في الشهيد
روى عن عمر بن الخطاب أنه قال: وأخرى تقولونها في مغازيكم هذه لمن قتل أوجرح قتل فلان شهيدا مات فلان شهيدا وعسى أن يكون قد أوقر ردف راحلته أو عجز راحلته ذهبا أو فضة يبتغي الدنيا فلا تقولوا ذلك ولكن قولوا كما قال النبي ﷺ : "من مات في سبيل الله أو قتل في سبيل الله فهو في الجنة" فيه أن من قتل أو مات في سبيل الله فهو الشهيد الذي يستحق ما يستحقه الشهيد لا من سواه ممن مراده غير سبيل الله لا يقال قد جعل من سوى المقتول في سبيل الله شهيدا كما روى أن الغريق شهيد والحريق شهيد وغيرهم جعلهم الله شهداء بما حل بهم.
وروى جابر بن عتيك قال: جاء رسول الله ﷺ يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب, الحديث بطوله إلى أن قال: "والمرأة تموت بجمع شهيد" لأن المذكورين في الحديث شهداء إنما هو لأجل ثباتهم على الشهادة أو ثباتهم على الطاعة استحقوا مرتبة الشهداء يدل عليه قوله ﷺ في الحديث المذكور "أن الله قد أوقع أجره على قدر نيته" ولما كان كذلك في عبد الله بن ثابت كان فيمن سواه كذلك وقد روى عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: "خمس من قبض في شيء منهن فهو شهيد المقتول في سبيل الله شهيد والغريق في سبيل الله شهيد والمبطون في سبيل الله شهيد والمطعون في سبيل الله شهيد والنفساء في سبيل الله شهيد", وسبيل الله طاعاته فمن كان في شيء منها فأصابه شيء مما في في هذه الآثار كان من أهل الشهادة ومن لم يكن قصده المثابرة على الطاعات لم يكن منهم ولا ينال درجتهم يؤيده حديث أبي موسى الأشعري قال: قال رجل لرسول الله ﷺ : الرجل يقاتل للغنيمة وللمغنم والرجل يقاتل للذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل الله؟ قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي
стр. 352
العليا فهو في سبيل الله".
ففيه أن المقاتل لا يستحق الشهادة بقتاله حتى يكون معه من نيته أن تكون كلمة الله تعالى أعلى كما ذكر في الحديث وقد شد ذلك قوله: "إنما الأعمال بالنية وإنما لامرئ ما نوى"
وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه" ففيه أن الشهادة تكون لمن يتمناها من قلبه وإن لم يصبه القتل فكذا ما ذكر من الشهداء بغير قتل إنما هو فيمن كان له نية الشهادة أو بذل الروح في الطاعة لا فيمن سواهم.
стр. 353
في الاشتغال بالحرث عن الجهاد
روى عن أبي أمامة الباهلي أنه رأى سكة أو شيئا من آلة الحرث فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما دخلت هذه بيت قوم إلا أدخله الله الذل" يعني من اشتغل بالحرث عن الجهاد عاد مطلوبا بما كان به طالبا لأن ما يطلبه ولاة المسلمين من العشر والخراج فالمسلمون هم الطالبون فهذا وجه الذل الداخل على الحارث وقال ﵇: "جعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالفني ومن تشبه بقوم فهو منهم".
стр. 354
في الجهاد في الأبوين
يروي عمرو بن العاص أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: إني أريد الجهاد فقال: "أحي أبواك؟ " فقال: نعم, قال: "ففيهما فجاهد" إنما أمره رسول الله ﷺ بترك الجهاد ولزوم أبويه مع الوعيد على تركه بقوله: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ لأنه فرض كفاية بخلاف الحج فإنه فرض عين وبر الوالدين فرض عين فإذا بر والديه سقط الفرضان أحدهما بفعله والآخر بفعل غيره ومنه ما روى عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان فقال رسول الله ﷺ : "لا أبايعك حتى ترجع إليهما فتضحكهما كما أبكيتهما" ولا فرق بين الأبوين وبين أحدهما لما روى أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني جئتك أبايعك على الهجرة فقال رسول الله ﷺ : "ألك أب أو أم؟ " قال: نعم, قال: "ففيهما فجاهد".
وروى أن رجلا أتاه فقال: إني أردت أن أغزو وقد جئتك استشيرك فقال: "هل لك من أم؟ " فقال: نعم, فقال ﷺ : "فالزمها فإن الجنة تحت رجليها".
стр. 355
في خير الأصحاب والسرايا والجيوش
روى أن رسول الله ﷺ قال: "خير الصحابة أربعة وخير السرايا أربعمائة وخير الجيوش أربعة آلاف ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة". المعنى في ذلك أن الله تعالى كان فرض أن لا يفر واحد من عشرة ثم خفف بأن لا يفر واحد من اثنين والنسخ عام في قليل الأعداد وكثيرها ثم خص على لسان الرسول ﷺ من العموم الاثنا عشر ألفا بما ذكرها به من أنه لا يغلب من قلة وفرض عليهم أن لا يفروا ممن فوقهم وإن كثرت وهو قول محمد بن الحسن في سيره الكبير ولم يحك خلافا وعليه حمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جماعة من أهل العلم منهم ابن شبرمة إلا أنه جعل ذلك مطلقا في قليل الأعداد وكثيرها وعن مالك ما يدل على أن الإثنى عشر ألفا مخصوصة من ذلك فإنه روى أن عبد الله العمري العابد جاء إليه فقال قد ترى هذه الأحكام التي نزلت أفيسعنا التخلف عن مجاهدة من بدلها فقال له مالك إن كان معك اثنا عشر ألفا مثلك لم يسعك وإن لم يكن معك فأنت في سعة من التخلف وهذا جواب حسن أخذه من هذا الحديث والله أعلم.
стр. 356
في المسافر بالقرآن إلى العدو
عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى أن يسافر
стр. 357
بالقرآن إلى أرض العدو "مخافة أن يناله العدو" وهو من كلام النبي ﷺ لا من كلام الراوي فإنه روى "فأني أخاف أن يناله العدو".
وقد اختلف أهل العلم في السفر به إلى أرض العدو فأبو حنيفة وصاحباه ذهبوا إلى ابا حتة وبعضهم إلى كراهته منهم مالك وعن محمد إن كان مأمونا عليه من العدو فلا باس وإن كان مخوفا عليه فلا ينبغي أن يسافر به إليهم وهذا أحسن الأقوال وعليه يحمل القول الأول منهم وما روى عن ابن عباس أنه قال أخبرني أبو سفيان بن حرب من فيه إلى في أن هرقل دعالهم بكتاب رسول الله صلى الله عيه بوسلم فقرأه فإذا فيه "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عيك إثم الأريسيين و ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية" ليس بمعارض لنهيه صلى الله عيه وسلم من المسافرة بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العد ولأن محمل النهي السفر بجملة القرآن وما في كتابه صلى الله عيه وسلم إنما هو بعضه فالجمع بينهما بإباحة السفر بالإجزاء التي فيها من القرآن بعضه وبالكراهة في السفر بكليته إليهم عند خوفهم عليه وقوله: "عليك إثم الأريسيين" أي مثل إثمهم لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ أي مثل نصف العذاب الذي يكون عليهن وإلا ريسيون هم الخدم والخولة.
قال أبو عبيد في كتاب الأموال: وقيل عليه إثمهم لصده إياهم عن الإسلام بملكه لهم ورياسته عليهم كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ وكما قال سحرة فرعون لما قامت عليهم الحجة لموسى ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ أي استعملتنا فيه وأجبرتنا عليه وقيل منسوب إلى قرية يعرف بالأروسية أهلها يوحدون الله ويقرون برسالة عيسى وعبوديته ويجحدون بما يقوله النصارى سوى ذلك وقيل أريس اسم رئيس لهم فنسبوا إليه كما يقال يعقوبيون لقوم ينسبون إلى يعقوب.
стр. 358
في القتال في الأشهر الحرم
روى عن سعد بن أبي وقاص قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة جاءته جهينة فقالوا: إنك قد نزلت بين أظهرنا فأوثق لنا حتى نأمنك وتأمنا فأوثق لهم ولم يسلموا فبعثنا رسول الله ﷺ في رجب وأمرنا أن نغير على حي من كنانة إلى جنب جهينة فأغرنا عليهم فكانوا كثيرا فلجأنا إلى جهينة فمنعونا وقالوا: لم تقاتلون في الشهر الحرام؟ فقلنا: إنما نقاتل من أخرجنا من البلد الحرام في الشهر الحرام فقال بعضنا لبعض: ما ترون؟ قالوا: نأتي نبي الله ﷺ فنخبره, وقال قوم: لا بل نقيم ههنا, وقلت أنا في أناس معي: لا بل نأتي عير قريش هذه فنقتطعها فانطلقنا إلى العير وكان الفئ إذ ذاك من أخذ شيئا فهو له فانطلق أصحابنا إلى النبي ﷺ فأخبروه فقام غضبانا محمر الوجه فقال: "ذهبتم جميعا وجئتم متفرقين إنما أهلك من كان قبلكم الفرقة لأبعثن عليكم رجلا ليس بخيركم أصبركم على الجوع والعطش" فبعث علينا عبد الله بن جحش الأسدي فكان أول أمير في الإسلام فيه ما دل أن الجيش لم يكن عليه أمير وذلك قبل قوله ﷺ : "إذا كنتم ثلاثة في سفر فأمروا عليكم أحدكم" وكان منهم ما كان من الخلاف فكرهه الله تعالى وأجرى أمور نبيه ﷺ في المستأنف على خلافه من التأمير ليرجع أمر الجماعة إلى واحد يجب عليهم طاعته وترك مخالفته يؤيده قوله تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ ومنه ما روى عن جابر بن عبد الله قال: لم يكن رسول الله ﷺ يغزو في الشهر الحرام أحشبه قال: إلا أن يغزى فإذا حضر أقام حتى ينسلخ ومنه ما روى عبد الله بن عمر أنه ﷺ قال: "قفلة كغزوة" وهو تتمة كلام تقدمه لم يحضره عبد الله يحتمل أن يكون سئل عن قوم قفلوا لخوفهم من عدو أكثر منهم عدد اليزيد ﷺ في عددهم وعددهم ما يقوون به على عدوهم فيكرون عليهم ومثله ما روى عن عائشة في سبب
стр. 359
قوله ﷺ في الشوم وعن زيد بن ثابت في سبب النهي عن كراء المزارع كما تقدم والله أعلم١.
وما روى عن جندب أن النبي ﷺ بعث رهطا وبعث عليهم أبا عبيدة أو عبيدة بن الحارث فلما مضى لينطلق بكى صبابة إلى رسول الله ﷺ فجلس وبعث عبد الله بن جحش وكتب له كتابا وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا وقال: "لا تكرهن أحدا من أصحابك على المسير" فلما بلغ المكان قرأ الكتاب فاسترجع وقال سمعا وطاعة لله ولرسوله قال فرجع منهم رجلان ومضى بقيتهم فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه ولم يروا أن ذلك اليوم من رحب أو من جمادى فقال المشركون: قتلتم في الشهر الحرام فأنزل الله: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ الآية وقال المشركون: إن لم يكن وزر فليس لهم أجر فأنزل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية.
ما فيه من تحريم القتال في الشهر الحرام منسوخ بما في سورة براءة عن ابن عباس قال لما نزلت براءة انتقضت العهود وقاتلوا المشركين حيث وجودهم وقعد والهم كل مرصد حتى دخلوا في الإسلام فدل هذا على االعهود كلها انقطعت وحل القتال في الزمان كله.
стр. 360
في تولية الأمراء
روى عن عبد الله بن جعفر قال: بعث رسول الله ﷺ جيشا وأمر عليهم زيد بن حارثة وقال: "إن أصيب زيد قتل أو استشهد فأميركم جعفر فإن قتل أو استشهد فأمبركم عبد الله بن رواحة" فأخذ الراية زيد فقاتل حتى قتل ثم أخذها جعفر فقاتل حتى قتل ثم أخذها عبد الله فقاتل ولم يذكر أنه قتل وأرى ذلك سقط عن بعض رواته ثم أخذها خالد ففتح الله عليه فأتى خبرهم النبي ﷺ فخرج إلى الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إن
стр. 361
إخوانكم لقوا العدو وإن زيدا أخذ الراية فقاتل حتى قتل أو استشهد ثم أخذ الراية بعده جعفر بن أبي طالب فقاتل حتى قتل أو استشهد ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل أو استشهد ثم أخذ الراية بعده سيف من سيوف الله خالد بن الوليد ففتح الله عليه", ثم أمهل آل جعفر لم يأتهم ثم أتاهم فقال: "لا تبكوا على أخي بعد اليوم ادع لي بني أخي" فجئ بنا كأننا أفراخ فقال: "ادعوا لي الحلاق" فجئ بالحلاق فحلق رؤسنا ثم قال: "أما محمد فشبه عمى أبي طالب وأما عون ١ فشبه خلقى وخلقى" ثم قال: "اللهم أخلف جعفرا في أهله وبارك لعبد الله في صفقة يمينه" ثلاث مرات فجاءت أمنا فذكرت يتمنا فقال: "العيلة تخافين عليهم فأنا وليهم في الدنيا والأخرى" ففيه إن رسول الله ﷺ جعل بعض الأمراء واليا بعد قتل غيره فدل على جواز تعليق الإمارة بخطر فيجوز تعليق الوكالة أيضا لأنه مثله كما بقوله أو حنيفة وأصحابه خلافا لبعض وفيه جواز الأمارة بغير تولية إذا احتيج إليها كما كان من خالد فإنه لما وجد من نفسه قوة القيام على مصالجهم والذب عنهم وجب عليه ذلك ووجب على الناس الطاعة له وكذلك فعل علي ﵁ لما حصر عثمان في صلاة العيد صلاها وخطب لما خاف أن لا يكون للناس يومئذ صلاة عبد ولذلك قال محمد إذا شغل السلطان عن إقامة الجمعة ولم يحضر أحد من قبله نائبا أن من قدر على القيام بها قام بها وعلى الناس اتباعه فيها كما لو أمره السلطان الذي إليه القيام خلا فالأبى حنيفة وابي يوسف ﵄ والمختار ما قال لا ما قالا ومما يدل عليه حديث أنس قال: خطب رسول الله ﷺ فقال: "أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذ الراية جعفر فأصيب ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب ثم أخذها خالد بن الوليد من غير أمرة ففتح الله عليه وإن عينيه لتذرفان قال: وما يسرني أنهم عندنا". أو قال: "ما يسرهم أنهم عندنا" شك الراوي
стр. 362
في تخريب العامر
عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ حرق نخل بني
стр. 363
النضير وطع وهي البويرة ولها يقول حسان.
وهان علي سراة بني لوي ... حريق بالبويرة مستطير
فأنزل الله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية لا يقال: إنزال الله الآية لأن تتعبد بها الأمة معنى يستعملونه فيما تعبدهم به فأي فائدة في نزولها بعد القطع والتحريق لأن سبب نزولها على ما روى ابن عباس هو أنه لما ساتنزلوهم من حصونهم وأمروا بقطع النخل قال المسلمون قد قطعنا بعضا وتركنا بعضا فلنسئلن رسول الله ﷺ هل لنا فيما فطعنا من اجرو ما علينا فيما تركنا من وزر فأنزل الله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا﴾ الآية فعلم المسلمون أن الذي كان من قطعهم لما قطعوا من النخيل وتحريقها مباح لهم لا إثم عليهم فيه ولا في ترك ما تركوه منها فلم يقطعوه فبان موضع الفائدة في نزولها فإن قيل قد نهى أبو بكر الصديق أمراء الأجناد لما بعثهم إلى الشام عن القطع والتحريق بمحضر من الصحابة من غير نكير وهو مخالف لما ذكر عن ابن عمر وابن عباس قلنا: أن أبا بكر كان على علم من عود الشام إلى أيديهم ومن فتحهم لها وغلبتهم الروم عليها بما كان رسول الله ﷺ أعلمهم إياه من ذلك ما روى عن سفيان بن أبي زهير١ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يفتح اليمن فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ويفتح الشام فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون" الحديث فكان النهي من أبي بكر لهذا ولما قد خصهم عليه من الصلاة بإيلياء ومن شد المطايا إليها ولما قد روى عنه من قوله: "ومنعت الشام مدها ودينارها" أي أنها ستمنع المد والدينار الواجبين في أراضيها وذلك لا يكون إلا بعد افتتاحهم وغلبتهم عليها وقد عرف ذلك في موضعه.
стр. 364
في قتل النساء والصغار
روى عن ابن عباس كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيوشه قال: "أخرجوا بسم الله تقاتلون من كفر بالله لا تغدروا ولا تمثلوا ولا تغلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع".
لا يعلم نهى قتل أصحاب الصوامع في غير هذا الحديث ومداره على إبراهيم بن إسمعيل بن أبي حبيبة إلا سلمى رواه عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس وروى عن أبي بكر أنه أوصى به أمراء جيوشه إلى الشام لا تقاتلوا الولدان ولا الشيوخ ولا النساء.
وعن حنظلة الكاتب قال: كنت مع رسول الله ﷺ فمر بامرأة لها خلق وقد اجتمعوا عليها فلما جاء افرجوا فقال رسول الله ﷺ : "ما كانت هذه تقاتل" ثم اتبع رسول الله ﷺ خالدا: "أن لا تقتل ذرية ولا عسيفا" ففي قوله: "ما كانت هذه تقاتل" أنه لا يقتل في دار الحرب إلا من يقاتل فمن كان مقاتلا حل قتله من رجل أو امرأة فالقتال هو علة القتل والله أعلم.
стр. 365
في الفرار من الزحف
عن صفوان بن عسال قال رجل من اليهود لآخر: اذهب بنا إلى هذا النبي فقال له الآخر: لا تقل هذا النبي فإنه إن سمعها كانت له أربعة أعين فانطلقا إليه فسألاه عن تسع آيات فقال: "تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تزنوا ولا تسرقوا ولا تفروا من الزحف ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا أو لا تمشوا ببرئ إلى سلطان وعليكم يهود ألا تعدو في السبت" فقالوا: نشهد أنك رسول الله وفي بعض الآثار فقبلوا يديه ورجليه وقالوا: انشهد أنك نبي؟ قال: "فما يمنعكم أن تتبعوني" قالوا: إن داود دعا أن لا يزال من ذريته نبي وإنا نخاف أن اتبعناكم أن تقتلنا يهود.
стр. 366
ففيه: أن التسع الآيات التي آتاها الله لموسى عبادات لا تخويفات وفيه أن الفرار من الزحف حرام تعبد الله به موسى ولم ينسخ في شريعة نبينا فظهر به فساد قول من قال أنه كان في يوم بدر خاصة لقوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ الآية وكذا أعلم به ضعف ما روى عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال في تفسير تسع آيات هي اليد والعصا والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والسنين ونقص الثمرات إذ لا حجة لأحد مع رسول الله ﷺ .
ومنه ما روى عن ابن عمر قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله ﷺ فحاص النسا حيصة فكنت فيمن حاص فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ فقلنا: لو دخلنا المدينة فبتنا فيها ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ﷺ فإن كانت لنا توبة وإلا ذهبنا فأتيناه قبل صلاة الغداة فخرج فقال: "من القوم؟ " فقلنا: نحن الفرارون قال: "بل أنتم العكارون إن فئتكم أو إنا مئة المسلمين" فأتيناه حتى قبلنا يديه.
العكارون: هم الكرارون يعني لما كروا إلى رسول الله ﷺ ليرجعوا إلى ما يأمرهم كان ذلك عودة إلى ما كانوا من بذل النفس في سبيل الله استحقوا بذلك الاسم وفيه رد القول بالتخصيص بأهل بدر لأن ابن عمر إنما لحق بالمقاتلة يوم الخندق بعد أن رده النبي ﷺ قبل ذلك فدل على أن حكم الفرار من الزحف باق إلى يوم القيامة وداخل في الكبائر ونزول الآية في أهل بدر ليس بمانع ثبوت حكمها في غيرهم.
ومنه ما روى عن عبد الله بن عمر أنه ﷺ قال: "قفلة كغزوة" وهو تتمة كلام تقدمه لم يحضره عبد الله فيحتمل أن يكون سئل عن قوم قفلوا لخوفهم من عدو أكثر منهم عددا أو عدد اليزيد ﷺ في عددهم وعددهم ما يقوون به على عدوهم فيكرون عليهم ومثله ما روى عن عائشة في الشؤم وعن زيد في كراء المزارع والله أعلم.
стр. 367
في حمل واحد على جيش
روى عن أسلم أبي عمران قال كنا بالقسطنطينية وعلى أهل مصر عقبة ابن عامر وعلى أهل الشام رجل فخرج من الروم صف عظيم فصففنا لهم فحمل مسلم منا على الروم حتى دخل فيهم ثم خرج إلينا فصحيح إليه سبحان الله القى بيديه إلى التهلكة فقال أبو أيوب الأنصاري رد عالهم أيها الناس إن الآية قد أنزلت فينا معشر الناس١ فإن الدين لما أعزه الله وكثرنا صروه قلنا: فيما بيننا سرا من رسول الله ﷺ أن أموالنا قد ضاعت فلو أقمنا فيها فأصلحنا ما ضاع فأنزل الله تعالى هذه الآية يرد علينا ما هممنا به ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فكانت التهلكة الإقامة التي أردناها فأمرنا بالغزو وفما زال أبو أيوب غازيا حتى قبضه الله تعالى فيه أن التهلكة في الآية التهلكة في الدين وهي والهلكة واحد قاله أبو عبيد يعني أن ترك الغزو والإنفاق في سبيل الله هلاك ومثله قوله صلى الله عيه وسلم: "إذا سمعت الرجل يقول هلك الناس فهو أهلكهم" يعني في الدين وقال البراء: ألا إنما التهلكة أن يذنب الرجل الذنب ثم يلقى بيديه ويقول: لا يغفر لي وعن ابن عباس في تفسيرها انفقوا ولا تمسكوا في سبيل الله فتهلكوا.
وقال: ينفق في سبيل الله وإن لم يكن له إلا مشقص يريد التحذير من الإمساك في قليل المال وكثيره مخافة أن يدخل في الوعيد وعنه ولا يقولن أحدكم: إني هالك لا أجد شيئا إن لم يجد إلا مشقصا فليجا هدبه في سبيل الله.
فعلم أن التهلكة في الآية ليست في لقاء العدو الذي يخشى عليه وانه في فعله ذلك غير مذموم وما روى أن في محاصرة دمشق أسرع رجل إلى العدو فعاب المسلمون عليه ورفعوه إلى عمرو بن العاص وهو على جند من الأجناد فأرسل إليه عمرو فرده وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ لا يعارض ما قال أبو أيوب: لأنه أخبر بسبب نزولها توقيفا عن رسول الله ﷺ ولأن تأويل عمرو
стр. 368
لا يكافئ ذلك ويحتمل الخفاء عليه ولو وقف على ما وقف عليه أبو أيوب لردتا وتأويلها إليه وقد روى عن جعفر بن أبي طالب حين زاحمه القتال يوم موته اقتحم عن فرس شقراء له ثم عرقبها وقاتل حتى قتل فكان أول عاقر في سبيل الله.
وكان ذلك بمحضر من أكابر الصحابة مثل عبد الله بن رواحة وخالد وغيرهما فلم ينكر وه عليه وبلغ أمره رسول الله ﷺ فلم ينكره عليه ولم ينه عن مثله فدل على أنه من أجل الأفعال وأعظمها في الثواب وأن تأويلها ما روينا عن أبي أيوب لا غيره مما يخالفه.
стр. 369
في قتل الكافر بعد قول لا إله إلا الله
روى أن المقداد قال لرسول الله ﷺ : أرأيت أن لقيت رجلا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمت لله أقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال" يعني يعود بإسلامه مثلك مسلما وتصير أنت من أهل النار كما كان هو قبل أن يسلم من أهلها ومنه ما روى عن أسامة قال: بعثنا رسول الله ﷺ في جيش إلى الحرقات من جهينة فلما هز مناهم ابتدرت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم بالسيف فقال: لا إله إلا الله فكف عنه الأنصاري وظننت أنه يقوله تعوذا من القتل فقتلته فرجع الأنصاري إلى النبي ﷺ فحدثه الحديث فقال ﷺ : "يا أسامة قتلت رجلا بعد أن قال لا إله إلا الله فكيف تصنع بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ " فما زال يقول ذلك حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ.
إنما بقيت أحوال أسامة عند النبي ﷺ بعد ما وجد منه ما وجد على ما كانت لأنه اجتهد في إسلام الكافر بعد أن حاق به القتل جزاء على كفره فأدى اجتهاده إلى عدم صحته كإيمان فرعون لما أدركه الغرق وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية وبين النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 370
خطاءه في اجتهاده بالفرق بين مجئ الباس من الله ومجيئه من قبل عباده وعذره على ذلك قال ﵊ في القاضي: "إذا اجتهد فأخطأ أن له أجرا".
ثم فيما كان من أسامة دليل على جواز استعمال الرأي عند نزول الحوادث وردها إلى مثلها من الأحكام وإن وقع خطأ فمجتهده غير ملوم ومنه ما روى عن عبد الله بن عمر قال: بعث رسول الله ﷺ خالد ابن الوليد إلى بني حذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا وجعل يقتل ويأسر ودفع إلى كل واحد منا أسيره حتى إذا كان ذات يوم أمر خالد كل رجل منا أن يقتل أسيره فقلت: لا والله لا أتقل أسيري ولا يقتل أحد من أصحابي أسيره فلما قدمنا على النبي ﷺ ذكرنا صنيع خالد فرفع يديه ثم قال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد" مرتين.
إنما لم يؤاخذ ﷺ خالدا بما وجب لهم عليه بسبب قتله إياهم بعد إسلامهم لأن قولهم: صبأنا ما كان صريحا في إسلامهم لأنه قد يكون على الدخول في دين الصابئين لأنه زوال عن شيء إلى شيء وتعنيفه إذ لم يستثبت في أمرهم حتى يقف على قصدهم بقولهم: صبأنا ولذاتيبر إلى الله من عجلته ولم يأخذه لهم بما لم يعلم يقينا وجوبه عليه ومنه ما روى خالد قال: بعثني رسول الله ﷺ أنا وعمارا في سرية فأضفنا أهل بيت قد كانوا وحدوا فقال عمار: إن هؤلاء قد احتجزوا منا بتوحيدهم فسفهته ولم أحفل بقوله فلما رجعنا إلى النبي ﷺ شكاني إليه فلما رأى النبي ﷺ لا ينتصر له مني أدبر وعيناه تدمعان فقال ﷺ : "يا خالد لا تسب عمارا فإنه من يسب عمارا يسبه الله ومن تسفه عمارا تسفهه الله تعالى" قال: قلت: والله يا رسول الله ما من ذنوبي شيء أخوف على منهن فاستغفر لي قال: فاستغفر لي النبي ﷺ .
فعل خالد في أهل ذلك البيت كفعل أسامة في قتيله بعد توحيده
стр. 371
فأصاب عمار حقيقة حكم الله فثيهم وأخطأه خالد فحمد في اجتهاده كأسامة ولكن عمارا أصاب الحق الحقيقي ومنه ما روى عن خالد أنه ﷺ بعثه إلى ناس من خثعم فاسعصموا بالسجود فقتلهم فوداهم النبي ﷺ بنصف الدية ثم قال: "أنا برئ من كل مسلم مع مشرك لا ترا" أي نارما السجود في احتماله الإسلام وغيره كقولهم: صبأنا وكان على خالد التثبت في أمرهم فقصر في ذلك ولأجله وداهم النبي ﷺ بما وداهم به تطوعا منه وتفضلا وأما قوله: "لا ترا" أي نارا هما يعني لا يحل لمسلم أن يسكن بلاد المشركين فيكون معهم بقدر ما يرى كل واحد منهما نار صاحبه قال الكسائي العرب تقول داري تنظر إلى دار فلان ودورنا تتناظر وقيل المراد بذلك نار الحرب ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ وعلى هذا نارا هما مختلفان هذه تدعوا إلى الله وهذه تدعوا إلى الشيطان فكيف يتفق أهلهما في بلاد واحدة.
ومنه ما روى عن عمر أن بن حصين قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية فحمل رجل من ورائي على رجل من المشركين فلما غشيه بالرمح قال: إني مسلم فقتله ثم أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني قد أذنبت فاستغفر لي قال: "وما ذاك؟ ", فقال قصته وقال: ظننت أنه متعوذ فقتلته قال: "أفلا شققت عن قلبه حتى يستبين لك" وقال: ليتبين لي قال: "قد قال لك بلسانه فلم تصدقه على ما في قلبه" فلم يلبث الرجل إن مات فدفن فأصبح على وجه الأرض فقلنا: عد ونبشه فأمرنا عبيدنا وموالينا فحرسوه فأصبح على وجه الأرض فقلنا: فلعلهم غفلوا فحرسنا فأصبح على وجه الأرض فأتينا النبي ﷺ فأخبرناه فقال: "إن الأرض لتقبل من هو شر منه ولكن الله أحب أن يخبركم بعظم الذنب" ثم قال: انهوا به إلى سفح هذا الجبل فاقصدوا عليه من الحجارة ففعلنا.
فيه أن القاتل وهو الخزاعي علم حرمة قتل من قتله ولهذا قال: أذنبت فاستغفر لي وقوله: ظننت أنه متعوذ زيادة منه في الاعتذار في قتله لأن قتل المتعوذ أيسر من قتل من قاله صادقا من قلبه فلم يكن ظنه ذلك دافعا عنه عقوبة ذنبه فعاقبه الله تعالى من أجل ذلك بما عاقبه والله أعلم بحقيقة الأمر.
стр. 372
في الوصية بالقبط
روى أبو ذر عن رسول الله ﷺ قال: "إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها فإن لهم ذمة ورحما فإذا رأيتم رجلان يقتتلان في موضع لبنة فأخرج منها" قال: فمر بربيعة وعبد الرحمن ابني شرحبيل ابن حسنة يتنازعان في موضع لبنة فخرج منها ليس المراد قيراط الدرهم والمثقال المعروف في كلام الناس ولا الذي ورد في الحديث في أجر المصلي على الجنازة المشيع لها وفي وزر مقتنى الكلاب وإنما المراد به السب من قولهم أعطيت فلانا قرارا يطه إذا سمع منه ما يكره وأجابه بما يكرهه ويحذر بعضهم بعضا فيقول اذهب عني لا أعطيك قرار يطك يعني سبابك وأسماعك المكروه ولا يعرف هذا أهل مدينة سوى أهل مصر فكان الإخبار بهذا علما من أعلام النبوة والمراد بأهلها القبط يوضحه ما روى أن رسول الله ﷺ قال: "إن فتحتم مصرفا ستوصوا بالقبط خيرا فإن لهم ذمة ورحما" لأن هاجر أم اسمعيل كانت منهم فهذه الرحم وأما الذمة مع أنها كانوا أهل حرب وليس لهم ذمة فإن المراد بذلك الحق الذي لهم برحمهم فكان ذلك ذماما لهم يجب رعايته كقوله تعالى: ﴿إِلّاً وَلا ذِمَّةً﴾ فإنها هي التذمم.
стр. 373
في فتح مكة وقتل من أمر بقتله
روى مصعب بن سعد عن أبيه قال: لما كان يوم الفتح فتح مكة آمن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة نفر وامرأتين وقال: "اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة" عكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن خطل ومقيس بن صبابة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح فأما عبد الله بن خطل فأتى وهو متعلق باستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر فسبق سعيد عمارا وكان أشد الرجلين فقتله.
стр. 374
وأما مقيس بن صبابة فأدركه الناس في السوق فقتلوه وأما عكرمة فركب البحر فأصابتهم ريح عاصف فقال أصحاب السفينة لأهل السفينة أخلصوا فإن آلهتكم لا تغنى عنكم شيئا ههنا وقال عكرمة والله لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص لا ينجني في البر غيره اللهم أن لك علي عهدا أن أنجيتني مما أنا فيه أن آتي محمدا اضع يدي في يده فلأجد له عفوا كريما فنجا فأسلم وأما عبد الله بن أبي سرح فإنه اختبى عند عثمان فلما دعا رسول الله ﷺ الناس للبيعة جاء به حتى أوقفه على النبي ﷺ فقال يا رسول الله بايع عبد الله فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا كل ذلك يأبى فبايعه بعد ثلاث مرات ثم أقبل على أصحابه فقال: "أما كان فيكم رجل يقوم إلى هذا حين رآني قد كففت يدي عن مبايعته فيقتله" فقالوا: ما درينا يا رسول الله فهلا أومأت إلينا بعينك؟ فقال: "إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة أعين" فيه أنه ﷺ أمر في الأربعة بقتلهم مطلقا ثم خرج من ذلك عكرمة وعبد الله بإسلامهما فحقن دمهما وقتل الآخران بالكفر الذي ثبتا عليه وخروجهما بطريق الاستثناء الشرعي دون اللساني فكذلك تكون أمور الأئمة بالعقوبات مستثنى منها بما يدفع العقوبات بالشريعة وإن لم يستثنوا ذلك بألسنتهم.
ومنه ما روى مطيع بن الأسود وكان اسمه العاصي فسماه رسول الله ﷺ مطيعا قال: سمعت رسول الله ﷺ حين أمر بقتل هؤلاء الرهط بمكه يقول: "لا تغزي مكة بعد هذا العام أبدا ولا يقتل رجل من قريش صبرا بعد اليوم" لم يذكر الراوي لفظ الرسول ﷺ معربا وذلك مما يقع فيه الأشكال لأنه إن كان لا يقتل بالجزم كان ذلك على الأمر وفيه خلاف حكم الله لان حكم الله أن القرشي يقتل قودا ويرجم إذا زنى محصنا وحاشا أن يكون لفظ رسول الله صلى الله عيه وسلم مخرجا له عن هذه الأحكام فتأويله والله أعلم لا يقتل مرفوعا على الخبرية كقوله: "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين" وسيأتي بيانه.
стр. 375
فإن قيل: قد قتل كثير من قريش صبرا بعد الإسلام قلنا: إن المراد هو أنه لا يقتل قرشي بعد ذلك العام صبرا على ما أباحه ﷺ من قتل الأربعة عامئذ فإنه كان قتلا على حراب الكفر ولم يكن بحمد الله عاد قرشي كافرا محاربا لله ورسوله في دار الكفر إلى يومنا هذا ولا يكون إلى يوم القيامة لأن الله تعالى لا يخلف وعد رسوله يؤيده ما روى عن الحارث ابن البرصاء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم فتح مكة: "لا تغزى مكة بعد هذا اليوم أبدا" قال سفيان: يعنى أنهم لا يكفرون فلا يغزون على الكفر فكذلك معنى لا يقتل قرشي لا يعودون كفارا يغزون حتى يقتلوا على الكفر كما لا تعود مكة دار كفر أبدا تغزي عليه.
стр. 376
في قتل على أهل الأهواء
روى عن علي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لما افتتح مكة وأتاه أناس من قريش فقالوا: يا محمد إنا حلفاؤك وقومك وإنه قد لحق بك أبناؤنا وأرقاؤنا وليس بهم رغبة في الإسلام إنما فروا من العمل فارددهم علينا فشاور أبا بكر في أمرهم فقال: صدقوا يا رسول الله فتغير وجهه, فقال: "يا عمر ما ترى؟ " فقال مثل قول أبي بكر فقال رسول الله ﷺ : "ليبعثن الله عليكم ١ رجلا امتحن الله قلبه بالإيمان يضرب رقابكم على الدين" قال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله قال: "لا ولكنه خاصف النعل في المسجد" قال: وكان قد ألقى إلى علي نعله يخصفها وقال على أما أني سمعته يقول: "لا تكذبوا علي فإنه من يكذب علي يلج النار" الفتح المذكور هو فتح الحديبية السابق على فتح مكة وفيه نزلت ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ والصحابة يخالطون الحزن والكآبة لما حيل بينهم وبين نسكهم ونحروا بالحديبية فقال ﷺ : "لقد نزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا جميعا" فقرأها فقال: رجل هنيئا مريئا يا نبي الله
стр. 377
قد بين ما يفعل بك فماذا يفعل بنا فأنزل الله ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات الآية وأضيف الفتح إلى مكة لأنه جعل سببا لفتحها والوعيد الذي كان من رسول الله ﷺ للذين جاؤه من قريش فسألوه أن لم ينتهوا لا يكون إلا وهم على الكفر وإلا ومكة دار حرب ثم كفاه الله ذلك منهم وفتح عليه مكة ودخلوا بذلك في الإسلام على ما دخلوا به فيه من طوع ومن كره ومنه ما روي عن أبي سعيد الخدري قال كنا جلوسا ننتظر رسول الله ﷺ فخرج إلينا من حجرة عائشة فانقطعت نعله فرمى بها إلى على ثم جلس فقال: "إن منكم لمن يقاتل على تأويل القرآن كما قتلت على تنزيله", فقال أبو بكر: أنا قال: "لا", قال عمر: أنا قال: "لا ولكنه خاصف النعل في الحجرة" قال رجاء الزبيدي فأتى رجل عليا في الرحبة فقال" يا أمير المؤمنين هل كان في حديث النعل شيء قال: اللهم إنك لتشهد أنه مما كان رسول الله ﷺ يسره إلي فيه وعد لعلي بن أبي طالب بأنه يقاتل على تأويل القرآن كما قاتل هو ﷺ على تنزيله ولابد من إنجازه بخلاف الحديث الأول فإنه وعيد لأهل مكة من أجل سؤالهم والوعيد قد ينجز وقد لا ينجز روى عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجزه له ومن أوعده على عمل عقابا فهو بالخيار" وسئل أبو عمرو بن العلاء أيجوز أن يعد الله على عمل ثوابا ثم لا ينجزه؟ فقال: لا فقيل وإذا أوعد على عمل عقابا فلا بد أن ينجزه فقال أبو عمرو لسائله: ومن قبل العجمة اتيت أن العرب كانت إذا وعدت فشرفها أن تفي وإذا أوعدت فشرفها أن لا تفي.
ولا يرهب ابن العم والجار صولتي ... ولا اختشى من خشية المتهدد
وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لأخلف إيعادي وأنجز موعدي
وما في الحديثين من خصف النعل فيجوز أن يكون في يومين وذلك أولى ما حملت عليه لئلا ومما حقق الوعد ما كان من قتال على للخوارج
стр. 378
وقتله غياهم ووجودهم على الصفة التي وصفهم عليها النبي ﷺ وهذا من الخصائص التي اختص الخلفاء بها فاختص أبا بكر بقتال أهل الردة وعمر بقتال العجم حتى فتح الله على يديه وأظهر به الدين وعلى بن أبي طالب بقتال الخوارج المقاتلين على تأويل القرآن وعثمان بن عفان بجمع القرآن على حرف واحد فقامت به الحجة وأبان به أن من خالف حرفا منه كان كافرا وأعاذنا به أن نكون كأهل الكتابين قبلنا الذين اختلفوا في كتابهم حتى تهيأ منهم تبديله فرضوا الله على خلفاء رسوله جزاهم الله عنا أفضل ما جازى به أحدا من خلفاء أنبيائه على طاعتهم إياه ونحمد الله على ما عرفنا به من أماكنهم وفضائلهم وخصائصهم ولم يجعل في قلوبنا غلالا لأحد منهم ولا لمن سواهم من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أنه أرحم الراحمين.
стр. 379
في الهجرة بعد الفتح
روى عن النبي ﷺ أنه قال يوم الفتح: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا" وفيما روى عن مجاشع بن مسعود أنه قال أتيت رسول الله ﷺ بعد الفتح بأخي معبد ليبايعه فقلت: يا رسول الله جئتك بأخي معبد لتبايعه على الهجرة, فقال: "ذهب أهل الهجرة بما فيها" فقلت: على أي شيء تبايعه؟ فقال: "على الإيمان أو على الإسلام والجهاد" زاد في حديث آخر: "فإنه لا هجرة بعد الفتح ويكون من التابعين بإحسان" وروى عن صفوان أنه قال: لما فتحت مكة جاء بابنه فقال: يا رسول الله اجعل لي نصيبا من الهجرة فقال: "لا هجرة اليوم" فدخل على العباس فخرج العباس في قميص ليس عليه رداء فقال: يا رسول الله قد عرفت فلانا والذي كان بيني وبنيه وأنه جاء بابنه فما يمنعه قال: "لا هجرة" فقال العباس: يا رسول الله أقسمت فمد رسول الله ﷺ يده ومسح عليه وأدخل يديه وقال: "أبررت عمي ولا هجرة" وروي عن عائشة أنه قيل لها: يا أم المؤمنين هل من هجرة اليوم قالت: لا ولكن جهاد ونية إنما كانت الهجرة قبل فتح مكة والنبي ﷺ بالمدينة
стр. 380
يفر الرجل بدينه إلى النبي ﷺ ففيها أن الهجرة قد انقطعت بفتح مكة وفي حديث عائشة بيان السبب ودل على ذلك أيضا ما كان من الإطلاق لصفوان بالرجوع إلى مكة لما قدم عليه بالمدينة حين قيل له قبل ذلك لا دين لمن لم يهاجر إذ لو كان الحكم على ما كان عليه لما أباح له الرجوع إلى الدار التي هاجر منها كما لم يطلق ذلك للمهاجرين إليه قبل الفتح حتى جعل لهم إذا قدموها لحجهم إقامة ثلاثة أيام بعد الصدر لا زيادة عليها وكان المهاجرون يشفقون من إدراك الموت إياهم بها ويعظمون ذلك ويخشونه كما في حديث سعد بن أبي وقاص في مرضه عام الفتح بمكة وإشفاقه أن يموت بمكة وقوله اخلف عن هجرتي قال ﷺ : "إنك لن تخلف بعدي فتعمل عملا تريد به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة ولعلك إن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضربك آخرون اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم" لكن البائس سعد بن خولة يرثى له رسول الله ﷺ إن مات بمكة فلا دليل أدل على انقطاع الهجرة بعد فتح مكة من الآثار التي ذكرنا.
وروى عن ثلاثة من الصحابة ما يؤكده عن أبي سعيد الخدري قال لما نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ قرأها الرسول ﷺ حتى ختمها ثم قال: "أنا وأصحابي خير لا هجرة بعد الفتح" قال فحدثت بذلك مروان وكان على المدينة فما صدقني وعنده رافع بن خديج وزيد بن ثابت فقلت أما هذين لو شاءا حدثاك ولكن زيد يخاف أن تعزله عن الصدقة ورافع يخالف أن تعزله عن عرافة قومه قال فنبذ على بدرته فلما رأيا ذلك قالا صدق ولا يخالف هذا ما روى عن جنادة إن رجلا حدثه إن رجالا من الصحابة قالوا: إن الهجرة انقطعت واختلفوا في ذلك قال فانطلقت إلى رسول الله ﷺ فعرضت القصة فقال رسول الله ﷺ : "لا تنقطع الهجرة ما كان الجهاد".
وما روى عن عبد الله بن السعدي قال وفدت إلى رسول الله ﷺ في نفر من بني سعد فقلت: يا رسول الله أخبرني عن حاجتي فقال:
стр. 381
"وما حاجتك؟ " فقلت: انقطعت الهجرة فقال رسول الله ﷺ : "أنت خيرهم حاجة لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار" إذ يحتمل أن يكون المراد به كفار مكة الذين يقاتلون على فتح مكة حتى فتحت بما فتح الله عليهم به وكذلك لا يخالف ما روى عن رسول الله ﷺ قال: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة وحتى تطلع الشمس من مغربها" قال: ذلك ثلاث مرات لأن هذه الهجرة هجرة السوء التي يهجر بها ما كان قبلها مما قطعته التوبة ليست لامهاجرة من بلد إلى آخر يدل عليه ما روى عن صالح بن بشير بن فديك قال خرج فديك إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إنهم يزعمون أن من لم يهاجر هلك فقال: "يا فديك أقم الصلاة وآت الزكاة واهجر السوء وأسكن من أرض قومك حيث شئت تكن مهاجرا" فبين أن الهجرة بعد فتح مكة هي هجرة السوء وإنها لا تمنع السكنى بغير المدينة.
وفيما ذكرنا من هذا بيان لما وصفنا وقد وجدنا ما هو أدل على ما ذكرنا من هذا قول الله تعالى ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ الآية لأن السابقين من المهاجرين من هاجر من مكة وغيرها من بلاد الكفر إلى النبي ﷺ بالمدينة والذين اتبعوهم بإحسان هم الذين دخلوا في الإسلام بعد أن صارت مكة دار الإسلام يؤيده قوله ﷺ لمجاشع لما أتاه بأخيه بعد الفتح ليبايعه على الهجرة: "لا بل نبايع على الإسلام فإنه لا هجرة بعد الفتح" ويكون من التابعين بإحسان.
стр. 382
في قدوم مسيلمة الكذاب
روى عن ابن عباس قال: قدم مسيلمة الكذاب على عهد النبي ﷺ المدينة فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته وقدمها في خلق كثير من قومه فأقبل إليه النبي ﷺ ومعه ثابت بن قيس وفي يده صلى الله عيه وسلم قطعة جريد حتى وقف على مسيلمة في أصحابه فقال: "لو
стр. 383
سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها ولن تعدو أمر الله فيك ولئن أدبرت ليعقرنك الله وإني لا أراك إلا الذي رأيت فيه ما رأيت وهذا ثابت يجيبك عني" ثم انصرف قال ابن عباس: فسألت عن قول النبي ﷺ : "رأيت فيه ما رأيت" فأخبرني أبو هريرة أنه ﷺ قال: "بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فهمني شأنهما فأوحى الله إلى في المنام أن أنفخهما فنفختهما فطارا فأولتهما كذا بين يخرجان بعدي فكان أحدهما العنسى صاحب صنعاء والآخر مسيلمة صاحب اليمامة".
فإن قيل كيف لم يقتل مسيلمة بأبائه الدخول في الإسلام قلت يحتمل أنه جاء على جوار ليخاطبه بما يجيبه إليه أو يمتنع عليه قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ الآية فلم يقتله لذلك.
стр. 384
في تأمين رسل الكفار
روى سلمة بن نعيم عن أبيه قال: كنت عند النبي ﷺ حين جاءه رسل مسيلمة بكتابه ورسول الله ﷺ يقول لهما: "وأنتما تقولان مثل ما يقول" فقالا: نعم, فقال رسول الله ﷺ : "لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما".
وروى عن حارثة بن مضرب أنه أتى عبد الله بن مسعود فقال: ما بيني وبين أحد من العرب حنة وإني مررت بمسجد بني حنيفة فإذا هم يؤمنون بمسيلمة فأرسل إليهم عبد الله فجئ بهم فاستتابهم غير ابن النواحة فقال له ما سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لولا أنك رسول لضربت عنقك" فاليوم أنت لست برسول فأمر قرظة بن كعب فضرب عنقه في السوق ثم قال: من أراد أن ينظر إلى ابن النواحة قتيلا بالسوق فلينظر.
إنما لم يقتل الرسل وإن كان منهم مثل ما كان من ابن النواحة وصاحبه مما يوجب قتلهما لو لم يكونا رسولين لقوله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ أي فيتبعه فيجب عليه المقام حيث يقيم المسلمون أو لا يتبعه فيبلغه
стр. 385
مأمنه إذ في تركه إتباعه بقاؤه على كفره الذي يوجب سفك دمه لو لم يأته طالبا لاستماع كلام الله تعالى فكما حرم سفك دمه حتى يخرج من ذلك الطلب فكذلك سفك دم الرسول حتى يخرج من تلك الرسالة بالرجوع إلى مرسله فيقبل ما جاء به فيؤمن أو لا فيبقى حربيا ويحل سفك دمه.
стр. 386
في قبول هدايا أهل الحرب
روى عن عياش بن حمار كان حرمى رسول الله ﷺ في الجاهلية أنه أهدى له هدية فردها وقال: "إنا لا نقبل زبد المشركين" والعرب تسمى الهدية زبد أو الحرمى يكون من أهل الحرم ويكون الصديق أيضا وروى أن رسول الله ﷺ بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية يعني بكتابه معه إليه فقبل كتابه وأكرم حاطبا وأحسن نزله ثم سرحه إلى رسول الله ﷺ وأهدى له مع حاطب كسوة وبغلة بسرجها وجاريتين إحداهما أم إبراهيم والأخرى وهبها لجهم بن قيس هي أم زكريا بن جهم الذي كان خليفة لعمرو بن العاصي على مصر وروى أنه أعطاها حسان بن ثابت.
رد هدية عياض وقبول هدية المقوقس مع أنهما كانا كافرين لافتراق كفرهما فإن عياض بن حمار من المشركين كالمجوس من العجم لا يؤمنون بالبعث لا تؤكل ذبائحهم ولا تنحح نساؤهم والمقوقس أهل كتاب يؤمن بالبعث وتقبل منهم الجزية وتؤكل ذبائحهم وتنكح نساؤهم فكل مشرك كافر من غير عكس وقد أمرنا أن لا نجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن وقبول هديتهم أحسن من ردها والمشركون في ذلك بخلافهم لأنا أمرنا بمنابذتهم وقتالهم حتى يكون الدين كله لله وقد فرق النبي ﷺ بينهما في خطبته روى عن أبي أمامة الباهلي قال: شهدت الخطبة يوما في حجة الوداع فقال ﷺ قولا كثيرا حسنا جميلا وفيها: "من أسلم من أهل الكتاب فله أجره مرتين وله مثل الذي لنا وعليه مثل الذي علينا ومن أسلم من المشركين
стр. 387
فله أجره وله مثل الذي لنا وعليه مثل الذي علينا" قال القاضي: هذا خاص بالنصارى على دين عيسى من غير تبديل كما سيجئ.
ومنه عن علي بن أبي طالب قال: أهدى كسرى إلى رسول الله ﷺ فقبل منه وأهدت إليه الملوك فقبل منهم، وعن ابن عباس قال: أهدى المقوقس صاحب مصر إلى رسول الله صلى الله عيه وسلم قدحا من زجاج فكان يشرب فيه وعن أنس أن ملك ذي يزن أهدى إلى رسول الله ﷺ حلة بثلاثين قلوصا وبثلاثين بعيرا وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن صاحب الحشة أهدى إلى رسول الله ﷺ خفين ساذجين فلبسهما ومسح عليهما وعن عبد الرحمن القارئ أن رسول الله ﷺ بعث حاطبا إلى المقوقس فأكرمه وأهدى معه بغلة بسرجها وجاريتين الحديث وكان عبد الرحمن حج مع رسول الله ﷺ لذلك ادخل حديثه في المسند وعن عبد الرحمن ابن يزيد عن أبيه قال: أهدى أمير القبط لرسول الله ﷺ جاريتين أختين قبطيتين وبغلة فأما البغلة فكان يركبها واحدى الجاريتين تسراها فولدت له إبراهيم وأما الأخرى فأعطاها حسان بن ثابت.
إنما خالف أمر الأمة في الهدايا أمر النبي ﷺ لأن الله تعال اختصه في أموال أهل الحر بخاصة خالف بها غيره من أمته فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ الآية.
من ذلك أموال بني النضير كانت له خالصة فكان ينفق على أهله منها نفقة سنة ويجعل الباقي في الخيل والكراع في سبيل الله.
ومن ذلك الهدايا لأنه لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب والذي يروي من رده هدايا المشركين بقوله: "إنا لا نقبل زبد المشكرين" كان قبل أن تنزل عليه هذه الآية فلما نزلت أباحت له من أموالهم ما صار إليه بغير إيجاف خيل عليه ولا ركاب.
стр. 388
في قسم ما أفاء الله عليه
روى عن مسور بن مخرمة أن رسول الله ﷺ قدمت عليه أقبية فبلغ ذل أباه مخرمة فقال: يا بني أنه قد بلغني أن رسول الله ﷺ قدمت عليه أقبية فهو يقسمها فاذهب بنا إليه فذهبنا فوجدناه في منزله فقال: أي بني ادع لي رسول الله ﷺ قال المسور: فأعظمت ذلك وقلت: ادعو لك رسول الله؟ فقال: أي بني أنه ليس بجبار فدعوت رسول الله ﷺ فخرج وعليه قباء من ديباج مزرر بذهب فقال: "يا مخرمة هذا خبأته لك فأعطاه إياه".
وفي رواية أخرى" فكأني أنظر إليه يرى محاسن القباء ويقول: "خبأت هذا لك خبأت هذا لك" وفي حديث آخر: فقال: رضي مخرمة ولبعض رواته إنما فعل ذلك بمخرمة اتقاء من لسانه وكان ذلك قبل تحريم لبس الحرير ولذلك لبس الرسول ﷺ القباء وكأن مما أوجف عليه بغير خيل ولا ركاب وكان خالصا له فلم يستأثر بالأقبية لنفسه وردها في إعزاز الإسلام وإصلاح قلب من يخاف فساده عليه طلبا للألفة بين الأمة ودفعا للمكروه الذي يخاف من بعضها على بقيتها وانطلق له لباسه لأنه غير مشترك بينه وبين أمته ولا وجب لمخرمة إلا بتسليمة إياه إليه ولو كانت الأقبية من الصنف الذي قال الله تعالى فيه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الآية لما لبس ﷺ منها شيئا.
стр. 389
في الاستعانة بالمشرك
روى عن عائشة قالت: خرج رسول الله ﷺ قبل بدر فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجده ففرح
стр. 390
أصحاب رسول الله ﷺ حين رأوه فلما أدركه قال: يا رسول الله جئت لأتبعك وأصيب معك, فقال له رسول اله ﷺ : "أتؤمن بالله ؟ " قال: لا, قال: "فارجع فلن نستعين بمشرك" الحديث بطوله إلى قوله: "أتؤمن بالله ورسوله", فقال: نعم, فقال رسول اله ﷺ : "فانطلق".
وروى ابن شهاب أن صفوان بن أمية سار مع رسول الله صلى اله عليه وسلم فشهد حنينا والطائف وهو كافر وهو يسند من رواية جابر بن عبد الله قال: لما انهزم الناس يوم حنين جعل أبو سفيان بن حرب يقول: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر وصرخ كلدة بن الحنبل وهو مع أخيه لأمه صفوان ألا بطل السحر اليوم فقال له صفوان: أسكت فض الله فاك فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إلى من يربني رجل من هوازن لا مخالفة بين حديث صفوان وبين قوله: "لا نستعين بمشرك", لأن صفوان قتاله كان باختياره دون أن يستعين به النبي ﷺ في ذلك والإستعانة بالمشرك غير جائزة لكن تخليتهم للقتال جائة لقوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ والاستعانة اتخاذ منه لهم بطانة فأما قتالهم معه دون استعانة فبخلاف ذلك وكذلك دعاء النبي ﷺ اليهود لما بلغه جمع أبي سفيان ليخرج إليه يوم أحد فانطلق إلى اليهود الذين كانوا في النضير فوجد منهم نفرا عند منزلهم فرحبوا به فقال: "إنا جئناكم نخبر أنا أهل كتاب وأنتم أهل كتاب وإن لأهل الكتاب على أهل الكتاب النصر فإما قاتلتم معنا وإما أعرتمونا سلاحا" ليس بخلاف لأن الممتنع الاستعانة بالمشرك واليهود الذين دعاهم إلى قتال أبي سفيان معه أهل كتاب ليسوا من المشركين فلما أجتمع أهل الكتاب معنا في الإيمان بالكتب الذي أنزلها الله على من أنزل من أنبيائه وفي الإيمان بالبعث بعد الموت كانت أيدينا واحدة في قتال عبدة الأوثان والغلبة لنا لأننا الأعلون وهم اتباع لنافي ذلك وهكذا حكمهم إلى الآن عند أبي حنيفة وأصحابه إذا كان حكمنا هو الغالب بخلاف ما إذا لم يكن حكمنا غالبا نعوذ بالله وليس هذا بخلاف أيضا لما روى أن رسول الله صلى الله