المجنوبة. وروى عن الليث قال في تفسير لا جلب أن يجلب وراء الفرس في السباق والجنب أن يكون إلى جنبه تخفيف به للسباق ولا يعلم في ذلك قول غير هذين القولين فالواجب في ذلك استعمال التأويلين حتى يحيط مستعملهما علما أنه لم يدخل فيما نهاه عنه رسول الله ﷺ .
وفيما روى عن النبي ﷺ من رواية أبي هريرة أنه قال: "من أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يؤمن أن يسبق فلا بأس ومن أدخل فرسا بين فرسين وهو يؤمن أن يسبق فذلكم القمار" يعني أن الرجلين إذا سابقا بفرسين يدخلان بينهما دخيلا بجعل فالعرب تسمى الدخيل محللا فيضع الأولان رهنين ولا يضع المحلل شيئا ويرسلون الأفراس الثلاثة فإن سبق أحد الأولين أخذ رهن صاحبه فكان طيبا له مع رهنه وإن سبق المحلل ولم يسبق واحد من الأولين أخذ الرهنين وكانا له طيبين وإن سبق هو لم يكن عليه للاولين شيء ولا خلاف أن المراد بقوله: "وهو يؤمن أن يسبق أنه المبطئ من الخيل الذي يؤمن منه أن يسبق" قال الطحاوي وجعل الدخيل في هذا في حكم المتسابقين أنفسهما بلا دخيل بينهما برهن يجعله أحدهما أن سبق الذي هو من عنده سلم له ولم يكن له على المسبوق شيء وإن سبق الذي ليس هو له أخذ ذلك الرهن فكان طيبا حلالا له وإن كان الرهان وقع بينهما على أنه لمن سبق غرم شيئا لصاحبه سميا ذلك الشيء كان ذلك قمارا ولم يحل فيسلك بالمحلل الدخيل بينهما هذا المعنى إن سبق أخذ الرهنين جميعا وإن سبق لم يكن عليه شيء لصاحبيه ولا لواحد منهما.
وقد روى عن النبي ﷺ حديث واحد لا نعلمه روى عنه في الرهان غيره روى عن أبي لبيد أرسلت الخيل زمن الحجاج والحكم ابن أيوب أمير على البصرة قال: فلما انصرفنا من الرهان قلنا: لو ملنا إلى أنس ابن مالك فسألناه هل كان رسول الله ﷺ يراهن على الخيل؟ قال: فسئل أنس عن ذلك فقال: نعم, والله لقد راهن على فرس يقال له: سبحة فسبقت الناس فبهش لذلك وأعجبه.
стр. 422
فأما السبق بغير ذكر رهان كان فيه فقد رويت فيه عن رسول الله ﷺ آثار صحاح منها حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ سابق بين الخيل التي قد أضمرت من الحفياء وكان أمدها ثنية الوداع وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسدد بني زريق وإن عبد الله ابن عمر فيمن سابق بها.
وروى عن أنس أنه قال: كافت ناقة النبي ﷺ العضباء لا تسبق فجاء أعرابي على قعود له فسابقها فسبقها فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "حقيق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا الأوضعة".
стр. 423
في الجزية
روي عن النبي ﷺ من قوله: "ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية". وفي رواية: "ولتذهبن الشحناء والتباغض وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد وليتركن القلائص فلا يسعى عليها" يعني يعود الناس كلهم أغنياء ولا يوجد للزكاة أهل توضع فيه فيسقط فرضها لعدم محلها وكذلك الجزية إذا لم يوجد ما تصرف فيه من قتال أو مما سواه سقط فرضها.
وروى أن رجلا قام فقال: يا عجبا لعلي يأخذ الجزية من المحبوس وقد أمر رسول الله ﷺ بالقتال وأن لا يؤخذ الجزية إلا من أهل الكتاب فأخذه المستورد التميمي وذهب به إلى علي ﵁ فقال: أن المجوس كانوا أهل كتاب فانطلق ملك منهم فوقع على أخته وهو نشوان فلما أفاق قالت له أخته: أي شيء صنعت وقعت علي وقد رأك الناس والآن يرجمونك قال: أفلا حجزتني؟ قالت: واستطعت جئت مثل الشيطان ولقدراك الناس وليرجمنك غدا إلا أن تطيعني, قال: وكيف أصنع؟ قالت: ترضى أهل الطمع
стр. 424
ثم تدعوا الناس فتقول: أن آدم كان يزوج ابنه أخته أو قالت: ابنته ابنه قال: وجاءه القراء فقالوا: قم يا عدو الله قال: هو هذا قد جاؤوا فقام إليهم أولئك فداسوهم حتى ماتوا فمن يومئذ كانت المجوسية وقد أخذ رسول الله صلى اله عليه وسلم الجزية من مجوس هجر.
يحتمل أن يكون المجوس أهل كتاب ونسخ كتابهم فلم يبق كتاب الله كما نسخ بعض القرآن فعاد غير قرآن كقوله الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة وقوله: لو كان لابن آدم واديان من مال لا بتغى إليهما ثالثا إلى غير ذلك مما نسخ وخرج من أن يكون قرآنا ويكونو كاليهود والنصارى من أهل الكتاب في أكل ذبائحهم واستحلال نسائهم وإنما أخذت الجزية منهم لأخذ رسول الله ﷺ إياها منهم على ما في حديث على وعبد الرحمن على ما روى أن عمر لم يأخذ الجزية من المجوس حتى شهد له عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ أخذها من مجوس هجر وروى أن رسول الله ﷺ قبل من مجوس أهل البحرين الجزية وأقرهم على مجويتهم وعامل رسول الله ﷺ يومئذ على البحرين العلاء بن الحضرمي وليس الأخذ منهم لأنهم أهل كتاب بل لما كانت الجزية تؤخذ من اهل الكتابين مع إنا نؤمن بكتابهما لا قرارانا إياهم في دار الإسلام آمنين وهم إلينا أقرب من المجوس الذين لا كتاب لهم فمن المجوس ولى لمشاركتهم في المعنى الموجب للأخذ وهو القرار في دارنا آمنين فلا يلزم به حل نسائهم وذبائحهم وكذلك امتثل فيهم الخلفاء الراشدون منهم عمرو على وعثمان على ما روى عنه أنه أخذها من بربر.
وروى عن النبي ﷺ أنه أتى عمه يعوده وعند رأسه مقعد رجل فقام أبو جهل فقعد فيه فقال: ما بال ابن أخيك يذكر آلهتنا؟ قال: ما بال قومك يشكونك؟ قال: "يا عماه أريدهم على كلمة تدين لهم العرب وتؤدي إليهم العجم الجزية" قال: ما هي؟ قال: "لا إله إلا الله" فقال: اجعل الآلهة إلها واحدا؟ فأنزل الله
стр. 425
تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ فيه ما دل على دخول المجوس فيمن تؤخذ منهم الجزية.
وقد روى محمد ابن الحنفية أن رسول الله ﷺ كتب إلى مجوس البحرين يدعوهم إلى الإسلام فمن أسلم منهم قبل منه ومن أبى ضربت عليه الجزية ولا يؤكل لهم ذبيحة ولا تنكح لهم امرأة وما روى عن حذيفة ابن اليمان أنه قال: لولا أني رأيت أصحابي أخذوا من المجوس يعني الجزية ما أخذت منهم. وتلا قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية فذلك لأنه لم يقف على ما وقف عليه الخلفاء من أمر رسول الله ﷺ ومن فعله فاستدل بفعل الخلفاء لعلمه أنهم لم يفعلوا إلا ما ينبغي لهم أن يفعلوه.
стр. 426
في الجعائل
ورى شفى الأصبحي عن عبد الله بن عمرو بن العاصي عن النبي ﷺ قال: "للغازي أجره وللجاعل أجره" وأجر الغازي وشفى بضم الشين من أصبح وأما الهيثم بن شفى فهو بالفتح وثمامة بن شفى بالفتح أيضا اختلف أهل العلم في الجعائل في الغزو فأعلى ما وجد فيه ما روى أن معاوية كتب إلى جرير بن عبد الله البجلي في بعث ضربه أما بعد فقد رفعنا عنك وعن ولدك الجعل فكتب إليه جرير إني بايعت رسول الله ﷺ على الإسلام فأمسك رسول الله ﷺ بيدي فاشترط على والنصح لكل مسلم فإن انشط في هذا البعث نخرج وغلا أعطينا من أموالنا ما ينطلق المنطلق قال المسعودي: هذا أحسن ما سمعنا في الجعائل ومذهب أبي حنيفة كراهة الجعل إذا كان للمسلمين فئ فإن لم يكن فئ فلا بأس أن يقوى بعضهم بعضا رواه محمد ولم يحك خلافا بينه وبين أبي يوسف فيكون ما روى عن النبي ﷺ مما ظاهره أباحة الجعائل مخصوصا بحالة الحاجة وما روى عن جرير مما لم ينكر معاوية عليه محمول على الحاجة لأن المسلمين إذا كان لهم فئ كان الأولى بهم التنزه عن الصدقة وعما
стр. 427
هو في حكمها أعنى الجعائل إذ الاستغناء بالفئ عما هو غسالة الذنوب أولى فإن لم يكن أباحت الحاجة قبول الجعل للضرورة إليه.
ومنه ما روى أن أبا أيوب الأنصاري كتب إلى ابن أخيه يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ستفتح عليكم الأمصار وتضرب عليكم بعوث يكرهها الرجل منكم يريد أن يتخلص منها فيأتي القبائل يعرض نفسه عليهم ويقول من أكفيه بعث كذا وكذا ألا فذلكم الأجير إلى اقصى قطرة من دمه" في هذا ما يوجب أن الثواب في ذلك الغزو للجاعل وقد ذكرنا في حديث شفى الاصبحي أن للجاعل أجرا لجاعل وقد ذكرنا في حديث شفى الأصبحي أن للجاعل أجرا لجاعل وأجر الغازي وفي ذلك ما قد ينفي أن يكون للغازي على ذلك أجر إذ كان إنما غزا بمال قد أخذه عوضا على غزوه فإذا قتل في ذلك فقد قتل أجيرا فيما لا ثواب له فيه من ربه إذ كان ثوابه في الجعل الذي أخذه ممن يغزو عنه.
стр. 428
كتاب النذور والأيمان
ما جاء في الاستثناء باليمين
...
كتاب النذور والإيمان
فيه اثنا عشر حديثا
ما جاء في الاستثناء باليمين
روى عن النبي ﷺ قال: "من حلف بيمين فقال إن شاء الله فقد استثنى" يعني إذا وصل الاستثناء باليمين كان يقول ابن عمر لا حنث في يمين موصول آخرها بأن شاء الله وعليه مدار هذا الحديث ولا يظن به مع كمال فضله وورعه تخصيص ما عمه النبي ﷺ إلا ما يجب له تخصيصه به وما روى عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ إذا قلت شيئا فلم تقل إن شاء الله فقل إن شاء الله إذا ذكرت لا يخالف ما ذكرنا عن ابن عمر إنما هو في الأشياء التي يقول الرجل أنه يفعلها في المستقبل فعسى لا يتيسر له فعلها فيذم فإذا الحق بكلامه إن شاء الله يتخلص من الذم لا في الإيمان إذ لو استطاع أن يلحق الاستثناء بيمينه لما احتاج إلى الكفارة حالف إذن يؤيده قوله ﷺ : "من حلف على يمين ثم رأى غيرها خيرا منها فليأت
стр. 429
الذي هو خير وليكفر عن يمينه أو ليكفر عن يمينه ويأتي الذي هو خيره" فلو كان إلحاق الاستثناء منفصلا ممكنا لعاد بذلك إلى حكم من قالها موصولة فلم يحتج إلى الكفارة وما روى مسعر عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول اله ﷺ : "والله لأغزون قريشا" قال: "إن شاء الله" ثم قال: "والله لأغزون قريشا" ثم قال: "إن شاء الله" ثم قال: "والله لا غزون قريشا" ثم قال: "إن شاء الله"
وفي رواية شريك عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس "والله لأغزون قريشا" ثلاث مرات ثم قال: في الثالثة "إن شاء الله" فإن كان الحديث كما روى مسعر فهو مفتوح المعنى ومكشوف المراد وإن كان كما روى شريك فيكون قوله: "إن شاء الله" راجعا على جميع الإيمان لا على الآخرة منها وحدها فالمعنى فيه إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ : ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً ِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ إذ يجوز أن يقطعه قاطع عن فعله ثم فيه ترك الدخول منه عليه في غيبه وإن كان ذلك القول مما أجرى الله على لسانه فإن استعمال الإخلاص وترك الدخول منه عليه في ذلك أولى كما قال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ وإن كان ذلك لابد من كونه فعلم أن وصل الشيئة فيما يقال في الأشياء المستقيلات سواء كان من الأمور الكائنة البتة أو المترددة من اللوازم إخلاصا لله وتسليما للأمور إليه وكذلك الإيمان كلها إذا كانت على الأشياء المستأنفات.
لا يقال كان من رسول الله ﷺ الإيلاء من نسائه بغير قول منه فيه إن شاء الله لأنه يحتمل أن يكون ذلك منه قبل نزول هذه الآية.
قال الطحاوي: ذهب شريح إلى أنه إن قدم الطلاق على الاستثناء بأن قال امرأتي طالق إن دخلت الدار أن الطلاق لازم بخلاف ما إذا قدم الاستثناء فقال: إن دخلت الدار فامرأتي طالق فإنها لا تطلق حتى يدخل الدار وهو مخالف لما عليه جميع أهل العلم من عدم الفرق بين التقديم والتاخير في أعمال الاستثناء قال تعالى: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ فبدأ بذكر وعده إياه بما وعده
стр. 430
به ثم استثنى منه من هو خارج من ذلك الوعد ومثل ذلك من السنة ما روته عائشة قالت لددنا رسول الله ﷺ في مرضه فجعل يشير إليها لا تلدوني فقلنا كراهة المريض للدواء فلما أفاق قال ألم أنهكم أن تلدوني الحديث فقال رسول الله ﷺ : "لا يبقى منكم أحد إلا لد وأنا أنظر إلا العباس فإنه لم يشهدكم" وما روى عن العباس قال: دخلت على رسول الله ﷺ وعنده نسوة فاحتجبن مني إلا ميمونة فأخذن متكأ فدققنه ثم لددنه فقال: "لا يبقى في البيت أحد يشهد ١ لدي إلا لدالا أن يمين لم تصب عمى العباس" فجعل يلد بعضهن بعضا وفي رواية فقالت امرأة منا: والله إني لصائمة قالوا: بئس ما ظننت أن نبرك٢ وقد أقسم رسول الله ﷺ فلدوها والله وإنها لصائمة ففي هذه الآثار عزيمة رسول صلى اله عليه وسلم بالالداد لمن في البيت ثم أخرج العباس أما لأنه لم يحضر وأما لا عظامه لعمه غير أنه قد كانت العزيمة وهو في البيت وأخرج منها بالاستثناء المؤخر عنها وفيه ما دل على فساد مقالة شريح.
اللدود ما يسقى الإنسان من أحد شقى الفم وهو مأخوذ من لديدي الوادي وهما جانباه وفي الحديث عليكن بهذا العود الهندي فإن فيه سبعة أشفية منها ذات الجنب يسعط من العذرة ويلد من ذات الجنب فوقفنا بذلك على إباحة اللدود في العلاج من العلة التي هو علاجها ونهى النبي ﷺ لأنه لدو ما كان علاجه وكان طبهم فيه خطأ وكان ما أخر به من الداد من حضر على وجه التأديب حتى لا يعدن إلى مثله وليس على سبيل القصاص لأنه لم يأمر أن يلدوا بمقدار مالدوه به لا بأكثر منه.
стр. 431
في الإدام
روى جابر بن عبد الله قال رسول الله ﷺ : "نعم الادام الخل" وروى عمر بن الخطاب قال رسول الله ﷺ :
стр. 432
"ائتدموا بالزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة".
كان أبو حنيفة وأبو يوسف يقولان الادام ما يصطبغ به كالزيت والخل وما أشبههما والشواء ليس بادام وكذا اللحم وقال محمد هذه الأشياء كلها ادامات وكل ما يؤكل به الخبز فهو ادام وروى عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة فيكفئها الجبار بيده كما يكفئ أحد خبزته من السفر ١ نزلا لأهل الجنة" فأتى رجل من اليهود فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: تكون الأرض خبزة واحد كما قال رسول الله ﷺ قال: فنظر رسول الله ﷺ ثم ضحك حتى بدت نواجذه ثم قال: ألا أخبرك بإدامها؟ قال: بلى, قال: "إدامها بالأم ونون" قالوا: وما هذه, قال: "ثور ونون يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفا".
ففيه أن الثور والنون إدام لأهل الجنة يأكلون به ما يأكلون من الخبزة المذكورة وروى عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: رأيت رسول الله ﷺ أخذ كسرة من خبز شعير فوضع عليها تمرة فقال: "هذه إدام هذه فأكلها".
وفي الديثين ما يدل على أن ما لم يصطبغ به الخبز ادام كالذي يصطبغ به من غير فرق وكلام العرب يدل عليه يقال أدم الله بينهما يعني جعل بينهما المحبة والتفاق روى أن رسول الله ﷺ قال للمغيرة بن شعبة لما أخبره أنه خطب امرأة: "هل نظرت إليها؟ " فقال: لا, فقال: "انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" فيكون ما يطيب به الطعام ليؤكل اداما له كما قاله محمد بن الحسن.
стр. 433
في اليمين بغير الله تعالى
روى أن النبي ﷺ قال: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت" ولا يعارضه قوله ﷺ : "أفلح
стр. 434
وأبيه إن صدق" لما جاءه أعرابي يسأل عن الإسلام فأخبره بشرائع الإسلام وقال الأعرابي: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه فإنه كان مباحا وانتسخ بالنهي ويؤيده ما روى أن حبرا أتى النبي ﷺ فقال: يا محمد نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون, فقال: "سبحان الله", قال: إنكم تقولون إذا حلفتم: والكعبة قال فأمهل رسول الله ﷺ ثم قال: "إنه قد قال فمن حلف فليحلف برب الكعبة".
ومنه ما روي عن النبي ﷺ من قوله: "من حلف بغير الله فقد أشرك" يعني جعل ما حلف به محلوفا به كما أن الله تعالى محلوف به وذلك ذنب ولكن لا يريد به الشرك الذي يكون به خارجا عنالإسلام نظير ما روى من قوله ﷺ : "الطيرة شرك وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل" في أن المراد به أن شيئا تولى الله فعله قيل فيه إن سبب فعله كذا وكذا مما يتطير به فمثل ذلك الشرك المذكور في الحلف بغير الله إلا الشرك الذي يوجب الكفر.
ومنه ما روى عن سعد بن أبي وقاص أنه قال حلفت باللات والعزى وكان العهد حديثا فأتيت النبي ﷺ فقلت: إني حلفت باللات والعزى وكان العهد حديثا قال: "قلت: هجرا أتفل عن يسارك ثلاثا وقل لا إله إلا الله وحده واستغفر الله ولا تعد".
فيه ما يدل على أن سعدا لم يخلف الأعلى ما اعتاده لسانه ساهيا عن تحريم الله ذلك عليه بإسلامه وذلك من اللغو وقول النبي ﷺ : "لا تعد" معناه والله أعلم أن يتحفظ من نفسه والأخذ بالحزم لئلا يقع في مثله وأمره بالاستغفرا مخافة أن يكون قد قصر في التحفظ.
ومنه ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: "من حلف بملة سوى ملة الإسلام كاذبا فهو كما قال".
فيه معنى لطيف من الفقه وهو أن من حلف فقال هو يهودي إن كان
стр. 435
كذا وكذا لما يعلم أنه قد كان فقد علق قوله: هو يهودي بما لا معنى له فكان بمنزلة قوله: هو يهودي من غير تعليق يصير به مرتدا فإن التعليق بالكائن تنجيز كالرجل يقول امرأته طالق إن كان كذا لما هو عالم أنه قد كان بخلاف التعليق بالمستقبل فإنه لا يصير مرتد أو لا يقع الطلاق لما لم يكن بعد فالحديث إنما هو في الحلف على الأشياء المستدبرة لأعلى المستقبلة.
стр. 436
في النذر
روي أن النبي ﷺ نهى عن النذر وقال: "إنه لا يؤخر شيئا ولكن يستخرج به من البخيل" وزاد بعض وأمر بالوفاء به.
ليس النذر بمعصية فينهى عنه وإنما المنهي اعتقادهم أنه يؤخر ما يحبون تأخيره أو يعجل ما يحبون تعجيله ولذلك أمر بالوفاء به ومدح من يوفيه في قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً﴾ الآية أي إن لم يوفوا به.
ومنه ما روي عن أنس بن مالك قال غزونا مع رسول الله ﷺ فكان رجل من الكفار أشد الناس على المسلمين فقال رجل من الصحابة لئن أمكنه الله منه ليضربن عنقه قال: فأظفر الله المسلمين بهم فكانوا يجيئون بهم أسارى فيبا عهم رسول الله ﷺ حتى جئ بذلك الرجل فكف ﷺ عن بيعته ليفي الرجل بنذره وكره الرجل أن يضرب عنقه قدام الرسول ﷺ فلما رآه لا يصنع شيئا بايعه فجاء الرجل إلى النبي ﷺ فقال: كيف أصنع يا رسول الله بنذري؟ قال: "قد كففت عنه لتفي بنذرك فلم تصنع شيئا" فقال: يا رسول الله لولا أومضت إلي؟ قال: "ما كان لنبي أن يومض" فيه إنه نذر بالقتل وإن الوفاء به فاته بإسلامه لأن المنع بالشريعة كالمنع بالعدم وعيه فارة لما روت عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه" وزاد بعض في الحديث ويكفر يمينه لأن الشرع أعجزه عن الوفاء بالمعصية فيكون كالنذر.
стр. 437
الذي عجز عن الوفاء به فيجب فيه الكفارة وما روى عنه ﵊ أنه قال: "لا نذر في معصية وكفارته كفارة اليمين بالله" وإن كان غير قائم الإسناد لكنه يستظهر به على صحة زيادة بعض الرواة في الحديث المذكور وقد روى عن النبي ﷺ أنه قال: "لا نذر في غضب وكفارته كفارة يمين" ولو صح فمعناه في غضب الله فيعود إلى معنى النذر في المعصية ولو كان النذر مما يصح فعله شرعا فعجز عن ذلك لضعفه يجب عليه الكفارة كما يؤمر الحالف بالكفارة إذا حنث فيها قال رسول الله ﷺ : "كفارة النذر كفارة اليمين" على ما روى ابن عباس قال جاء رجل فقال يا رسول الله إن أختي نذرت أن تحج ماشية فقال: "إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئا لتحج راكبة وتكفر يمينها" وروى زيادة تفسير فيه بيان الموجب للكفارة وهو ما روى عن عقبة بن عامر الجهني أن أخته نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافية غير متخمرة فذكر ذلك عقبة لرسول الله ﷺ فقال: "مر أختك فلتركب ولتختمر ولتصم ثلاثة أيام" وكان كشفها وجهها حراما فأمرها رسول الله ﷺ بالكفارة لمنع الشريعة إياها منه وهو على ما زاده بعض الرواة من قوله: "ويكفر يمينه فيمن نذر أن يعصي الله" وعليها مع ذلك الهدى لركوبها فيما نذرت من المشي يبين ذلك أن الحديث قد روى من رواية ابن عباس عن عقبة أنه أتى النبي ﷺ فأخبره أن أخته نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافية ناشرة شعرها فقال له النبي ﷺ : "مرها فلتركب وتخمر رأسها ولتهد هديا" فأوجب عليها الهدي لمكان المشي الذي نذرته وهو من الطاعات فعحزت عنه كما يؤمر به من قصر في شيء من حجه وسكت فيه عن الكفارة لما نذرته من المعصية في كشف رأسها وأوجب عليها في الحديث الأول الكفارة لما نذرته من المعصية في كشف رأسها وسكت عن وجوب الهي عليها لعجزها عن المشي فبان معنى الأحاديث وأنه لا تعارض في شيء منها.
فإن قيل: روى عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 438
نظر إلى أبي إسرائيل فقال: "ما باله؟ " قالوا: إنه نذر أن يصوم ويقوم في الشمس ولا يتكلم قال: "مروه فليتم صومه وليجلس وليستظل ويتكلم" ولم يذكر في ذلك كفارة قيل له يحتمل أنه أمر بالكفارة فقصر الراوي عن نقله كما قصر الراوي في المفطر بجماع أهله عن نقل ما أمر به النبي ﷺ من قضاء يوم مكان ذلك اليوم ويحتمل أن تكون الكفارة لم تكن حينئذ واجبة ثم وجبت فأمر النبي ﷺ بها في حال ما وجب التمسك بها١ حتى يعلم نسخها.
ومنه ما روي أن عمر بن الخطاب سأل رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف في المسجد الحرام قال: "ف بنذرك". لا حجة لمن استدل في لزوم نذر حال الكفر بعد الإسلام به لأن لفظة ف لا تستعمل إلا فيما ليس بواتجب يقال ف لفلان بوعدك وفي الواجب يقال أوف قال تعالى: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾ ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ يقال أوفي يوفي إيفاء ووفى يفي وفاء فقوله ﷺ لعمر "ف بنذرك" معناه فهو أحسن لا أنه واجب ولكنه وجد في بعض الآثار أوف بنذرك فتعارض اللفظان فسقط أن يكون حجة لبعض المختلفين على بعض مع أن الإيفاء قد يستعمل في غير الواجب وإن كان الأفصح ما قلنا ولما كان كذلك نظرنا هل نجد عن النبي ﷺ ما يدل على حقيقة الأمر فيه فوجدنا حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه قال قلت: يا رسول الله والله ما أتيتك حتى حلفت عددا وجمع بين أصابع يديه أن لا آتيك ولا آتي دينك وإني قد جئتك امرءا لا أعقل شيئا إلا ما علمني الله ورسوله الحديث ولم يأمره رسول الله ﷺ بكفارات عما كان من إيمانه التي قد حنث فيها فدل ذلك أنه لم يكن عليه فيها كفارات وإن حلفه بها في حال شركه كلا حلف وإذا كان في حلفه كذلك فنذره أحرى يؤيده ما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إنما النذر فيما ابتغى به وجه الله "
стр. 439
والمشرك لا يبتغي وجه الله فلا نذر له والذي أمر عمر بن الخطاب إنما هو أن يفي له بطاعة يطيعه بها في الإسلام مكان النذر الذي لم يكن منه طاعة حتى يستعمل حسنة مكان النذر الذي لو عمله في حال شركه لم يكن كذلك يؤيده قوله ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه".
стр. 440
كتاب الضحايا
في من تجب عليه الأضحية
...
كتاب الضحايا
فيه أربعة أحاديث
في من تجب عليه الأضحية
روي عن البراء بن عازب قال خرج إلينا رسول الله ﷺ يوم الأضحى إلى البقيع فبدأ فصلى ركعتين ثم أقبل علينا بوجهه فقال: "إن أول نسكنا في يومنا هذا أن نبدأ بالصلاة ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك فقد وافق سنتنا ومن ذبح قبل ذلك فإنما هو لحم عجله لأهله ليس من النسك في شيء" فقام خالي فقال يا رسول الل إني ذبحت وعند يجذعة هي خير من مسنة فقال: "اذبحها ولا تجزي أو توفي عن أحد بعدك" وفي حديث آخر: عندي عناق لبن هي خير من شأتي لحم؟ فقال: "هي خير نسيكتك لن تجزي جذعة عن أحد بعدك" الجذعة المذكورة هي الجذعة من المعز لا من الضان الأضحية واجبة عند بعض منهم أبو حنيفة وذهب الأكثر إلى أنها مندوبة والحدة للموجب قوله ﷺ لأبي ردة: "لن تجزي جذعة عن أحد بعدك" إذ الأجزاء لا يكون إلا عن واجب ولا يقال أنه كان أوجبها على نفسه وأتلفها بذبحها قبل أو أنه لأنه لو كان كذلك لضمنه قيمتها ولما لم ينظر النبي صلى اله عليه وسلم إلى ذلك علمنا أنه لزمه بإيجاب الله تعالى ولا معنى لإيجابه على نفسه ما أوجبه الله تعالى عليه ألا ترى من أوجب على نفسه صلاة من الخمس أو صيام شهر رمضان أو حج البيت وهو غير مستطيع إليه سبيلا كان كمن لم يوجب غير أن الأضحية لم يوجبها
стр. 441
معينا فإذا أوجبها الرجل في شيء بعينه وجبت فيه كما أوجبها فإن هلك قبل أن ينفذه لم يسقط ما أوجبه الله تعالى عليه إذ لم يوجبه في شيء بعينه وهذا بين فيما احتج به أبو حنيفة في إيجاب الضحايا من أحسن ما يحتج به.
стр. 442
فيما يؤمر به من وجبت عليه
روى عن أم سلمة أن النبي ﷺ قال: "إذ رأيتم هلال ذي الحجة فأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره حتى يضحي" وخرجه من طرق في بعضها من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي قوله: "من كان له ذبح" هنا يبين أن المراد بقوله في الحدي الأول "فأراد أحدكم" أن ذلك على إرادة يكون معها الوجوب دفعا للاختلاف بين الحديثين فيه منع من معه ما يضحي به أن يأخذ من شعره أو ظفره حتى يضحي ولا يعارضه قول عائشة ربما فتلت القلائد لهدي رسول الله ﷺ فيقلده ثم يبعث به ثم يقيم لا يجتنب شيئا مما يجتنبه المحرم لأن في بعض ما روى عنها زيادة تبين المراد وهي قولها كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ ثم يبعث بالهدي ويقيم عندنا لا يجتنب شيئا مما يجتنبه المحرم من أهله حتى يرجع الناس فثبت أن المجتنب عنه هو ما يجتنبه المحرم من أهله لا ما سواه من حلق وقص وذلك لا يخالف ما في حديث أم سلمة لأن فيه اجتناب الحلق والقص لا ما سواء مما يجتنب المحرم من أهله فحديث أم سلمة منع من يضحي من الحلق والقص في أيام العشر حتى يضحي وحديث عائشة على إطلاق ما سوى الحلق والقص وأنه في ذلك بخلاف ما عليه المحرم في إحرامه يؤيد ما ذهبنا إليه في المنع من القص والحلق ما روى عن الصحابة أنهم كانوا عليه سئل سعيد بن المسيب عن فتوى يحيى بن يعمر بخراسان أن من اشترى أضحيته ودخل عشر ذي الحجة لا يأخذ من شعره وأظفاره فقال سعيد قد أحسن كان أصحاب رسول الله ﷺ يفعلون
стр. 443
ذلك أو يقولون ذلك وهذا بخلاف ما يقوله أبو حنيفة وأصحابه وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال لرجل: "وأمرت بيوم الأضحى عيدا جعله الله لهذه الأمة" قال الرجل: إن لم أجد إلا منيحة أنثى أضحي بها قال: "لا ولكن تأخذ من شعرك وتقلم أظفارك وتأخذ من شاربك وتحلق عانتك فإن ذلك تمام أضحيتك" فيه التحضيض على يوم الأضحى والأمر بالقص والحلق وغيره وفيه أنه لم يكن المأمور به مطلقا له قبل التضحية فوافق حديث أم سلمة وحققه.
стр. 444
في ما يجوز تضحيته
عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ أعطاه غنما يقسمها على أصحابه ضحايا فبقي عتود فذكره لرسول الله ﷺ فقال: "ضح أنت به" العتود صغير ولد المعز وبالإجماع لا يضحى بمثله فتكون رخصة مختصة بعقبة كما خص أبو بردة بن نيار بتضحية جذع المعز على أن لا يجزى عن أحد بعده وروى حديث عقبة على خلافه قال ضحينا مع رسول الله ﷺ بجذاع الضان ويحتمل أن يكون اراد ما كانت الجماعة ضحت به مما قسم عليهم بأمر رسول الله ﷺ ثم اختص هو بما رخص له فيه من تضحية العتود وهو فاسد الإسناد لا يتصل بعقبة والحديث الصحيح حديث جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: "لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فاذبحوا مكانها جذعة من الضان" ففيه إباحة التضحية بالجذعة عند عدم المسنة وروى عن أم بلال الأسلمية عن أبيها أن رسول الله ﷺ قال: "يجوز الجذع من الضان ضحية لمن كانت له غنم" فكان في ذلك إباحة الضحية بالجذعة مطلقا والحق أن الرخصة مختصة بعقبة كما رخص لأبي بردة.
стр. 445
كتاب الذبائح والصيد
مدخل
...
كتاب الذبائح والصيد
روي عن أناس من الصحابة أنهم سألوا النبي ﷺ فقالوا: أعاريب يأتونا بلحمان مشروحة والجبن والسمن ما ندري ما كنه
стр. 446
إسلامهم قال: "انظروا ما حرم الله عليكم فأمسكوا عنه وما سكت عنه فإنه عفا لكم عنه وما كان ربك نسيا واذكروا اسم الله " فيه توسعة من الله تعالى على عباده في الطعام الذي يأكلونه من الذبائح التي لا يعلم حال الذابح ولو شاء لضيق عليهم فلم يبح لهم أكلها حتى يعلموا أن ذابحها ممن تحل ذبيحته كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لاعْنَتَكُمْ﴾ وهذا بخلاف الشرائع التي شرعها لهم في دينه وتعبدهم بها حيث أمرهم بطلب مشكلها من محكمها على ما يأتي في البيوع من قوله ﷺ : "الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات".
وروى عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا فبعث الله تعالى نبيه وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو ثم تلا ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً﴾ الآية.
стр. 447
في ما قطع من الحي
روي أن النبي ﷺ قدم المدينة والناس يجبون أسنمة الإبل ويقطعون آليات الغنم فقال: "ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت الضمير" عائد على ما ذكر من أسنام الإبل وآليات الغنم وعلى ما كان بمعناها ما يموت بموتها وتحدث بالموت فيه صفة لم تكن قبل بخلاف الوبر والشعر لأنه لا تحدث فيه بموتها صفة لم تكن قبل وقد جعل الله تعالى لنا الأوبار والأشعار أثاثا ومتاعا فكيف يجوز أن تكون ميتة وقد جعلها لنا متاعا بخلاف الجلد الذي يموت بموت البهيمة ألا ترى أن الموت يحدث فيه صفة لم تكن له قبل من فساده وتغير رائحته فأجاز رسول الله صلى الله عيه وسلم الانتفاع به وقال: "إنما حرم أكلها في الشاة التي مر بها وهي ميتة"
стр. 448
في الذكاة بغير الحديد
عن ابن عمر أن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنما لهم فأرادت
стр. 449
شاة منها أن تموت فذبحتها بمروة فسأل كعب النبي ﷺ عن ذلك فأمره بأكلها فيه دليل أن ما ذبح بغير إذن مالكه فهو ذكاة بخلاف من قال لا تصير ذكاة محتجا بما روى عن ثعلبة قال: أصبنا يوم خيبر غنما فانتهبناها فجاء رسول الله ﷺ وقدورهم تغلي فقالوا: لها نهبة, فقال: "اكفئوا القدور وما فيها فإن النهبة لا تحل" فعلم أن ما ذبح على مثل هذا الحال لا يكون ذكيا قلنا: أمره صلى الله لعيه وسلم بأكفاء القدور يحتمل أن تكون ذلك عقوبة للمنتهبين لا لكونه حرم بالنهبة ألا ترى أنه كان في وقت كانت العقوبات على الذنوب بالأموال كما روى عن رسول الله ﷺ في مانع الزكاة من أعطاها مؤتجر أكان له أجرها ومن لا فا نا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات وبنا ليس لآل محمد منها شيء.
стр. 450
في الذكاة بغير إذن المالك
عن عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار أنه كان مع رسول الله ﷺ في جنازة فلقيه رسول امرأة من قريش تدعوه إلى طعام فجلسنا مجلس الغلمان من آبائهم ففطن آباؤنا للنبي ﷺ وفي يده أكلة فقال: "إن هذه الشاة تخبرني أنها أخذت بغير حلها" فقامت المرأة فقالت: يا رسول الله لم يزل يعجبني أن تأكل في بيتي وإني أرسلت إلى النقيع فلم توجد فيه شاة وكان أخي اشترى شاة بالأمس فأرسل بها أهله إلي بالثمن فقال: "أطعموها الأسارى" فيه الأمر بإطعام الأسارى وهم ممن تجوز الصدقة عليهم بمثلها ولم يأمر بحبسها للذي ذبحت وهي على ملكه ليأخذها مطبوخة لارتفاع ملكه عنها ووقوع ملك الذابح والطابخ عليها كما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه وفيه أيضا جواز ذكاة الذبح بغير إذن مالكه.
стр. 451
في الضفدع
روى عبد الرحمن بن عثمان قال: ذكر طبيب الدواء عند رسول الله ﷺ وذكر الضفدع يكون في الدواء فنهى النبي صلى الله عليه
стр. 452
وسلم عن قتله فيه دليل على أنه لا يؤكل وأنه بخلاف السمك لأنه يقتل ويؤكل وغير السمك مما في البحر ينبغي أن لا يقتل ولا يؤكل لا يقال إنما نهى عن قتله لأنه يسبح لأن السمك مسبح أيضا وإن من شيء إلا يسبح بحمده بل إنما نهى لأنه غير مأكول فيكون قتله عبثا وقيل إنما نهى عن قتله بصفة لا يجوز قتله بها مما فيه تعذيبه لا لأنه لا يؤكل كما ذهب إليه مالك في أكل دواب البحر كلها وفيه بعد.
стр. 453
في لحم الخيل وغيره
عن جابر بن عبد الله قال: "أطعمنا رسول الله ﷺ لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر" وفيما روى عنه أنه قال لما كان يوم خيبر أصاب الناس مجاعة فأخذوا الحمر الأهلية فذبحوها وملأوا القدور منها فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأمرنا فكفأنا يومئذ القدور وقال: "إن الله سيأتيكم برزق هو أحل من هذا وأطيب" فكفأنا يومئذ القدور وهي تغلي فحرم رسول الله ﷺ لحوم الحمر الإنسية ولحوم الخيل والبغال وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير وحرم المجثمة والخلسة والنهبة والحديث الثاني يوريه عكرمة عن يحيى بن أبي كثير عن سلمة عن جابر ورواية عكرمة عن يحيى ضعيفة والحديث الأول رواه محمد بن علي بن الحسين وعطاء ابن أبي رباح وأبو الزبير عن جابر وثلاثة أولى بالحفظ من واحد وروى عن أسماء ابنة أبي بكر قالت: انتحرنا فرسا على عهد رسول الله ﷺ فأكلناه وفيما روى عن خالد نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير والآثار صحيحة في إباحة أكل لحم الخيل ولكن النظر يوجب تحريم لحمها وذلك لأن الأنعام المباح أكلها ذوات أخفاف وإظلاف والحمر والبغال ذوات حوافر وهي محرم أكلها والخيل المختلف فيه أشبه بذوات الحوافر منها بذوات الأظلاف والأخفاف وأبو حنيفة ومالك ذهبا إلى التحريم واحتج مالك بقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾
стр. 454
وقوله تعالى في الأنعام: ﴿الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ وأما أبو يوسف ومحمد ذهبا إلى إباحة لحومها ومنعا ما احتج به مالك بأن الله تعالى قال: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ ولم يكن مانعا أن يكون خلقهم لغير الاختلاف أيضا غذ قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ فكذلك قوله: ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾ لا يكون مانعا أن يكون مخلوقا للركوب ولما سواه مما قد أباحه بسنة الرسول ﷺ ومثله في الحديث بينما رجل يسوق بقرة قد حمل عليها التفتت إليه البقرة فقالت إني لم أخلق لهذا إنما خلقت للحرث فقال الناس سبحان الله بقرة تتكلم فقال رسول الله ﷺ : "إني أؤمن بهذا وأبو بكر وعمر". ولم يكن ذلك مانعا من أكل لحومها لما أباح الله تعالى ذلك.
стр. 455
في جلد الميتة
عن عبد الله بن عكيم قال: قرئ علينا كتاب رسول الله ﷺ ونحن بأرض جهينة وأنا غلام شاب "أن لا تنتفعو من الميتة بإهاب ولا عصب" فيه ما يدل على حضوره لذلك وسماعه إياه من كتاب رسول الله ﷺ وفي غيره من الأحاديث جاءنا كتاب رسول الله ﷺ وكتب إلينا رسول الله ﷺ فيحتمل أن يكون لم يحضره ومعناه كتب إلى قومنا وهذا جائز في كلامهم وله نظائر في الحديث وقد حققه ما روى عنه أنه قال حدثني أشياخ بجهينة قالوا: أتانا كتاب رسول الله ﷺ أو قرئ علينا كتاب رسول الله ﷺ فذكره فلم يتم حجة إذ لم يسم الأشياخ حتى يعرف أنهم ممن يجوز الأخذ عنهم أم لا وحديث ابن عباس عن ميمونة في أمره غيابهم بدباغ جلد الشاة التي ماتت لهم وقوله لهم عند ذلك: "إنما حرم أكلها" أولى منه لصحة مجيئه واستقامة طريقه وعدل رواته وروى عنه أن الشاة كانت لسودة وذكر فيه ما يدل أن ذلك القول كان من رسول الله ﷺ لهم بعد إنزال الله لهم تحريم الميتة وروى عنه أنه قال
стр. 456
قال رسول الله ﷺ : "أيما إهاب دبغ فقد طهر" وفي ذلك ما يوجب إباحة جلود الميتة إذا دبغت ويحتمل أن النهي عن الانتفاع بالإهاب والعصب قبل الدباغ يؤيده قول ابن عباس إذا دبغ الإهاب فقد طهر أي طهر للانتفاع به.
وعن علي بن أبي طالب أنه أتى ببغلة عليها سرج خز فقال: نهى رسول الله ﷺ عن الخز عن ركوب عليه وعن جلوس عليه وعن جلود النمور وعن جلوس عليها وعن ركوب عليها.
وعن عبد الله بن عمر أنه قال نهى رسول الله ﷺ عن الميثرة وهي جلود السباع وعن معاوية أنه دعا نفرا من الأنصار في الكعبة فقال: أنشدكم بالله ألم تسمعوا رسول الله ﷺ نهى عن صفف النمور فقالوا: اللهم نعم, قال: وأنا أشهد وعن المقدام بن معد يكرب أن رسول الله ﷺ نهى عن الركوب على جلود السباع.
لا خفاء أن عموم قوله صلى الله عليه "أيما إهاب دبغ" يتناول جلود السباع وغيرها لا يصح إخراجها منالعموم إلا بآية مسطورة أو سنة مأثورة أو إجماع معتبر علم إن النهي لم يكن لأنها غير طاهرة بالدباغ ولكن لمعنى سواه وهو ركوب العجم عليها يؤيده النهي عن الركوب على الخز والجلوس عليه دون لباسه لأنه قد لبس الخز من الصحابة والتابعين جماعة وجرى النسا على ذلك إلى يومنا وإذا كان اللبس مباحا والركوب عليه مكروها دل ذلك أنه للتشبه بالعجم لا للنجاسة ومثله نهيه ﷺ أن يجعل الرجل أسفل ثيابه حريرا مثل الأعاجم أو يجعل على منكبه حريرا كالأعاجم مع إباحته أعلام الحرير في الثياب أكثر من مقدار الحرير في هذين المعنيين ومما يدل عليه ما روى أن عمر بن الخطاب رأى رجلا وعليه قلنسوة بطانتها من جلود الثعالب فألقاها عن رأسه وقال: ما يدريك لعله ليس بذكي وفيه أنه لو علم أنه ذكي لم يكرهه وروى عن جابر بن عبد الله أنه كان لا يرى بجلود السباع بأسا إذا دبغت.
стр. 457
وعن مطرف بن عبد الله أنه دخل على عمار وإذا خياط يخيط بردا له على قطيفة ثعالب وعن أبي أيوب الأنصاري أنه أتى بدابة بسرج نمور فنزع الصفة فقلت له الجدبتان نمور فقال إنما ينهى عن الصفة لاستعمال العجم إياها.
ولا يعلم عن أحد من الصحابة في ذلك غير ما وفنا أنهم كانوا يكرهون التشبه بالعجم في استعمالها وقد وجدنا عن التابعين ما قد دل على إباحتها والكراهة لأجل التشبه وهو ما روى عن عروة بن الزبير أنه كان له سرج نمور وعن يحيى بن عتيق أنه قال رأيت الحسن البصري على سرج نمور ورأيت محمد بن سيرين على سرج منمر.
стр. 458
في أكل ما بات من الصيد
روى أبو ثعلبة الخشنى عن النبي ﷺ قال: "إذا رميت الصيد فأدركته بعد ثلاثة وسهمك فيه فكله ما لم ينتن" ليس هذا بخلاف لما روى أنس قال: جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق ثم يؤتون بملء كف من الشعير فيصنع لهم با هالة سنخة فيوضع بين يدي القوم الجياع وهي بشعة في الحلق ولها ريح منكر لان اللحم الذكي يعود بالنتن إلى حال الجيف فيصير من لخبائث فيصير حراما وأما الإهالة فليست من الأشياء التي حلت بالذكاة كالسمن واللبن فحدوث السنخ فيه يتغير طعمه لا فساد في ذاته كفساد اللحم فصار كتغير الدهن والزيت فلا يحرمها وكتغير الماء يشرب ويتطهر به لان ذلك عارض فيه لا انقلاب إلى نوع آخر كانقلاب اللحم إلى حد يصير كالأشياء المذمومة من الجيفة وغيرها.
стр. 459
في الطافي
عن جابر بن عبد الله قال رسول الله ﷺ : "ما حسر عنه البحر فكل وما ألفى فكل وما وجدته ميتا طافيا فوق الماء فلا تأكل" وقد ذهب
стр. 460
قوم إلى كراهة أكل الطافي من السمك وجعلوا حكمه حكم اللحم المنتن وعن علي أنه قال كل ما قذف البحر وما طفا فلا تأكله لأن ما يطفو من السمك فإنما يطفو لفساده وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه وأباحه قوم منهم مالك والشافعي محتجين بحديث أبي هريرة أنه قال ﷺ في البحر: "هو الطهور ماؤه والحل ميتته" لكن الحديث مضطرب في إسناده اضطربا لا يصلح الاحتجاج بمثله ولو صححنا لم يكن فيه مخالفة لحديث جابر لأن المراد بالميتة في الحديثين واحد ويكون الحديثان صحيحين ولكن تحريم الطافي الذي في حديث جابر زيادة على ما في الحديث الآخر وزيادة العدل مقبولة ويرتفع التضاد حينئذ فإن قيل عن ابن عباس أنه قال أشهد على أبي بكر أنه قال السمكة الطفاية حلال أكلها لمن أراد أكلها وعن أبي بكر ليس في البحر شيء إلا قد ذبحه الله وروى أن أصحاب أبي طلحة وجدوا سمكة طافية فسألوا أبا طلحة عنها فقال أهدوها غلي وفيه ما يدل على إباحته قلنا خالفهما علي بن أبي طالب وجابر والأولى مما اختلف فيه الصحابة ما وفاق ما روي عن النبي ﷺ وهو النهي لا الإباحة ولقد روي أن راعيا أتى ابن عباس فقال إني آتي البحر فأجده قد جعل سمكا ميتا فقال لا تأكل الميتة ومعناه الجعول الذي معه الطفاء على الماء لا ما سواه مما يقذفه ومما يجز عنه فقد عاد قول ابن عباس إلى كراهة أكل كل طاف من السمك.