قال رسول الله ﷺ : "أيما إهاب دبغ فقد طهر" وفي ذلك ما يوجب إباحة جلود الميتة إذا دبغت ويحتمل أن النهي عن الانتفاع بالإهاب والعصب قبل الدباغ يؤيده قول ابن عباس إذا دبغ الإهاب فقد طهر أي طهر للانتفاع به.
وعن علي بن أبي طالب أنه أتى ببغلة عليها سرج خز فقال: نهى رسول الله ﷺ عن الخز عن ركوب عليه وعن جلوس عليه وعن جلود النمور وعن جلوس عليها وعن ركوب عليها.
وعن عبد الله بن عمر أنه قال نهى رسول الله ﷺ عن الميثرة وهي جلود السباع وعن معاوية أنه دعا نفرا من الأنصار في الكعبة فقال: أنشدكم بالله ألم تسمعوا رسول الله ﷺ نهى عن صفف النمور فقالوا: اللهم نعم, قال: وأنا أشهد وعن المقدام بن معد يكرب أن رسول الله ﷺ نهى عن الركوب على جلود السباع.
لا خفاء أن عموم قوله صلى الله عليه "أيما إهاب دبغ" يتناول جلود السباع وغيرها لا يصح إخراجها منالعموم إلا بآية مسطورة أو سنة مأثورة أو إجماع معتبر علم إن النهي لم يكن لأنها غير طاهرة بالدباغ ولكن لمعنى سواه وهو ركوب العجم عليها يؤيده النهي عن الركوب على الخز والجلوس عليه دون لباسه لأنه قد لبس الخز من الصحابة والتابعين جماعة وجرى النسا على ذلك إلى يومنا وإذا كان اللبس مباحا والركوب عليه مكروها دل ذلك أنه للتشبه بالعجم لا للنجاسة ومثله نهيه ﷺ أن يجعل الرجل أسفل ثيابه حريرا مثل الأعاجم أو يجعل على منكبه حريرا كالأعاجم مع إباحته أعلام الحرير في الثياب أكثر من مقدار الحرير في هذين المعنيين ومما يدل عليه ما روى أن عمر بن الخطاب رأى رجلا وعليه قلنسوة بطانتها من جلود الثعالب فألقاها عن رأسه وقال: ما يدريك لعله ليس بذكي وفيه أنه لو علم أنه ذكي لم يكرهه وروى عن جابر بن عبد الله أنه كان لا يرى بجلود السباع بأسا إذا دبغت.
стр. 457
وعن مطرف بن عبد الله أنه دخل على عمار وإذا خياط يخيط بردا له على قطيفة ثعالب وعن أبي أيوب الأنصاري أنه أتى بدابة بسرج نمور فنزع الصفة فقلت له الجدبتان نمور فقال إنما ينهى عن الصفة لاستعمال العجم إياها.
ولا يعلم عن أحد من الصحابة في ذلك غير ما وفنا أنهم كانوا يكرهون التشبه بالعجم في استعمالها وقد وجدنا عن التابعين ما قد دل على إباحتها والكراهة لأجل التشبه وهو ما روى عن عروة بن الزبير أنه كان له سرج نمور وعن يحيى بن عتيق أنه قال رأيت الحسن البصري على سرج نمور ورأيت محمد بن سيرين على سرج منمر.
стр. 458
في أكل ما بات من الصيد
روى أبو ثعلبة الخشنى عن النبي ﷺ قال: "إذا رميت الصيد فأدركته بعد ثلاثة وسهمك فيه فكله ما لم ينتن" ليس هذا بخلاف لما روى أنس قال: جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق ثم يؤتون بملء كف من الشعير فيصنع لهم با هالة سنخة فيوضع بين يدي القوم الجياع وهي بشعة في الحلق ولها ريح منكر لان اللحم الذكي يعود بالنتن إلى حال الجيف فيصير من لخبائث فيصير حراما وأما الإهالة فليست من الأشياء التي حلت بالذكاة كالسمن واللبن فحدوث السنخ فيه يتغير طعمه لا فساد في ذاته كفساد اللحم فصار كتغير الدهن والزيت فلا يحرمها وكتغير الماء يشرب ويتطهر به لان ذلك عارض فيه لا انقلاب إلى نوع آخر كانقلاب اللحم إلى حد يصير كالأشياء المذمومة من الجيفة وغيرها.
стр. 459
في الطافي
عن جابر بن عبد الله قال رسول الله ﷺ : "ما حسر عنه البحر فكل وما ألفى فكل وما وجدته ميتا طافيا فوق الماء فلا تأكل" وقد ذهب
стр. 460
قوم إلى كراهة أكل الطافي من السمك وجعلوا حكمه حكم اللحم المنتن وعن علي أنه قال كل ما قذف البحر وما طفا فلا تأكله لأن ما يطفو من السمك فإنما يطفو لفساده وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه وأباحه قوم منهم مالك والشافعي محتجين بحديث أبي هريرة أنه قال ﷺ في البحر: "هو الطهور ماؤه والحل ميتته" لكن الحديث مضطرب في إسناده اضطربا لا يصلح الاحتجاج بمثله ولو صححنا لم يكن فيه مخالفة لحديث جابر لأن المراد بالميتة في الحديثين واحد ويكون الحديثان صحيحين ولكن تحريم الطافي الذي في حديث جابر زيادة على ما في الحديث الآخر وزيادة العدل مقبولة ويرتفع التضاد حينئذ فإن قيل عن ابن عباس أنه قال أشهد على أبي بكر أنه قال السمكة الطفاية حلال أكلها لمن أراد أكلها وعن أبي بكر ليس في البحر شيء إلا قد ذبحه الله وروى أن أصحاب أبي طلحة وجدوا سمكة طافية فسألوا أبا طلحة عنها فقال أهدوها غلي وفيه ما يدل على إباحته قلنا خالفهما علي بن أبي طالب وجابر والأولى مما اختلف فيه الصحابة ما وفاق ما روي عن النبي ﷺ وهو النهي لا الإباحة ولقد روي أن راعيا أتى ابن عباس فقال إني آتي البحر فأجده قد جعل سمكا ميتا فقال لا تأكل الميتة ومعناه الجعول الذي معه الطفاء على الماء لا ما سواه مما يقذفه ومما يجز عنه فقد عاد قول ابن عباس إلى كراهة أكل كل طاف من السمك.
стр. 461
في الفارة تقع في السمن
عن ابن زياد١ عن معمر عن ابن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه سئل عن فارة تقع في سمن قال: "إن كان جامدا فخذوها وما حولها فألفوه وإن كان ذابا أو مائعا فاستصبحوا به أو فاستنفعوا به" فيه إباحة الانتفاع بالسمن النجس فإن قيل هذا الحديث رواه عن معمر محمد بن
стр. 462
دينار فقال فيه إن كان مائعا اهريق وإن كان جامدا أخذت وما حولها وأكل الآخر فالجواب أن عبد الواحد بن زياد ممن لو انفرد يقبل منه فكذا إذا انفرد بزيادة تقبل منه فإن قيل فقد روى مالك وابن عيينة عن الزهري فخالفا معمرا في إسناده ومتنه قيل له فيحتمل أن يكون عند الزهري في هذا الباب عن سعيد ما رواه عنه معمر وعن غيره ما رواه عنه مالك وابن عيينة فلا تكون إحدى الروايتين دافعة للأخرى فيعمل بما فيهما ولا يعارض إباحة الاستصباح والانتفاع بالسمن النجس ما روي عن جابر أن رسول الله ﷺ عام الفتح قام فقال: "إن الله قد حرم بيع الخمر والأصنام والميتة والخنزير" فقال له بعض المسلمين: كيف ترى في شحوم الميتة يدهن به السفن والجلود ويستصبح به الناس؟ قال: "هو حارم قاتل الله اليهود لما حرمت عليهم الشحوم جملوها فباعوها فأكلوا ثمنها" لان حديث جابر في شحوم الميتة التي هي في نفسها حرام وشحومها كذلك فلا يحل الانتفاع بالحرام وحدث معمر إنما هو في السمن النجس والأشياء النجسة يحل الانتفاع بها كالثياب النجسة لا تمنع نجاستها من لبسها والنوم فيها إذا كانت يابسة فكذلك يجوز الانتفاع بالسمن النجس إذا كان ليس بميتة في نفسه وإن كان الذي نجسه هو الميتة فيصح الحديثان على المعنيين وقد روى جواز الاستصباح والانتفاع بالمويت النجس والسمن النجس عن جماعة من الصحابة منهم عليه بن أبي طالب وابن مسعود وابن عمر وعن ابن سيرين أنهم لتوا سويقا فوجدوا فيه زوغة ميتة فقال أبو موسى لا تأكلوه وبيعوه ولا تبيعوه من المسلمين وبينوا لمن تبيعونه منه وبجواز بيعه نقول لا هـ لما جاز الانتفاع به جاز بيعه كما جاز بيع الثوب النجس فإن قيل الثوب يغسل فيعود طاهرا قلنا قبل أن يغسل كالسمن في نجاسته وقد وجدنا الدور لا تخلو من المخارج النجسة مما لا يستطاع تطهيرها ولم يكن ذلك بمانع من بيعها فالسمن كهي فيما وصفنا وإلى جواز بيعه ذهب القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله إذا بين ذلك وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وبه نأخذ
стр. 463
في العتيرة
روي عن محمد بن الحسن في إملائه قال في الجاهلية كانوا يذبحون في رجب شاة وهي الرجية كان أهل البيت يذبحونها فيأكلون ويطبخون ويطعمون والعتيرة كان الرجل إذا ولدت الناقة والشاة ذبح أول ولد تلده فأكل وأطعم فقال رسول الله ﷺ وسئل عن التعيرة فقال: "إن تدعه حتى يصير زخزبا خير له من أن تنحره فيملق لحمه بوبره وتكفأ إناءك وتوله ناقتك" الزخزب الذي قد غلظ جسمه واشتد لحمه فوجه الحديث أنه كره ذبحه صغير الثلاثة أوجه أحدها أنه لا ينتفع بلحمه لأنه ساعة يولد كالغراء يختلط لحمه بوبره الثاني أنه تفجع بذلك أمه الثالث أنه ينقطع لبنها بفقدها إياه صغيرا وعن المزنى عن المشافعي العتيرة هي الرجبية وهي ذبيحة كانوا يتبررون بها يذبحونها في رجب ولما اختلفا في هذا أطلبنا حقيقة ذلك فوجدنا عن مخنف بن سليم قال ونحن وقوف مع النبي ﷺ بعرفة فقال: "يا أيها الناس إن على أهل كل بيت في كل عام أضحاة وعتيرة هل تدرون مال اعتيرة؟ " قال: فلا أدري ما كان من ردهم عليه قال: "هي التي يقول الناس الرجبية" فعقلنا بهذا أن العتيرة هي الرجبية وأنها كانت واجبة كالأضحية وعن وكيع أنه سأل النبي ﵇ فقال: إنا كنا نذبح ذبائح في رجب فنكعم من جاءنا فقال ﷺ : "لا بأس" قال وكيع: لا أتركاها أبدا وكان محمد ابن سيرين يعتر وكان ابن عون يعتر وروى عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : "لا فرعة ولا عتيرة" قال الزهري الفرعة ول النتاج والعتيرة شاة يذبحونها في رجب وروى لا عتيرة ولا فرع يحتمل نسخ ما كان واجبا وبقي جائزا وعن نبيشة سألت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية فماذا تأمرنا فقال: "اذبحوا لله في شهر ما كان وبروا لله وأطعموا" وعن الحارث أنه لقي رسول الله ﷺ في حجة الوداع قال: فقلت:
стр. 464
يا رسول الله الفرائع والعتائر؟ قال: "من شاء افرع ومن شاء لم يفرع ومن شاء عتر ومن شاء لم يعتر في الغنم أضحيتها" فكشف هذه الآثار أن الوجوب قد انستخ وأنه برمن أخذ به فقد أحسن ومن تركه لم يخرج وعن الشافعي أن الفرع هو شيء كان أهل الجاهلية يطلبون به البركة في أموالهم وكان أحدهم يذبح بكزه فيه أو شاته ولا يعدوه رجاء البركة فسألوا النبي ﷺ فقال: "افرعوا إن شئتم" أي اذبحوا إن شئتم وكانوا يسألونه عما كانوا يصنعونه في الجاهلية خوفا أن يكره في الإسلام فأعلمهم أنه لا مكروه عليهم فيه وأنه مباح.
стр. 465
كتاب العقية
فيه أربعة أحاديث
وري عن الحسن أن رسول الله ﷺ قال: "الغلام مرتهن بعقيقته" أو قال: "بعقية تذبح عنه يوم السابع ويحلق رأسه ويسمى" فروى عن حبيب أن ابن سيرين أمره أن يسأل الحسن ممن سمع حديثه في العقيقة قال فسأتله فقال سمعته من سمرة فذهب قوم إلى ن هذا الحديث قد عاد كله إلى سمرة فتأملنا ذلك فوجدناه محتملا لغير ما قالوه لأن ابن سيرين إنما أمر حبيبا أن يسأله الحسن ممن سمع حديثه في العقيقة فقط لا إلى ما سواها مما في الحديث وروى عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "ولد لي الليلة غلام فسميته بأبي إبراهيم" وعنه قال: لما ولدت أم سليم عبد الله بن أبي طلحة قال لي أبو طلحة: يا أنس لا تطعمه شيئا حتى تغدو به إلى رسول الله ﷺ فبات يبكي فلما أصبحت غدوت به على رسول الله صلى الله لعيه وسلم فلما رآه رسول الله صلى اله عليه وسلم قال: "أم سليم ولدت؟ " فقلت: أجل فقعد وجئت حتى وضعته في حجره فدعا بعجوة فلاكها في فمه حتى ذابت ثم لفظها في فيه وجعل الصبي يتلمظ فقال رسول صلى اله عليه وسلم: "انظروا إلى حب الأنصار التمر" ومسح وجهه وسماه عبد الله.
ففي هذا تسمية رسول الله ﷺ ابنه إبراهيم وعبد الله ابن أبي طلحة بإسميهما هذين قبل يوم سابعهما خلاف لما في حديث سمرة فنظرنا
стр. 466
فيه ليعلم الأولى فوجدنا عن عبد الله بن أبي بردة عن أبيه قال: كنا في الجاهلية إذا ولد لنا غلام ذبحنا عنه شاة ولطخنا رأسه بدمها ثم كنا في الإسلام إذا ولد لنا غلام ذبحنا عنه شاة ولطخنا رأسه بالزعفران فعلم أن فعلهم في اليوم السابع مثل ما كانوا يفعلونه في الجاهلية وما كان من النبي ﷺ في ابنه إبراهيم وفي عبد الله من تسميته إياهما قبل سابعهما وقبل الذبح كان ناسخا له فكان أولى
ومنه ما روي عن أنس قال: عق رسول الله ﷺ عن حسن وحسين بكبشين وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ عق عن الحسن كبشا وعن الحسين كبشا في الحديثين أن الذبح عن الذكر شاة كما يذبح عن الأنثى وروى من رواية أم كرز الخزاعية مرفوعا عق عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة وروى عن عائشة قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن نعق عن الغلام شاتين مكافئتين وعن الجارية شاة ففي روايتهما أن عقيقة الغلام خلاف عقيقة الجارية ولو خلينا وآراءنا لكان عدم الفرق بينهما أظهر كما في الأضحية وهدي التمتع والقرآن وفي الجناية على الإحرام ولكن الأخذ بالزيادة أولى لئلا يلزم نسخها بالشك وما روي أن رسول الله ﷺ قال: "في الغلام عقيقة فاهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى" المراد والله أعلم بإماطة الأذى عن رأس المذبوح عنه هو الدم الذي كان يلطخ به رأسه في الجاهلية على ما في حديث بريدة كنا في الجاهلية إذا ولد لنا غلام ذبحنا عنه شاة ولطخنا رأسهبدمها ثم كنا في الإسلام نذبح عن الغلام ونلطخ رأسه بالزعفران فعلم أن الأذى الذي يماط هو الدم الذي كان يلطخ به رأسه في الجاهلية والله أعلم يؤيده قوله ﷺ : "يعق عن الغلام ولا يمس رأسه بدم" ويحتمل أن يكون الأذى هو الشعر الذي يحلق من رأسه لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ﴾ في المحصور عن البيت في العمرة عام الحديبية.
стр. 467
ومنه ما روي عن النبي ﷺ : "المولود مرتهن بعقيقته" وهذا يدل على وجوب الذبح عنه وروى عن أنس "أن النبي ﷺ عق عن نفسه بعد ما جاءته النبوة" ففيه ما دل على تأكد وجوبها وقد روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال سئل رسول الله ﷺ عن العقيقة فقال: "لا أحب العقوق", وكأنه كره الاسم ثم قال: "من أحب أن ينسك عن ولده فلينسك عنه عن الغلام شاتين مكافئتين وعن الجارية شاة" قال زيد ابن أسلم المكافئتان المشابهتان تذبحان جميعا فهذا يدل على الندب لقوله: "من ولد له مولود فأحب أن ينسك عنه فليفعل" فعلم أن الوجوب انتسخ بما كان طارئا عليه وناسخا لما كان في الجاهلية وقرر في الإسلام أيضا.
стр. 468
كتاب الأشربة
في الخمر وتخليلها
...
كتاب الأشربة
فيه ثلاثة أحاديث
في الخمر وتخليلها
روى عن أنس قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ وفي حجره يتيم وكان عنده خمر حين حرمت الخمر فقال: يا رسول الله نصنعها خلا, قال: "لا" قال: فصبه في الوادي حتى سال وخرج الآثار بذلك.
من عنده عصير فصار خمرا ليس له أن يعالجها ليجعلها خلا عند مالك والشافعي احتجا بهذا الأثر غير أن مالكا رخص في دردى الخمر أن يعالج حتى يصير خلا ويلزمه العلاج في لخمر إذ لا فرق ظاهرا ومما يحتج به من كره التخليل ما روي عن عثمان بن أبي العاص أن تاجرا اشترى خمرا فأمره أن يصبه في دجلة فقالوا له ألا تأمره أن يجعله خلا فنهاه عن ذلك.
وقد يحتمل أن النهي لمكان أن ذلك الخمر لم يكن من عصير يملكه لأن شراء الخمر فاسد فلم يملك أصل الخمر وعن عمر لا تأكل من خمر أفسدت حتى يكون الله قد أفسدها فعند ذلك ييب الخل ولا باس على من ابتاع خلا من كافر ما لم يعلم أنهم تعمدوا إفسادها بعد أن صارت خمرا
стр. 469
ومخالفوهم احتجوا لمذهبهم بما روى أن أبا الدرداء كان ياكل المرى الذي يجعل فيه الخمر ويقول ذبحته الشمس والملح وقالوا: إنما منع رسول الله ﷺ جعل خمر الأيتام خلا لأنها لم تكن مالا لهم بعد ما حرمها الله تعالى كالبالغين سواء وروى عن عبيد الله بن عمر قال كنت عند رسول الله صلى الله عيه ولم في المسجد فبينما هو يحتبي حل حبوته ثم قال: "من كانت عنده من هذه الخمر شيء فليؤذني بها" فجعل الناس يأتونه فيقول أحدهم: عندي راوية ويقول الآخر: عندي زق أو ما شاء الله أن يكون عنده فقال رسول الله ﷺ : "اجمعوا ثم آذنوني به" ففعلوا ثم آذنوه فقام وقمت معه فمشيت عن يمينه وهو متكئ على فلحقنا أبو بكر فأخذني رسول الله ﷺ فجعلن عن يساره وجعل أبا بكر مكاني ثم لحقنا عمر بن الخطاب فأخذني وجعله عن يساره فمشى بينهما حتى إذا وقف على الخمر قال للناس: "أتعرفون هذه؟ " قالوا: نعم يا رسول الله هذه الخمر, فقال: "صدقتم" قال: "إن الله تعالى لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وشاربها وساقيها وحاملها والمحمول إليه وبايعها ومشتريها وآكل ثمنها" ثم دعا بسكين فقال: "اشحذوها" ففعلوا ثم أخذها رسول الله ﷺ فخرق بها الزقاق فقال الناس: إن في هذه الزقاق منفعة قال: "أجل ولكني إنما أفعل ذلك غضبا لله لما فيها من سخطه" فقال: عمر أنا أكفيك يا رسول الله, فقال: "لا" وبعض رواته يزيد على بعض ففيه عقوبتهم بشق زقاقهم غضبا لله إذ لم يسارعوا إلى إتلاف ما حرم الله وكان ذلك في وقت كانت العقوبات في الأموال كما تقدم في مانع الزكاة أنه يؤخذ شطر ماله وفي سارق الحريسة من الجبل عليه غرم مثليها وجليدات نكال وفي صيد المدينة من وجدتموه يصيد في شيء منها فخذوا سلبه ومذهب عمر وسعد بن أبي وقاص أن ذلك الحكم باق بعد روي عن عمر أنه كان يهريق اللبن في السوق إذا وجده مغشوشا بالماء ولم يهرق إلا خوفا من أن يغشوا به الناس فيحتمل أن يكون منع النبي ﷺ من جعل الخمر خلا خوفا أن يحلوها فيؤدي إلى المفاسد يؤيده خرق الزقاق إلى
стр. 470
خرقها وعن ابن عباس في النهي أهدى لرسول الله ﷺ راوية خمر الحديث إلى قوله: ففتح الرجل المزادتين حتى ذهب ما فيهما فقد يكون منعه من تخليلها عقوبة على تغييبه إياها لا لانها لو خللت لم تحل له كما خرق الزقاق عقوبة لمن غيبها والنظر الصحيح فيه إن العصير الحلال إذا صار خمرا حرم للعلة التي حثت فيها من ذاتها أو من فعل أحد بها فكذلك إذا صارت خلا ينبغي أن تحل لوجود صفة الخل وانتفاء الخمر عنها كان ذلك من ذاتها أو من فعل أحد بها وكذلك جلد الميتة سواء دبغ أو ترك حتى أجفته الشمس وأسفت عليه الرياح حتى أذهبت وضر الميتة عنها.
стр. 471
في الأشربة المحرمة
عن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: "كل شراب أسكر فهو حرام" وعنها قالت سئل رسول الله ﷺ عن لبتع فقال: "كل شراب أسكر فهو حرام" وعن أبي موسى أن النبي ﷺ لما بعث معاذا وأبا موسى إلى اليمن قال له أبو موسى أن شرابا يصنع في أرضنا من العسل يقال له البتع ومن الشعير يقال له المزر فقال ﷺ : "كل مسكر حرام" ولما سئل رسول الله ﷺ عن البتع فجاوب بقوله: "كل شراب أسكر فهو حرام" احتمل أن يكون ذلك على الشراب المسكر كثيرة فيكون حراما إذا أسكر لا إذا لم يسكر واحتمل أن يكون قليله وكثيره حراما فنظرنا فوجدنا من رواية أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه قال بعثني رسول الله ﷺ أنا ومعاذا إلى اليمن فقلت أنك بعثتنا إلى أرض كثير شراب أهلها فقال: "اشربا ولا تشربا مسكرا".
وعنه قال بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن فقلنا أن بها شرابا يصنع من الشعير والبر يسمى المزر ومن العسل يسمى البتع قال: "اشربوا ولا تشربوا مسكرا" أو قال: "لا تسكروا" ففيها إطلاق الشرب والنهي عن المسكر فعلقنا أن السكر المراد في الأحاديث السابقة هو ما يسكر من تلك الأشربة
стр. 472
لا مالا يسكر منها وعن أبي موسى قال: بعثني رسول الله ﷺ ومعاذا إلى اليمن فقلت: يا رسول الله أفتنا بشرابين كنا نصنعفهما باليمن البتع من العسل ينبذ حتى يشتد والمزر من الشعير والذرة ينبذ حتى يشتد قال وكان النبي ﷺ أعطى جوامع الكلم بخواتمه فقال: "حرام كل مسكرا سكر عن الصلاة" فعاد إلى أنه لا يمنع القليل من الشراب الذي يسكر كثيره فإن القليل لا يسكر عن لاصلاة وارتفع التضاد بين الآثار وامتنع شرب ما يسكر منها وحل شرب ما لاي سكر منها ومنه عن ابن عباس قال حرمت الخمر لعينها والسكر من كل شراب وعنه حرمت الخمر لعينها القليل منها والكثير ولاسكر من كل شراب روى ذلك مسعر بن كدام وأبو حنيفة وابن شبرمة والثوري عن أي عون عن عبد الله بن شداد عن ابن عباس ورواه شعبة عن مسعر بهذا الإسناد فقال فيه والمسكر من كل شراب بخلاف ما رواه عنه وكيع وأبو نعيم وجرير وثلاثة أولى بالحفظ من واحد مع أن شعبة كثيرا ما يحدث بالشيء على ما يظن أنه معناه وليس في الحقيقة معناه فيحول الحديث إلى ضده كما في حدث توريث الخال فقال فيه والخال وارث من لا وارث له يرث ما له ويعقل عنه وإنما هو يرث ما له ويفك عانيه كذلك رواه غيره من الرواة وسيأتي ومن ذلك حديث أنس أن النبي ﷺ نهى أن يتزعفر الرجل وحدث هوبه نهى عن التزعفر وهما مختلفان لان نهيه عن التزعفر يدخل فيه الرجال والنساء بخلاف قوله نهى أن يتزعفر الرجل.
стр. 473
كتاب النكاح
في نكاح اليتيمة
...
كتاب النكاح
فيه ستة وعشرون حديثا
في نحاك اليتيمة
عن ابن الزبير أنه سأل عائشة عن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قالت: يا ابن أختي هي اليتيمة
стр. 474
في حجر وليها تشاركه في ماله فيعجبه مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق وأمروا أن ينكحوا من النساء سواهن قال عروة: قالت عائشة: ثم أن الناس سواهن قال عروة قالت عائشة: ثم أن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية فأنزل الله : ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ قالت: والذي ذكر الله أنه يتلى عليهم في الكتاب الآية الأولى التي فيها ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ قالت عائشة وقول الله في الآية الأخرى ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا فيهن إلا بالقسط من أجل رغبهم عنهن وعن عائشة ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ قالت هذا في اليتيمة تكون عند الرجل لعل أن تكون شريكته في المالوهو أولى بها فيرغب عنها لما لها أن ينكحها غيره١ كراهية أن يشكره في مالها وعن ابن عباس مثل ما عن عائشة ففيما روينا عنهما ما دل على إباحة تزويج اليتامى التي لا آباء لهن قبل بلوغهن للأولياء من أنفسهم وغيرهم لا يقال انهن قد بلغن وسمين يتامى لقربهن منه محتجا في ذلك بما روي أبو هريرة عن النبي ﷺ : "أن اليتيمة تستأمر في نفسها" والاستئمار لا يمكن إلا لمن قد بلغ فصح إطلاق اليتيم على من قد بلغ قبل ذلك لأن القرينة في الآيتين دالة على أن المراد به غير البالغات لأن فيهما أن أولياءهن نهوا أن ينكحوهن إلا أن يبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق ولو كن بالغات لكان أمرهن في صداقهن إليهن قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ﴾ الآية وإذا كان لهن أن يطبن به نفسا لأزواجهن بعد وجوبها لهن عليهم كان طيب أنفسهن بما
стр. 475
يرضين به من الصداق في العقد أجوز فدل منح الله إياهم من ذلك إنهن غير بالغات ويؤيده ما روى عن النبي ﷺ : "لا يتم بعد حلم".
فإن قيل فما معنى الاستئذان المأمور به في حديث أبي هريرة إذا لم يكن بالغات قيل له يحتمل أن يكون المراد به المراهقات العارفات ما يصلحهن المائلات إلى الخير والنازعات عن السوء وعسى يكون من مثلها من حسن الاختيار ما لا يكون ممن بلغت وحينئذ ينبغي لا وليئهن أن يستأمروهن إذا أرادوا تزوجيهن قبل البلوغ وثبت بهذا جواز تزوجي الأولياء اليتامى اللاتي لم يبلغن كما قاله من ذهب إليه من أهل العلم ودل عليه ما روى عن يزيد الأزدي قال كنت عند علي بعد العصر إذ أتى برجل فقالوا وجدنا هذا في خربة بواد ومعه جارية مخضب قميصها بالدم فقال له ويحك ما هذا الذي صنعت قال أصلح الله أمير المؤمنين كانت بنت عمي ويتيمة في حجري وهي غنية في المال وأنا رجل قد بكرت وليس لي مال فخشيت أن هي أدركت ما تدرك النساء ترغب عني فتزوجتها وهي تبكي فقال أتزوجته فقائل من القوم عنده يقول لها قولي نعم وقائل يقول لها قولي لا فقالت نعم تزوجته فقال خذ بيد امرأتك فدل ما كان من علي ﵁ على أن تأويل الآيتين كمثل ما تأولهما عليه عائشة وابن عباس وفيه جواز إنكاح الرجل نفسه موليته كما يقوله أبو حنيفة ومالك وأصحابهما بخلاف من يقول لا يجوز أن يكون مزوجا من نفسه كما لا يكون بائعا من نفسه وفيه أيضا أن القول قول من إليه عقد التزويج وهو قول أبي يوسف ومحمد خلافا لأبي حنيفة حيث قال لا يقبل إلا ببينة تقوم عليه
стр. 476
في إنكاح الأولياء
عن ابن عباس قال رسول الله ﷺ : "الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها" وروى عنه أنه قال: "ليس للأب مع الثيب أمر والبكر تستأمر وإذنها صماتها" قوله: "الأيم أحق بنفسها من
стр. 477
وليها" يعم الأب وغيره من الأولياء ولهذا صرح في الحديث الثاني بذلك وفيه أن البكر لا يزوجها الأب حتى يستأمرها كما في الثيب فإن زوج الأب بنته البكر قبل استئذانها كان تار كالما أمر به الرسول ﷺ فيكون غير جائز عليها حتى ترضى وهو قول أبي حفيفة وسفيان وأصحابهما وعن عائشة قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الجارية ينكحها أهلها أتستأمر أم لا قال: "نعم, تستأمر" قلت: أنها تستحيي فتسكت قال: "فذلك إذنها إذا هي سكتت"
وعن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : "لا تنكح الثيب حتى تستأمر ولا البكر حتى تستأذن" قالوا: وكيف إذنها يا رسول الله؟ قال: "الصمت" وعن عدي بن عدي الكندي عن أبيه عن رسول الله ﷺ قال: "الثيب تعرب عن نفسها والبكر رضاها صمتها".
ففي هذه الآثار أن الأب بمنزلة غيره من الأولياء في تزويج البكر وتوقفه على رضاها وروي عن ابن عباس أن رجلا زوج ابنته البكر وهي كارهة فأنت النبي ﷺ فخيرها لا يقال أن سفيان روى هذا الحديث عن أيوب عن عكرمة أن النبي ﷺ فرق بين رجل وبين امرأته زوجها أبوها وهي كارهة وكانت ثيبا فظهر به فساد متته وإسناده لأن حمل الأحاديث المتضادة ظاهرا على وجه يرفع التضاد أولى فيحمل على أنهما حديثان في حادثتين أحدهما في بكر والآخر ثيب فلا يتنافيان واحتج بعض من ذهب إلى ما اخترناه بما روى جابر بن عبد اله أن رجلا زوج ابنته وهي بكر بغير إذنها فأتت النبي ﷺ ففرق بينهما ولا يصح الاحتجاج به لأنه موقوف على عطاء بن أبي رباح ثم النظر يوجب ارتفاع ولاية الأب عن البكر ببلوغها في بضعها كما يرتفع أمره في مالها ببلوغها دل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ﴾ فكما لا اعتراض للأب عليها فيما تطيب به نفسا لزوجها من صداقها فكذلك لا اعتراض له عليها في بعضها بتزويجها من غير أذنها وقوله تعالى:
стр. 478
﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ الآية ففي جواز وصاياهن بعد الموت كالرجال ما قد دل على جوازه منهن قبله وفي جواز ذلك منهن وارتفاع الأيدي عنهن ما قد دل على ارتفاعها عنهن في إبضاعهن وما روى عن ابن عباس من قوله: "لا تنكح المرأة إلا بإذن ولي أو السلطان" ليس بمخالف لحديثه في البكر والثيب لان الذي للمرأة من الحق في عقد نكاحها أن تأذن فيه لوليها وتوليه ذلك فيكون العقد منه عليها بأمرها عقدا منها إياه على نفسها لأن عقود الوكلاء في هذا مضافة إلى آمريهم يقول الرجل أفعلت كذا لما فعل بأمره وحق الولي فيما قاله ابن عباس هو الذي جعلته المرأة إليه مما جعل لها أن تجعله إليه مما ليس له اعتراض فيه عليها وبعض الناس جعل قول ابن عباس هذا أناسخا إذ لا يخالف ما قد أخذه عن النبي إلا إلى ما هو أولى منه مما قد أخذه عنه وليس ذلك كما توهمه وما روي عن ابن عباس أن النبي ﷺ نكح ميمونة وهو حرام وجعلت أمرها إلى العباس فأنكحها إياه يحتمل إنكاح العباس إياها لأنه لم يكن أحد من أوليائها حاضرا فعادت ولايتها إلى النبي ﷺ فجعل ذلك إلى العباس فعقد عليها ويحتمل أن تكون هي وكلت العباس فعقد العباس عليها منه رسول الله ﷺ وفي ذلك تجويز العقود للأشياء التي كانت إلى غير من عقدها لإجازة من كانت إليه كما يقوله أبو حنيفة ومالك والثوري وأصحابهم وما روي أن رسول الله ﷺ لما أرسل إلى أم سلمة يخطبها فقالت أم سلمة مرحبا برسول الله أن في خلالا ثلاثا أنا امرأة شديدة الغيرة وأنا امرأة مصبية وأنا امرأة ليس هاهنا أحد من أوليأتي شاهد يزوجني فنضب عمر فأتاها فقال أنت تردين رسول الله ﷺ فقالت: يا ابن الخطاب في كذا وكذا فأتاها رسول الله ﷺ فقال: "أما ما ذكرت من غيرتك فإني أدعو الله أن يذهبها عنك وأما ما ذكرت من أنه ليس أحد من أوليائك شاهد فيزوجك فإنه ليس أحد من أوليائك شاهد ولا غائب يكرهني" فقلت لابنها زوج
стр. 479
رسول الله فزوجه ليس في ترك الإنكار من رسول الله ﷺ على قولها ليس من أوليائي أحد يزوجني ما يدل على اشتراط الولي للثيب مخالفا لما صححنا عن ابن عباس في نفي الولي عن الثيب وإنما فيه نفي عقد المرأة على نفسها وإن كانت ثيبا حتى توليه غيرها من الرجال وكان الذي كان من ابنها عمر وليس بولي لها لأنه كان طفلا على معنى ما كان من رسول الله صلى اله عليه وسلم من تزويج ميمونة لأنه عاد أمرها حينئذ إلى رسولالله ﷺ فجعل لها أن تجعل إلى من رأت فجعتله إلى ابنها ويحتمل أن تكون هي فعلت ذلك ابتداء فكان في قبول رسول الله ﷺ من ابنها أمضاء منه له وهذا يدل على أن عقد الصبي بأمر البالغين جائز كما يقوله أبوحنيفة وأصحابه ودل على كونه صغيرا قولها ليس أحد من أوليائي شاهد لأن ابنها لو كان بالغا لكان وليا لها لكونه ابنها وابن ابن عمها لا يقال أن الصبي لا أمر له في نفسه فكيف يكون له أمر في غيره وهو مذهب الشافعي لأن أمور الصبيان ليس كلا أمر مطلقا ألا ترى أن الشافعي يخير الصبي السعي بين أبيه وأمه المطلقة على ما روى حديثا في ذلك ولم يجعل رسول الله ﷺ له الخيار إلا ولاختياره حكم ثم لا خلاف في أن الصبي الغير العاقل إذا كان في يدمن يدعى أنه عبده ثم بلغ فدفع ذلك أنه لا يفيد دفعه وهو عبد ولو كان يعبد عن نفسه إلا أنه غير بالغ وادعى الحرية أن القول قوله: كما لو كان بالغا فقد جعل بقوله حكم وهو غير بالغ ولقد قال مالك في وصية اليفاع المراهق أنها جائزة وروى في ذلك ما رواه ولم يجعل كلا وصية لعدم البلوغ وروى أن النبي ﷺ مر بعبد الله بن جعفر وهو يبيع بعض ما يبيع الغلمان فقال: "بارك الله في صفقة يمينك" فيحتمل أنه كان بيعه بإطلاق النبي ﷺ ذلك له ودل أن له صفقة فدعا له بالبركة فيها وإن لم يبلغ أو بإذن من إليه ذلك فثبت بما ذكرنا جواز عقود الصبيان الذين يعقلون بأمر من إليه الولاية عليهم وجوازا طلاق من له العقد على نفسه إن يعقد عليه وإن القول قول من أجازه لا قول مخالفيه.
стр. 480
في نكاح المحرم
روى عن أبان بن عثمان بن عفان قال: سمعت أبي يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب" ذهب بعض العلماء إلى أن عدم الجواز لنفسه لا لغيره لإحرامه الذي هو فيه مما الجماع فيه عليه حرام وهو مذهب الشافعي وكثير من أهل الحجاز ومالك غير أنه قال عنه ابن وهب يفرق بينهما ويكون تطليقة وروى ابن القاسم عنه أنه يفرق بينهما ويكون فسخا ويلزمه إزالة الملك المحترم من مالك البضع بغير ما يزول به من طلاق باختيار وذلك لأن هذا العقد إما أن يوجب ملك البضع أو لا فإن كان فلا معنى لطلاق لا يريده مالكه وإن لم يكن ملك امتنع الطلاق لعدم محله وكذلك الفسخ لأنه يقتضي سابقه انعقاد معتبر وليس فليس وقال بعض محمل النهي هو الكراهة لأنه وسيلة إلى الرفث المحرم في إحرامه ويدل عليه ما روى عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم.
وما روي عن يزيد بن الأصم أنه ﷺ تزوج ميمونة وهي خالته وهو حلال لا تعارض روايته رواية ابن عباس ولا تقاربه وقد روى عن عائشة موافقتها لابن عباس من غير اضطراب عنهما في ذلك وكذلك أبو هريرة وافقهما.
فإن قيل: روى عن أبي رافع أن تزويج رسول الله ﷺ ميمونة كان وهو حلال قلنا: هذا الحديث رواه مطر الوراق عن ربيعة وقد رواه عن ربيعة من هو أحفظ منه وأثبت وهو مالك بن أنس حدث به عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سليمان بن يسار أن رسول الله صلى الله عيه وسلم بعث أبا رافع ورجلا من الأنصار فزوجاه ميمونة ابنة الحارث وهوبالمدينة قبل أن يخرج فعاد الحديث بذلك موقوفا على سليمان بن يسار بغير تجاوز عنه إلى أبي رافع فخرج من أن يكون حجة لمن يحتج به في هذا الباب.
стр. 481
فإن قيل: فقد روى عن يزيد عن ميمونة أنها قالت: تزوجني رسول الله ﷺ بسرف ونحن حلالان بعد أن رجع من مكة فكان من الحجة عليه لمخالفيه فيه أن ابن عباس أخبر أن تزويجه ﷺ إياها كان قبل ذلك وهو محرم وقد روى عنه أن رسول الله ﷺ قد كان طلب أن يعرس بها بمكة فأبى عليه ذلك أهلها وقال فيما روى عطاء عنه "أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة ابنة الحارث وهو حرام" فأقام بمكة ثلاثا فأتاه حويطب بن عبد العزى في نفر من قريش في اليوم الثالث فقالوا: إنه قد انقضى أجلك فاخرج عنا, قال: "وما عليكم لو تركتموني فعرست بين أظهركم فصنعنا لكم طعاما فحضرتموه" فقالوا: لا حاجة لنا في طعامك فأخرج عنا فخرج نبي الله ﷺ وخرج بميمونة حتى عرس بها بسرف ففيه أنه تزوجها في غير الوقت الذي ذكر مطر في حديثه أنه كان بالمدينة قبل أن يخرج فإن قيل أفيخفى عن ميمونة وقت تزويجها
قيل له: نعم لما أن رسول الله ﷺ جعل أمرها إلى العباس فزوجها إياه فيحتمل أنه ذهب عنها الوقت الذي عقد عليها عندما فوضت إلى العباس أمرها فلم تشعر إلا في الوقت الذي بنى بها فيه وعلمه ابن عباس لحضوره وغيبتها عنه فإن قيل ففي خبر عثمان النهي فكيف يجوز فيما علم منه ﷺ الإباحة فيه.
قيل أن عثمان لم يذكر في حديثه من أمر ميمونة شيئا وما ذكره فيه عنه يجوز أن يكون سمعه منه قبل ذلك أو بعده فكان مراده به غيره من أمته إذ هو بخلافهم إذ هو ﷺ كان محفوظا مالكا لا ربه ولم يكن غيره من أمته كذلك فنهاهم عنه لخوفه عليهم ما يخاف عليهم من مثله وفعله ﷺ إذ لم يخف على نفسه من ذلك ولي فيه أن عقد التزويج إذا وقع كان غير جائز ومما يؤكده البيع بعد النداء يوم الجمعة لم يبطل مع نهي الله عنه فالنهي عن نكاح المحرم كذلك ونقول لمالك والشافعي
стр. 482
إن بيع الحاضر للبادي منهي عنه وهو جائز إن وجد بلا خلاف فلا يلزم من النهي الفساد فلا ينكر أن يكون النهي عن نكاح المحرم كذلك مع ما ذكرنا عن مالك من تفريقه بطلاق أو فسخ ولا يكون ذلك غلا في عقد قد ثبت لأنه لا يقع في تزويج باطل طلاق ولا فسخ والنظر الصحيح يقتضي تجويز التزويج لإناراينا أسبابا تمنع من الجماع منها الإحرام والصيام ومنها الاعتكاف ولا تمنع من التزويج فكذا الإحرام وإن كان مكروها.
ولا يقال أن القبلة غير ممنوعة في الصيام وممنوعة في الإحرام لأن الحجة بالاعتكاف عليه قائمة فإن قيل روي عن ابن عمر الكراهة وعن عمر وزيد أنهما ردا نكاحي محرمين فإلى قول من خالفت ذلك قيل له ذلك إلى قول عبد الله بن مسعود وابن عباس وأنس بن مالك فقد روى عن جميعهم إجازة ذلك.
стр. 483
في الصداق والوفاء بالشرط
روي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "أيما امرأة انكحت على صداق أو حباء أو عدة قبل عصمة النكاح فهو لها وما كان بعد عصمة النكاح فهو لمن أعصمه وأحق ما أكرم عليه الرجل ابنته أو أخته العصمة ههنا العقدة" ومنه ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ أي لا تحبسوهن زوجات لكم واطلقوهن فقوله بعد عصمة النكاح أي بعد عقده فهو لمن أعصمه أي لمن فعل له يقال أعصمت فلانا إذا جعلت له شيئا يعتصم به أي يلجأ إليه ويغني به عن طلب مثله ففيه أن ولي المرأة قد يعطى أو يوعد بشيء ليكون ادعى إلى إجابة التزويج الذي يلتمسه الخاطب فلا يطيب له شيء من ذلك إذ كان إنما قصد إليه بذلك للتزويج الملتمس منه فكانت المرة أولى بذلك منه لأنه الذي يملك بعضها١ فالعوض ينبغي أن لا تملكه إلا المرأة دون من سواها ومثل ذلك ما روي أنه قال ﷺ لابن
стр. 484
اللتبية لما رجع من الولاية على الصدقة فقال: هذا لكم وهذا أهدي لي "أفلا جلس في بيت أبيه أو في بيت أمه ينتظر هل تأتيه هديته" فرد رسول الله ﷺ حكم الهدية إليه إلى السبب الذي أهديت إليه من أجله وهي الولاية التي يتولاها وكذا رد الحباء والعدة إلى السبب الذي من أجله كانا وهو البضع فجعلهما للمرأة دون الولي إذ كان الذي يلتمس منه لغيره لأنه وما كان بعد عصمة النكاح فهو لمن أعصمه لأنه قد صار له سببا يجب أن يكرم عليه كما قيل في الحديث وأحق ما يكرم عليه الرجل أخته أو ابنته فلما استحق الإكرام كان له ما أكرم به لذلك بخلاف ما قبل النكاح فإنه ليس له سبب يستحق بها الإكرام فلم يطب له ما أكرم به بل يطيب لمن أكرم به لأجله.
وروى عنه ﷺ أنه قال: "أن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج" المراد به والله علم من الصداق الواجب بقوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ وقوله: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً﴾ الآية جعل أخذه من حيث لا ينبغي أخذه منهن بهتانا وإثما ثم قال: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ الإقضاء الجماع الذي كان بينهم والميثاق هو العقد الذي كان فيه إحلال الفروج ومن حسن المعاشرة بقوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ والنفقة والكسوة بالسنة قال ﷺ في خطبة حجة الوداع "وإن من حقهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" وما أشبه ذلك مما اشترطه الآدميون بعضهم على بعض كله واجب وفاؤه لا سيما في إباحة ما في انتهاكه حرمة الحدود التي في بعضها اتلاف الأنفس وما جعله مع الإباحة سببا للمودة والرحمة.
стр. 485
في مقدار الصداق
روي عن عمر بن الخطاب قال: "ما ساق رسول الله ﷺ إلى واحدة من أزواجه ولا بناته أكثر من اثنى عشرا وقية" وروي عنه أنه
стр. 486
قال: "لا تغلوا صداق النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها النبي ﷺ ما زوج شيئا من بناته ولا تزوج امرأة من نسائه أفضل من اثنى عشر أوقية إلا وإن أحدكم ليغلى بصداق امرأته حتى يبقى لها عداوة في نفسه فيقول: لقد كلفت إليك علق القربة" أو قال عرق القربة أراد عمر بنهيه عن مغالاة الصداق فيمن يستحق من النساء صداق مثله من نسائه على الأزواج أن يكون وسطا لا شططا ومثله ما روي عن ابن أبي حد رد قال أتيت رسول الله ﷺ أسأله في صداق فقال: "كم أصدقت" فلت مائتي درهم قال: "لو كنتم تغرفون من بطحان لمازدتم" وعن أبي هريرة قال رجل يا رسول الله تزوجت امرأة أو خطبت امرأة وذلك امرأة قال: "انظر إليها فإن في عيون الأنصار شيئا" قال: "كم أصدقتها" قال ثمان أواق قال: "لو كان أحدكم ينحت من الجبل ما زاد" وكانت أصدقة من لم ينكر عليه ما أصدق منها ما روى عن أبي هريرة قال كان صداقنا إذ كان رسول الله ﷺ فينا عشر أواق وطبق بين يديه وذلك أربعمائة وما روى أن عبد الرحمن بن عوف تزوج امرأة على نواة من ذهب فقال له النبي ﷺ : "أو لم ولو بشاة" والحق إن الإنكار على من زاد على المقدار الذي يناسب حاله وحالها لأنه من الإسراف المذموم لا عن مطلق الزيادة فإنها مباح وسئلت عائشة عن صداق النبي صلى الله عيه وسلم فقالت: ثنتا عشرة أوقية ونش قالت: والنش نصف أوقية وكان عمر على ما كان عليه مما ذكرناه عنه حتى احتج عليه في إباحة إغلاء إلا صدقة روي عنه أنه خطب الناس فحمد الله واثنى عليه ثم قال: لا تغالوا في صداق النساء فإنه لا يبلغني عن أحد ساق أكثر من شيء ساقه نبي الله صلى اله عيه وسلم أو سيق إليه إلا جعل فضل ذلك في بيت المال ثم نزل فعرضت له امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين كتاب الله أحق أن يتبع أو قولك قال: بل كتاب الله بم ذلك قالت: أنك نهيت الناس آنفا أن يغالوا في صداق النساء والله يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ
стр. 487
شَيْئاً﴾ فقال عمر: كل أحدا فقه من عمر مرتين أو ثلاثا ثم رجع إلى المنبر فقال إني كنت نهيتكم أن تغالوا في صداق النساء فليفعل رجل في ماله ما شاء ثم تزوج أم كلثوم بنت علي وأصدقها أربعين ألفا وقد روي عن أم حبيبة أنها كانت تحت عبد الله بن جحش وكان رحل إلى النجاشي فمات وتزوجها رسول الله ﷺ وهي بأرض الحبشة زوجها إياه النجاشي وأمهرها أربعة آلاف من عنده وبعث بها إلى النبي صلى الله عيه وسلم مع شرحبيل ابن حسنة وجهازها كله من عند النجاشي ولم يرسل إليها النبي صلى الله عيه وسلم بشيء وكان مهر أزواج النبي صلى الله عيه وسلم أربعمائة درهم وفي ترك إنكار النبي ﷺ على النجاشي دليل على إباحة كثير إلا صدقة وقليلها.
стр. 488
في المفوضة
روي أن عبد الله بن مسعود أتى إليه في امرأة توفي عنها زوجها ولم يفرض لها صداقا ولم يدخل بها ترددوا إليه فلم يفتهم فلم يزالوا به حتى قال أني سأقول بريي لها صدقة نسئها لا وكس ولا شطط وعليها الدة ولها الميراث فقام معقل بن سان فشهد أن رسول الله ﷺ قضى في بروع بينت وأشق بمثل ما قضيت ففرح عبد الله وخرجه من طرق كثيرة في بعضها فقال الجراح وأبو سنان فشهدا أن رسول الله صلى الله عيه وسلم فضى به في بروع الأشجعية وكان زوجها هلال بن مروان وفي بعضها لها صداق مثلها وفي بعضها أنه رددهم شهرا وفيه أنه قال إن يك صوابا فمن الله وإن يك خطأ فمني فيه جواز التزويج بغير تسمية مهر كما يقوله أبو حنيفة والثوري وأصحاب أبي حنيفة والشافعي خلافا لمالك فإنه يفسخ في حال حياتها وكتاب الله حجة لهم قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ ولا يقع الطلاق إلا في تمويج صحيح وكذا السنة وكذا دليل الإجماع فإنه لا خلاف
стр. 489
إن الميراث واجب للباقي منهما ولا ميراث إلا في تزويج صحيح وأجمعوا أنه إذا دخل بها لم يفسخ والدخول لا يصلح العقد الفاسد فعلم أن التزويج يقوم بنفسه لا بالصداق ثم وجدنا الصحابة قد أجمعوا على صحة العقد إذا وقع كذلك وعلى وجوب الميراث فيه واختلفوا في وجوب الصداق بعد الموت فقال بعضهم لها الصادق على الزوج إن كان حيا وفي تركته إن كان ميتا منهم ابن مسعود وقال بعضهم لا صداق لها منهم علي وابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت والقياس يوجب لها الصداق لأنه تابع للعدة فلا يجب لها كاملا إلا حيث تجب عليها العدة ألا ترى أنه يجب بعد الدخول سمى أو لم يسم في الموت والطلاق كما تجب العدة ولا يجب قبل الدخول في الطلاق إلا نصفه إن سمى فوجب أن يجب جميعه في الموت قبل الدخول سمى أو لم يسم كما تجب العدة فيه قيل والصحيح عن مالك أن نكاح التفويض جائز إنما خلافه في التزويج على أن لا صداق لها.
ثم ما في الحديث من القضاء لها بصداق نسائها المعقول أنهن نساء عشيرتها ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ﴾ فكان أولائك النساء هن نساء رسول الله ﷺ ونساء من دعى إلى المباهلة لا من سواهن فكذلك نساء المرأة المرجوع إلى صدقاتهن فيما يجب لها فيه صداق مثلها وهذا معنى قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وقال ابن أبي ليلى هن اللائي من قبل أبيها عماتها من الأب والأم أو من الأب وأخواتها الأعيانية والعلانية توخالاتها وقال مالك أمثلاها في منصبها وحمالها والذي دل عليه الحديث أولى ما قيل في ذلك وإدخال الحالات في ذلك لا معنى له إذ قد تكون المرأة من قريش وخالاتها إماء وقول مالك هو الذي يقع في القلوب قبوله لولا ما روي عن رسول الله صلى الله عيه وسلم مما يخالفه واعتبرناه فوجدنا فيه مراعاة أحوال المرأة التي يرغب فيها من أجلها وهي جمالها وعقلها وكذا ما يرغب فيها لأجله من حسبها وبيتها التي هي منها وآباؤها الذين يرغب فيها من أجلهم وإذا اعتبر في الحيض نساؤها الذي قد تختلف فيه
стр. 490
المرأة وأمها وأختها كان اعتبار ذلك في الصداق أولى وأحرى قال القاضي واعتبار مالك بصداق أخواتها وعماتها إذا كن مثلها في العقل والجمال والمال فإن كان أبو حنيفة والشافعي يخالفانه في ذلك ويوجبان لها صداق مثل نسائها وإن كن على خلاف حالها في العقل والجمال والمال فهو بعيد خارج عن السنة.
стр. 491
في نكاح الموهوبة
روي "أن رسول الله ﷺ جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك, فقامت قياما طويلا فقام رجل, فقال: يا رسول الله زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة الحديث إلى قوله: "قد زوجتكها بما معك من القرآن" في غير رواية مالك لهذا الحديث زيادة تقتضي التفويض إلى النبي علي الصلاة والسلام في أن يزوجها بمن رأى ولذلك زوجها من السائل دون أن يستأمرها في ذلك وهو ما روي أنها قالت: إني قد وهبت نفسي لك يا رسول الله فر فيها رأيك وفيما خاطبت به هذه المرأة رسول الله ﷺ من إطلاقها له وتزويجه إياها من غيره بذلك ما قد استعمله أهل العلم في المضارب الممنوع من دفع المال إلى غيره إلا أن يقول له أعمل فيه برأيك فيحل محله ويعمل فيه ما كان يعمل فيه رب المال ويكون له من ربحه ما يجعله له منه وعن هشام بن عروة عن أبيه قال كان يقال أن خولة ابنة حكيم وهبت نفسها للنبي ﷺ وكانت من المهاجرات الأول قالت عائشة كنت إذا ذكرت قلت: إني لأستحيي امرأة وهبت نفسها لرجل بغير مهر وكانت من غير النساء وفيها نزلت: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ قلت يا رسول الله إن ربك ليسارع في هواك وفيما روى عنه عن عائشة أنها كانت تقول: ما تستحيي امرأة تهب نفسها لرجل حتى أنزل الله ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ الآيات الثلاثة قلت: إن ربك ليسارع في هواك إذا وهبت المرأة نفسها لرجل وتملكه بضعها وقبل ذلك منها بمحضر من شهود بذلك كان تزويجا فإن سمى لها مهرا كان لها ما سمى وإلا فلها مهر مثلها وإن
стр. 492
طلقها قبل الدخول بها كانت المتعة لها عليه وهو قول أبي حنيفة وسفيان الثوري وسائر أصحاب الإمام وعن بعضهم إذا وهب ابنته الصغيرة لرجل ليحضنها أو ليكفلها على وجه النظر لها كان جائزا وإن وهبها بصداق ذكره كان ذلك نكاحا إذا أراد بالهبة النكاح وممن قال بذلك عبد الرحمن بن القاسم على معاني قول مالك وعن بعض العلماء إن النكاح لا ينعقد إلا بلفظ النكاح والتزويج وهو قول الشافعي فنظرنا فيما اختلفوا فيه فوجدنا قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ الآية فجعل الله تعالى تلك الهبة للنبي ﵊ نكاحا ثم أعقب ذلك بقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ فاحتمل أن يكون الخلوص بجعل الهبة نكاحا خاصة ويحتمل أن يكون الخلوص في جعل الهبة له نكاحا بلا صداق كمذهب أبي حنيفة والثوري وابن القاسم على معاني قول مالك والآية على عمومها له ولغيره إلا ما أجمع عليه من التخصيص منها وذلك كون الهبة انكاحا بال صداق وقول الشافعي بأن النكاح لا يكون إلا بما سماه الله تعالى به وهو النكاح والتزويج يقال له بأن الله تعالى ذكر في كتابه الطلاق والسراح والفراق وبالإجماع لا يتخصص الطلاق بهن دون ما سواهن مما هو في معناه كالخلع والبرية والخلية والبائن والبتة والحرام ثم هبة الزوج امرأته لنفسها إذا أراد بذلك الطلاق يقوم مقام الطلاق منه لها فكذا هبتها بضعها له يكون ذلك كالنكاح الذي تعقده له على بضعها فتكون الهبة في كل واحد منهما لصاحبه في حكم التمليك يكون نكاحا يملك به الرجل امرأته ويكون طلاقا تملك به المرأة نفسها وسئل سعيد بن المسيب عن رجل بشر بجارية فقال له رجل من القوم هبها لي فوهبها له فقال سعيد لم تحل الهبة لأحد بعد رسول الله ﷺ ولو أصدقها سوطا لحلت له يعني لو سمى لها مهرا في تلك الهبة ولو سوطا حلت له فدل ذلك أن الهبة التي كان رسول الله ﷺ اختص بها كانت عنده على الهبة التي لا صداق عليه فيها وإن من سواه في الهبة يكون بها ناكحا بصداق كما يجب عليه في تزويج لو وقع بلا صداق ذكر فيه وفي حديث عائشة إني
стр. 493
لاستحيى امرأة تهب نفسها لرجل بغير مهر لم تقصد بذلك الرجل رسول الله ﷺ بل عمت به الرجال إذ كان ذلك خرج مخرج النكرة ففيه ما دل على أن الخصوصية إنماكانت في كونها زوجة للنبي ﷺ بلا صداق وإن الهبة تكون تزويجا لغير النبي ﷺ غير أنها تكون لغيره تزويجا بصداق يجب معها وما روى عن ابن عباس لم تكن عند رسول الله ﷺ امرأة وهبت نفسها له ليس فيها ما يعارض ما روى أن رسول الله ﷺ لما أتى بالجونية قال لها: "هبى لي نفسك" فقالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة؟ فأهوى بيده إليها فقالت: أعوذ بالله منك فقال: "قد عذت بمعاذ" ثم خرج فقال: "يا أبا أسيد اكسها رازقيتين وألحقها بأهلها" لأن رسول الله ﷺ لم يكن دخوله على تلك المرأة إلا وهي زوجة له قبل ذلك وعلى ذلك جاء أبو أسيد بها وكان قوله لها بعد ذلك "هبي لي نفسك" على معنى ملكيني نفسك لا على استئناف تزويج يعقده عليها وكيف يظن ذلك وفي شرعه حرمة الخلوة بالأجنبية يؤيده أنه ﷺ خرج عنها على الطلاق منه لها والفراق منه إياها ولا يكون ذلك إلا عن تقدم تزويجه إياها.
стр. 494
في إجابة الدعوة
روي عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : "شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليه الأغنياء ويترك الفقراء ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله" الأطعمة أصناف ومنها الوليمة ومنها الخرس وهو إطعام عند الولادة ومنها طعام الأعذار وهو ما يطعم عند الختان ومنها طعام الوكيرة من الوكر وهو ما يطعم إذا بنى دارا أو اشتراها ومنها طعام النقيعة عند القدوم من سفره ومنها طعام الهضيمة وهو طعام المأتم ومنها طعام المأدبة وهو طعام الدعوة والدعوة المرادة في الحديث هي الوليمة فقط بذكر ما وصفت به وإنما افترقت الوليمة من غيرها في وجوب الإتيان إليها لقول رسول الله
стр. 495
صلى الله عليه وسلم لابد للعرس من وليمة وقوله لعبد ارحمن أو لم ولو بشة ولقوله الوليمة حق والثاني معروف والثالث سمعة ورئاء ففي أول يوم محمود عليها أهلها وفي الثاني معروف لأنه قد يصل إليها من عسى أن يكون قد وصل إليها في اليوم الثاني ولم يصل إليها في اليوم الأول وفي الثالث رئاء وسمعة فمن دعى إلى الحق يجب عليه الإجابة ومن دعى إلى المعروف فله أن يجيب ومن دعى إلى الرئاء فعليه أن لا يجيب فعلم أن من الأطعمة التي يدعى إليها ما للمدعوا إليه أن لا يأتيه وما روى عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دعا أحدكم أخاه لحق فليأته لدعوة عرس أو نحوه" يحتمل أن يكون قوله: "لدعوة عرس ونحوه" ليس من كلامه ﷺ يؤيده إن مداره على ابن عمر وليس فيه هذه الزيادة وإنما قال قال رسول الله ﷺ : "أجيبوا الدعوة إذا دعيتم لها"
فاحتمل أن تبكون تلك الدعوة المرادة في هذه الآثار هي الوليمة المذكورة فتتفق الآثار كلها ويؤيد ذلك أيضا ما روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دعى أحدكم إلى الوليمة فليأتها" وحديث جبار مرفوعا: "إذا دعى أحدكم فلجيب فإن شاء أطعم وإن شاء ترك" محتمل أيضا أن يراد به طعام الوليمة لا ما سواه وقد روى أن عثمان بن أبي العاصي دعى إلى ختان فأبى أن يجيب وقال كنا على عهد رسول الله ﷺ لا نأتي الختان ولا ندعي إليه فدل أن على الطعام الذي كانوا يأتونه في عهد رسول الله ﷺ إنما هو طعام خاص ولما كان طعام الوليمة مأمورا به كان من دعى إليه مأمورا بإجابته وغيره غير مأمور به فكان من دعى إليه غير مأمور بإتيانه وأما ما روي عبد الرحمن بن زياد المعافري عن أبيه أنه ضمهم وأبا أيوب الأنصاري مرسي في البحر فلما حضر غداؤنا أرسلنا إلى أبي أيوب الأنصاري وإلى أهل مركبه فقال: دعوتموني وأنا صائم فكان من الحق على أن أجيبكم أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم