حالهم روى أنه ﷺ قال للأنصار: "إني أولي عليكم نقباء يكونون عليكم كفلاء كنقباء بني إسرائيل كفلاء".
وفي ذلك ما قد حقق الكفالة بالأنفس لا سيما عند من يحتج بالمغازي وقد جاء عن الصحابة ما يوجب ثبوتها مثل ما روى أن عمر بن الخطاب بعث حمزة بن عمر والأسلمي مصدقا على سعد هذيم فأتى بمال ليصدقه فإذا رجل يقول لامرأته: أدى صدقة مال مولاك وإذا المرأة تقول له: بل أنت فأد صدقة مال ابنك فسأل حمزة عن أمرهما وقولهما فأخبر أن ذلك الرجل وقع على جارية زوجته فولدت له ولدا فأعتقته امرأته قالوا: فهذا المال لابنه من جاريتها فقال حمزة: لأرجمنك بأحجارك فقيل له: أصلحك الله إن أمره رفع إلى عمر فجلده مائة ولم ير عليه الرجم فأخذ حمزة بالرجل كفيلا حتى قدم على عمر فسأله عما ذكر له عنه فصدق ذلك وقال: إنما درأ عنه الرجم أنه عذر بالجهالة.
ومن ذلك ما روى عن حارثة بن مضرب قال: صليت الغداة مع ابن مسعود في المسجد فلما سلم قام رجل فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فوالله لقد بت هذه الليلة وما في نفسي على أحد من الناس حنة وإني كنت استطرقت رجلا من بني حنيفة لفرسي فأمرني أن آتيه بغلس وأني أتيته فلما انتهيت إلى مسجد بني حنيفة مسجد عبد الله بن النواحة سمعت مؤذنهم يقول وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن مسيلمة رسول الله فاتهمت سمعي وكففت الفرس حتى سمعت أهل المسجد أنيطوا على ذلك فما كذبه عبد الله وقال: من ههنا فقام رجال فقال: على بعبد الله بن النواحة وأصحابه قال حارثة: فجيء بهم وأنا جالس قال عبد الله لابن النواحة: ويلك أين ما تقرأ من القرآن قال: كنت أتعبكم به قال له: تب فأبى فأمر به عبد الله بن مسعود قرظة بن كعب الأنصاري فأخرجه إلى السوق فجاءه برأسه قال حارثة: فسمعت عبد الله بن مسعود يقول من سره أن ينظر إلى عبد الله بن النواحة قتيلا بالسوق فليخرج فلينظر إليه قال حارثة: فكنت فيمن خرج ينظر إليه ثم أن عبد الله استشار أصحاب محمد صلى الله
стр. 667
عليه وسلم في بقية النفر فقام عدي بن حاتم الطائي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فثؤلول من الكفر اطلع رأسه فأحسمه فلا يكون بعده شيء وقام الأشعث بن قيس وجرير بن عبد الله فقالا: لا بل استتبهم وكفلهم عشائرهم فاستتابهم فتابوا وكفلهم عشائرهم ونفاهم إلى الشام ففي الحديثين استعمال عبد الله الكفالة بالأنفس بمشورة من اشار عليه بها وبحضور من حضرها فلم ينكر ذلك عليه ولم يخالفه فيه فدل ذلك على متابعتهم إياه عليه وما جاء هذا المجيء كان بالقوة أولى وبنفي الضعف عنه أحرى.
стр. 668
في الحوالة
روى عن النبي ﷺ أنه قال: "مطل الغنى ظلم ومن أتبع على ملى فليتبع" أي: من أحيل على ملى فليتبع وكذلك رواه ابن عمرو أن أحلت على ملى فأتبع وقال زيد بن الهذيل والقاسم بن معن: الحوالة كالكفالة وللمحتال أن يطالب كل واحد من المحيل ومن المحال عليه وقوله: من أحيل على ملى فليتبع يدفع ذلك مع أنه يصح أن يقال لي: على فلان كذا وفلان كفيل به أو ضمين أو حميل وفيه ذكر بقاء الحق على الذي كان عليه كما كان قبل الضمان ولا يقال لي: على فلان كذا وفلان لي به حويل أو أحالني به على فلان لأن الحوالة معها تحويل المال عمن كان عليه إلى المحال عليه ثم ظاهر الحديث يدل على صحة الحوالة وإن لم يكن للمحيل على المحال عليه مثل المال كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه والشافعي خلافا لمالك فلو أحيل على فقير على ظن أنه ملى فقال مالك: له أن يرجع بما له على المحيل وتبطل الحوالة وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يرجع وقال أبو يوسف ومحمد: إذا قضى القاضي بتفليسه عاد وإذا مات المحال عليه معد ما يرجع المحيل خلافا لمالك والشافعي وقول الإمام أولى لأن الحوالة في معنى بيع ذمة بذمة كمن أخذ بالدين عبدا فمات قبل قبضه يرجع بدينه كذا هذا وإن كان مالك لا يقوله في العبد فهو يقوله في الطعام المبيع كيلا ولا فرق بين هذا وما قبله.
стр. 669
كتاب الرهن
مدخل
...
كتاب الرهن
روى عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا" لم يذكر في هذا الحديث من المقصود بالركوب وشرب اللبن المذكورين فيه فقيل: أنه الراهن وهو مذهب الشافعي ومن سواه من أهل العلم حمله على خلافه وقد روى عن أبي هريرة مرفوعا "إذا كان الدابه مرهونة فعلى المرتهن علفها ولبن الدر يشرب وعلى الذي يركب ويشرب نفقتها" فيه دليل على أن المقصود هو المرتهن وهذا عندنا منسوخ لأنهم مأمونون على ما عملوا كما هم مأمونون على ما رووا لأنه لو لم يكن كذلك لسقطت عدالتهم وسقطت روايتهم ومما يدل على أن النسخ قد طرأ على هذا الحديث أن الشعبي قد روى عنه أنه قال: لا ينتفع من الرهن بشيء وعليه مدار هذا الحديث فلم يقل ذلك إلا وقد ثبت عنده نسخه ولما كان الرهن موصوفا بأنه مقبوض بقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ دل ذلك أن يد الراهن زائلة فلا يجوز الانتفاع للراهن والمرتهن وإلى هذا ذهب فقهاء الحجاز والعراق.
стр. 670
في الرقبى
روى عن جابر عن النبي ﷺ قال: "لا تعمروا ولا ترقبوا فمن أعمر شيئا او رقبه فهو للوارث إذا مات" وعن ابن عمر مرفوعا: "لاعمرى ولا رقبى فمن أعمر شيئا أو أرقبه فهو له حياته ومماته" وعنه نهى رسول الله ﷺ عن الرقبى وقال: "من أرقب رقبى فهي له". فيه أن الرقبى تكون لمن أرقبها وإن الشرط باطل لا معنى له والمسألة مختلف فيها فقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن: هي قول الرجل للرجل قد جعلت داري هذه رقبى لك إن مت قبلي فهي لي وإن مت قبلك فهي لك وهي كالعارية عندهما وذكر عبد الرحمن بن القاسم جوابا لأسد لما سأله عن قول مالك أن مالكا لم يعرفها ففسرها بالتفسير
стр. 671
المذكور فقال: لا خير فيها والذي ذكرناه عنهما وعن مالك ليس بصحيح عندنا لأنه كان ينبغي لهم أن يجروها مجرى الوصية للمرقب لأن الوصية كذلك تكون وقد حكى القاضي ابو الوليد أن مذهب مالك وأصحابه أنها معتبرة من الثلث وفي "المدونة" على خلاف هذا التفسير لذلك قال: لا خير فيها وقالت طائفة منهم الثوري وأبو يوسف والشافعي هي أن يقول قد ملكتك داري هذه على أن نتراقب فيها فإن مت قبلي رجعت إلي وإن مت قبلك سلمت لك فيكون التراقب حينئذ في الرجوع إلى صاحبها الذي أرقبها لا في نفس التمليك فتكون للمرقب غير راجعة إلى المرقب في حال وهذا أولى القولين عندنا.
стр. 672
في العمرى
عن أبي الزبير قال: أشهد لسمعت جابر بن عبد الله يقول قال رسول الله ﷺ : "من أعمر شيئا فهو له حياته ومماته" وعن جابر مرفوعا قال: "العمري لمن وهبت له" وعن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "من أعمر عمري فهي له ولعقبه يرثها من يرثه من عقبة" فيها أن العمري لمن أعمرها في حياته وبعد وفاته واختلف في تفسيرها فقال أبو حنيفة والثوري وأصحابهما والشافعي: هي قوله: ملكتك داري هذه أيام حياتك فتكون له بذلك في حياته ولورثته بعد وفاته وقال آخرون: هي التي يقول قد أعمرتك وعقبك داري هذه فيكون له في حياته ولورثته بعد وفاته وإن لم يذكر فيها ولعقبك رجعت لى المعمر بعد موت المعمر منهم ابن شهاب ومالك وكثير من اهل المدينة والأصح أن عند مالك ذكر العقب ليس بشرط فإنه روى عن مالك عن القاسم بن محمد أنه قال: ما أدركت الناس إلا وهم على شروطهم في أموالهم وفيما أعطوا واحتج الآخرون بما روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر قال: إنما العمري التي أجاز رسول الله ﷺ أن يقول هي لك ولعقبك فأما إذا قال: هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها
стр. 673
وكان الزهري يفتي بذلك وهذا الحديث عند مخالفيهم من كلام الزهري فغلط فيه عبد الرزاق فجعله عن معمر عن الزهري واستدلوا على ذلك بأن من هو أحفظ من عبد الرزاق وهو ابن المبارك قد رواه عن معمر بخلاف ذلك فقال فيه عنه عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر أخبره أن رسول الله ﷺ قضى أنه من أعمر رجلا عمري فهي للذي أعمرها ولورثته من بعده.
فإن قيل: قد روى هذا الحديث غير معمر عن الزهري منهم ابن أبي ذئب عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر أخبره أن رسول الله ﷺ قضى فيمن أعمر عمري له ولعقبه فهي له بتة لا يجوز للمعطى فيها شرط قال أبو سلمة: لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث ومنهم مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن جابر مرفوعا قال: إيما رجل أعمر عمري له ولعقبه فإنها للذي يعطاها لا ترجع إلى الذي أعطاها لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث ومنهم الليث عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن جابر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أعمر رجلا عمري له ولعقبه فقد قطع قوله حقه فيها وهي لمن أعمرها ولعقبه" قلنا في حديث ابن أبي ذئب: إضافة بعض الكلام إلى أبي سلمة وإخراجه إياه من كلام النبي ﷺ ودل على ذلك قول قتادة: حدثني النضر عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "العمري جائزة" فقال الزهري: أنها لا تكون عمري حتى تجعل له ولعقبه فقال عطاء: حدثني جابر أن رسول الله ﷺ قال: "العمري جائزة" ففي سكوت الزهري عن الرد عليه دليل على أن العقب ليس في حديث جابر من حديث أبي سلمة كما ليس هو في حديث جابر من حديث عطاء وقد جاء مفسرا من رواية أبي الزبير المكي عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عيه وسلم: "من أعمر عمري حياته فهي له وبعد وفاته" فعلم أن العمري المروية عن النبي ﷺ ليس فيها لعقب المعمر ذكر وأنها تجري بخلاف ما اشترطه المعمر فيها وأن شرطه فيها كلا شرط وقد دل على ذلك حديث
стр. 674
ابن عمر أيضافي الرقبى والعمرى وإن ابن عمر أفتى بذلك لما سأله رجل وهب ناقة لرجل حياته فنتجت قال: هي له وأولادها قال: فسألته بعد ذلك فقال: هي له حيا وميتا ولأنهم أجمعوا أنه إذا جعلها له ولعقبه فمات المجعول له عن زوجة أنها ترث منها وتباع في دينه وتنفذ فيها وصاياه وكل ذلك دال على أن الشرط غير معتبر إذ لو اعتبر لم تخرج عنه إلى غيره وفي خروجها عنه إلى غيره عقبا كان أو غير عقب دليل على أنها تخرج عنه في الأحوال كلها وقد روى حديث العمري عن رسول الله ﷺ غير واحد من الصحابة كمعاوية وزيد ابن ثابت وعن أبي هريرة مرفوعا قال: "لا عمري فمن أعمر شيئا فهو له" وعن سمرة مرفوعا العمري جائزة وعن جابر مرفوعا: "امسكوا عليكم أموالكم لا تعمروها فمن أعمر شيئا فهو له وروى أمسكوا عليكم أموالكم لا تفسدوها فمن أعمر عمري فهي له حيا وميتا" ولعقبه وعقبه كل من أعقبه في ما له بميراث له عنه أو بوصية منه فقد بأن صحة ما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه والشافعي في العمري وانتفى به ما قال مخالفوهم فيها.
стр. 675
في استلحاق الولد
عن عائشة قالت: كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد إن ابن وليدة زمعة منى فاقبضه إليك قالت: فلما كان عام الفتح أخذه سعد فقال ابن أخي قد كان عهد إلي فيه وقال عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه فقال رسول الله ﷺ : "الولد للفراش وللعاهر الحجر" وقال لسودة: "احتجبي منه" لما رأى من شبهه بعتبة قالت: فما رآها حتى لقي الله ، وعنها من طريق آخر أنها قالت: قال عتبة بن أبي وقاص لأخيه سعد وكان عتبة كافرا وسعد مسلما: إني أعهد إليك أن تقبض ابن جارية زمعة إذا لقيته قالت عائشة: فلما كان يوم الفتح لقي سعد بن جارية زمعة فقال: ابن أخي واحتضنه فقال عبد بن زمعة بل هو أخي ولد على فراش أبي من جاريته فاختصما إلى رسول الله
стр. 676
صلى الله عليه وسلم فقال سعد: هذا ابن أخي انظر إلى شبهه بأخي عتبة وقال عبد بن زمعة: بل هو يا رسول الله أخي ولد على فراش أبي من جاريته قالت عائشة: فنظر رسول الله ﷺ فرأى شبها لم ير الناس شبها أبين منه بعتبة فقال رسول الله ﷺ : " هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش واحتجبي منه يا سودة" فلم يرها حتى ماتت ظن بعض الناس أن دعوى سعد لا معنى لها لأنه ادعاها لأخيه من أمة لغيره بغير تزويج بينه وبينها وحاشاه من ذلك ووجه دعواه أن أولاد البغايا في الجاهلية قد كانوا يلحقونهم في الإسلام بمن ادعاهم ويردونهم إليه وقد كان عمر بن الخطاب يحكم بذلك على بعد عهده بالجاهلية فكيف في عهد النبي ﷺ مع قربه بها فكان يحكم لأخيه الموصى بدعوى سعد لولا معارضة عبد بن زمعة بدعوى توجب عتاقة الولد لأنه كان يملك بعضه بكونه ابن أمة أبيه فلما ادعى أنه أخوة عتق عليه حظه فهذا أبطل دعوى سعد فيه لا لأنها كانت باطلة ولم يكن من سودة تصديق لأخيها عبد على ما ادعاه فالزمه رسول الله ﷺ ما أقربه في نفسه وخاطبه بقوله: "الولد للفراش" ولم يجعل ذلك حجة عليها فأمرها بالحجاب منه ولو جعل أخاها لما أمرها بالاحتجاب منه مع الإنكار على عائشة احتجابها من عمها من الرضاعة هذا محمل الحديث والله أعلم ثم لا خلاف أن من مات وبيده عبد فادعى بعض الورثة أنه أخوه لا يثبت به النسب من الميت ويدخل مع المدعى في ميراثه أيضا عند أكثر أهل العلم ولا يدخل عند بعض منهم الشافعي وروى عن عبد الله بن الزبير قال: كانت لزمعة جارية يطأها وكانت تظن برجل يقع عليها فمات زمعة وهي حبلى فولدت غلاما كان يشبه المظنون به فذكرته سودة لرسول الله ﷺ فقال: "أما الميراث فله وأما أنت فاحتجبي منه فإنه ليس بأخ لك" ففيه نفي أخوته لسودة وقوله: "أما الميراث له" أراد به الميراث في حصة عبد بإقراره لا فيما سواه من تركة زمعة قال القاضي أبو الوليد: الحق أن الذي أبطل دعوى سعد علم النبي ﷺ بالفراش الذي أدعاه عبد
стр. 677
ابن زمعة لأبيه إذ لا يخفى عليه بالصهورة التي كان بينه وبينه يحققه ما في حديث ابن الزبير كانت لزمعة جارية يطأها فحكم بذلك بقوله: "الولد للفراش" وقال: "هو لك يا عبد بن زمعة" أي: على ما تدعيه من أنه أخوك قوله: "هو لك" أي: بيدك عليه تمنع بذلك غيرك كقوله في اللقطة: "هو لك أو لأخيك أو للذئب" ليس على معنى التمليك وجعل الميراث له أي من جميع تركته ولو لم يثبت نسبه من زمعة لثبت نسبه من عتبة بادعاء أخيه سعد ذلك له بعهده إليه به على ما كان الحكم به من إلحاق أولاد البغايا بمن ادعاهم ولما بطل ذلك بالعتق الذي حصل له بادعاء عبد بن زمعة إذ لا تأثير للعتق في إبطال دعوى النسب وأمر النبي ﷺ سودة بالاحتجاب من باب التورع لأن حكم الحاكم لا ينقل الأمر عما هو عليه في الباطن قال رسول الله ﷺ : "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم الحن بحجته من بعض- الحديث" فاحتمل أن لا يكون الولد لزمعة لا سيما مع الشبه البين لعتبة إذا لفراش علامة ودليل قد يكون الأمر في الباطن بخلاف الدليل الظاهر فلا يحل لمن علم منه خلاف ما حكم له به ما لا يجوز له على ما علم من باطن الأمر والله أعلم.
стр. 678
في الحكم بالقافة
روى عن عائشة قالت: دخل مجزز المدلجي على رسول الله ﷺ فرأى أسامة وزيدا وعليهما قطيفة قد غطيا رؤسهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض فدخل علي رسول الله ﷺ مسرورا.
قيل: لو لم يكن في القافة إلا هذا الحديث لكان دليلا أن مع أهلها علما قلنا: لا ننكر أن معهم علما ولكن ليس من العلوم القطعية فإنما هي كعلم التجار بالسلع أعني: في معرفة أجناسها وبلدانها يقول أحدهم: هي من عمل فلان فكما لا يجوز أن يحكم بالسلعة المدعاة بشهادة من يشهد أنها من عمل فلان أحد لمن يدعيها بغير حضور منه لوقوفه على عمله إياها فكذلك لا يحكم بقول القافة إنه
стр. 679
من نطفته ويجوز لمن يقع في قلبه مثل ذلك أن يسر به وإن لم يكن مع ذلك وجوب حكم ولا قضاء وقد جاء أن النبي ﷺ بعث في طلب العرنيين جماعة وقائفا يقتص آثارهم فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وبالإجماع لا يحكم بقول القائف في قفوا الآثار فكذا في إلحاق النسب.
فإن قيل: أن عمر بن الخطاب قضى بقول القائف بحضرة الصحابة من غير إنكار عليه على ما روى ابن عمر أن رجلين اشتركا في طهر امرأة فولدت فدعا عمر القافة فقالوا: أخذ الشبه منهما جميعا وجعله بينهما، وعن ابن المسيب أن رجلين اشتركا في طهر امرأة فولدت لهما فارتفعا إلى عمر بن الخطاب فدعا لهما ثلاثة من القافة فدعا بتراب فوطئ فيه الرجلان والغلام ثم قال لأحدهم: انظر فنظر فاستقبل واستعرض واستدبر ثم قال: أسر أم أعلن فقال عمر: بل أسر فقال: لقد أخذ الشبه منهما فما أدرى لأيهما هو فأجلسه١ ثم أمر الثالث فنظر كذلك وقال مثل ذلك وكان عمر قائفا فجعله لهما يرثانه ويرثهما فقال سعيد: أتدري من عصبته قلت: لا قال: الباقي منهما.
فالجواب أن عمر ما قضى بقول القافه لأنهم لم يعلموا لأيهما فجعل عمر الولد منهما مخالف لقول إلقافه ولكنه قضى به لمدعييه لكونه في يدهما ومع هذا فالمحتج بحديثي عمر لا يجعل الولد ابن رجلين كما جعله عمر فالحديث عليه لا له.
فإن قيل: قد روى عبد الرحمن بن حاطب أنه أتى رجلان إلى عمر بن الخطاب في غلام من ولادة الجاهلية يدعى كل منهما أنه ابنه فدعا عمر لهما قائفا من بني المصطلق فسأله عن الغلام فنظر إليه وقال لعمر: والذي أكرمك أني لأجدهما قد اشتركا فية فقام إليه عمر يضربه بالدرة حتى أصبح ثم قال: والله لقد ذهب بك النظر إلى غير مذهب ثم دعا أم الغلام فسألها فقالت: أن هذا لأحد الرجلين ثم أن هذا الآخر وقع بي فوالله ما أدري من أيهما هو فقال عمر للغلام: اتبع أيهما شئت فاتبع أحدهما
стр. 680
فالجواب أن ما في حديث ابن عمر وابن المسيب في صبى يعبر عن نفسه فرد الأمر في ذلك إلى ما يقوله الغلام المدعي فيه وهكذا نقول في الذي يعبر عن نفسه والذي لا يعبر عن نفسه فكنا نحن المتمسكين بما روى عن عمر في الأخبار كلها وعادت الحجة عليه لنا ولو كان الحكم عند عمر بقول القافة لكان أولى من إقرار الولد بأحد مدعييه كولدا دعاه رجلان فصدق الولد أحدهما وأقام الآخر البينة أنه ابنه كانت البينة أولى من إقرار الولد اتفاقا ومن الدليل على أن مذهب عمر ﵁ عدم الحكم بقول القافة في نسب ولا غيره ما روى أنه أرسل إلى شيخ من بني زهرة فسأله عن ولاد الجاهلية قال: كانت المرأة إذا فارقها زوجها بموت أو طلاق نكحت بغير عدة فقال الرجل: أما النطفة فمن فلان وأما الولد فعلى فراش فلان فقال عمر: صدقت ولكن قضى رسول الله ﷺ بالولد للفراش فما التفت عمر إلى قول المسؤول ورد الحكم إلى ما يخالفه ومما يؤكده أن المسلمين لم يختلفوا فيمن نفى ولد زوجته وقالت: هو منه أنه يلاعن بينهما وينفي منه ولو جاءت أمه بجماعة القافة يصدقونها لا ينفعها والولد منفى على حاله وإنما كان اعتبار قول القافة في الجاهلية وألغي قولهم إلى ما عليه أهل الإسلام روى عن عائشة أن نكاح الجاهلية كان على أربعة أنحاء نكاح كمثل الأنكحة في شرعنا ونكاح كان يقول الزوج: إذا طهرت من الحيض أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه ويعتز لها زوجها حتى يتبين حملها منه رغبة في نجابة الولد ونكاح يجتمع الرهط دون العشرة على إصابتها فإذا حملت ووضعت أرسلت إليهم فلا يستطيع أحد يمتنع فيجتمعون عندها فتقول لهم: قد ولدت منك يا فلان فتعين من أجبت منهم فتلحق به ولدها البتة ونكاح يجتمع جماعة فيدخلون على المرأة فلا تمتنع ممن جاءها وهن البغايا فإذا حملت ووضعت دعوا لها القافة فألحقوا ولدها بالذي يرون منه لا يمتنع من ذلك فلما ظهر الإسلام هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح أهل الإسلام اليوم فانتفى قول القافة ورد أحكام الأنساب إلى الفراش وأهل العلم مختلفون فيه فأما
стр. 681
أبو حنيفة والثوري وسائر أهل الكوفة لا يلتفتون إلى قول القافة في شيء وأما مالك يستعمله في الإماء دون الحرائر ولا فرق في الواقع وأما الشافعي فيستعمله في الحرائر والإماء جميعا وفيما ذكرناه ما وضح به نفيه في الأشياء كلها.
стр. 682
في الغصب في دار الحرب
عن وائل بن حجر قال: كنت عند رسول الله ﷺ فأتاه رجلان يختصمان في أرض فقال أحدهما: يا رسول الله إن هذا انتزى علي أرضي في الجاهلية وهو امرؤ القيس بن عابس الكندي وخصمه ربيعة بن عيدان فقال: "بينتك" قال: ليس لي بينة قال: "يمينه" قال: إذا يذهب بها قال: "ليس لك إلا ذلك" فلما قام ليحلف قال رسول الله ﷺ : "من اقتطع أرضا ظالما لقي الله وهو عليه غضبان" فيه أنه لو أقام بينة لحكم له بها وذلك دليل على أن الغاصب لم يملكه بغصبه في الجاهلية فمثل ذلك الحربى يغصب الحربى في دار الحرب أرضا ثم يسلمان فيحكم فيه كما كان يحكم في مثله بين المسلمين في دار الإسلام وهو قول محمد إلا أنه لو سبقت خصومتهم إلى ملكهم فجعله لغاصبه ثم خوصم إلى أمام المسلمين أمضى ذلك ولم يرده إلى المغصوب منه وإن لم تسبق لهم خصومة حكم بينهما بحكم الإسلام ويحتج له فيه بقوله ﷺ : "كل ميراث قسم في الجاهلية فهو على قسمة الجاهلية وكل ميراث أدركه الإسلام فهو على قسم الإسلام" فإذا كان الحكم في الميراث ذلك يكون في الغصب كذلك.
стр. 683
في غصب الأرض
روى عن النبي ﷺ : "من ظلم شبرا من الأرض طوقه من سبع أرضين" يحتمل أن يكون الطوق جعله الله تعالى ذاروح ثم يطوقه ذلك الظالم عذابا له كما يفعل كذلك بمانعي الزكاة على ما روى عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من رجل لا يؤدي زكاة
стр. 684
ماله إلا يجعل يوم القيامة شجاعا أقرع يفر منه ويتبعه حتى يطوق به عنقه" ثم قرأ علينا: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فيعيد الله ما ظلم من الأرض في الآخرة إلى مثل ما يعيد إليه المال الممنوع زكاته حتى يطوق ذلك من ظلمه وعن ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال: "من أخذ شبرا من الأرض خسف به إلى سبع أرضين" وعن يعلي مرفوعا: "من ظلم شبرا من الأرض جاء يحمله يوم القيامة" وعنه سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أخذ أرضا بغير حقها كلف أن ينقل ترابها إلى المحشر" ليس بين الأحاديث مضادة لأنها كلها عقوبات متنوعة لمن ظلم شبرا من الأرض والحق أن كل حديث منها ليس على ظاهره من العموم بل المراد به بعض الغصاب دون بعض.
стр. 685
في الإشهاد على اللقطة
روى عن عياض بن حمار قال رسول الله ﷺ : "من التقط لقطة فليشهد ذا عدل أو ذوي عدل ثم لا يكتم ولا يغير فإن جاء صاحبها فهو أحق بها وإلا فمال الله يؤتيه من يشاء"، الشك من بعض رواته لا على التخيير من الشارع وقد روى من غير شك فليشهد ذوي عدل وفائدة الإشهاد دفع التهمة عن نفسه لئلا يظن به التقاطها لنفسه لا للحفظ على صاحبه لأن اليد محمولة على الملك حتى يعرف خلافه فواجب على الملتقط إقامة الحجة على نفسه لئلا تصرف بعد وفاته في مصارف أمواله حتى كل من وقع في يده يمتثل الواجب فيها لتصل إلى يد صاحبها وقال بعضهم: أنه ليس بشك وإن الشارع أراد بذلك الحجة لما لك اللقطة إن دفعه عنها الملتقط وأطاع شيطانه يقيم الشاهدين بدون يمين أو الشاهد الواحد مع يمينه وعلى هذا يمكن أن يستدل به من رأى القضاء بشاهد ويمين وذلك فاسد لما فيه من نسبة التقصير إلى الشارع فيما قصده من وصول حق المستحق إليه فإن المالك قد يكون صغيرا أو مكاتبا فلا يمكنه الحلف فصح أن الحديث أشهد ذوي عدل لا غير واختلف فيمن ترك الإشهاد
стр. 686
حين الالتقاط فعند الإمام أنه ضامن أن تلفت وعندهما أنها أمانة أشهدا أولم يشهد وقولهما أزكى لأن ما يأخذه الملتقط لا يمكن معرفته إلا من قبله فيمكن أن يأخذها ليذهب بها ويشهد بخلاف ذلك مما يسقط عنه ضمانها فلا يكون لمراعاة الإشهاد معنى وقد ندب الشارع إلى الالتقاط حفظا على صاحبها فالملتقط محمود حتى يعلم خيانته يؤيده قوله ﷺ : "أعرف عقاصها ووكاءها ثم عرفها سنة فإن لم تعرف فاستمتع بها وليكن وديعة عندك فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه" وكذا جوابه للسائل عن ضالة الغنم: احبس على أخيك ضالته فإذا كان مأذونا بالأخذ لا يكون ضامنا.
стр. 687
في حكم اللقطة بعد التعريف
روى أن سفيان بن عبد الله وجد عيبة فأتى بها عمر ﵁ فقال: عرفها سنة فإن عرفت فذاك وإلا فهي لك فلم تعرف فلقيه من العام المقبل في الموسم فذكرها له فقال: هي لك إن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك قال: لا حاجة لي بها فقبضها عمر فجعلها في بيت المال قوله: "فهي لك" ليس على جهة التمليك ولكن هي لك تصرفها فيها تحب صرفها فيه يؤيده ما روى عن علي ﵁ أنه وجد دينارا فجاء به إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله وجدت هذا قال: "عرفه" فذهب ما شاء الله ثم قال: قد عرفته فلم أجد أحدا يعرفه قال: "فشأنك" فرهنه في ثلاثة دراهم في طعام وودك فبينما هو كذلك إذا جاء صاحبه عنده فعرفه فجاء علي إلى النبي ﷺ فقال: هذا صاحب الدينار قال: "أده إليه" فأداه علي إليه بعدما أكلوا منه لا يصلح هذا حجة للشافعي في تحليل اللقطة بعد الحول للغنى أيضا لأنها لو رجعت إلى الصدقة لما حلت لعلي لأن الصدقة عليه حرام لأنه حديث منقطع رواه شريط عن عطاء بن يسار وهو متكلم فيه والصحيح عن علي في اللقطة بعد الحول ما روى عاصم بن ضمرة قال: جاء رجل إلى علي فقال: إني وجدت صرة من دراهم فلم أجد أحدا يعرفها فقال: تصدق بها فإن جاء صاحبها ورضي كان له الأجر وإلا غرمتها له وكان لك الأجر.
стр. 688
ولا يقال: كان أبي من أيسر أهل المدينة وقد قال ﷺ له في لقطة مائة دينار وقد عرفها ثلاثة أعوام: "أعلم عددها ووكاءها ثم استنفع بها" لأن يساره إنما كان بعده ﷺ وكان قبل ذلك فقيرا يؤيده جعل أبي طلحة الأرض التي جعلها لله تعالى وقال ﷺ له: "اجعلها في فقراء قرابتك" فجعلها لحسان وأبي قال أنس راوي الحديث: وكانا أقرب إليه مني وروى عن عبد الله بن عباس وأبي هريرة وابن عمر في اللقطة بعد الحول مثل ما ذكرناه عن عمر وعلي في الصدقة بها وتخيير صاحبها إن جاء بين الأجر والتغريم ولا يسع لأحد خلاف هؤلاء الأعلام ولكراهية الأكل بعد الحول للغنى مذهب أبي حنيفة وأصحابه أجمعين.
стр. 689
في لقطة الحاج
عن عبد الرحمن بن عثمان١ نهى رسول الله ﷺ عن لقطة الحاج محمل النهى والله أعلم أن الحج يجمع أهل البلدان أن المتفرقة فأخذ اللقطة عسى لا يلتقي صاحبه وهو الغالب فيبقى في ضمانة حتى يلقى ربه تعالى بخلاف اللقطة التي يرجو لقاء صاحبها فيدفعها ويخلص من تبعتها.
стр. 690
في لقطة مكة
روى عن النبي ﷺ أنه قال في مكة: "ولا يرفع لقطتها إلا منشدها" وروى: ولا يلتقط ضالتها إلا منشد قيل: معناهما مختلف فالأول معناه ينبغي للملتقط بمكة أن يرفعها ثم يقول لمن هذه منكم أيها الناس ومعنى الثاني الذي يرى لقطتها لا يأخذها إلى أن يسمع رجلا يقول من وجد كذا وكذا مما يوافق ما رآه فيرفعها ثم يقول أهي هذه وما قاله صحيح يؤيده ما روى من اجتناب لقطة الحاج بخلاف اللقطة التي يرجو لقاء ربها.
стр. 691
في الضوال
روى عن النبي ﷺ : "لا يأوى الضالة الإضال" وروى ضالة المسلم حرق النار يعني إذا أخذها غير قاصد للتعريف يؤيده قوله ﷺ : "من أوى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها"، وسئل رسول الله ﷺ عن ضالة الغنم فقال: "طعام مأكول لك أو لأخيك أوللذئب أحبس على أخيك ضالته"، وسئل عن ضالة الإبل فقال: "مالك ولها معها حذاؤها وسقاؤها ولا يخاف عليها الذئب تأكل الكلأ وترد الماء حتى يأتي طالبها"، ففرق بين الضالتين بالأخذ في الغنم وماعدا الإبل وبالترك في الإبل لارتفاع الخوف عليها فإن خيف عليها الأيدي الخائنة يجوز أخذها ليردها على صاحبها على ما في حديث زيد بن خالد ولم يفرق بينها وبين غيرها روى أن ثابت بن الضحاك وجد بعيرا فذكره لعمر بن الخطاب فأمره أن يعرفه فقال: عرفته قال له: أرسله حيث أخذته وثابت من الصحابة أخذ البعير الضال وأعلم عمر على ذلك فلم ينكره فدل على ما قلنا وأحكام الضالة عندنا كأحكام اللقطة سواء وفرق قوم بينهما بأن الضال ما ضل بنفسه واللقطة بخلافه فأباح أخذ اللقطة ومنع من أخذ الضال وكتاب الله يدفعه بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ فجعل فقدهم إياهم ضلالا لهم عنهم وما روى مرفوعا في فقد عائشة قلادتها إن أمكم ضلت قلادتها فابتغوها فدل أن الفقد لما له روح ولما ليس له روح قد يطلق عليه أنه ضال ودل على أنهما سواء وهو مذهب أبي حنيفة ﵁.
стр. 692
كتاب القسمة في المهايأة بالأزمان
فيما روى جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت:
стр. 693
جئت لأهب لك نفسي فصعد النظر إليها وصوبه ثم طأطأ رأسه فقام رجل فقال أي رسول الله: إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها فقال: "هل عندك من شيء" قال: لا والله يا رسول الله قال: "انظر ولو خاتما من حديد" فذهب ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله ولا خاتما من حديد ولكن هذا إزاري قال سهل: ما له رداء فلها نصفه فقال رسول الله ﷺ : "ما تصنع بإزارك أن لبسته لم يكن عليها منه شيء وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء" فجلس الرجل حتى طال مجلسه قال: فرآه رسول الله ﷺ موليا فأمر به فدعى له فقال: "ما معك من القرآن" قال: سورة كذا وكذا عدها قال: "أتقرأ عن ظهر قلب" قال: نعم قال: "اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن" فيه دليل على أن النكاح لو تم بينهما على نصف الإزار لكان لكل واحد منهما لبسه بكماله في حال ما لحق ملكه في نصفه ولولا ذلك لم يقل رسول الله ﷺ هذا القول كما لم يقل أن لبسه سواك أو سواها لم يكن عليك ولا عليها فدل على جواز المهايأة في الثياب وفيما سواها مما ينقسم أولا ينقسم فيستعمله كل واحد منهما وقت معلوما حتى يعتدلا في منافعه وإن كان يمكن التجزية يجزي بينهما وهذا يوافق مذهب الذين يقولون في الدار بين الرجلين فيطلب أحدهما سكنى نصيبه منها ويأباه الآخر أن المهاياة تستعمل بينهما وممن ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه ولهم في ذلك مخالفون ممن يقول أنه ليس ذلك لواحد منهما إلا بإطلاق صاحبه والله أعلم.
стр. 694
في الوديعة وفي اقتطاع المرء حقه بنفسه
روى عن النبي ﷺ : "أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" وروى عن عائشة أنها قالت: قالت أم معاوية لرسول الله ﷺ : إن أبا سفيان رجل شحيح وأنه لا يعطيني إلا أن آخذ من ماله سرا فقال: "خذي ما يكفيك وبنيك بالمعروف"، حديث عائشة مفسر للحديث الأول لأن إباحة أخذ المرأة من مال زوجها كفايتها دليل على أن من كان له على رجل
стр. 695
دين فأودعه مالا أو قدر على أخذ حقه بطريق آخر له أخذه بالمعروف لأن معنى أد الأمانة إلى آخره خذ حقك بالمعروف ولا تأخذ أكثر فتكون خائنا فلا تعارض بينهما ومن هذا المعنى ما روى مرفوعا ليلة الضيف حق على كل مسلم أصبح بفنائه دين له عليه إن شاء اقتضاه وإن شاء تركه.
وما روى عن عقبة قال: قلنا: يا رسول الله إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يأمرون لنا بحق الضيف قال: "إن نزلتم بقوم فلم يأمروا لكم بحق الضيف فخذوه من أموالهم" فجعل حق الضيف في الأول دينا وأباح في الحديث الثاني فوافق ذلك معنى الحديثين الأولين ولكن هذا في البادية وعند الحاجة إذا لم يكن لهم مال ولا وجدوا مندوحة عن قراهم لا مطلقا.
стр. 696
في حكم العارية
استعار النبي ﷺ من صفوان بن أمية أدرعا من حديد يوم حنين فقال له: يا محمد مضمونة قال: "مضمونة" فضاع بعضها فقال له ﷺ : "إن شئت غرمناها لك" قال: لا أنا أرغب في الإسلام في الحديث اضطراب الرواة فبعضهم عن امية بن صفوان وبعضهم عن أمية بن صفوان عن أبيه وبعضهم عن ناس من آل صفوان ولم يذكر بعضهم فيه الضمان ومعلوم أنه لو كانت العارية مضمونة لغنى رسول الله ﷺ عن ذكر ضمانها لصفوان ولقال له: هل تكون العاريه إلا مضمونة وكان يومئذ حديث عهد بجاهلية لأن غزوة حنين بعد فتح مكة وكان صفوان قد عهد من الرسول ﷺ التزامه من الشروط ما لا يلزم في الإسلام كما فعل يوم الحديبية فلذلك سأل ضمان العارية لأن من شريعته وجوب الضمان فيها فأحدث الاشتراط فيها حكما لم يكن قبله يؤيده ما روى مرفوعا إلا أن العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضي والزعيم غارم ففي قوله: "مؤداة" دلالة كونها أمانة ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ وجاء في حديث
стр. 697
صفوان فقال له: أمؤداة يا رسول الله العارية فقال: "نعم".
وقد اختلفت الصحابة في وجوب ضمانها فعن ابن عباس أنها تضمن وعن عمرو على أنها لا تضمن ولما اختلفوا رجعنا فيه إلى ما يوجبه النظر فوجدنا العارية مأخوذة بطيب نفسه من غير عوض على ما أباح ووجدنا المستأجرات مقبوضة بأعواض فلما كانت المستأجرات غير مضمونة مع وجوب الأعواض في استعمالها كانت العارية مع عدم العوض في استعمالها أحرى أن لا تكون مضمونة وهو مذهب أبي حنيفة والثوري وأصحابهما وعند أهل المدينة ما ضاع ظاهرا أضاع على الأمانة وما كان يخفي ضياعه تضيع مضمونة ولا فرق بينهما كما لا فرق في الغصوب المضمونات والودائع الغير المضمونة فيما يظهر وفيما يحفى وقال الليث: الذي أدركنا عليه شيوخنا أنه ليس في العارية ضمان إلا أن يتعدى المستعير فيها فيضمن قال ابن شهاب: على ذلك أدركنا الناس حتى اتهم الولاة الناس فضمنوهم ففيه أن المتقدمين على عدم التضمين ما لم يتعد فيها ولو كانت مضمونة لغرم رسول الله ﷺ من غير أن يرد المشيئة إلى صفوان إذ الواجب أن من عليه دين يؤديه عند المطالبة ورسول الله ﷺ أولى الناس بذلك وأحسنهم قضاء وفي قول صفوان أن في قلبي من الإيمان ما لم يكن دليل على أن اشتراطه الضمان كان على غير حكم الإسلام وكان لقرب عهده بأمر الجاهلية.
стр. 698
في عارية المتاع
عن ابن مسعود كل معروف صدقة كنا نعد الماعون على عهد رسول الله ﷺ القدر والدلو والرشاء وأشباه ذلك وعن ابن عباس في تأويل الآية هو عارية المتاع وقالت أم شرحبيل: قالت لي أم عطية: اذهبي إلى فلانة فاقرئيها السلام وقولي: أم عطية توصيك بتقوى الله العظيم فلا تمنعي الماعون قالت: يا سيدتي ما الماعون قالت: اهبلت هي المهنة يتقاضاها الناس بينهم،
стр. 699
وروى عن علي في تأويلها يراؤون بصلاتهم ويمنعون زكاة أموالهم وعن ابن عمر أنه هو الزكاة فتأملنا الآية فوجدناهم توعدوا بالويل كما توعد في قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً﴾ فتحققنا أنهم أيضا من أهل النار المتواعدين في هذه الآيات يؤيده وصفهم بالسهو عن صلاتهم كالمنافق الداخل في الصلاة متساهيا عنها والمنافق في الدرك الأسفل من النار ومن كان كذلك لا يلتمس منه الزكاة لأنها مطهرة قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ والمنافق لا تطهره الزكاة وقال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ فكان ﷺ إذا جاءه المؤمن بزكاته يصلي عليه كما قال: "اللهم صل على آل أبي أوفي" ولا تجوز الصلاة على المنافقين فثبت أن تأويل الآية ما قال له ابن مسعود وابن عباس وهو أولى مما سواه وعن أبي عبيدة الماعون في الجاهلية كل منفعة وعطية وفي الإسلام الطاعة والزكاة وعن الفراء الماعون هو الماء ولكن الحق ما ذكرناه أولا.
стр. 700
كتاب المزارعة
مدخل
...
كتاب المزارعة
عن رافع بن خديج قال رسول الله ﷺ : "من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وترد عليه نفقته"، لم يتعلق أحد من أهل العلم بهذا الحديث غير شريك بن عبد الله النخعي وهو قول حسن لأن لرب الأرض أن يقول لزارع: الذي بذرته في أرضي قد انقلب فيها فصار مستهلكا والذي نبت بسبب أرضي غير ما بذرت فيها ويقول الزارع: نفقتي قد صار إليك نفعها فهي لي عليك يؤيده ما روى عن رافع بن خديج أن رسول الله ﷺ أتى بني حارثة فرأى زرعا في أرض ظهير فقال: "ما أحسن زرع ظهير" فقيل: أنه ليس لظهير فقال: "أليست أرض ظهير" قالوا: بلى ولكنه ازرع فلانا قال: "فردوا عليه نفقته وخذوا زرعكم" قال رافع: فرددنا عليه نفقته وأخذنا زرعنا
стр. 701
قال سعيد بن المسيب: أفقر أخاك أو أكرها بالدراهم.
وما روي عن رافع أنه زرع أرضا فمر به النبي ﷺ وهو يسقيها فسأله لمن الزرع ولمن الأرض فقال: زرعي ببذري وعملي لي الشطر ولفلان الشطر قال: أربيت فرد الأرض على أهلها وخذ نفقتك وذلك لأن المزارعة لما فسدت عاد إطلاق رب الأرض كلا إطلاق فكأنه زرعها بغير إذن وكذا الرجل يغرس في أرض رجل بغير إذنه أو بأمره بمعاملة فاسدة فسيلا فيصير نخلا أنه يكون لرب الأرض دون غارسه إذا أرضه سبب زيادته ويكون عليه لغارسه نفقته والله أعلم.
стр. 702
في المساقاة
عن ابن عمر لما افتتحت خيبر سألت يهود رسول الله ﷺ أن يقرهم فيها على أن يعملوا على النصف مما خرج منها من التمر والزرع فقال رسول الله ﷺ : "أقركم فيها على ذلك ما شئنا" فكانوا فيها كذلك على عهد رسول الله ﷺ وابي بكر وطائفة من إمارة عمر فكان التمر يقسم على السهمان من نصف خيبر ويأخذ رسول الله ﷺ الخمس وذكر نحو ذلك في مساقاة رسول الله ﷺ يهود خيبر من رواية جابر وابن عباس ففيه إطلاق المساقاة بجزء من أجزاء تمرها الذي يخرج منها والمعاملة في الأرض بجزء مما يخرج منها من الزرع الذي يزرعه العامل فيها وفي بقاء الحكم فيها على ذلك في زمن أبي بكر وبعض من خلافة عمر دليل على أنه لم ينسخ والنهي عن كراء الأرض بالثلث والربع وعن المزارعة بجزء مما يخرج منها لمعنى آخر كانوا يدخلونه في العقد فيفسد به العقد لا أن المزارعة في نفسها فاسدة إذا زال عنها ذلك الفساد وأخبر رافع ابن عمر أن عمومته قالوا: أن رسول الله ﷺ نهى عن كراء المزارع فقال ابن عمر: قد علمنا أنه كان صاحب مزرعة يكريها على عهد رسول الله صلى الله عليه
стр. 703
وسلم على أن له ما في ربيع الساقي الذي يفجر منه الماء وطائفة من التبن لا أدري ما هو فعلم أن فسادها بسبب هذا الشرط يؤيده ما روى عن جابر أن رسول الله ﷺ بلغه أن رجالا يكرون مزارعهم بنصف ما يخرج منها وبثلثه وبالماذيانات فقال رسول الله ﷺ : "من كانت له أرض فليزرعها فإن لم يزرعها فليمنحها فإن لم يفعل فليمسكها".
وعن زيد بن ثابت أن النهي الوارد فيها لم يكن لتحريمها وكان لغير ذلك وكان يقول يغفر الله لرافع أنا أعلم والله بالحديث منه إنما أتى رجلان من الأنصار قد اقتتلا فقال رسول الله ﷺ : "إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع" فسمع لا تكروا المزارع وعن ابن عباس لم ينه رسول الله ﷺ عن المخابرة إنما قال: "لأن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليها خراجا معلوما" فوقفنا على هذه المعاني وتبين لنا أن رسول الله ﷺ لم ينه عن مثل ما كان منه في معاملة خيبر ولكن لمعنى كان مما يفسد المعاملة.
ولا يقال: المحاقلة كراء الأرض ببعض ما يخرج منها وهي منهية لأن ألا نسلم ذلك بل المحاقلة بيع الزرع قائما على أصوله بالطعام وفي حديث أبي سعيد نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة في الزرع والمزابنة في التمر فالمحاقلة أن يأتي الرجل الزرع وهو في كدسه فيقول اشتري منك هذا الكدس بكذا وكذا يعني من الحنطة وأما من أجاز المعاملة على ذلك في الأرض التي بين النخل التي لا يوصل إلى الانتفاع بها إلا مع العمل في النخل فالحجة عليه أن ابن عمر أحد من روى عن رسول الله ﷺ معاملة اليهود في نخل خيبر وأرضها وقد روى عنه أن المعاملة في الأرض وحدها دون النخل جائزة وعمل بذلك جماعة من الصحابة منهم علي بن أبي طالب وابن مسعود وسعد بن مالك وكذلك معاذ لما قدم اليمن رآهم على ذلك فأقرهم عليه والتابعون اختلفوا في ذلك كما اختلف من بعدهم فممن أجاز المساقاة والمعاملة أبو يوسف ومحمد وممن أبطلهما أبو حنيفة وزفر وممن أجاز المساقاة وأبطل المعاملة مالك ومن تبعه
стр. 704
وممن أجازهما إذا اجتمعتا الشافعي وقيل: مذهب مالك أجازتهما إذا اجتمعتا إذا كانت الأرض يسيرة والحق أن رسول الله ﷺ هو القدوة فيما كان منه في خيبر ومن أجازهما إذا اجتمعتا يلزمه إجازة كل منهما على الانفراد.
стр. 705
كتاب الهبات في الرجوع عن الصدقة
روى عن ثمامة القشيري قال: شهدت الدار فأشرف عليهم عثمان فقال: ائتوني بصاحبيكم هذين اللذين الباكم على فجىء بهما كأنهما جملان أو حماران فأشرف عليهم عثمان فقال: أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمان أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وليس فيها ماء يستعذب غير بئر رومة فقال رسول الله ﷺ : "من يشتري بئر رومة فيكون دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة" فاشتريتها من صلب مالي وأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها حتى أشرب من ماء البحر قالوا: اللهم نعم قال: أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون المسجد كان ضاق بأهله فقال رسول الله ﷺ : "من يشتري بقعة آل فلان بخير له منها في الجنة" فاشتريتها من مالي فرددتها في المسجد وأنتم اليوم تمنعوني أن أصلي فيها ركعتين قالوا: اللهم نعم قال: أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أن رسول الله ﷺ كان على ثبير مكة هو وأبو بكر وعمر وأنا فتحرك الجبل حتى سقطت حجارته بالحضيض فركضه برجله وقال: "اسكن ثبير فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان" قالوا: اللهم نعم قال: الله أكبر شهدوا لي ورب الكعبة أني شهيد الله أكبر شهدوا لي ورب الكعبة أني شهيد قالها ثلاثا لا يقال قصد عثمان في كون دلوه مع دلائهم وصلاته مع صلاتهم يضاد نهى رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب عن اشتراء الفرس المتصدق بها بقوله لا تعد في صدقتك وكذا منع الزبير من