رمضان تطوعا لا يجزيه من الفرض ولا من التطوع وكان الواجب عليهم على قياس الحج أن يجعلوه من رمضان لا من التطوع بالطريق الأولى لأن رمضان وقت للفرض ومعيار له لا يسعه غيره بخلاف وقت الحج ثم هذا الحديث معلول والصحيح أنه موقوف على ابن عباس غير مرفوع إلى النبي ﷺ وروى أنه قال: "فابدأ أنت فحج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" والذي صح عن النبي ﷺ في هذا المعنى من رواية ابن عباس أنه سئل عن رجل لم يحج أيحج عن غيره قال: "دين الله أحق أن تقضيه" وليس فيه أنه لو أحرم عن غيره كان ذلك الإحرام عن نفسه والذي يدل على جواز الحج عن غيره وإن لم يحج عن نفسه أن رسول الله ﷺ لما سأله الذي عن غيره أطلق له ذلك ولم يسأله أحججت عن نفسك حجة الإسلام أم لا والذي يدل على أن حج التطوع ممن لم يحج حجة الإسلام جائز ما روى أن رسول الله ﷺ قال: "أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته فإن كان أكملها كتبت كاملة وإن لم يكن أكملها قال الله تعالى انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع فاكملوا به ما ضيع من فريضته والزكاة مثل ذلك" ثم تؤخذ الأعمال على حساب ذلك فدلنا ما في هذا أن الرجل قد يكون منه حج تطوع وإن لم يكن له حج فرض وكما أن من لم يصل الفرض بعد دخول وقته وصلى تطوعا ثم صلى بعد ذلك الفرض كان كذلك من دخل عليه وقت الحج ووجب عليه فرضه له أن يحج تطوعا عن نفسه أو فرضا عن غيره ثم يحج الفرض لنفسه١.
стр. 333
في حج الصغير
روى عن النبي ﷺ أنه مر بامرأة وهي في محفتها فقيل لها هذا رسول الله ﷺ فأخذت بعضض صبي معها فقالت: ألهذا حج؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم ولك أجر" اختلف أهل العلم فيما يفعله الصبي من المحظورات فقال بعضهم: لا شيء فيه عليه ولا على غيره وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه وقال بعضهم الكفارة على من أدخله فيه وقال بعضهم: كفارته على الصبي ولا وجه للقولين الأخيرين لأن الإحرام المجنى عليه لم يكن للذي أدخل الصبي فيه حتى يجب عليه ما يجب فلا يكون عليه تخليص الصبي مما وجب عليه والإجماع منعقد على أن كفارة اليمين وسائر الكفارات لا تجب على الصبي لأنه رفع القلم عنه وكفارات الحج عقوبات ونكال قال تعالى في جزاء الصيد ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ والعقوبات مرتفعة عن الصبي فلم يبق إلا القول الأول وهو الأولى ودخوله في الإحرام لا يلزمه ما يلزم البالغين كدخوله في الصلاة لا يجب عليه فيها ما يجب على البالغين وأصله ما روى أن رسول الله ﷺ قال: "علموا الصبي الصلاة ابن سبع سنين واضربوه عليها ابن عشر" وضربه لأن يعتادها ليكون خلقا له بعد بلوغه.
стр. 334
في بعث أبي بكر ثم علي ﵄ بسورة براءة
...
في بعث أبي بكر ثم على بسورة براءة
ورى عن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ بعث ببراءة إلى مكة مع أبي بكر الصديق ثم أتبعه بعلي فقال: "له خذ الكتاب وامض به إلى أهل مكة" فلحقته فأخذت الكتاب منه فانصرف أبو بكر وهو كئيب فقال: يا رسول الله أنزل في شيء قال: "لا إلا أني أمرت أن أبلغه أنا أو رجل من أهل بيتي".
وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ بعث أبا بكر وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات ثم أتبعه عليا فبينا أبو بكر في بعض الطريق
стр. 335
إذ سمع رغاء ناقة رسول الله ﷺ القصواء فخرج أبو بكر وظن أنه رسول الله ﷺ فإذا علي فدفع إليه كتاب رسول الله ﷺ فأمره على الموسم وأمر عليا أن ينادي بهؤلاء الكلمات فانطلقا فقام على أيام التشريق فقال: "ذمة الله ورسوله بريئة من كل مشرك فسيحوا في في الأرض أربعة أشهر ولا يحجن بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان ولا يدخل الجنة إلا مؤمن" فكان علي ينادي بها فإذا بح قال١ أبو هريرة: فنادى بها وخرج الآثار في ذلك أكملها حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عيه وسلم حين رجع من عمرة الجعرانة بعث أبا بكر على الحج حتى إذا كنا بالعرج ثوب بالصبح ثم استوى ليكبر فسمع الرغوة خلف ظهره فوقف علن التكبير فقال: هذه رغوة ناقة رسول الله ﷺ لقد بداله في الحج فلعله أن يكون رسول الله ﷺ فنصلي معه فإذا على عليها فقال له أبو بكر: أمير أو رسول قال لا بل رسول أرسلني رسول الله ﷺ ببراءة أقرأها على الناس في موقف الحج فقد منا مكة فلما كان قبل التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس فحمد الله وحدثهم عن مناسكهم حتى إذا فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها ثم خرجنا معه حتى إذ كان يوم عرفة قام أوبكر فخطب حتى إذا فرغ قام على فقرأ على الناس براءة حتى ختمها فلما كان يوم النحر فأفضيا٢ فلما رجع أبو بكر خطب الناس فحدثهم عن أفاضتهم وعن نحرهم وعن مناسكهم فلما فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها فلما كان يوم النفر الأول قام أبو بكر فخطب الناس وحدثهم كيف ينفرون وكيف يرمون فعلمهم مناسكهم فلما فرغ قام على فقرأ على الناس براءة حتى ختمها
ولا يعارض هذا قول أبي هريرة بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان فإن الأمرة كانت لأبي بكر في تلك الحجة فكانت الطاعة في الأمر والنهي له فأبو هريرة من جملة المؤذنين الذين ندبهم أبو بكر ليمتثلوا ما يأمرهم به علي فيما بعثه رسول الله
стр. 336
صلى الله عليه وسلم فكان نداء أبي هريرة بما كان يلقيه عليه علي ﵁ وكان مصيره إلى علي بأمر أبي بكر وفيما ذكرنا علو المرتبة لأبي بكر في إمرته وفيه علو مرتبة علي أيضا في اختصاصه بما اختصه به رسول الله ﷺ من التبليغ عنه وما روى أن أبا بكر لم يقرب الكعبة ولكنه انشمر إلى ذي المجاز يخبر الناس بمناسكهم ويبلغهم عن رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة من قبل ذي المجاز وذلك لأنهم لم يكونوا تمتعوا بالعمرة إلى الحج لا استبعاد فيه لأن الذي فعله أبو بكر كان لمعنى وذلك لأن سوق ذي المجاز آخر الأسواق التي تجتمع العرب فيها للتبايع ومنهم من ينصرف إلى داره بلا حج فأراد ﵁ بانشماره إلى ذي المجاز إسماع جميع من وافى الموسم ما يقرأ هناك مما بعث رسول الله ﷺ وعسى أن يكون مأمورا بذلك من جهة الرسول ﷺ ثم صار إلى عرفة بالناس فوقف بها وهي الركن الأعظم الذي لابد منه ثم رجع إلى مكة بعد أن صار إلى المزدلفة بعد أن رمى وحلق حتى طاف طواف الزيارة التي لا يتم الحج إلا به ورمل في الأشواط الثلاثة وسعى بين الصفا والمروة لأنه لم يتقدم له طواف القدوم والسعي أو لا ولم يهمل ﵁ الخطبة التي قبل يوم التروية بمكة لأن عتاب بن أسيد عامل رسول الله ﷺ خطب الناس مكانه بمكة في ذلك العام ثم وافى بهم أبا بكر بعرفة حتى قضى بهم بقية حجهم ولا يظن بأبي بكر أن ينقص شيئا مما يجب أن يفعله أمير الحاج في حجه بالناس وهي حجة لم يكن قبلها في الإسلام إلا حجة واحدة حجها بالناس عتاب بن أسيد في سنة ثمان وقيل أنها كانت في غير ذي الحجة لأن الزمان إنما استدار إلى ذي الحجة في الحجة التي حجها أبو بكر بالناس وأقر الحج فيه وحج رسول الله ﷺ في السنة التي بعدها في ذي الحجة وجرى الأمر على ذلك إلى يوم القيامة.
стр. 337
في الحج الأكبر
عن ابن عباس قال: خطب النبي ﷺ في حجة الوداع
стр. 338
فقال: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض وإن السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة ولاء ذو القعدة وذو الحجة والمحرم والآخر رجب الذي بين جمادي وشعبان".
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: كانت العرب يجعلون عاما شهرا وعاما شهرين فلا يصيبون الحج في أيام الحج إلا في كل خمس وعشرين سنة وهو النسئ الذي ذكر في القرآن فلما حج أبو بكر بالناس وافق ذلك العالم الحج فسماه الله الحج الأكبر وحج رسول الله ﷺ من العام المقبل فاستقبل الناس الأهلة فقال رسول الله ﷺ : "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض" ففيه ما دل على استدارة الزمان حتى صار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض وفيه المعنى المراد بقوله تعالى: ﴿يوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ أن الأكبر نعت للحج لا لما سواه مما قال بعضهم أنه يوم النحر متشبثا بما روى عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: لما كان ذلك اليوم خطب ﷺ وفيها "أي يوم يومكم هذا؟ " قال: فسكتنا حتى رأينا أن يسميه بغير اسمه ثم قال: "أليس يوم النحر الأكبر؟ ".
وبما روى ابن عمر عن النبي ﷺ في خطبته يومئذ قال: "إن يوم الحج الأكبر يوم النحر" لكن معنى الحديثين هو معنى حديث عبد الله ابن العاص ويوم الحج الأكبر نعت للحج لا لليوم حتى يتفق معا في هذه الآثار وقال بعضهم: يوم الحج الأكبر يوم عرفة متمسكا فيه بقول ابن أبي أوفى
فإن قيل قد قال أبو هريرة: بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ويوم الحج الأكبر يوم النحر والحج الأكبر الحج وإنما قيل الحج إلا كبر من أجل قول الناس الحج الأصغر وقد رويتم عن رسول الله ﷺ كذلك.
قلنا: أما قوله ﷺ : "أن يوم الحج الأكبر يوم النحر" يحتمل أن يكون لا كبر فيه نعتا للحج لا لليوم ويكون موافقا لحديث ابن العاص وأما
стр. 339
قوله: قيل: الحج الأكبر من أجل قول الناس فلا يدري ما هو ولا عمن حكى ذلك ويحتمل أن يكون من كلام الزهري فإنه كان يخلط كلامه بالحديث ولذلك قال له موسى بن عقبة أفصل كلام رسول الله ﷺ من كلامك.
وإذا كان يحتمل ما ذكرنا كان ما رواه ابن العاص من حقيقة المعنى في ذلك أولى منه وهو المعقول إذ قد كان الحج بعد استدارة الزمان رجع إلى شهر بعينه يجري عليه حج الناس فكان ذلك أما ما لهم لأن الأكبر من الحج هو الذي يرجع إليه غيره من الحج الذي يكون بعده إلى يوم القيامة في قدوة أهله بما فيه.
стр. 340
في حرم مكة المشرفة
روى أن رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة: "أن هذا البلد حرمه الله يوم خلق الله السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة وأنه لم يحل فيه القتال لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلي خلاه" فقال العباس: يا رسول الله إلا ذخر فإنه لقينهم ولقبورهم فقال النبي ﷺ : "إلا الأذخر".
وخرج من طرق كثيرة لا وجه لإنكار مثل هذا من العباس لأن علمه بحاجة أهل مكة إلى الأذخر دعاه إلى طلبه من رسول الله ﷺ مراجعة ربه في ذلك كما سأل رسول الله ﷺ التخفيف عن أمته في حديث المعراج مرة بعد أخرى حتى ردها إلى خمس صلوات وكما راجع أمر القراءة على حرف مرة بعد مرة حتى رد إلى سبعة أحرف واكتفى بقوله: "إلا الأذخر" إيجاز لعلمة بفهم النبي ﷺ مراده من ذلك والإيجاز من محاسن كلام العرب من ذلك قولهم كفى بالسيف شا أي شاهدا وفي التنزيل: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ
стр. 341
أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ ثم قطع بقية الكلام حتى قيل هو لكفروا به وقيل هو لكان هذا القرآن ومثله ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ الآية ومثله في القرآن كثير ثم جوابه ﷺ على فوره لمجئ الوحي إليه على فوره وإن كنا لا نعقل ولا ينكر مثله من لطيف قدرة الله تعالى إلا زنديق ويحتمل ن يكون جبريل معه حينئذ فألقى ذلك إليه كما قال للذي سأله في حديث أبي قتادة أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر أيكفر الله عني خطاياي فقال: "نعم", فلما ولى قال له: "إلا أن يكون عليك دين كذلك قال لي جبريل" فدل ذلك على حضور جبريل جوابه الأول وإذا كان جبريل مع حسان بن ثابت على ما أخبر به رسول الله ﷺ بقوله أهجهم وجبريل معك فكونه مع الرسول ﷺ في خطبته التي يخبر فيها عن الله شوائع دينهم أولى.
قلت كان للطحاوي مندوحة عن التأويل الثاني وإن كان محتملا أيضا بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ وبقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ .
فإن طريق الوحي ليس بمنحصر في وساطة الملك قد يكون بإلهام خفي وينفث روعي وحضوره صلى الله لعيه وسلم مع الله تعالى على حد معرفته وعلمه بالله لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل فلا يستبعد الوحي إليه في كل لحظة ولمحة أراد الله سبحانه أن يوحى إليه ولا يحتاج إلى معية جبريل معه فإنها محتملة ومعية الله تعالى معه محققة دائما فاندفع بذلك ما اعترض عليه القاضي أبو الوليد وقال لا معنى لقوله يحتمل أن يكون جبريل معه لأن جبريل لا يلقي ذلك إليه إلا بأمر ربه ونزوله عليه من عند ربه في الحين نفسه أيسر عليه من صعوده إليه من عنده ثم رجوعه إليه في ذلك الحين وإن كان ذلك كله سواء في قدرة الله ثم قال وغير هذا التأويل أشبه عندي وهو أن الخلا لفظ عام أريد به الخصوص وكان المراد ما عدا الأذخر المحتاج إليه فلما كان ظاهره العموم قال له العباس: إلا الأذخر فوافق بذلك مراده ﷺ بقوله: "لا يختلي خلاها" فقال له إلا
стр. 342
الإذخر اعلاما منه أنه هو الذي كان المراد ولا لا أنه رجع إلى رأي العباس باجتهاد أو وحي إذ لا يصح الرجوع عن الوحي باجتهاد ولا دلالة في الحديث على أنه كان بوحي١ وكذلك قوله في حديث أبي قتادة: "نعم" عام أريد به الخصوص فلما أدبر الرجل خشي النبي ﷺ أن يحمل قوله على العموم في جميع لخطايا فبين له أن الشهادة لا تكفر الدين لأنه من حقوق الناس وقوله ﷺ : "إن جبريل قال لي ذلك" يعني فيما تقدم لا أنه طرأ عليه العلم بذلك حينئذ ولأن قوله: "نعم" لو كان عاما لكان قوله بعد ذلك "إلا الدين" ناسخا له لكن الفضائل لا تنسخ فإن الكريم إذا تفضل على عباده بالتجاوز لا يقطعه عنهم ولا ينقص منه بل يزيدهم من فضله.
قلت: ما ذكره القاضي أبو الوليد وولد خاطره في غاية الحسن ولكن قوله لا معنى له أي تأويل الطحاوي ليس بإنصاف منه والحق أن ما تأولاه في حيزا الجواز والله أعلم بالصواب.
стр. 343
في حشيش الحرم
اختلف أهل العلم فيما حرمه رسول الله ﷺ من حصده وإعلافه على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها لا ترعى ولا تحتش وهو قول أبي حنيفة والثاني: أباحتهما وهو قول ابن أبي ليلى.
стр. 344
والثالث: قول عطاء أنهاترعى ولا تحتش واختاره أبو يوسف والأول أولى لما روى أن عمر رأى رجلا يقطع من شجر الحرم ويعلف بعيرا له فقال على به فأتى به فقال: يا عبد الله أما علمت أن مكة حرام لا يعضد عضاهها ولا ينفر صيدها ولا يحل لقطتها إلا لمعرف فقال: والله ما حملني على ذلك إلا أن معي نضوا لي فخشيت أن لا يبلغني أهلي وما معي من زاد ولا نفقة فرق عليه عمر بعد ما هم به وأمر له ببعير من إبل الصدقة موقر طحينا فأعطاه إياه وقال لا تعد أن تقطع من شجر الحرم شيئا.
وفي الحديث الذي تقدم منع رسول الله ﷺ من اختلاء خلا مكة فذهب قوم إلى أن الاختلاء ما أخذ باليد دون ما سواه من إعلافه الإبل على ما اختاره أبو يوسف وقد روى في حرم المدينة حديث في المنع من الاختلاء من خلاها إلا أن يعلف رجل بعيره فاستدلوا بذلك على مثلها من شجر مكة وخلاها وهو حديث منقطع الإسناد وبعد ثبوته لا يجوز قياس خلا مكة على خلا المدينة لأن أحكامهما في هذه قد تفترق كما افترقت في وجوب جزاء الصيد لحرم مكة دون المدينة وفي المنع من دخول مكة إلا بالإحرام بخلاف المدينة.
стр. 345
في حرم المدينة
روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض والشمس والقمر ووضعها بين هذين الأخشبين لم تحل لأحد قبلي ولم تحل لي إلا ساعة من نهار ولا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها ولا يرفع لقطتها إلا منشد" فقال العباس: ألا الإذخر فإنه لا غناء لأهل مكة عنه لبيوتهم وقبورهم فقال رسول الله ﷺ : "إلا الإذخر".
وروى عن أبي شريح الخزاعي قال قال رسول الله ﷺ :
стр. 346
"أن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسفكن فيها دما ولا يعضدن فيها شجرا فإن ترخص مترخص فقال: قد حلت لرسول الله ﷺ فإن الله أحلها لي ولم يحلها للناس وإنما أحلها لي ساعة من نهار".
وروى عن أبي هريرة قال: لما فتح الله تعالى على رسول الله ﷺ مكة فقتلت هذيل رجلا من بني بكر بقتيل كان لهم في الجاهلية فقام النبي ﷺ فقال: "أن الله حبس عن أهل مكة الفيل وسلط عليهم رسوله والمؤمنين وأنها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار وأنها ساعتي هذه حرام لا يعضد شجرها ولا يختلى شوكها ولا يلتقط لقطتها إلا منشد" ففي هذه الآثار إن الله حرم مكة وأنها لم تحل لأحد قبل النبي ﷺ وكان الواجب على من انتهك حرمة صيدها الواجب على قاتل الصيد في الإحرام كما ذكر تعالى في كتابه بقوله: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ الآية إلا ما إختلف أهل العلم فيه من الصوم في ذلك فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا يجزي في ذلك صوم وذهب غيرهم إلى أن الصوم يجزي في ذلك كما يجزي في القتل في الإحرام وهو القول عندنا وما أنبأنا الله به من قول إبراهيم ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً﴾ .
ليس من التحريم الذي كان من الله في شيء كما لم يكن الربا١ الذي حرمه الله في كتابه في شيء لأن الربا الذي في كتابه في النسية والذي حرمه الرسول ﷺ في التفاضل فالذي دعا به إبراهيم لأهل مكة هو الأمان دل عليه ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ وكان ذلك استجابة لدعوة إبراهيم وقال النبي ﷺ : "اللهم إن إبراهيم حرم مكة ودعا لهم وأني حرمت المدينة ودعوت لهم بمثل ما دعا به إبراهيم لأهل مكة أن يبارك لهم في صاعهم ومدهم" ففيه أن الذي كان من النبي ﷺ في المدينة مثل الذي كان من إبراهيم في مكة في أمان
стр. 347
أهلها بما يتميزون به عن سائر البلدان وما روى جابر بن عبد الله قال رسول الله ﷺ : "أن إبراهيم حرم بيت الله وآمنه وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها لا يعضد عضاهه ولا يصاد صيدها".
يحتمل أن يكون هذا زيادة زادها رسول الله ﷺ في مدينته على ما كان من إبراهيم في مكة ببركة دعائه وإجابة الله تعالى إياه فيه ولكن حكم منتهك حرمة الصيد ولاعضاه بين اللابتين غير حكم المنتهك في حرم مكة على ما روى عن سعد بن أبي وقاص أنه أخذ عبدا صاد في حرم المدينة فسلبه ثيابه فجاء مواليه إلى سعد فكلموه فقال: أن رسول الله ﷺ حرم هذا الحرم وقال: "من أخذ من يصيد فيه شيئا فلمن أخذه سلبه" فلم أكن لأرد عليكم طعمة أطعمينها رسول الله ﷺ ولكن إن شئتم أعطيتكم ثمنه.
والواجب في جزاء صيد مكة ما ذكر الله تعالى في كتابه ليس كذلك ووجدنا فقهاء الأمصار أجميعين مجمعين على ترك أخذ سلب منتهك حرمة الصيد والعضاه بالمدينة فعقلنا بذلك أن أجماعهم على ترك ما روى إنما كان لوقوفهم على نسخه لا يظن بهم خلاف السنة بلا خلاف لأنهم المأمونون على ما رووا وعلى ما قالوا سيما فيما أجمعوا فحاشا لله أن يتركوا ذلك إلا لما هو أولى منه وذلك مثل تركهم ما روى في مانعي الزكاة عن النبي ﷺ : "إنا آخذوها منه وشطر ما له عزمة من عزمات ربنا".
وما روى في حريسة الجبل "إن فيها غرامة مثلها وجلدات نكال" وما روي فيمن وقع على جارية امرأته مستكرها لها أنها تعتق عليه ويكون عليه مثلها وإن كانت طائعة كانت له وعليه مثلها لزوجته فمن ذلك والله أعلم ما روى عن السلب فيما ذكرنا يحتمل أنه كان ثم نسخ بنسخ أشكاله التي ذكرناها.
стр. 348
في لا صرورة في الإسلام
روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا صرورة في الإسلام" قيل معناه نفى ما كان في الجاهلية على ما روى عن ابن عباس قال: كان الرجل في الجاهلية يلطم وجه الرجل ويقول أنه صرورة فاحتمل أن يكون المظلوم هو الصرورة لأنه لم يحج ولم يعتمر ويحتمل أن يكون اللاطم فيعذر لجهله وهذا أولى لأنه روى عن عكرمة أنه قال كان الرجل يلطم وجه الرجل في الجاهلية ويقول أنا صرورة فيقال دعوا الصرورة لجهله وإن رمى بحجره في رجله فقال رسول الله ﷺ : "لا صرورة في الإسلام"
وقيل معناه لا يبقى أحد في الإسلام حتى يحج وهذا بعيد لأنه من عجز عن الحج لزمانة أو قلة يكون مذموما ولكن لا يلحق من كانت هذه صفته ذم في ترك الحج وقيل معناه النهي عن تسمية أحد في الإسلام بالصرورة وهو الأظهر لأنه روى عن عبد الله أنه قال: لا يقولن أحدكم أني صرورة فإن المسلم ليس بصرورة ولأن الصرورة في اللغة الصر على الشيء ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ فمن كان تخلفه عن الحج ليس لا صراره على تركه بل لعجزه أو نحوه مما يسقط به الفرض فليس صاحبه بمصر الإصرار المذموم فلا يكون صرورة وقد كان عطاء بن أبي رباح يقال له الصرورة فلا ينكره وما ذكره من كراهية هذا القول أولى لأنه وصفه بحال مذمومة.
стр. 349
كتاب الجهاد
في فضل الجهاد
...
كتاب الجهاد
فيه تسعة وخمسون حديثا
في فضل الجهاد
روى أن رجلين من بلى وهو حي من قضاعة قتل أحدهما في سبيل الله وآخر الآخر بعده سنة ثم مات قال طلحة: فرأيت في المنام الجنة دخل الآخر فيها قبل الأول فتعجبت فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "قد صام بعده رمضان وصلى بعده ستة آلاف
стр. 350
ركعة وكذا وكذا".
وذكره من طرق بألفاظ مختلفة ومعان متفقة منها أن رسول الله ﷺ آخى بين رجلين من أصحابه فقتل أحدهما وعاش بعده الآخر ما شاء الله ثم مات فجعل أصحاب رسول الله ﷺ يدعون له وكان منتهى دعائهم له أن يلحقه الله بأخيه الذي قتل قبله فقال رسول الله ﷺ : "أيهما تقولون أفضل؟ " قالوا: الذي قتل قبل يا رسول الله قال: "أما تجعلون لصلاة هذا ولصيامه بعده وصدقته وعمله فضلا؟ لما بينهما أبعد مما بين السماء والأرض" أشكل على بعض الناس معنى هذا الحديث وقال كيف يجوز أن يفضل من مات على فراشه من مات شهيدا قد روى "أن من رابط يوما وليلة في سبيل الله كان له أجر صيام شهر وقيامه ومن مات مرابطا جرى له مثل ذلك من الأجر وأجرى عليه الرزق وأمن الفتان وإن كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإن عمله لينمو له إلى يوم القيامة ويؤمن من فتنة القبر".
ففيه فضل المرابط الذي مات ومن قتل مرابطا كان فوق من مات مرابطا وليس ذلك لمن مات غير مرابط لأنه ينقطع عمله بموته إلا من ثلاثة أشياء على ما روى في ذلك ولكن المعنى بين لان الرجلين المتواخيين هاجرا إلى الله ورسوله معافا قاما معه مهاجرين باذلين أنفسهما في الجهاد وغيره فاستويا في ذلك وإن كان قد فضله صاحبه بالشهادة فقد بذل هو نفسه لها ولعله قد تمناها وسألها وقد روى مرفوعا: "من سأل الله الشهادة صادقا من قلبه بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه" وله من الفضل ما تفرد به من الأعمال الصالحة بعده فلا ينكر تجاوزه إياه في المنزلة واستحقاق سبقه إلى الجنة والله يؤتي فضله من يشاء.
قال القاضي: ولا تضاد بين ما روى من نمو عمل المرابط إلى يوم القيامة وبين ما روى من انقطاع العمل بالموت إلا من ثلاث لأن عمل المرابط بعينه هو الذي ينمو له بمعنى أنه يتوفر ثوابه له وهو عمل سبق موته لا عمل سواه يلحق به لم يتقدم موته وإنما كان منه سببه.
стр. 351
في الشهيد
روى عن عمر بن الخطاب أنه قال: وأخرى تقولونها في مغازيكم هذه لمن قتل أوجرح قتل فلان شهيدا مات فلان شهيدا وعسى أن يكون قد أوقر ردف راحلته أو عجز راحلته ذهبا أو فضة يبتغي الدنيا فلا تقولوا ذلك ولكن قولوا كما قال النبي ﷺ : "من مات في سبيل الله أو قتل في سبيل الله فهو في الجنة" فيه أن من قتل أو مات في سبيل الله فهو الشهيد الذي يستحق ما يستحقه الشهيد لا من سواه ممن مراده غير سبيل الله لا يقال قد جعل من سوى المقتول في سبيل الله شهيدا كما روى أن الغريق شهيد والحريق شهيد وغيرهم جعلهم الله شهداء بما حل بهم.
وروى جابر بن عتيك قال: جاء رسول الله ﷺ يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب, الحديث بطوله إلى أن قال: "والمرأة تموت بجمع شهيد" لأن المذكورين في الحديث شهداء إنما هو لأجل ثباتهم على الشهادة أو ثباتهم على الطاعة استحقوا مرتبة الشهداء يدل عليه قوله ﷺ في الحديث المذكور "أن الله قد أوقع أجره على قدر نيته" ولما كان كذلك في عبد الله بن ثابت كان فيمن سواه كذلك وقد روى عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: "خمس من قبض في شيء منهن فهو شهيد المقتول في سبيل الله شهيد والغريق في سبيل الله شهيد والمبطون في سبيل الله شهيد والمطعون في سبيل الله شهيد والنفساء في سبيل الله شهيد", وسبيل الله طاعاته فمن كان في شيء منها فأصابه شيء مما في في هذه الآثار كان من أهل الشهادة ومن لم يكن قصده المثابرة على الطاعات لم يكن منهم ولا ينال درجتهم يؤيده حديث أبي موسى الأشعري قال: قال رجل لرسول الله ﷺ : الرجل يقاتل للغنيمة وللمغنم والرجل يقاتل للذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل الله؟ قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي
стр. 352
العليا فهو في سبيل الله".
ففيه أن المقاتل لا يستحق الشهادة بقتاله حتى يكون معه من نيته أن تكون كلمة الله تعالى أعلى كما ذكر في الحديث وقد شد ذلك قوله: "إنما الأعمال بالنية وإنما لامرئ ما نوى"
وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه" ففيه أن الشهادة تكون لمن يتمناها من قلبه وإن لم يصبه القتل فكذا ما ذكر من الشهداء بغير قتل إنما هو فيمن كان له نية الشهادة أو بذل الروح في الطاعة لا فيمن سواهم.
стр. 353
في الاشتغال بالحرث عن الجهاد
روى عن أبي أمامة الباهلي أنه رأى سكة أو شيئا من آلة الحرث فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما دخلت هذه بيت قوم إلا أدخله الله الذل" يعني من اشتغل بالحرث عن الجهاد عاد مطلوبا بما كان به طالبا لأن ما يطلبه ولاة المسلمين من العشر والخراج فالمسلمون هم الطالبون فهذا وجه الذل الداخل على الحارث وقال ﵇: "جعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالفني ومن تشبه بقوم فهو منهم".
стр. 354
في الجهاد في الأبوين
يروي عمرو بن العاص أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: إني أريد الجهاد فقال: "أحي أبواك؟ " فقال: نعم, قال: "ففيهما فجاهد" إنما أمره رسول الله ﷺ بترك الجهاد ولزوم أبويه مع الوعيد على تركه بقوله: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ لأنه فرض كفاية بخلاف الحج فإنه فرض عين وبر الوالدين فرض عين فإذا بر والديه سقط الفرضان أحدهما بفعله والآخر بفعل غيره ومنه ما روى عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان فقال رسول الله ﷺ : "لا أبايعك حتى ترجع إليهما فتضحكهما كما أبكيتهما" ولا فرق بين الأبوين وبين أحدهما لما روى أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني جئتك أبايعك على الهجرة فقال رسول الله ﷺ : "ألك أب أو أم؟ " قال: نعم, قال: "ففيهما فجاهد".
وروى أن رجلا أتاه فقال: إني أردت أن أغزو وقد جئتك استشيرك فقال: "هل لك من أم؟ " فقال: نعم, فقال ﷺ : "فالزمها فإن الجنة تحت رجليها".
стр. 355
في خير الأصحاب والسرايا والجيوش
روى أن رسول الله ﷺ قال: "خير الصحابة أربعة وخير السرايا أربعمائة وخير الجيوش أربعة آلاف ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة". المعنى في ذلك أن الله تعالى كان فرض أن لا يفر واحد من عشرة ثم خفف بأن لا يفر واحد من اثنين والنسخ عام في قليل الأعداد وكثيرها ثم خص على لسان الرسول ﷺ من العموم الاثنا عشر ألفا بما ذكرها به من أنه لا يغلب من قلة وفرض عليهم أن لا يفروا ممن فوقهم وإن كثرت وهو قول محمد بن الحسن في سيره الكبير ولم يحك خلافا وعليه حمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جماعة من أهل العلم منهم ابن شبرمة إلا أنه جعل ذلك مطلقا في قليل الأعداد وكثيرها وعن مالك ما يدل على أن الإثنى عشر ألفا مخصوصة من ذلك فإنه روى أن عبد الله العمري العابد جاء إليه فقال قد ترى هذه الأحكام التي نزلت أفيسعنا التخلف عن مجاهدة من بدلها فقال له مالك إن كان معك اثنا عشر ألفا مثلك لم يسعك وإن لم يكن معك فأنت في سعة من التخلف وهذا جواب حسن أخذه من هذا الحديث والله أعلم.