في قبول هدايا أهل الحرب
روى عن عياش بن حمار كان حرمى رسول الله ﷺ في الجاهلية أنه أهدى له هدية فردها وقال: "إنا لا نقبل زبد المشركين" والعرب تسمى الهدية زبد أو الحرمى يكون من أهل الحرم ويكون الصديق أيضا وروى أن رسول الله ﷺ بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية يعني بكتابه معه إليه فقبل كتابه وأكرم حاطبا وأحسن نزله ثم سرحه إلى رسول الله ﷺ وأهدى له مع حاطب كسوة وبغلة بسرجها وجاريتين إحداهما أم إبراهيم والأخرى وهبها لجهم بن قيس هي أم زكريا بن جهم الذي كان خليفة لعمرو بن العاصي على مصر وروى أنه أعطاها حسان بن ثابت.
رد هدية عياض وقبول هدية المقوقس مع أنهما كانا كافرين لافتراق كفرهما فإن عياض بن حمار من المشركين كالمجوس من العجم لا يؤمنون بالبعث لا تؤكل ذبائحهم ولا تنحح نساؤهم والمقوقس أهل كتاب يؤمن بالبعث وتقبل منهم الجزية وتؤكل ذبائحهم وتنكح نساؤهم فكل مشرك كافر من غير عكس وقد أمرنا أن لا نجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن وقبول هديتهم أحسن من ردها والمشركون في ذلك بخلافهم لأنا أمرنا بمنابذتهم وقتالهم حتى يكون الدين كله لله وقد فرق النبي ﷺ بينهما في خطبته روى عن أبي أمامة الباهلي قال: شهدت الخطبة يوما في حجة الوداع فقال ﷺ قولا كثيرا حسنا جميلا وفيها: "من أسلم من أهل الكتاب فله أجره مرتين وله مثل الذي لنا وعليه مثل الذي علينا ومن أسلم من المشركين
стр. 387
فله أجره وله مثل الذي لنا وعليه مثل الذي علينا" قال القاضي: هذا خاص بالنصارى على دين عيسى من غير تبديل كما سيجئ.
ومنه عن علي بن أبي طالب قال: أهدى كسرى إلى رسول الله ﷺ فقبل منه وأهدت إليه الملوك فقبل منهم، وعن ابن عباس قال: أهدى المقوقس صاحب مصر إلى رسول الله صلى الله عيه وسلم قدحا من زجاج فكان يشرب فيه وعن أنس أن ملك ذي يزن أهدى إلى رسول الله ﷺ حلة بثلاثين قلوصا وبثلاثين بعيرا وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن صاحب الحشة أهدى إلى رسول الله ﷺ خفين ساذجين فلبسهما ومسح عليهما وعن عبد الرحمن القارئ أن رسول الله ﷺ بعث حاطبا إلى المقوقس فأكرمه وأهدى معه بغلة بسرجها وجاريتين الحديث وكان عبد الرحمن حج مع رسول الله ﷺ لذلك ادخل حديثه في المسند وعن عبد الرحمن ابن يزيد عن أبيه قال: أهدى أمير القبط لرسول الله ﷺ جاريتين أختين قبطيتين وبغلة فأما البغلة فكان يركبها واحدى الجاريتين تسراها فولدت له إبراهيم وأما الأخرى فأعطاها حسان بن ثابت.
إنما خالف أمر الأمة في الهدايا أمر النبي ﷺ لأن الله تعال اختصه في أموال أهل الحر بخاصة خالف بها غيره من أمته فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ الآية.
من ذلك أموال بني النضير كانت له خالصة فكان ينفق على أهله منها نفقة سنة ويجعل الباقي في الخيل والكراع في سبيل الله.
ومن ذلك الهدايا لأنه لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب والذي يروي من رده هدايا المشركين بقوله: "إنا لا نقبل زبد المشكرين" كان قبل أن تنزل عليه هذه الآية فلما نزلت أباحت له من أموالهم ما صار إليه بغير إيجاف خيل عليه ولا ركاب.
стр. 388
في قسم ما أفاء الله عليه
روى عن مسور بن مخرمة أن رسول الله ﷺ قدمت عليه أقبية فبلغ ذل أباه مخرمة فقال: يا بني أنه قد بلغني أن رسول الله ﷺ قدمت عليه أقبية فهو يقسمها فاذهب بنا إليه فذهبنا فوجدناه في منزله فقال: أي بني ادع لي رسول الله ﷺ قال المسور: فأعظمت ذلك وقلت: ادعو لك رسول الله؟ فقال: أي بني أنه ليس بجبار فدعوت رسول الله ﷺ فخرج وعليه قباء من ديباج مزرر بذهب فقال: "يا مخرمة هذا خبأته لك فأعطاه إياه".
وفي رواية أخرى" فكأني أنظر إليه يرى محاسن القباء ويقول: "خبأت هذا لك خبأت هذا لك" وفي حديث آخر: فقال: رضي مخرمة ولبعض رواته إنما فعل ذلك بمخرمة اتقاء من لسانه وكان ذلك قبل تحريم لبس الحرير ولذلك لبس الرسول ﷺ القباء وكأن مما أوجف عليه بغير خيل ولا ركاب وكان خالصا له فلم يستأثر بالأقبية لنفسه وردها في إعزاز الإسلام وإصلاح قلب من يخاف فساده عليه طلبا للألفة بين الأمة ودفعا للمكروه الذي يخاف من بعضها على بقيتها وانطلق له لباسه لأنه غير مشترك بينه وبين أمته ولا وجب لمخرمة إلا بتسليمة إياه إليه ولو كانت الأقبية من الصنف الذي قال الله تعالى فيه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الآية لما لبس ﷺ منها شيئا.
стр. 389
في الاستعانة بالمشرك
روى عن عائشة قالت: خرج رسول الله ﷺ قبل بدر فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجده ففرح
стр. 390
أصحاب رسول الله ﷺ حين رأوه فلما أدركه قال: يا رسول الله جئت لأتبعك وأصيب معك, فقال له رسول اله ﷺ : "أتؤمن بالله ؟ " قال: لا, قال: "فارجع فلن نستعين بمشرك" الحديث بطوله إلى قوله: "أتؤمن بالله ورسوله", فقال: نعم, فقال رسول اله ﷺ : "فانطلق".
وروى ابن شهاب أن صفوان بن أمية سار مع رسول الله صلى اله عليه وسلم فشهد حنينا والطائف وهو كافر وهو يسند من رواية جابر بن عبد الله قال: لما انهزم الناس يوم حنين جعل أبو سفيان بن حرب يقول: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر وصرخ كلدة بن الحنبل وهو مع أخيه لأمه صفوان ألا بطل السحر اليوم فقال له صفوان: أسكت فض الله فاك فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إلى من يربني رجل من هوازن لا مخالفة بين حديث صفوان وبين قوله: "لا نستعين بمشرك", لأن صفوان قتاله كان باختياره دون أن يستعين به النبي ﷺ في ذلك والإستعانة بالمشرك غير جائزة لكن تخليتهم للقتال جائة لقوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ والاستعانة اتخاذ منه لهم بطانة فأما قتالهم معه دون استعانة فبخلاف ذلك وكذلك دعاء النبي ﷺ اليهود لما بلغه جمع أبي سفيان ليخرج إليه يوم أحد فانطلق إلى اليهود الذين كانوا في النضير فوجد منهم نفرا عند منزلهم فرحبوا به فقال: "إنا جئناكم نخبر أنا أهل كتاب وأنتم أهل كتاب وإن لأهل الكتاب على أهل الكتاب النصر فإما قاتلتم معنا وإما أعرتمونا سلاحا" ليس بخلاف لأن الممتنع الاستعانة بالمشرك واليهود الذين دعاهم إلى قتال أبي سفيان معه أهل كتاب ليسوا من المشركين فلما أجتمع أهل الكتاب معنا في الإيمان بالكتب الذي أنزلها الله على من أنزل من أنبيائه وفي الإيمان بالبعث بعد الموت كانت أيدينا واحدة في قتال عبدة الأوثان والغلبة لنا لأننا الأعلون وهم اتباع لنافي ذلك وهكذا حكمهم إلى الآن عند أبي حنيفة وأصحابه إذا كان حكمنا هو الغالب بخلاف ما إذا لم يكن حكمنا غالبا نعوذ بالله وليس هذا بخلاف أيضا لما روى أن رسول الله صلى الله
стр. 391
عليه وسلم خرج يوم أحد حتى إذا خلف ثنية الوداع إذا هو بكتيبة حسناء فقال: "من هؤلاء؟ " قالوا: بنو قينقاع وهم رهط عبد الله بن سلام وقوم عبد الله ابن سلول فقال: "أسلموا" فأبوا قال: "قل لهم فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين" ومعنى قوله: "وهم قوم عبد الله بن أبي" ليس المراد أن عبد الله منهم لأنه ليس من اليهود لأنه من الرهط الذين يرجع الأنصار إليهم بأنسباهم ولكنه خذل بنفاقه فأما نسبه فيهم فقائم وقيل لهم قومه بمحالفته لا بما سوى ذلك وإن كان فيه تسمية اليهود مشركين ومنعهم من القتال معه لأن بني قينقاع بمحالفتهم عبد الله صاروا كالمرتين عما كانوا عليه إلى ما هو عليه لأن المعالفة هي الموافقة بين المتحالفين فخر جوابه عن حكم أهل الكتاب فصاروا كمن ارتد عن الإسلام إلى اليهودية أو النصرانية لا يكون بذلك يهوديا ولا نصرانيا في أكل ذبائحهم وحل نسائهم فكذا هؤلاء لما حالفوا المنافق صاروا كالمشركين فكان لهم حكمهم فلذلك منعوا وسموا مشركين.
стр. 392
في إسهام من لم يشهد الحرب
روى عن أبي هريرة قال: بعث النبي ﷺ أبان بن سعيد على سرية من المدينة قبل نجد فقدم أبان وأصحابه على النبي ﷺ بخيبر بعد ما فتحنا وإن حزم خيلهم لليف فقال أبان: أقسم لنا يا رسول الله قال أبو هريرة: لا تقسم لهم شيئا يا نبي الله فقال أبان: أنت بهذا يعني يا وبر نجد قال ﷺ : "اجلس يا أبان فلم يقسم لهم شيئا".
فيه أن السائل هو أبان وروى أن السائل كان أبا هريرة فإنه روى عنه قال قدمت على رسول الله ﷺ بخيبر بعد ما فتحوها فسألت رسول الله ﷺ أن يسهم لي من الغنيمة فقال بعض بني سعيد ابن العاصي: لا تسهم لهم يا رسول الله فقلت: يا رسول الله هذا قاتل ابن قوقل فقال ابن سعيد: واعجبا لوبر تدلى علينا من قدوم ضان ينعى علي قتل رجل مسلم أكرمه الله على يدي ولم يهنى على يديه.
стр. 393
قال سفيان: لا أدري أسهم أو لم يسهم له فالله أعلم من السائل منهما وروى أن أبا هريرة قدم المدينة هو ونفر من قومه وقد خرج رسول الله ﷺ إلى خيبر واستخلف على المدينة رجلا من بني غفار يقال له سباع بن عرفطة قال: فأتيناه فزودنا على رسول الله ﷺ وقد افتتح خيبر فكلم المسلمين فأشركونا في سهامهم.
ففيه دليل على أن السائل في هذه القصة هو أبو هريرة وأبان بن سعيد وقد اختلف العلماء في هذا المعنى من الفقه فطائفة منهم توجب لمن كانت حاله حال أبي هريرة وأبان الدخول في الغنيمة المغنومة قبل قدومه لأن الإمام لا يأمن من العدو ما دام في بلدهم فحاجته إلى المدد قائمة وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وطائفة منهم لا يشركونهم وهم الشافعي ومالك واختلف في ذلك عمار ابن ياسر وعمر بن الخطاب فلو أمن الإمام عود العدو إليه ثم لحقه المدد فلاحق لهم اتفاقا فيما غنموه قبل قدومهم ومنع رسول الله صلى الله عليه سلم أبان وأبا هريرة من تلك الغنيمة يحتمل أن خيبر قبل قدومهما عليه صارت دار إسلام استغنى عن المدد ويحتمل أن يكون لاختصاص خيبر بأهل الحديبية بقوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ يريد أهل الحديبية ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ يعني خيبر وعن أبي هريرة ما شهدت لرسول الله ﷺ مغنما إلا قسم لي الأخير فإنها كانت لأهل الحديبية خاصة وفي سؤال أبان أو أبي هريرة وهو فقيه صحابي وترك رسول الله ﷺ إنكار ذلك السؤال عليه دليل على أن ما سألاه ما كان محالا إذ لو كان لبينه وما روى أنه أشرك أبا هريرة في تلك الغنيمة فكان بعد مسامحة أهل الحديبية لأبي هريرة وإيثارهم له ذلك بإشارة الرسول صلى اله عليه وسلم كما روى عن أبي موسى أنه قال قدمنا على رسول الله ﷺ بعد فتح خيبر بثلاث فقسم لنا وما قسم لأحد لم يشهد الفتح غيرنا وكان ذلك بمسامحتهم أيضا وسماحتهم بعد مشاورته ﷺ معهم على ذلك.
стр. 394
في ما للعبيد من المغنم
عن عمير مولى أبي اللحم قال: كنت مع النبي ﷺ حين افتتح خيبر فقمت فقلت: يا رسول الله سهمي, قال: "خذ هذا السيف فتقلده" قال: فتقلدته فخطت نعله في الأرض قال: فأمر لي من الخرنى وروى عنه في حديث آخر قال: جئت رسول الله ﷺ وهو بخيبر وعنده الغنائم وأنا عبد مملوك فقلت: يا رسول الله أعطني, قال: "تقلد هذا السيف" فتقلدته فوقع بالأرض فإعطاني من خرثى المتاع فعلمنا بذلك على أنه كان عبد أو أمره ﷺ بتقلد السيف ليعلم قدر غنائه في القتال ليعطى له ما يعطى مثله دون أن يضرب له بسهم كالإحرار الذين ساوى الله بين قويهم وضعيفهم في ذلك.
روى أن نجدة بن عامر كتب إلى ابن عباس يسئله عن المرأة والعبد إذا حضرا البأس هل يسهم لهما فكتب إليه ابن عباس لم يكن يسهم لهما إلا أن يحذيا من غنائم القوم وإنما أعطى ﷺ عميرا بقتاله وإنما الذي يجب له في ذلك لمن يملكه روى عنه قال: شهدت خيبر مع ساداتي فكلموا في رسول الله ﷺ وأخروه أني مملوك فأمرني فتقلدت السيف فإذا أنا أجره فأمر لي بشيء من خرثى المتاع.
стр. 395
في الغنائم والأسرى
روى عن ابن عباس قال: لما أسروا الأسارى في يوم بدر قال رسول الله ﷺ : "يا أبا بكر ويا عمر ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ " قال أبو بكر: يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام قال رسول الله ﷺ : "ما ترى يا ابن الخطاب؟ " قال عمر: والله ما أرى الذي رأى أبو بكر يا نبي الله ولكن أرى إن تمكنا منهم فنضرب أعناقهم وتمكن عليا من عقيل
стр. 396
فيضرب عنقه وتمكنى من فلان نسيب لعمر فأضرب عنقه فإن هؤلاء أئمة الكفار وصناديدها وقادتها فهوى رسول الله ﷺ ما قاله أبو بكر ولم يهو ما قلت: فلما كان الغد جئت إلى رسول الله ﷺ وهو وأبو بكر قاعدان يبكيان قلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك, فإن وجدت بكاء بكيت ببكائكما فقال رسول الله ﷺ : "أبكي لذي عرض على من الفداء لقد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة" لشجرة قريبة من نبي الله ﷺ فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿حَلالاً طَيِّباً﴾ فأحل الله الغنيمة لهم.
وروى عن أبي هريرة قال لما كان يوم بدر تعجل ناس من المسلمين فأصابوا من الغنائم فقال رسول الله ﷺ : "لم تحل الغنائم لقوم سود الرؤس قبلكم" كان النبي إذا غنم هو وأصحابه جمعوا غنائمهم فتنزل نار من السماء فتأكلها فأنزل الله تعالى: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً﴾ هذا أشبه بالآية من حديث ابن عباس لأنه أثبت فيها أخذا متقدما كان الوعيد عليه بقوله: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وهو أخذهم ما أخذوا من الغنائم قبل أن تحل لهم وليس في حديث ابن عباس أنهم أخذوا شيئا إنما فيه أن أبا بكر أشار على رسول الله ﷺ أن يأخذ منهم الفداء لا غير فيه معنى يجب الوقوف عليه والحذر من الله في التقدم لأمره لأن هذا الوعيد لما لحق أهل بدر وقيل فيهم "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" كان لمن سواهم ممن هو دون رتبتهم ألحق واختلف في المراد بالآية قال ابن عباس سبقت لهم من الله الرحمة قبل أن يعملوا بالمعصية وقال الحسن سبق أن الله مطعم هذه الأمة الغنيمة ففعلوا الذي فعلوا قبل أن تحل لهم الغنيمة وروى عنه قال: سبق من الله أنه كان مطعما هذه الأمة الغنائم وأنهم أخذوا الفداء من القوم يوم بدر قبل أن يؤمروا بذلك فتاب الله عليهم وعابه عليهم ثم أحله لهم وجعله غنيمة وروى عنه أنه قال: سبق من الله أن لا يعذب قوما إلا بعد تقدمه
стр. 397
ولم يكن تقدم إليهم فيها وروى عنه قال سبق من الله الغفران لأهل بدر وهذه التأويلات كلها محتملة للآية والله أعلم بمراده فيها.
ومنه ما روى عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ : "لو كان مطعم بن عدي حيا فكلمني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له" يعني أسارى بدر وكانت له عند النبي ﷺ يد إن الله تعالى خير النبي ﷺ بين أن يطلق منا منه ويأخذ الفداء ممن يفتدى به من القتل الواجب عليه بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية فلا وجه لإنكار من أنكر ذلك وقد من على غير أسارى بدر وهم سبى هو أزن لما كلموه فيهم وخيرهم بين المال والسبي فاختاروا السبي فطلقهم لهم على ما روى أنه قال ﷺ : "أما بعد فإن أخوانكم هؤلاء قد جاؤا تائبين وإني قد رأيت إن أرد إليهم سبيهم فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فعل ومن أحب منكم أن يكون على حقه حتى نعطيه إياه من أول ما يفئ الله تعالى علينا فليفعل" فقال الناس قد طيبنالك يا رسول الله ولهم فقال: "إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم" فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا.
إنما استأذن ﷺ في سبى هوازن الناس وقال في أسارى بدر: "لو أن مطعم بن عي كلمني فيهم لتركتهم" لأن في أسارى بدر ما كانوا ليملكوا وكان السبيل فيهم أما القتل أو المن أو الفداء منهم فما كان حاجة إلى استئذان أحد بخلاف سبي هوازن فإنهن قسمن وملكن فلا يجوز إخراجهن عن ملك الغزاة بغير رضاهم يؤيده ما روى أن رسول الله صلى الله عله وسلم أعطى عمر بن الخطاب جارية من سبى هوازن فوهبها لعبد الله ابنه فبعث بها إلى أخواله من بني جمح ليصلحوا له منها حتى يطوف بالبيت وهو يريد أن يصيبها إذا ارجع إليها فخرج من المسجد حين فرغ فإذا الناس يشتدون فقال:
стр. 398
ما شأنكم فقالوا: أرد علينا رسول الله ﷺ نساءنا وأبناءنا قال: قلت: تيكم صاحبتكم في نبي جمح فاذهبوا فخذوها فذهبوا فأخذوها.
في إطلاق رسول الله ﷺ السبى إلى قومهم بمجرد نقل العرفاء أنهم أذنوا دليل لمن يقول يقبل إقرار الوكيل على موكله فيما وكله به عند الحاكم لأن العرفاء مقام الوكلاء وهو أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وهو احتجاج صحيح خلافا لمن يقول لا يقبل إقرار الوكيل على موكله وينعزل به وهو زفر وأبو يوسف وغيرهما وروى عن عطاء أنه كان يكره قتل الأسير صبرا ويتلو هذه الآية ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ وقال ابن خديج: فنسخها قوله تعالى: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ قال الطحاوي: دل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ على أن القتل فيهم أولى من الأسر وقوله: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ كان نزولها بعد إحلال الله تعالى لهم الغنائم ألا ترى إلى قوله: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ أي منافعها بالأسر الذي فعلتموه حتى تأخذوا الفداء ممن أسرتموه ثم أتبع ذلك بقوله: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ والأخذ هو الأسر الذي يكون سببا لذلك الأخذ ومما يدل على قتل الأسرى ما روى أن الضحاك بن قيس أراد أن يستعمل مسروقا فقال له عمارة بن عقبة أتستعمل رجلا من بقايا قتلة عثمان فقال له مسروق: حدثنا عبد الله بن مسعود أن أباك لما أتى به النبي ﷺ أمر بقتله فقال: من للصبية يا محمد؟ قال: "النار فقد رضيت لك ما رضى لك رسول الله ﷺ ".
وما روى عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ بعث خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة فربطوه بسارية المسجد فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال: "ما عندك يا ثمامة؟ " قال: عندي يا محمد خير إن تقتل تقتل ذا دم وإن تنعم تنعم على شاكرو إن ترد المال فسل
стр. 399
تعط منه ما شئت الحديث فعدم رد الرسول ﷺ قوله: إن تقتل تقتل ذا دم, دل على أن قتله كان جائزا له وإن كان أسيرا وما روى عن أنس أن رسول الله ﷺ دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر فلما نزعه قيل له هذا ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: "اقتلوه" وابن خطل حينئذ كان في حكم الأسير وما روى أن رسول الله ﷺ آمن الناس يوم الفتح إلا أربعة نفر وامرأتين وقال: "اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة" فقتل منهم عبد الله بن خطل ومقيس بن صبابة وركب عكرمة بن أبي جهل البحر فأصابتهم ريح عاصف فعاهد الله ليأتين رسول الله صلى الله أن نجا فنجا وأسلم وأما عبد الله بن أبي سرح فإنه اختبى عند عثمان بن عفان فلما دعا رسول الله ﷺ الناس للبيعة جاء به حتى أوقفه على النبي ﷺ فقال: يا رسول الله بايع عبد الله فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا كل ذلك يأبى أن يبايعه فبايعه بعد ثلاث ثم أقبل على أصحابه فقال: "أما كان فيكم رجل يقوم إلى هذا حين كففت يدي عن بيعته فيقتله" قالوا: ما درينا يا رسول الله ما في نفسك فهلا أومأت إلينا بعينك؟ فقال: "إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة الأعين"
أفلا ترى أن رسول الله ﷺ قال ذلك وعبد الله أسيره إذ ذاك ومثل ذلك حديث أنس في الذي كف رسول الله ﷺ عن بيعته ليفي بنذره الذي كان نذر أن يقتله لما رأى شدته على المسلمين ويدل عليه أيضا قوله ﷺ لابن النواحة وصاحبه الوافدين عليه من عند مسيلمة إذ قال لهما: "أتشهدان أني رسول الل هـ١" فقالا له: أتشهد أنت أن مسيلمة رسول الله؟ "لو كنت قاتلا وفدا لقتلتكما" وكانا كالأسيرين ففيما ذكرنا ما دل على إباحة قتل الأسرى.
وما روى عن عبد الله بن مغفل قال: أصبت جرابا من شحم يوم خيبر
стр. 400
فألتزمته فقلت: لا أعطي أحدا اليوم من هذا شيئا فألتفت فإذا رسول الله ﷺ يتبسم.
قد عارضه بعض بما روى عبد الله بن شقيق عن رجل من بلقين قال: أتيت النبي ﷺ وهو بوادي القرى فقلت: يا رسول الله لمن المغنم؟ قال: "لله سهم ولهؤلاء أربعة أسهم", قلت: فهل أحد أحق بشيء من المغنم من أحد؟ قال: "لا حتى السهم يأخذه أحدكم من جنبه فليس بأحق به من أخيه" وهذا جهل من معارضه لأنه حديث لا يحتج بمثله لأن روايته تعود لى مجهول ولأن عبد الله بن مغفل إنما أخذ من طعام كان محتاجا إليه وقد كانت الصحابة في المغازي يصيبون العنب والعسل والطعام وتينا ولونه من غير أن يرفعوا منه شيئا فإذا كان واسعا لهم أخذ ما تقدمت غنيمة المسلمين إياه حتى يستأثرون به لحاجتهم دون من ليس له حاجة به إليه كان ما كان منابن مغفل مما لم ينكره رسول الله ﷺ من أخذه بيده وقوله بلسانه أوسع بخلاف حديث البلقيني فإنه لا حاجة بالمرمى إليه حتى لو احتاج أن يرمى به من رماه أو سواه من عدوه يحبسه لذلك فبان أن لا تضاد بينهما.
ومنه ما روى عن عائشة قالت: لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله ﷺ في فداء زوجها أبي العاصي بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاصي حين بنى عليها فلما رأى رسول الله ﷺ القلادة رق لها رقة شديدة حتى دمعت عيناه وقال: "إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها فافعلوا" فقالوا: يا رسول الله بآبائنا أنت وأمهاتنا فأطلقوه وردوا عليها الذي لها.
لا يقال: كان المن إلى رسول الله ﷺ لا إليهم حتى قال في مطعم "لو كلمني فيهم لأطلقتهم له" فأي حاجة كانت في مشاورتهم لأن قوله في مطعم كان في الوقت الذي كان له قتلهم فكان إليه المن عليهم وقوله: في القلادة كان بعد ان حقنن فداؤهم دماءهم وعاد الفداء في حكم الغنيمة المشتركة فلم يصلح منها أن يطلق إلا ما طابت به أنفسهم.
стр. 401
في الغلول
روى أن مسلمة بن عبد الملك دخل أرض الروم فغل رجل فبعث مسلمة إلى سالم بن عبد الله فقال: حدثني أبي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أخذتموه قد غل فاضربوا عنقه وأحرقوا متاعه" فكان في متاعه أراه قال: مصحفا فسأل سالما فقال: بيعوه وتصدقوا بثمنه.
وفي رواية حدثني أبي عن عمر فاضربوه مكان فاضربوا عنقه والأولى أصح وأكثر ضرب عنق الغال وحرق رحله لم يسمع في غير هذا الحديث ولا قال به من الفقهاء غير مكحول فإنه قال يحرق متاعه وكتاب الله يخالف ذلك قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ فإذا لم يكن في سرقة مال ليس للسارق فيه شركة سوى قطع يد لا جزاء له غير ذلك فأجرى أن لا يجب عليه في غلول مال له فيه حظ إحراق رحله وأما انتفاء القتل فبقوله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث" الحديث ولم يثبت بالحجة أن الحكم في الغال كان من النبي ﷺ بعدما في هذا الحديث المقبول فيلحقه بها واحتمل أن يكون قبله فيكون هذا الأثر ناسخا له فوجب أن يكون الحظر على حاله حتى تقوم الحجة بإطلاق شيء مما في ذلك الحظر فيطلقه.
стр. 402
في السلب
روى عن سلمة بن الأكوع قال: غزونا مع رسول الله ﷺ هوازن فبينما نحن نتضحى مع رسول الله ﷺ إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه ثم انتزع طلقا من حقبه فقيد به الجمل ثم تقدم فتغدى مع الناس وجعل ينظر إليه١ وفينا ضعفة ورقة في الظهر وبعضنا مشاة فخرج مشتدا
стр. 403
فأتى جمله فأطلق قيده ثم أناخه فقعد عليه فأثاره واشتد به الجمل وأتبعه رجل على ناقة ورقاء فرأس الناقة عند ورك الجمل قال سلمة: وخرجت أشتد حتى كنت عند ورك الجمل ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته فلما وضع ركبتيه في الأرض اخترطت سيفي فضربت رأس الرجل فندر فجئت بالجمل أقوده وعليه رحله وسلاحه فاستقبلني رسول الله ﷺ والناس معه فقال: "من قتل الرجل؟ " قالوا: ابن الأكوع قال: "له سلبه أجمع".
وفي رواية أتى رسول الله ﷺ عين من المشركين وهو في سفر فجلس فتحدث عند أصحابه ثم انسل فقال نبي الله ﷺ : "اطلبوه فاقتلوه" فسبقتهم إليه فقتلته وأخذت سلبه فنفلنيإياه فيه غشارة إلى أن من دخل من العدو في دار الإسلام بغير أمان فقتله أحد أو أسره يكون سلبه له دون الذين كانوا معه ولم يقتلوه ولم يأسروه وهو مذهب أبي يوسف ومحمد قالا مرة لا خمس فيه وقالا مرة فيه الخمس خلافا لأبي حنيفة فإن سلبه لجميع المسلمين لأنه مغنوم بقوة دار الإسلام والحجة لهما ما قد ثبت عن رسول الله ﷺ في الركاز الموجود في أرض الأسلام أنه لواجده خاصة غير الخمس فيه فإنه لأهله وذلك لأن الواجد هو الغانم له فاستحقه على الخصوص بعد الخمس وقد يحتمل حديث سلمة أن يكون كذلك فيه الخمس لأهله ولكن تركه رسول اله ﷺ لسلمة لانه من أهله كما قال عمر بن الخطاب لأبي طجلحة في سلب الرابء بم مالك لما قتل مرز بان إنا كنا لا نخمس الإسلاب وإن سلب البراء قد بلغ مالا عظيما ولا أرانا إلا خامسه قال: فخمسه.
وقول سلمة في الحديث فنفلني إياه إخبار من سلمة لا يصح أن يكون معارضا لقوله ﷺ : "له سلبه أجمع" لأن ذلك يوجب أن يكون له باستحقاقه إياه بقتله دون أن ينفله إياه.
ومنه ما روى عن أبي قتادة بن ربعى أنه قال: خرجنا مع رسول الله
стр. 404
صلى الله عليه وسلم عام حنين فلما التقينا كانت للمسلمين جولة قال: فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين فاستدرت له حتى أتيته من ورائه فضربته بالسيف على حبل عاتقه ضربة قطعت بها الدرع فأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت ثم أدركه الموت فأرسلني فلقيت عمر بن الخطاب فقلت: ما بال الناس؟ فقال: أمر الله ثم أن الناس رجعوا فقال رسول الله ﷺ : "من قتل قتيلا له عليه وبينة فله سلبه" فقمت فقلت: من يشهد لي ثم جلست, ثم قال: ذلك الثانية ثم قال: ذلك الثالثة فقمت فقال رسول الله ﷺ : "مالك يا أبا قتادة؟ " فاقتصصت عليه القصة فقال: رجل من القوم صدق يا رسول الله وسلب ذلك القتيل عندي فأرضه منه يا رسول الله فقال أبو بكر: لا ها الله إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه فقال رسول الله ﷺ : "صدق فأعطه إياه" قال أبو قتادة: فأعطانيه فبعت الدرع فابتعت به مخرفا في بني سلمة فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام قيل فيه أن القاتل يستحق السلب قال الإمام ذلك أو لم يقل لأن قوله صلى اله عليه وسلم يدل على قتل متقدم لذلك القول ولا دليل فيه إذ قد يجوز أن يكون قال ﷺ يدل على قتل متقدم لذلك القول ولا دليل فيه إذ قد يجوز أن يكون قال ﷺ : "من قتل قتيلا فله سلبه" قبل ذلك القتل فكان ما قاله في هذا الحديث ليعلم من القاتلون فيدفع إليهم إسلاب قتلاهم وروى عن أنس ما يدل على ذلك قال لما كان يوم حنين جاءت هوازن تكر على رسول الله ﷺ بالإبل والغنم والنساء والصبيان فانهزم المسلمون يومئذ فجعل رسول الله ﷺ يقول يا معشر المهاجرين أنا عبد الله ورسوله يا معشر الأنصار أنا عبد الله ورسوله فهزم الله المشركين من غير أن يطعن برمح أو يضرب بسيف وقال رسول الله صلى اله عليه وسلم يومئذ "من قتل مشركا فله سلبه" فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين فأخذ إسلابهم وقال أبو قتادة: يا رسول الله إني ضربت رجلا على حبل العاتق فاجهضت عنه وعليه درع فانظر من أخذ الدرع فقام رجل فقال: يا رسول الله إني أخذتها فأعطينها وأرضه منها وكان رسول الله صلى الله
стр. 405
عليه وسلم لا يسئل إلا أعطاه أو يسكت فقام عمر بن الخطاب فقال ولا والله لا يفيئها الله على أسد من أسد الله ثم يعطيكها فقال رسول الله ﷺ : "صدق عمر" فدل هذا الحديث إن هذا القول من رسول الله ﷺ إنما كان منه عند انهزام الناس عنه وتفرقهم وعند حاجته إلى رجوعهم إليه فكان ذلك تحريضا لهم على القتال وعلى الرجوع غليه فدل ذلك إن قوله الثاني الذي كان في حديث أبي قتادة إنما كان لقوله الأول الذي كان في حديث نس وفي ذلك ما قد دل على أن من قتل قتيلا في الحرب لا يستحق سلبه إذا لم يكن قال الإمام قبل ذلك من قتل قتيلا فله سلبه كما يقوله أبو حنيفة وأصحابه ومالك وأصحابه لا كما يقول من خالفهم فيه وفي قول لمالك لا يجوز أن ينفل الإمام القاتل بالسلب إلا من الخمس.
ومنه ما روى عن جبير بن نفير عن عوف أن مدديا وافقهم في غزوة موته وإن روميا كان يشد على المسلمين فتلطف له المددى فقعد له تحت صخرة فلما مربه عرقب فرس وخر الرومي لقفاه وعلاه بالسيف فقتله فأقبل بفرسه بسرجه ولجامه وسيفه ومنطقته وسلاحه مذهب بالذهب والجوهر إلى خالد بن الوليد فأخذ خالد طائفة ونفله بقيته فقلت: يا خالد ما هذا أما تعلم أن رسول الله ﷺ سلب القاتل السلب كله؟ قال: بلى ولكني استكثرته فقلت: إيم الله لأعرفنكها عند رسول الله ﷺ فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أخبرته خبره فدعاه وأمره أن يدفع إلى المددى بقية سلبه فولى خالد ليفعل فقلت: كيف رأيت يا خالد أو لم أوف لك بما وعدتك فغضب رسول الله ﷺ وقال يا خالد لا تعطه واقبل على فقال: "هل أنتم تاركون امرائي لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره" عوف هذا هو عوف بن مالك بن أبي عوف الأجشعي أول مشاهده خيبر مات سنة ثلاث وسبعين في خلافة عبد الملك بن مروان ففي الحديث أن النبي ﷺ كان يسامح القاتلين بالأسلاب من غير أن تجب لهم يدل عليه ما روى أن البراء بن مالك أخا أنس
стр. 406
ابن مالك بارز مرزبان الزأرة فطعنه طعنة فكسر القربوس وخلصت إليه فقتله فقوم سلبه ثلاثين ألفا فلما صلينا الغداة غدا علينا عمر فقال لأبي طلحة: إنا كنا لا نخمس الأسلاب وإن صلب البراء قد بلغ ما لا ولا أرانا إلا خامسيه فقومناه ثلاثين ألفا فدفعنا إليه ستة آلاف وهذا مع حضور عمرو أبي طلحة وأنس ابن مالك ما كان من رسول الله ﷺ يوم حنين من قوله: "من قتل قتيلا فله سلبه".
وفي ذلك ما ينفي أن يكون فيه خمس وقد طلب عمر الخمس من سلب البراء فدل أنهم كانوا يتركون أخماس الأسلاب مسامحة لا وجوبا عليهم تركها إذا كان كذلك في أخماس الأسلاب كان كذلك في بقيتها فإنما أمضى خالد ما كان له أن يسمح به ومنع ما كان له أن يمنعه وأمضى رسول الله ﷺ قبل قول عوف وبعده ما أمضى لما قد كان له أن يمضيه عليه وفي ما دل على أن إسلاب القتلى لا تستحق إلا بقول متقدم من الإمام من قتل قتيلا فله سلبه فذلك الذي لا يجوز أن يمنع منه بحال.
قال الطحاوي: وقال محمد بن الحسن لو أن عسكرا من المسلمين دخل أرض الحرب وعليهم أمير فقال الأمير من قتل قتيلا فله سلبه فضرب رجل من المسلمين رجلا من المشركين فصرعه واحتز آخر رأسه فالسلف للذي صرعه وإن كان لم يقتله وإن كان صرعه وضربه ضربا يقدر على التحامل معه فالسلب للذي احتز رأسه قال: وبلغنا أن النبي ﷺ قال يوم بدر: "من قتل قتيلا فله سلبه" فضرب ابن عفراء أبا جهل فأثخنه وقتله ابن مسعود فجعل النبي ﷺ سلبه لابن مسعود وكذلك إن كان الذي صرعه ضربه ضربا لا يعاش من مثله ويعلم أن آخره إلى الموت إلا أنه ربما عاش اليوم واليومين والثلاثة أو أكثر إلا أن آخر احتز رأسه فالسلب للذي احتز رأسه وإن كان الأول ضربه فنثر ما في بطنه فألقاه أو قطع أو داجه إلا أن فيه شيئا من الروح ثم إن الآخر احتز رأسه فالسلف للذي صرعه لأن هذا إنما بقى منه مثل الذي
стр. 407
يكون من الحركة عند الموت فالفقه ما قاله محمد ولكنه وهم في أمر أبي جهل فإن رسول الله ﷺ لا يعلم منه أنه قال من قتل قتيلا فله سلبه إلا يوم حنين فقط وإنما كانتالأمور تجري في الإسلاب على ما قد ذكرنا ولا يحتج لمحمد بن الحسن بما روى عن عبد الله أن النبي ﷺ نفله يوم بدر سيف أبي جهل لأن الحدة عليه لا له لأنه لو كان ﷺ قد قال قولا يوجب السلب للقاتل لدفع سلب أبي جهل كله إلى قاتله.
ة وقد روى عن عبد الرحمن بن عوف قال: إني لقائم يوم بر بين غلامين حد يثة سنانهما تمنيت لو أني بين اضلع منهما فغمزني أحدهما وقال: يا عم أتعرف أبا جهل؟ فقلت: وما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الاعجل منا, فعجبت لذلك وغمزني الآخر فقال مثلها فلم انشب أن نظرت إلى أبي جهل يرفل في الناس فقلت: ألا تريان صاحبكما الذي تسألاه عنه فاتدراه فضرباه بسيفيهما حتى قتلاه ثم أتيا رسول الله ﷺ فأخبراه فقال: "أيكما قتله؟ " قال كل واحد منهما: أنا قتلته, فقال: "أمسحتما سيفيكما؟ " قالا: لا فنظر في السفين فقال: "كلاكما قتله" وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح والرجلان معاذ بن عمر بن الجموح وماذبن عفراء ففي قضاء رسول الله ﷺ بسلبه لأحد الرجلين اللذين أخبرا أنهما قتلاه جميعا بعد أن نفل منه بعضه لعبد الله بن مسعود دليل على أنه لم يتقدم منه القول بأن السلب للقاتل كما قال محمد مما وهم فيه وإن السلب إلى ما يراه الإمام وإن ذلك كان مما يسمح به للقاتل في الأغلب من غير وجوب والله أعلم.
стр. 408
في حكم من خرج إلينا من عبيدهم
روى عن ابن عباس قال: كان من خرج من عبيد الطائف إلى رسول الله ﷺ يوم الطائف اعتقه فكان منهم أبو بكرة فهو مولى رسول الله ﷺ يوم الطائف فكان ممن أعتق يومئذ أبو بكرة
стр. 409
وغيره فكانوا موالي رسول الله ﷺ يعنى اعتقه بخروجه إليهم لا باستئناف إعتاقهم بعد خروجهم إليه وليس المراد بقوله: فهو مولى رسول الله, الولاء الذي موجبه الاعتاق بل المراد به الولاء الذي موجبه الولاية التي منها "من كنت مولاه فعلي مولاه" ألا ترى إلى اتباعه بقوله ﷺ : "اللهم وال من والاه وعاد من عاداه" يؤيد ما ذكرنا ما روى العشبي عن رجل من ثقيف قال: سألنا رسول الله ﷺ أني رد إلينا أبا بكرة فأبى وقال: "هو طليق الله وطليق رسوله" وكان أبو بكرة خرج إلى النبي ﷺ حين حاصر الطائف.
ولأن الأصل المتفق عليه أن من خرج من عبيدهم إلى المسلمين مسلما مراغما لمولاه كان حرا لخروجه غانما لنفسه لا ولاء لأحد عليه وقد كان خروج أبي بكرة مسلما بدليل ما روى عن أبي عثمان النهدي قال سمعت سعد بن مالك وأبا بكرة يقولان قال رسول الله ﷺ : "من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام" قال: فقلت له: لقد حدثك رجلان وأي رجلين فقال: وما يمنعهما من ذلك أما أحدهما فأول رجل رمى بسهم في سبيل الله وأما الآخر فأول رجل نزل إلى رسول الله ﷺ فلولا أنه خرج مسلما لما كان محمودا على ذلك وإن من خرج إلينا من عبيدهم على كفره عاد غنيمة لكلنا باحر ازديارنا إياه كما قال أبو حنيفة أو لمن سبقت يده منا كما قالا من غير تخميس أو بعد إخراج الخمس في رواية عنهما وكان أبو بكرة لحقه الرق لما كان في الجاهلية من استرقاق أولاد إمائهم منهم ومن غيرهم.
стр. 410
في نقل راس الكافر
ورى عن علي بن أبي طالب قال: أتى رسول الله ﷺ برأس مرحب وروى عن البراء قال: قال لقيت خالي معه الراية فقلت: أين تذهب؟ فقال: أرسلني رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة
стр. 411
أبيه من بعد أبيه أن آتيه برأسه.
وعن عبد الله الديلمي عن أبيه قال أتينا رسول الله ﷺ برأس الأسود العنسي الكذاب فقلت: يا رسول الله قد عرفت من نحن فإلى من نحن, قال: "إلى الله وإلى رسوله", وكان إتيانهم به من اليمن ليقف ﷺ على نصر الله وعلى كفايته المسلمين شأنه.
وفيه إجازة نقل الرؤوس نكالا من بلد إلى بلد ليقف الناس على النكال الذي نزل بهم ومن هذا الجنس قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقوله في آية المحاربين: ﴿يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ ليشتهر في الناس أمرهم وإنكار أبي بكر على عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة حين بعثا رأسا إليه اجتهاد منه لما ظهر إليه من الاستغناء عنه ألا ترى أن أمراء الأجناد منهم يزيد بن أبي سفيان وعقبة بن عامر بحضرة من كان معهم لم ينكروا ذلك لما رأوا فيه من إعزاز دين الله وغلبة هله الكفار فالمرجع في مثله إلى أراء الأئمة يفعلون من ذلك ما يرونه صوابا مناسبا لوقتهم ويتركونه إذا استغنوا عنه وقد أتى عبد الله بن الزبير برأس المختار فلم ينكر ذلك روى أن البريد لما وضعه بين يديه قال: ما حدثني كعب بحديث إلا وجدته كما حدثني إلا هذا فإنه حدثني أنه يقتلني رجل من ثقيف وها هو قد قتلته قال الأعمش ولا يعلم أن أبا محمد يعني الحجاج مرصد له بالطريق.
стр. 412
في قتل كعب بن الأشرف
بعث رسول الله صل الله عليه وسلم محمد بن مسلمة لقتل كعب بن الأشرف وأذن له أن يقول ما شاء وأنه لما ناداه فخرج إليه وريح الطيب تنضخ استأذنه أن يشم رأسه فأذن له فوضع يده على رأسه فشمه ثم استعاده ذلك فأذن له فأعاد فلما استمكن من رأسه قال دونكم لثلاثة نفرا وأربعة كانوا معه فضربوه حتى قتلوه.
стр. 413
لا يقال فيه ختر بالأمان وإنه منهى عنه على ما روى السدى عن رفاعة قال: دخلت على المختار فإذا وسادتان مطروحتان فقال: يا جارية هلمي لفلان وسادة فقلت: ما بال هاتين؟ فقال: قام عن أحداهما جبريل وعن الأخرى ميكائيل فما منعني أن أقتله إلا حديث عمرو بن الحمق قلت: وما حدثك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أمنه رجل على نفسه فقتله فأنا منه برئ وإن كان المقتول كافرا".
وروى عنه ﷺ أنه قال: "من أمنه رجل على نفسه فقتله أعطى لواء غدر يوم القيامة" لأنا نقول معنى قوله ﷺ : "من آمن رجلا ١ على نفسه" إنما هو فيمن هو آمن أما بالإسلام وأما بدمه وأما بأمان بإعطاء المسلمين إياه ذلك حتى صار به آمنا على نفسه وصار دمه حراما وكان ما كان من ائتمان كعب محمد بن مسلمة على نفسه كلا ائتمان وأنه كان بعده في حل دمه كما كان قبله.
стр. 414
في كتابه ﷺ لأهل أيلة ببحرهم
روى عن أبي حميد قال: خرجنا مع النبي ﷺ عام تبوك حتى إذا جئنا وادي القرى جاء ملك أيلة فأهدى لرسول الله ﷺ بغلة بيضاء فكساه رسول الله ﷺ بردا وكتب له رسول الله ﷺ ببحرهم يحتمل أن يكون المراد ببحر إيلة هو السعة التي يدخل فيها عن الماء وما سواه كذلك يقول أهل اللغة: في البحر سميت بحرا لسعتها وانبساطها ومنه استبحر فلان في العلم إذا اتسع فيه واستبحر المكان إذا دخل فيه الماء وانبسط عليه وبحرت الناقة إذا اشققت أذنها طولا ومنه البحيرة وقول النبي ﷺ في فرس أبي طلحة: "إنه بحر وإنا وجدناه بحرا".
وكان كتاب رسول الله ﷺ على ما روى عن عروة
стр. 415
ابن الزبير: "بسم الله الرحمن الرحيم وهذه أمنة من الله ومحمد النبي ﷺ لمنجية بن روبة وأهل أيلة لسيارتهم ولبحرهم ولبرهم ذمة الله وذمة محمد النبي ﷺ ولمن كان معهم من كل مار من الناس من أهل الشام واليمن وأهل البحر فمن أحدث حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه وإنه طيب لمن أخذه من الناس ولا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقا يريدونها مؤبدا" ونحو هذا كتاب جهيم بن الصلت والمعنى فيه هو أن أهل اليمن والشام على كفرهم كانوا وحكمهم أن يغنموا لدخولهم بلا أمان في بلادنا فجعل رسول الله ﷺ بما كتب لهم آمنين على أنفسهم وأموالهم إذا دخلوا تلك المواضع وكان لم في ذلك أعظم المنافع لأنهم يميرونهم ويحملون إليهم الأطعمة التي يعيشون بها وغير ذلك مما ينتفع بها لا سيما وايلة لا زرع فيها فيحتمل أن يكونوا يعشرون كتجار أهل الحرب إذا دخلوا دارنا بأمان ويحتمل أن يكون ذلك مما رفعه رسول الله ﷺ ليرغبوا بذلك في الحمل إلى ذلك المكان كما خفف عمر بن الخطاب عمن كان يقدم المدينة من ناحية الشام بالتجارات فردهم إلى نصف العشر وما روى عن رسول الله ﷺ مما يوجب ذلك مذكور في موضعه.
стр. 416
في عطاء المحررين
روى عن عبد الله بن عمر قال: لمعاوية أمسكت عطاء المحررين ولم أر رسول الله صلى اله عليه وسلم بدأ بشيء أول منهم حين وجد وقال له لما قدم المدينة عام حج: ابدأ بالمحررين فإني رأيت رسول الله ﷺ قسم قسما فبدأ بهم فبدأ معاوية فأعطى المحررين قبل الناس وأحسن ما قيل فيه أن المحررين وهم المعتقون كانوا أعداء المسلمين يقاتلونهم وكان المسلمون في قتالهم إياهم مع عداوتهم محسنين إليهم إذ هو سبب لدخولهم الجنة وإليه
стр. 417
يشير قوله ﷺ جوابا للذي سأله عن ضحكه الذي كان منه فقال: "رأيت قوما يجرون إلى الجنة في السلاسل بخلاف الكفار فإنهم يسيئون إلى من يأسرون من المسلمين" ثم للمسلمين إحسان آخر إليهم باعتقاهم بعد الإسلام وإلحاقهم بالأحرار ابتغاء مرضاة الله تعالى فأراد النبي ﷺ أن يتصل الإحسان إليهم فلا يفارقهم ما كانوا في الدنيا والله أعلم.
стр. 418
في كسرى وقيصر
روى عن رسول الله ﷺ : "إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله تعالى" حكى عن الشافعي أن قريشا كانت تتجر بالشام والعراق كثيرا فلما دخلت في الإسلام خافت من انقطاع معاشهم من الشام والعراق لمعاداة ملكيهما لأهل الإسلام فقال صلى الله لعيه وسلم: "إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده" فلم يكن بأرض العراق كسرى ثبت له أمر بعده وكذا لم يكن بأرض الشام قيصر عن الشام وثبت لقيصر ملك ببلاد الروم وقيل أن معنى قوله ﷺ : "إذا هلك" أي سيهلك ولا يكون بعده كسرى إلى يوم القيامة وكذا إذا هلك قيصر لكنه لم يهلك إلى الآن ولكنه هالك قبل يوم القيامة واختلاف هلاكيهما تعجيلا وتأخيرا لاختلاف ما كان منهما عند ورود كتاب رسول الله صلى اله عليه وسلم عليهما وذلك لأن كسرى مزقه فدعا ﷺ أن يمزقوا كل ممزق وقيصر لما قرأ كتابه وسأل أبا سفيان عما سأله عنه قال إن يكن ما قلت حقا فيوشك أن يملك موضع قدمي هاتين ولو أرجو أن أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت قدميه الحديث وهذا أشبه لان قيصر لم يهلك وإنما تحول من الشام إلى الروم يحققه قوله: "لتنفقن كنوزهما"
стр. 419
في سبيل الله" وقد أنفق كنز كسرى ولم ينفق كنز قيصر في مثله إلى الآن وسينفق على ما روى جابر بن سمرة عن النبي ﷺ أنه قال: "ستغزون جزيرة العرب وتفتح عليكم وتغزون فالرسا فتفتح عليكم وتغزون الروم فتفتح عليكم ثم الدجال" قال جابر: ولا يخرج الدجال حتى تفتح الروم فأخبر أن فتح الروم المقترن بفتح كسرى لم يكن وأنه كائن البتة وإذا يكون كفتح كسرى الذي قد كان وقد روى معاذ عن النبي ﷺ أن عمران بيت المقدس خراب يثرب وخراب يثرب خروج الملحمة وخروج الملحمة فتح القسطنطينية وفتح القسطنطينية خروج الدجال ثم ضرب على فخذي أو فخذ الذي بجنبه أو منكبه ثم قال أما أنه لحق كما أنك هاهنا ففيه أن هلاك قيصر إذا هلك لا يكون بعده قيصر إلى يوم القيامة كما لا يكون بعد كسرى إلى يوم القيامة وتخلو الأرض من كل منهما وتصرف كنوزهما إلى ما أخبر ﷺ أنها منفقة فيه.
في المسابقة
روى عن عائشة أنها قالت سابقت رسول الله ﷺ فسبقته فلما حملت اللحم سابقته فسبقني فقال: "هذه بتلك" وفيما روى عنها أنها قالت خرجت مع النبي ﷺ في غزوة بدر الآخرة حتى إذا كنا بالأثيل انصرفت لبعض حاجتي فنكبت عن الطريق فبينما أنا كذلك إذا راكب يضرب فإذا رسول الله ﷺ ففرغت من حاجتي ثم جئت فقال: "أسابقك فأرمي بدرعي خلف ظهري ثم أجعل طرفه في حجري ثم خططت خطا برجلي ثم قلت: تعال فقم على هذا الخط" فنظر في وجهي وكأنه عجب فقمنا على ذلك الخط قالت: فقلت: اذهب قال: اذهبي فخرجنا فسبقني وخرج بين يدي فقال: "هذه بيوم ذي المجاز" فتذكرت ما يوم ذي المجاز فذكرت أنه جاء وأنا جارية وكان في يدي شيء فسألنيه فمنعته فذهب يتعاطاه ففررت فخرج في أثري فسبقته ودخلنا البيت, وفيما روى عن سلمة بن الأكوع أنه قال: قدمنا من
стр. 420
الحديبية مع رسول الله ﷺ فأردفني راجعين إلى المدينة على ناقته العضباء فلما كان بيننا وبين المدينة وكرة وفينا رجل من الأنصار لا يسبق عدوا فقال: هل من مسابق إلى المدينة؟ قالها مرارا وأنا سكات فقلت: ما تكرم كريما ولا تهاب شريفا قال: لا إلا أن يكون رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله ائذن لي فلأسابقنه فقال: "إن شئت فعلت" فقلت: اذهب إليك فخرج يشتد وانطفق١ عن الناقة ثم أعدو فربطت على شرفا أو شرفين فسألته ما ربطت قال استبقيت نفسي ثم أني عدوت حتى ألحقه فأصك بين كتفيه وقل: ت سبقتك والله قال: فنظر إلي فضحك.
ففي هذه الآثار إباحة السبق على الإقدام وبه كان يقول محمد بن الحسن خلافا لمن قال أنه لا مسابقة إلا في خف أو حافر احتجاجا بما روى عن النبي ﷺ من قوله: "لا سبق إلا في خف أو حافر" ذهب آخرون إلى خلاف ذلك أيضا فقالوا: "لا سبق إلا في نصل أو حافرا وخف".
فهذه أقوال ثلاثة احتج قائلوها بروايات تدل على مدعاهم ولأهل المقالة الأولى عليهم أن ذلك إنما يكون كذلك لو وقفنا على أن ما في الآثار التي احتجوا بها مما ينفي السبق على الأقدام كان بعد ما روته عائشة في ذلك ولكن يحتمل أن مروى عائشة كان بعدها فيكون مبيحا للسبق على الأقدام ناسخا لحظره السابق ولا ينبغي رفع ما ثبت يقينا وهو إباحة السبق بالإقدام إلا بيقين مثله وليس فليس.
وفيما روى عنه صلى الله عليه والله وسلم: "لا جلب ولا جنب" المراد بالنهي عن هذين المعنيين هو في السبق بما يجوز السبق بمثله سئل مالك هل سمعت أن رسول الله ﷺ قال: "لا جلب ولا جنب" وما تفسيرهما فقال: لم يبلغني ذلك عن النبي ﷺ وتفسيره أن يجلب وراء الفرس حين يدبر ويحرك وراءه الشيء يستحث به فيسبق فذلك الجلب والجنب أن يجنب مع الفرس الذي يسابق به فرس آخر حتى إذا أدنى من الغاية تحول صاحبه على الفرس
стр. 421
المجنوبة. وروى عن الليث قال في تفسير لا جلب أن يجلب وراء الفرس في السباق والجنب أن يكون إلى جنبه تخفيف به للسباق ولا يعلم في ذلك قول غير هذين القولين فالواجب في ذلك استعمال التأويلين حتى يحيط مستعملهما علما أنه لم يدخل فيما نهاه عنه رسول الله ﷺ .
وفيما روى عن النبي ﷺ من رواية أبي هريرة أنه قال: "من أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يؤمن أن يسبق فلا بأس ومن أدخل فرسا بين فرسين وهو يؤمن أن يسبق فذلكم القمار" يعني أن الرجلين إذا سابقا بفرسين يدخلان بينهما دخيلا بجعل فالعرب تسمى الدخيل محللا فيضع الأولان رهنين ولا يضع المحلل شيئا ويرسلون الأفراس الثلاثة فإن سبق أحد الأولين أخذ رهن صاحبه فكان طيبا له مع رهنه وإن سبق المحلل ولم يسبق واحد من الأولين أخذ الرهنين وكانا له طيبين وإن سبق هو لم يكن عليه للاولين شيء ولا خلاف أن المراد بقوله: "وهو يؤمن أن يسبق أنه المبطئ من الخيل الذي يؤمن منه أن يسبق" قال الطحاوي وجعل الدخيل في هذا في حكم المتسابقين أنفسهما بلا دخيل بينهما برهن يجعله أحدهما أن سبق الذي هو من عنده سلم له ولم يكن له على المسبوق شيء وإن سبق الذي ليس هو له أخذ ذلك الرهن فكان طيبا حلالا له وإن كان الرهان وقع بينهما على أنه لمن سبق غرم شيئا لصاحبه سميا ذلك الشيء كان ذلك قمارا ولم يحل فيسلك بالمحلل الدخيل بينهما هذا المعنى إن سبق أخذ الرهنين جميعا وإن سبق لم يكن عليه شيء لصاحبيه ولا لواحد منهما.
وقد روى عن النبي ﷺ حديث واحد لا نعلمه روى عنه في الرهان غيره روى عن أبي لبيد أرسلت الخيل زمن الحجاج والحكم ابن أيوب أمير على البصرة قال: فلما انصرفنا من الرهان قلنا: لو ملنا إلى أنس ابن مالك فسألناه هل كان رسول الله ﷺ يراهن على الخيل؟ قال: فسئل أنس عن ذلك فقال: نعم, والله لقد راهن على فرس يقال له: سبحة فسبقت الناس فبهش لذلك وأعجبه.
стр. 422
فأما السبق بغير ذكر رهان كان فيه فقد رويت فيه عن رسول الله ﷺ آثار صحاح منها حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ سابق بين الخيل التي قد أضمرت من الحفياء وكان أمدها ثنية الوداع وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسدد بني زريق وإن عبد الله ابن عمر فيمن سابق بها.
وروى عن أنس أنه قال: كافت ناقة النبي ﷺ العضباء لا تسبق فجاء أعرابي على قعود له فسابقها فسبقها فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "حقيق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا الأوضعة".
стр. 423
في الجزية
روي عن النبي ﷺ من قوله: "ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية". وفي رواية: "ولتذهبن الشحناء والتباغض وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد وليتركن القلائص فلا يسعى عليها" يعني يعود الناس كلهم أغنياء ولا يوجد للزكاة أهل توضع فيه فيسقط فرضها لعدم محلها وكذلك الجزية إذا لم يوجد ما تصرف فيه من قتال أو مما سواه سقط فرضها.
وروى أن رجلا قام فقال: يا عجبا لعلي يأخذ الجزية من المحبوس وقد أمر رسول الله ﷺ بالقتال وأن لا يؤخذ الجزية إلا من أهل الكتاب فأخذه المستورد التميمي وذهب به إلى علي ﵁ فقال: أن المجوس كانوا أهل كتاب فانطلق ملك منهم فوقع على أخته وهو نشوان فلما أفاق قالت له أخته: أي شيء صنعت وقعت علي وقد رأك الناس والآن يرجمونك قال: أفلا حجزتني؟ قالت: واستطعت جئت مثل الشيطان ولقدراك الناس وليرجمنك غدا إلا أن تطيعني, قال: وكيف أصنع؟ قالت: ترضى أهل الطمع
стр. 424
ثم تدعوا الناس فتقول: أن آدم كان يزوج ابنه أخته أو قالت: ابنته ابنه قال: وجاءه القراء فقالوا: قم يا عدو الله قال: هو هذا قد جاؤوا فقام إليهم أولئك فداسوهم حتى ماتوا فمن يومئذ كانت المجوسية وقد أخذ رسول الله صلى اله عليه وسلم الجزية من مجوس هجر.
يحتمل أن يكون المجوس أهل كتاب ونسخ كتابهم فلم يبق كتاب الله كما نسخ بعض القرآن فعاد غير قرآن كقوله الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة وقوله: لو كان لابن آدم واديان من مال لا بتغى إليهما ثالثا إلى غير ذلك مما نسخ وخرج من أن يكون قرآنا ويكونو كاليهود والنصارى من أهل الكتاب في أكل ذبائحهم واستحلال نسائهم وإنما أخذت الجزية منهم لأخذ رسول الله ﷺ إياها منهم على ما في حديث على وعبد الرحمن على ما روى أن عمر لم يأخذ الجزية من المجوس حتى شهد له عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ أخذها من مجوس هجر وروى أن رسول الله ﷺ قبل من مجوس أهل البحرين الجزية وأقرهم على مجويتهم وعامل رسول الله ﷺ يومئذ على البحرين العلاء بن الحضرمي وليس الأخذ منهم لأنهم أهل كتاب بل لما كانت الجزية تؤخذ من اهل الكتابين مع إنا نؤمن بكتابهما لا قرارانا إياهم في دار الإسلام آمنين وهم إلينا أقرب من المجوس الذين لا كتاب لهم فمن المجوس ولى لمشاركتهم في المعنى الموجب للأخذ وهو القرار في دارنا آمنين فلا يلزم به حل نسائهم وذبائحهم وكذلك امتثل فيهم الخلفاء الراشدون منهم عمرو على وعثمان على ما روى عنه أنه أخذها من بربر.
وروى عن النبي ﷺ أنه أتى عمه يعوده وعند رأسه مقعد رجل فقام أبو جهل فقعد فيه فقال: ما بال ابن أخيك يذكر آلهتنا؟ قال: ما بال قومك يشكونك؟ قال: "يا عماه أريدهم على كلمة تدين لهم العرب وتؤدي إليهم العجم الجزية" قال: ما هي؟ قال: "لا إله إلا الله" فقال: اجعل الآلهة إلها واحدا؟ فأنزل الله
стр. 425
تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ فيه ما دل على دخول المجوس فيمن تؤخذ منهم الجزية.
وقد روى محمد ابن الحنفية أن رسول الله ﷺ كتب إلى مجوس البحرين يدعوهم إلى الإسلام فمن أسلم منهم قبل منه ومن أبى ضربت عليه الجزية ولا يؤكل لهم ذبيحة ولا تنكح لهم امرأة وما روى عن حذيفة ابن اليمان أنه قال: لولا أني رأيت أصحابي أخذوا من المجوس يعني الجزية ما أخذت منهم. وتلا قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية فذلك لأنه لم يقف على ما وقف عليه الخلفاء من أمر رسول الله ﷺ ومن فعله فاستدل بفعل الخلفاء لعلمه أنهم لم يفعلوا إلا ما ينبغي لهم أن يفعلوه.