قال سعيد بن المسيب: أفقر أخاك أو أكرها بالدراهم.
وما روي عن رافع أنه زرع أرضا فمر به النبي ﷺ وهو يسقيها فسأله لمن الزرع ولمن الأرض فقال: زرعي ببذري وعملي لي الشطر ولفلان الشطر قال: أربيت فرد الأرض على أهلها وخذ نفقتك وذلك لأن المزارعة لما فسدت عاد إطلاق رب الأرض كلا إطلاق فكأنه زرعها بغير إذن وكذا الرجل يغرس في أرض رجل بغير إذنه أو بأمره بمعاملة فاسدة فسيلا فيصير نخلا أنه يكون لرب الأرض دون غارسه إذا أرضه سبب زيادته ويكون عليه لغارسه نفقته والله أعلم.
стр. 702
في المساقاة
عن ابن عمر لما افتتحت خيبر سألت يهود رسول الله ﷺ أن يقرهم فيها على أن يعملوا على النصف مما خرج منها من التمر والزرع فقال رسول الله ﷺ : "أقركم فيها على ذلك ما شئنا" فكانوا فيها كذلك على عهد رسول الله ﷺ وابي بكر وطائفة من إمارة عمر فكان التمر يقسم على السهمان من نصف خيبر ويأخذ رسول الله ﷺ الخمس وذكر نحو ذلك في مساقاة رسول الله ﷺ يهود خيبر من رواية جابر وابن عباس ففيه إطلاق المساقاة بجزء من أجزاء تمرها الذي يخرج منها والمعاملة في الأرض بجزء مما يخرج منها من الزرع الذي يزرعه العامل فيها وفي بقاء الحكم فيها على ذلك في زمن أبي بكر وبعض من خلافة عمر دليل على أنه لم ينسخ والنهي عن كراء الأرض بالثلث والربع وعن المزارعة بجزء مما يخرج منها لمعنى آخر كانوا يدخلونه في العقد فيفسد به العقد لا أن المزارعة في نفسها فاسدة إذا زال عنها ذلك الفساد وأخبر رافع ابن عمر أن عمومته قالوا: أن رسول الله ﷺ نهى عن كراء المزارع فقال ابن عمر: قد علمنا أنه كان صاحب مزرعة يكريها على عهد رسول الله صلى الله عليه
стр. 703
وسلم على أن له ما في ربيع الساقي الذي يفجر منه الماء وطائفة من التبن لا أدري ما هو فعلم أن فسادها بسبب هذا الشرط يؤيده ما روى عن جابر أن رسول الله ﷺ بلغه أن رجالا يكرون مزارعهم بنصف ما يخرج منها وبثلثه وبالماذيانات فقال رسول الله ﷺ : "من كانت له أرض فليزرعها فإن لم يزرعها فليمنحها فإن لم يفعل فليمسكها".
وعن زيد بن ثابت أن النهي الوارد فيها لم يكن لتحريمها وكان لغير ذلك وكان يقول يغفر الله لرافع أنا أعلم والله بالحديث منه إنما أتى رجلان من الأنصار قد اقتتلا فقال رسول الله ﷺ : "إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع" فسمع لا تكروا المزارع وعن ابن عباس لم ينه رسول الله ﷺ عن المخابرة إنما قال: "لأن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليها خراجا معلوما" فوقفنا على هذه المعاني وتبين لنا أن رسول الله ﷺ لم ينه عن مثل ما كان منه في معاملة خيبر ولكن لمعنى كان مما يفسد المعاملة.
ولا يقال: المحاقلة كراء الأرض ببعض ما يخرج منها وهي منهية لأن ألا نسلم ذلك بل المحاقلة بيع الزرع قائما على أصوله بالطعام وفي حديث أبي سعيد نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة في الزرع والمزابنة في التمر فالمحاقلة أن يأتي الرجل الزرع وهو في كدسه فيقول اشتري منك هذا الكدس بكذا وكذا يعني من الحنطة وأما من أجاز المعاملة على ذلك في الأرض التي بين النخل التي لا يوصل إلى الانتفاع بها إلا مع العمل في النخل فالحجة عليه أن ابن عمر أحد من روى عن رسول الله ﷺ معاملة اليهود في نخل خيبر وأرضها وقد روى عنه أن المعاملة في الأرض وحدها دون النخل جائزة وعمل بذلك جماعة من الصحابة منهم علي بن أبي طالب وابن مسعود وسعد بن مالك وكذلك معاذ لما قدم اليمن رآهم على ذلك فأقرهم عليه والتابعون اختلفوا في ذلك كما اختلف من بعدهم فممن أجاز المساقاة والمعاملة أبو يوسف ومحمد وممن أبطلهما أبو حنيفة وزفر وممن أجاز المساقاة وأبطل المعاملة مالك ومن تبعه
стр. 704
وممن أجازهما إذا اجتمعتا الشافعي وقيل: مذهب مالك أجازتهما إذا اجتمعتا إذا كانت الأرض يسيرة والحق أن رسول الله ﷺ هو القدوة فيما كان منه في خيبر ومن أجازهما إذا اجتمعتا يلزمه إجازة كل منهما على الانفراد.
стр. 705
كتاب الهبات في الرجوع عن الصدقة
روى عن ثمامة القشيري قال: شهدت الدار فأشرف عليهم عثمان فقال: ائتوني بصاحبيكم هذين اللذين الباكم على فجىء بهما كأنهما جملان أو حماران فأشرف عليهم عثمان فقال: أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمان أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وليس فيها ماء يستعذب غير بئر رومة فقال رسول الله ﷺ : "من يشتري بئر رومة فيكون دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة" فاشتريتها من صلب مالي وأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها حتى أشرب من ماء البحر قالوا: اللهم نعم قال: أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون المسجد كان ضاق بأهله فقال رسول الله ﷺ : "من يشتري بقعة آل فلان بخير له منها في الجنة" فاشتريتها من مالي فرددتها في المسجد وأنتم اليوم تمنعوني أن أصلي فيها ركعتين قالوا: اللهم نعم قال: أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أن رسول الله ﷺ كان على ثبير مكة هو وأبو بكر وعمر وأنا فتحرك الجبل حتى سقطت حجارته بالحضيض فركضه برجله وقال: "اسكن ثبير فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان" قالوا: اللهم نعم قال: الله أكبر شهدوا لي ورب الكعبة أني شهيد الله أكبر شهدوا لي ورب الكعبة أني شهيد قالها ثلاثا لا يقال قصد عثمان في كون دلوه مع دلائهم وصلاته مع صلاتهم يضاد نهى رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب عن اشتراء الفرس المتصدق بها بقوله لا تعد في صدقتك وكذا منع الزبير من
стр. 706
شراء فلو دابة كان تصدق بها لأن المنهي إعادة عين ما تصدق به إلى ملكه أو نتاج ما تصدق به إلى ملكه وذلك مكروه وممنوع منه فأما الانتفاع بذلك وصدقته قائمة على حالها مسلمة إلى جهتها بحيث يكون هو في الانتفاع بها كآحاد الناس فلا لأنه حينئذ لا يكون عائدا في صدقته ولا راجعا بها إلى ملكه ولهذا يحل شرب ماء ذلك البئر للغني مع كون الصدقة حراما على الأغنياء لأن ذلك عائد إلى المنافع وهي حينئذ لله لا لمن سواه من خلقه وفيه نظر لأن الصدقة المحرمة على الأغنياء إنما هي المفروضة كالزكاة وأيضا ما خص عثمان بالبئر الفقراء بل عم بها المسلمين وشربه كان بحقه الذي استثناه لنفسه فليس فيه إباحة انتفاع المتصدق بصدقته ولو خص بها الفقراء لما حل للأغنياء الشرب منها ولا له لو لم يشرط اللهم إلا إذا كان في الماء فضلة على الفقراء فيحل للأغنياء حينئذ إذ لا يمنع فضل الماء بخلاف غيره من الأشياء روى عن عمر قال: حملت على فرس في سبيل الله وكنا إذا حملنا في سبيل الله أتينا به رسول الله ﷺ فيضعه حيث أراه الله تعالى فجئت بها فحمل عليها رجلا فوافقته يبيعها فأردت أن أشتريها منه فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقال: "لا تشترها ولا تعد في صدقتك" وروى: لا تشتره ولا شيئا من نتاجه وعن الزبير أنه حمل على فرس في سبيل الله فوجد فرسا تباع من ضئضئها يعني: ولد ولدها فنهى أن يشتريها وعن أسامة أو زيد بن حارثة أنه حمل على فرس في سبيل الله فأراد أن يشتري ولدها أو فلوها فنهاه النبي ﷺ .
وعن ابن العاص أن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: أني أعطيت أمي حديقة وأنها ماتت ولم تترك وارثا غيري فقال: "وجبت صدقتك ورجعت إليك حديقتك" ففيه إباحة عين الصدقة للمتصدق بالميراث الذي هو من قبل الله تعالى لا صنع للعبد فيه بخلاف الشراء وما في معناه ثم أعلم أن النهي فيه نهي كراهة لا تحريم لأنه روى في آخر حديث عمر بن الخطاب فإن العائد في
стр. 707
صدقته كالكلب يقيىء ثم يعود في قيئه والكلب غير متعبد بتحريم ولا تحليل كبني آدم فعوده فيه إنما هو عود في قذر لا عود في حرام فكذا المتصدق عائد في قذر لا في حرام تحقيقا للتشبيه وروى العائد في هبته كالعائد في قيئه من غير تعيين كلب أو غيره يؤيد ما قلنا ما روى عن عمر قال: من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه صدقة فإنه لا يرجع فيها ومن وهب هبة يرى أنه إنما اراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها إن لم يرض عنها وروى عنه من وهب هبة فهو أحق بها حتى يثاب منها بما يرضى وما روى عن علي بن أبي طالب أنه قال: الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها وعن ابي الدرداء الواهب ثلاثة رجل وهب من غير أن يستوهب فهي كسبيل الصدقة فليس له أن يرجع فيها ورجل استوهب فوهب فله الثواب فإن قبل على هبته ثوابا فليس له إلا ذلك وله أن يرجع ما لم يثب ورجل وهب واشترط الثواب فهو دين على صاحبها في حياته وبعد موته وروى عن عبد الله بن عامر قال: كنت عند فضالة بن عبيد فجاء رجلان يختصمان في بازى فقال أحدهما: وهبت له بازيا وأنا أرجو أن يثيبني منه وقال الآخر: نعم قد وهبني بازيا وما سألته وما تعرضت له فقال فضالة: أردد إليه هبته فإنما يرجع في الهبات النساء وشرار الأقوام قال الطحاوي: وفيما ذكرنا عن الصحابة ما قد دل على الواهب الذي أراده رسول الله ﷺ في ذلك من هو وفي حكم رجوعه في هبته ما هو.
стр. 708
في الهبة للولد
عن طاوس عن ابن عمرو ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل أن يرجع في هبته إلا الوالد لولده" شك بعض الرواة في: لا يحل وأوقفه بعضهم على طاوس وزاد بعض الرواة: ومثل الذي يعطى عطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب أكل حتى إذا شبع قاء ثم عاد في قيئه وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يرجع أحد
стр. 709
في هبته إلا والد من ولده والعائد في هبته كالعائد في قيئه" فلو كان لفظ لا يحل ثابتا غير منكور لما وجب منع الواهب من الرجوع لأنه يحتمل أن يكون معناه لا يحل لرجل أن يقذر نفسه فيصير كالكلب يقئ ثم يأكل قيئه كما نهى عن كسب الحجام لا أنه حرام واستثنى الوالد على أنه في مال ولده بخلافه في مال غيره إذ قال للذي ذكر له أن أباه يريد أن يجتاح ماله: "أنت ومالك لأبيك" فجعل دخوله في مال ولده من هذه الجهة بخلاف دخوله بها في مال غيره ويحتمل أنه إنما أباح له من ذلك على حال من الأحوال التي يجوز بها الدخول في مال ولده فلا يكون لولده أن يمنعه من بسط يده في ماله فيكون الاستثناء على هذا منفصلا مع أن ابن عمر سمع من عمر قال فيمن وهب هبة: أنه أحق بها حتى يثاب منها بما يرضى فاستحال أن يكون ابن عمر مع جلالة قدره يسمع من أبيه شيئا قد سمع من النبي ﷺ خلافه فلا يذكر له ذلك ويحدث بذلك الناس بعده ليستعملوه فعاد الحديث بانتفائه عن ابن عمر منقطعا لا يحتج بمثله كرواية من أوقفه على طاوس.
стр. 710
في التسوية بين الأولاد
روي عن النعمان بن بشير أن أباه أتى به إلى رسول الله ﷺ فقال: إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي فقال رسول الله ﷺ : "أكل ولدك نحلته مثل هذا" فقال: لا فقال رسول الله ﷺ : "فارجعه". فيه أمر الوالد بأن يرجع فيما أعطي لابنه الصغير وكان أبوه قابضا له من نفسه ما تحله إياه فخرج من ملكه إلى ملك ولده ولكن الحق أنه لم يكن قبل العطية له وإنما أتاه مسترشدا له في ذلك يدل عليه رواية جابر قال: قالت امرأة بشير لبشير: انحل ابني غلامك وأشهد لي رسول الله ﷺ قال: فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ان ابنة فلان سألتني أن انحل ابنها غلاما وقالت: أشهد رسول الله فقال: "أله أخوة" قال: نعم قال: "فكلهم أعطيتهم" قال: لا قال: "فإن هذا لا يصلح وإني لا أشهد إلا على حق"، وروايته أولى لموضعه من السبق
стр. 711
والعلم وجلالة القدر ونعمان كان يومئذ صغيرا ليس معه ضبط مع أنه روى عن النعمان قال: نحلني أبي غلاما ثم مشى بي حتى أدخلني على النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني نحلت ابني غلاما فإن أذنت لي أن أجيزه أجزته فدل أنه لم يكن نحلا بل منتظرا فيه ما يقوله ﷺ وجاز اطلاق نحل لما لم يكن حقيقة ولكن لقرب كونها على عادة العرب وعليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ ومنه تسميتهم المأمور بالذبح ذبيحا كابن إبراهيم ﵇ لقربه من ذلك وخرج حديث النعمان هذا من طرق في بعضها: "أكل ولدك نحلته مثل هذا" قال: لا قال: "أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء" قال: بلى قال: "فاشهد على هذا غيري" وهذا وعيد ظاهره أمر وباطنه زجر كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا﴾ وفي بعضها قال: "لا أشهد إلا على حق" يعني: أن الداعي إلى التقصير في حق الأب ضد للحق الذي ينبغي أن يجري عليه الأمور وفي بعضها: "فلا تشهدني إذا فإني لا أشهد على جور" وهذا يدل على أن قوله: "أشهد على هذا غيري" ليس على الإباحة بل هو تقريع وأهل العلم مختلفون في العدل بين الأولاد فقال بعضهم: على التسوية بين الذكر والأنثى منهم أبو يوسف وبعضهم يجريه مجرى الإرث منهم محمد بن الحسن والأول أولى لأن البر المطلوب من الأولاد إلى الأب على التسوية بين الذكر والأنثى فكذا البر من الأب يكون بمقابلته على السوية قال الطحاوي: ولم يتفق في شيء من هذه الآثار أن للوالد إذا وهب هبة لولده تمت منه له أن يرجع فيها ولا أن يبطلها وإن كان قد خالف فيها ما أمر به من المساواة بين أولاده وبالله التوفيق.
стр. 712
كتاب الوصايا ما جاء في الأمر بالوصية
روى عن النبي ﷺ : ما حق امرئ يبيت وعنده مال
стр. 713
يوصى فيه يبيت ليلتين الا ووصيته مكتوبة أو ما حق امرئ له مال يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده أو لا ينبغي لامرئ عنده مال يوصي فيه أن يأتي عليه ليلتان إلا وعنده وصيته قال ابن عمر: ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ قال ذلك إلا وعندي وصيتي تكلموا في المراد بهذه الوصية المحضوض عليها فقال الشافعي: معناه ما الحزم لامرئ أن يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده مكتوبة قال: ويحتمل ما المعروف في الإخلاص إلا هذا من جهة الفرض قال الطحاوي: والأولى في تأويلها أن الوصية كانت مفروضة قبل آية المواريث بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ﴾ الآية فلما فرضت المواريث انسخت الوصية للوالدين بقوله ﷺ : "إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" وبقي غير الوارث تجوز الوصية له والله أعلم.
стр. 714
في وصية سعد
عن سعد قال: مرضت عام الفتح مرضا أشفيت منه على الموت فأتاني رسول الله ﷺ يعودني فقلت: يا رسول الله إن لي مالا كثيرا أفأتصدق بمالي كله؟ قال: "لا" فقلت: فبالشطر؟ قال: "لا" قلت: فبالثلث؟ قال: "الثلث والثلث كثير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس إنك لن تنفق نفقة إلا أجرت عليها حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك" قلت: يا رسول الله اخلف عن هجرتي؟ قال: "إنك لن تخلف بعدي فتعمل عملا تريد به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة ولعلك أن تخلف بعدي حتى ينتفع بك أقوام ويضربك آخرون، اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم"، لكن البائس سعد بن خولة- يرثي له رسول الله ﷺ إن مات بمكة- الأصح أن ذلك كان عام الفتح لا عام حجة الوداع خلافا لمالك ومعنى قوله: "لعلك أن تخلف" هو ما روى عن بكير ابن الأشج قال: سألت عامر بن سعد عن معناه فقال عامر: أمر سعد على العراق فقتل أقواما على الردة فضربهم
стр. 715
واستتاب قوما كانوا يسجعون بسجع مسيلمة الكذاب فانتفعوا به ولا يقوله عامر لأنه لا يقال مثله بالرأي والاستنباط ولكنه قاله توقيفا سمعه من أبيه أو من غيره ممن سمع من رسول الله ﷺ أو ممن أخذه منه ﷺ .
стр. 716
في الجار الذي يستحق الوصية
روى عن النبي ﷺ من قوله: "إذا اجتمع الداعيان فأجب أقربهما بابا أو أقربهما جوار أو إذا سبق أحدهما فأجب الذي سبق" وروى عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي قال: "أقربهما منك بابا" فيه دليل على أن الجيران يتفاوتون بالقرب والبعد وما روى عن أبي حنيفة جيران الرجل الذين يستحقون وصيته هم الذين حول داره ممن لو باع وكانوا مالكين لمساكنهم استحقوها بالشفعة يوجب تساويهم في الجوار والآثار أوجبت اختلافهم في القرب والبعد وما روى عن الشافعي أن أقرب جيران الرجل الموصي لجيرانه من كان بين داره وداره أربعون دارا من كل جانب، عاد إلى توقيت ما ليس له في الحديث ذكر والتوقيت لا يقبل إلا بالتوقيف ولما انتفى القولان ولم نجد عن أهل العلم في الجوار ما هو أبعد إلا ما روي عن أبي يوسف ومحمد أنهما قالا كل مدينة يتجاور أهلها بالقبائل فكل أهل قبيل جيران وكل مدينة يتجاور أهلها بالمساجد فكل أهل مسجد جيران كان هذا القول أولى الأقوال فيه.
стр. 717
في الوصية للاختان والاصهار
...
في االوصية للأختان والأصهار
روى عن النبي ﷺ من قوله: "أما أنت يا علي فختني وأبو ولدي وأنت مني وأنا منك" فيه أن زوج بنت الرجل ختنه وعن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ قال الحفدة الأختان يعني: جعل الله تعالى لعباده بنين وبنات يزوجونهم بمن يكون من حفدتهم أي:
стр. 718
أعوانهم وممن يدخل في جملتهم وعن ابن عباس الحفدة ولد الولد ولا منافاة لأن الولد منهم البنات اللاتي صرن سببا للأختان وعن أبي ذر الحفدة الأعوان وقال الحسن: الحفدة الخدم قال أهل المدينة: أزواج البنات ولا مخالفة إذ يجوز أن يكون أزواج البنات يصيرون لهم أعوانا وخدما وقال محمد: أختان الرجل أزواج بناته وأخواته وعماته وخالاته وكل ذات رحم محرم منه وأصهاره كل ذي رحم محرم من زوجته ولم يحك فيه خلافا قال الأصمعي: الأختان كل من هو في قبل المرأة كأبيها وأخيها وعمها والأصهار يعم ذلك كله يقال: صاهر فلان آل بني فلان وأصهر إليهم وخالفه ابن الأعرابي فقال: الصهر زوج ابنة الرجل وأبوه وعمه ولا أختان أبو المرأة وأخوها وعمها.
ثم ما قاله محمد في تخصيصه ذوي الأرحام المحرمة في المعنيين المذكورين دون غيرهم ممن مثلهم في القرابة من غير أن تكون أرحاما محرمة يخالف للمروي من الصحابة وأهل اللغة وهو ما روي عن عائشة أنه ﷺ لما تزوج جويرية ابنة الحارث وخرج الخبر بذلك إلى الناس قالوا: أصهر رسول الله ﷺ فأرسلوا ما في أيديهم من سبايا بني المصطلق فأعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق فلا نعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها ففيه جعل الناس قومها أصهار رسول الله ﷺ وفيهم من ليس بذي رحم محرم منها فدل أن قوم زوجة الرجل أصهاره كانوا ذوي رحم محرم منها أو لم يكونوا وهذا مثل ما قاله محمد في قرابات الرجل وأنسابه أنهم على كل ذي رحم محرم من الرجال والنساء على بني الأب الذين يسبون إليه إلى أقصى أب له في الإسلام ولا التفات إلى من كان من الآباء في الجاهلية وهو قول أبي يوسف أيضا ومعنى ما روى عن الفضل بن عباس وربيعة بن الحارث أنهما قالا لعلي بن أبي طالب لقد نلت صهر رسول الله ﷺ فما نفسناه عليك أي نلت إذ كان رسول الله ﷺ صهرا لك بتزويجك ابنته فما يقال: نلت معروف فلان بمعنى أنك نلت المعروف الذي
стр. 719
كان من قبل فلان إليك لأن المعروف كان من قبلك إليه ومثله قول عثمان ثم هاجرت الهجرتين ونلت صهر رسول الله ﷺ وبايعته فوالله هاجرت الهجرتين ونلت صهر رسول الله ﷺ وبايعته فوالله ما عصيته ولا غششته حتى توفاه الله تعالى فلا تكون حجة لمن ذهب إلى أن زوج البنت صهر ولما ثبت أن الأصهار أنسباء زوجات الرجال كانوا ذوي محرم منهم أو لم يكونوا مثل ذلك الأختان أزواج البنات والأخوات والعمات والخالات يستوي في ذلك من كانت رحمه من أزواج هؤلاء النساء محرمات أو غير محرمات ومنه ما روي عن ابن عباس حرم من النسب سبع ومن الصهر سبع أي حرم على الرجل أن يتزوج من يكون له بتزويجه إياها أصهار سواه من أنسبائه ثم قيل: في هذا السبع لا يتزوج الرجل أم امرأته ولابنتها ولا عمتها ولا خالتها ولا أختها ولا ابنة أخيها ولا ابنة أختها وحاصل الاختلاف أن في الأختان ستة أقوال أحدها أختان الرجل أزواج ذوات رحمه المحرمات الثاني أزواج ذوات رحمه مطلقا كبنت العمة والثالث أزواج ذوات رحمه المحرمات وجميع ذوات أرحام أزواجهن الرابع أزواج ذوات رحمه المحرمات وجميع ذوات أرحام أزواجهن الخامس أزواج ذوات رحمه مطلقا وذوو المحارم من أزواجهن السادس كالخامس وجميع ذوي أرحام أزواجهن فعلى هذا يكون ابن عم زوج بنت العم وما أشبه ذلك ختنا وفي الأصهار ستة أقوال أيضا أحدها أصهار الرجل كل ذي رحم محرم من زوجته خاصة الثاني كل ذي رحم من زوجته خاصة الثالث كل ذي رحم محرم من زوجته ومن زوجة كل ذي رحم محرم منه الرابع كل ذي رحم من زوجته ومن زوجة كل ذي رحم محرم منه الخامس كل ذي رحم محرم من زوجته ومن زوجة كل ذي رحم منه السادس كل ذي رحم من زوجته ومن زوجة كل ذي رحم منه فعلى هذا يكون ابن عم زوجة ابن عمه وابن خال زوجة ابن خاله وما أشبه ذلك صهرا له وقيل في ذلك كله بالعكس أن الأختان القرابة من قبل الزوجات والأصهار الأزواج من قبل القرابات وقيل: الأصهار تجمع جميعهم وزوجة الابن بمثابة الأختان وأم الزوجة وبنتها وأختها بمثابة الأصهار والله أعلم.
стр. 720
كتاب العتق
في فضيلة عتق الرقاب
عن رسول الله ﷺ : "من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار"، يعني: رقبة مؤمنة على ما روى من أعتق رقبة مسلمة أو مؤمنة مع المكافي الذكورة إن كان المعتق ذكر فلا تنفك نفسه من النار إلا بعتق ذكر مسلم أو امرأتين مسلمتين على ما روى عن رسول الله ﷺ : "أيما رجل مسلم اعتق رجلا مسلما كان فكاكه من النار يجزي بكل عظم من عظامه عظم من عظامه وإيما رجل مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار يجزي بكل عظمين منهما عظم من عظامه وإيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار يجزي بكل عظم منها عظم من عظامها"، وخرج في هذا الباب آثارا كثيرة وفيما ذكرنا دليل على ما قلنا وعن واثلة بن الأسقع قال: أتى النبي ﷺ نفر من بني سليم فقالوا: إن صاحبا لهم قد أوجب يعني: النار بالقتل قال: "فليعتق رقبة يفدي الله بكل عضو منها عضوا منه من النار" وفي رواية: مروه فليعتق.
وفي رواية: أعتقوا عنه رقبة إلى آخره فيه أن إعتاقهم إياها عنه بغير أمره فكاك له من النار ولكن رواية: مروه فليعتق أكثر وأضبط يدل عليه قوله تعالى في جزاء الصيد: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ فكذلك كفارة كل ذنب إنما يراد بها ذوق المذنب وبالها وإن صح رواية: اعتقوا عنه ينبغي أن يؤول إلى رواية: فليعتق لأن القتل إذا وجد من واحد من القبيلة يصح إسناده إلى تلك القبيلة يقولون: أعتقته خزاعة لعتق رجلا من خزاعة إياه فكان يجوز أن يروي عما كان قاله مروة بقوله: اعتقوا عنه بأمركم إياه وحثكم له على إعتاق رقبة عن نفسه يضاف عتاقها إليكم وإليه جميعا فتعود معاني الروايات إلى معنى واحد وهو عتاق المذنب عن نفسه رقبة كفارة لذنبه وفكاكا له من النار.
стр. 721
في فك الرقبة
روى أن أعرابيا أتى النبي ﷺ فقال: علمني عملا يدخلني الجنة قال: "لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة أعتق النسمة وفك الرقبة" قال: أو ليسا واحدا قال: "لا عتق النسمة أن تنفرد بعتقها وفك الرقبة أن تعين في ثمنها والمنحة الركوب والقبض على ذي الرحم الظالم فإن لم تطق ذلك فاطعم الجائع واسق الظمآن ومر بالمعروف وأنه عن المنكر فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من خير" وروى: والفئ على ذي الرحم الظالم، عتق الرقبة معروف في الكفارات والنذور والتطوع وفك الرقبة تخليصا مما هي به مأسورة وفيه محبوسة ومنه فكاك الرهن وهو تخليصه من مرتهنه ومنه قوله ﷺ في دعائه "وفك رهاني" أي: خلصني مما أنا به مطلوب ومن ذلك فك العاني وهو الأسر روى مرفوعا أطعموا الجائع وعودوا المريض وفكوا العاني.
стр. 722
في عتق رقبة من ولد اسماعيل
روى عن النبي ﷺ من قال إذا أصبح: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير كتب له عشر حسنات وكفر عنه عشر سيئات وكانت له عدل رقبة من ولد اسماعيل وكان في حرز من الشيطان حتى يمسي وإذا قالها إذا أمسى فمثل ذلك".
وما روى مرفوعا قال: "من كانت عليه رقبة من ولد إسماعيل فلا يعتق من حمير أحدا" قيل لابن أبي خالد ما شأن حمير قال: هو أكبر من إسماعيل وورد آثار كثيرة توجب فضل عتق الرقاب من ولد إسماعيل فيه تثبيت رسول الله ﷺ وقوع الملك على العرب كما يقع على من سواهم وتصحيح ما قاله الجماعة إن ولد الأمة من زوجها العربي رقيق لسيدها خلافا للأوزاعي
стр. 723
في جعله حرابا لقيمة لمولاها والحق أن ولد العربي من الأمة لا يخلوا ما أن يكون مملوكا لمولاها فوجب أن لا يزول عنه ملكه إلا برضاه أو لا يكون مملوكا فيكون كسائر الأحرار لا تجب قيمته على أبيه فالقول بأنه حر وعلى أبيه القيمة خارج عن القياس والله أعلم.
стр. 724
في عتق ولد الزنا
روى أن رسول الله ﷺ سئل عن عتق ولد الزنا فقال: "لا خير فيه نعلان أجاهد فيهما أحب إلي من عتق ولد الزنا" هذا في المتحقق بالزنا حتى صار منسوبا إليه ومجعولا ولدا له ومثله ما روى عن أبي هريرة: لأن أحمل بسوط في سبيل الله أحب إلي من أن أعتق فرخ زنا وكذا روى مرفوعا: فرخ الزنا شر الثلاثة وقيل لابن عمر: يقولون ولد الزنا شر الثلاثة فقال: بل هو خير الثلاثة وقد أعتق عمر عبيدا من أولاد الزنا فالحق أنه ﷺ قصد بذلك إلى رجل معين لمعنى كان فيه لا لأنه ولد زنا لقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وبين ذلك ما روى عن عائشة أنه بلغها حديث أبي هريرة: ولد الزنا شر الثلاثة فقالت: يرحم الله أبا هريرة أساء سمعا فأساء جابة إنما كان هذا في رجل يؤذي رسول الله ﷺ وقال ﷺ : "أما أنه مع به ولد زنا هو شر الثلاثة".
روى أن رسول الله ﷺ قال: "لا يدخل الجنة ولد زنية" يعني: من تحقق بالزنا وكثر منه حتى صار غالبا عليه فاستحق بذلك كونه منسوبا إليه كما ينسب المتحققون بالدنيا إليها يقال لهم: بنو الدنيا لعملهم لها وتركهم لم سواها وكما قيل للمسافر: ابن سبيل وهو المسافر المنقطع به فاحتمل أن يكون معنى قول النبي ﷺ : "ولد الزنا شر الثلاثة" أي: من كثر منه الزنا وغلب عليه وروى مرفوعا قال: "لا تزال هذه الأمة على شريعة ما لم يظهر منهم ثلاث ما لم يقبض منهم العلم ويكثر فيهم ولد الخبث ويظهر فيهم الصقارون" قالوا: وما الصقارون يا رسول الله قال: "نشو يكونون في آخر الزمن تحيتهم بينهم إذا
стр. 725
التقوا التلاعن سمى الصقارون لما يكون منهم من القول القبيح وولد الخبث مراده ﷺ فيه نسبته إياهم إلى الخبث وأنهم أولاد له للمعنى الذي ذكرنا من تسمية المتحقق بالشيء الذي يغلب عليه أنه ولد له كما يجوز أن يقال: أنه ابن له.
стр. 726
في عتق القريب
روى أن رسول الله ﷺ قال: "لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه"، أي: عتق بمجرد شرائه من غير أن يستأنف عتقه كما يقوله جماهير أهل العلم ومثله قوله ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة فابواه يهودانه أو ينصرانه أو يشركانه" ليس المراد استئناف التنصير والتهويد بل يحصل ذلك بلا سبب منهما يوجب ذلك فيه.
قال الطحاوي: معنى فيعتقه أي فيعتقه بشرائه إياه الذي هو سبب لعتقه لا أنه يكون ملكا له بعد الشراء حتى يعتقه كما لا يجوز أن يملك الأب ابنه قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ يعني: لو كان له ولد لم يكن له عبدا لأن الولد لا يقع ملك أبيه عليه فبالطريق الأولى أن لا يقع ملك الابن على الأب يؤيده ما روى عن ابن عمر قال رسول الله ﷺ : "من ملك ذا رحم محرم عتق".
وعن سمرة قال رسول الله ﷺ : "من ملك ذا رحم محرم فهو حر"، وروى: من ملك ذا رحم محرم فهو حر، ويمكن التوفيق بحيث يرجع معناهما إلى ملك ذا رحم محرم فهو حر وروى عن مستورد أن رجلا زوج ابن أخيه مملوكته فولدت له أولاد فأراد استرقاقهم فأتى ابن أخيه عبد الله بن مسعود فقال: إن عمي زوجني وليدته فولدت لي أولاد فأراد استرقاقهم فقال عبد الله: كذب ليس له ذلك ولا نعلم لهما مخالفا من الصحابة وهذا مذهب أبي حنيفة والثوري وأكثر أهل العراق وأما مالك يقول بعتق الأخ ولا يقول بعتق ابن الأخ على عمه وأما الشافعي فلا يوجب العتاق إلا في قرابة الولاد أعلى وأسفل خابصة.
стр. 727
في عتق المقر بالإسلام وإن لم يصل
عن أبي هريرة أن رجلا أتى رسول الله ﷺ بجارية عجماء لا تفصح فقال: أن على رقبة مؤمنة فقال لها رسول الله ﷺ : "أين الله"؟ فأشارت إلى السماء فقال لها: "من أنا". فأشارت إلى السماء فقال رسول الله ﷺ : "أعتقها"، وزاد بعضهم: فإنها مؤمنة، فيه جواز إعتاق من لم يصل ولم يصم ممن عليه رقبة مؤمنة وكذا من استحق الإيمان تبعا لأبويه خلافا للحسن في شرط الصوم والصلاة في الرقبة المؤمنة وفي غيرها أجزأ فيه الصغير وخلافا لإبراهيم في قوله: لا يجزئ في كفارة القتل إلا من صام وصلى ويجزئ في اليمين والظهار من لم يصل ولم يصم.
стр. 728
في عتق العبد المشترك
روى عن سالم عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان العبد بين إثنين فأعتق أحدهما نصيبه فإن كان موسرا فإنه يقوم عليه بأعلى القيمة" وروى: قيمة لاوكس ولا شطط، فيه بيان حكم المعتق الموسر لا غير وعن سالم عن ابن عمر مرفوعا من أعتق شركا له في عبدا قيم ما بقي من ماله إذا كان له مال يبلغ ثمن العبد قوله: إذا كان له مال من كلام الزهري فيه أيضا بيان حكمه إذا كان موسرا ولا خلاف فيه لأحد فأما إذا كان معسرا ففيه الاختلاف وفي هذا الحديث لا حجة لبعضهم على بعض وعن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "من أعتق شركا في مملوك فقد عتق كله فإن كان للذي أعتق من المال ما يبلغ ثمنه فعليه عتقه كله".
وفيما روى عنه أيضا مرفوعا قال: من كان له شرك في عبد فاعتقه فقد عتق كله فإن كان له مال قوم عليه قيمة عدل في ماله وإن لم يكن له مال فقد عتق منه ما عتق فيه إن العبد قد عتق كله بعتق الذي أعتق ما يملك منه وضمان
стр. 729
قيمة شريكه في يساره زائد على ذلك منفصل منه وليس فيه إذا كان المعتق المالك معسرا كيف هو فذهب بعض إلى أنه كالموسر في ضمان قيمة شريكه لأنه لا فرق في ضمان الجنايات بين اليسار والإعسار إلا في الأنظار ولقوله ﷺ : "من أعتق شقصاله في مملوك ضمن لشركائه حصصهم".
وفيه نظر لأنه يحتمل أن يكون هذا في الموسر وأما ما روي عن ابن عمر قال رسول الله ﷺ : "من أعتق شركا له في مملوك فعليه عتقه كله إن كان له مال يبلغ ثمنه فإن لم يكن له مال قوم قيمة عدل على المعتق وعتق منه ما عتق"، فيحتمل أن يكون راوية قصر في حفظ باقية وقد روى نافع عن ابن عمر مرفوعا من أعتق نصيبا له في مملوك وشركا له في مملوك فكان له من المال ما يبلغ قيمته بقيمة العدل فهو عتيق قال نافع: وإلا فقد عتق منه ما عتق قال أيوب: ولا أدري أشيء قاله نافع أو في الحديث وأكثر ظني أنه قول نافع ففيه أن الضمان إنما يجب على المعتق إذا كان له مال لا مطلقا يؤيده ما روى عن ابن عمر مرفوعا من أعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة العدل فأعطى شركاؤه حصصهم وعتق عليه العبد وإلا فقد عتق عليه ما عتق ففيه أيضا بيان الحكم إذا كان موسرا فقط فإن قيل: قوله: فقد عتق عليه ما عتق يدل أنه لا يعتق منه إذا كان معسر إلا مقدار ما أعتقه منه.
فالجواب أنه يحتمل أن يكون الذي عتق عليه هو جميع العبد وكذلك قال في الحديث الأول: فقد عتق كله ثم أعقب ذلك بقوله: فإن كان للذي أعتق نصيبه من المال ما يبلغ ثمنه فعليه عتقه كله ففيه كون العبد عتيقا كله بالعتق من أحد مالكيه دون هذا الحكم المذكور بعد ذلك وقد أيد ما ذكرناه من أن المقصود إليه بالضمان هو الموسر لا غير حديث سالم عن ابن عمر المذكور قبل هذا فإن قيل: روى عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال في العبد يكون بين الشريكين: "فيعتق أحدهما يقوم عليه في ماله قيمة عدل فيعتق عليه وإن لم يكن في ماله ما يخرج حرا يعتق منه ما عتق ويرق ما رق" وهذا يدل على أن
стр. 730
المعتق إذا كان معسرا يبقى حق الشريك على ما كان رقيقا.
فالجواب أن هذه الزيادة لم نجدها فيه إلا عن اسماعيل بن مرزوق وليس ممن يقطع بروايته ثم وجدنا عن ابن عمر أن رجلين بينهما مملوك فأعتق أحدهما نصيبه قال: إن كان عنده مال عتق نصف١ العبد وكان الولاء له وإن لم يكن له مال سعى العبد في بقية القيمة وكانوا شركاء في الولاء وهذا الحديث لا خلاف في صحة إسناده فالمعول عليه عن ابن عمر هو عتاق العبد كله بعتق أحد مالكيه موسر أكان أو معسر أو ضمان نصيب الشريط إن كان موسر أو سعاية العبد إن كان معسرا ويؤيده ما روى عن أبي المليح يعني أسامة الهذلي عن أبيه أن رجلا أعتق شقصا له في مملوك فأعتقه النبي ﷺ كله عليه وقال: ليس لله شريك ففيه أن العبد إذا صار بعضه لله بعتاق من أعتق نصيبه منه ينتفي الرق عن سائر الأنصباء ويكمل لله تعالى ثم الكلام في أهل العلم واختلافهم حال إعسار معتقه قال بعضهم صار كله حرا وعلى العبد السعاية منهم محمد بن ابي ليلى وسفيان الثوري وأبو يوسف ومحمد في جماعة من أهل الكوفة وبعضهم يقول: عتق ما عتق بإعتاق أحد مالكيه والآخر مخير إن شاء أعتقه فيكون ولاؤه بينهما وإن شاء استسعى العبد في قيمة نصيبه منه حتى يؤديه إليه وهو قول أبي حنيفة محتجا بما روى عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كان لنا غلام قد شهد القادسية فأنكى فيها وكان بيني وبين أمي وأخي الأسود فأرادوا وأعتقه وكنت يومئذ صغيرا فذكر ذلك الأسود لعمر بن الخطاب فقال: اعتقوا أنتم فإذا بلغ عبد الرحمن فإن رغب فيما رغبتم أعتق وإلا ضمنكم.
وهو صحيح الإسناد مكشوف المعنى غير أن ما روى عن رسول الله ﷺ مما يخالفه أولى منه وكان بعضهم يقول: قد عتق نصيب من أعتقه منه وبقي نصيب من لم يعتقه مملوكا له كما كان وهو قول مالك والشافعي
стр. 731
في كثير من أهل الحجاز والذي صححنا عليه حديث ابن عمر على ما ذكرناه أولى وأما ذكر الولاء في حديث ابن عمر للمعتق إذا كان موسر أو لمن يسعى له فإن جميع من ذكرنا يأبى ذلك ويجعله لمن أعتقه خاصة غير أبي حنيفة فإنه يجعله بينهما والدليل يساعد قول مخالفيه لأن العبد يعتق بإعتاق مالكه إياه لا بالسعاية لا سيما وحديث ابن عمر يدل على أنه حر بعتاق من أعتقه من مالكيه فانتفى عنه الرق ولم يقع عليه عتاق بعد ذلك ومن قال: أنه يبقى نصيب من لم يعتق رقيقا إذا كان المعتق معسرا يكون له ما يكتسبه في يوم من أيامه لنفسه بحق العتاق الذي ناله ويكون ما يكتسبه في يوم سواه لمن يملك بقيته وهذا غير معقول لأن العبد في اليوم الذي يعمل لنفسه إنما يعمل بكليته مما بعضه مملوك وبعضه ليس كذلك فوجب أن لا ينفرد شيء بكسبه دون من له فيه الرق ألا ترى أنه لو جنى عليه جناية في الأيام التي يعمل فيها لنفسه لم ينفرد بارش ذلك ولو كانت أمة فتزوجت في أيامها لم تنفرد بصداقها وقد كان ابن أبي ليلى وابن شبرمة يقولان جميعا في العبد الذي يعتق نصيبه منه صاحبه وهو معسر: أنه يسعى في قيمة أنصباء الذين لم يعتقوه ويرجع بما يسعى على المعتق وفيما روينا ما يدفع ذلك إذا كان رسول الله ﷺ إنما جعل الضمان على المعتق إذا كان له مال يبلغ قيمة أنصباء شركائه لا غير وليس لأحد أن يتعدى قول رسول الله ﷺ في شيء إلى ما لم يرو عنه وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "من أعتق نصيبا أو شركا له في مملوك فعليه خلاصة كله في ما له فإن لم يكن له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه" وفيه إيجاب ما صححنا عليه حديث ابن عمر قبل هذا ومن روى هذا الحديث فلم يذكر فيه السعاية فقد قصر في الحفظ وكان من حفظ شيئا أولى ممن قصر عنه.
стр. 732
في العتق بالمثلة
عن ابن عباس قال: جاءت جارية إلى عمر بن الخطاب فقالت: أن سيدي
стр. 733
اتهمني فأقعدني على النار حتى احترق فرجى فقال عمر: علي به فلما رأى عمر الرجل قال له: تعذب بعذاب الله، قال: يا أمير المؤمنين اتهمتها في نفسها قال: رأيت ذلك عليها؟ قال الرجل: لا قال: فاعترفت لك به؟ قال: لا قال: والذي نفسي بيده لو لم أسمع رسول الله ﷺ يقول: "لا يقاد مملوك من مالكه ولا والد من ولده١" لأقدتها منك فجرده وضربه مائة سوط وقال: اذهبي فأنت حرة لوجه الله تعالى وأنت مولاة الله ورسوله أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حرق مملوكه بالنار أو مثل به مثلة فهو حر وهو مولى الله ورسوله".
قال الليث: هذا أمر معمول به وروى أنه كان عبد لزنباع بن سلامة فعتب عليه فخصاه وجدعه فأتى رسول الله ﷺ فأغلظ لزنباع القول واعتقه منه مذهب مالك والليث اعتاق المملوك على مولاه بتمثيله محتجين بالحديثين وبما روى عن أبي يزيد القداح قال: رأيت عمر بن الخطاب وجاءته أمة سوداء قد شويت بالنار فاسترجع عمر حين رآها وقال: من شواك قالت: فلان فأتى به فقال: عذبتها بعذاب الله والله لولا لأقدتها منك فأعتقها وأمر به فجلد غير أن مالكا يجعل ولاءه لمولاه قال الطحاوي: وجدت الحديث الأول يرجع إلى عمر بن عيسى القرشي الأموي رواية عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس وهو ليس بمعروف والحديث الثاني ليس مما يقطع به أيضا والحديث الثالث وإن كان طريقه حسنا ليس فيه حجة لأنه قد يجوز أن يكون عمر فعله عقوبة لفاعله إذ كان مذهبه العقوبات على الذنوب بالأموال كما فعل مع حاطب في عبيدة الذين كان يجيعهم حتى حملهم ذلك على سرقة ناقة لرجل من مزينة قيمتها أربعمائة فغرم حاطبا لذلك ثمانمائة درهم والمحتجون به لا يقولون بذلك وإذا اتسع لهم خلاف عمر في هذا فالذي كان عليه عمر من هذا كان الحكم في أول الإسلام من ذلك ما روى عن النبي ﷺ في الزكاة من أعطاها مؤتجرا قبلناها منه وإلا فإنا آخذوها منه وشطر ما له
стр. 734
عزمة من عزمات ربنا ومن ذلك ما روى عنه في حريسة الجبل أن فيها غرامة مثلها.
ومن ذلك ما روى فيمن وقع على جارية امرأته مستكرها لها أو غير مستكره لها كما ذكرنا في موضعه من هذا الكتاب وإذا أوجب نسخ ذلك كان مثله أيضا العقوبات في الأموال بالمثلات وغيرها ثم رجعنا إلى ما يروى عن رسول الله ﷺ مما يدخل في هذا الباب فوجدنا من ذلك ما روى عن عمر بن الحكم أنه قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إن لي جارية كانت ترعى غنما لي فجاء ذئب فعقر شاة من الغنم فسألتها عنها فقالت: أكلها الذئب فأسفت عليها وكنت من بني آدم فلطمت وجهها وعلي رقبة أفأعتقها فقال رسول الله ﷺ : "أين الله"؟ فقالت: في السماء قال: "من أنا"؟ قالت: أنت رسول الله قال: "اعتقها".
وفي حديث آخر مكان فلطمت وجهها فصككتها صكة ولا يخالف ذلك ما في الحديث الأول لأن اللطمة قد تسمى صكة ومنه قوله : ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ فلما كانت اللطمة قد يكون عنها الشين بالوجه الذي قد يكون تمثيلا بالملطوم وترك رسول الله ﷺ الكشف عن ذلك عقلنا به أن تمثيله لا يوجب عتاقها عليه يقول ذلك من يقوله ممن ذكرناه وعن محمد بن المنكدر قال: حدثنا أبو شعبة قال: لطم رجل وجه خادم له عند سويد بن مقرن فقال له سويد: ألم تعلم أن الصورة محرمة لقد رأيتني وأنا سابع سبعة مع رسول الله ﷺ وما لنا إلا خادم واحد فلطم أحدنا وجهه فأمره رسول الله ﷺ أن يعتقه وفي أمره ﷺ إياه بالأعتاق دليل على أنه ما عتق باللطمة التي فيها أحداث المثلة في وجهه وفيه نظر لأن الغالب أن اللطمة لا تكون عنها مثلة ومما يدل على انتفاء العتق ما روى أن ابن عمر أعتق مملوكا له فأخذ عودا من الأرض وقال: مالي فيه من الأجر ما يساوي هذا سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من لطم مملوكه أو ضربه حدا لم يأته فكفارته
стр. 735
أن يعتقه" ولا شك أن ضرب الخد من أمثل المثلات ومع هذا لم يصر سببا للعتق بدليل قوله: "فكفارته إن يعتقه" إذ هو عبد قبل الإعتاق فثبت نفي العتاق بالمثلة التي وصفنا والله أعلم.
стр. 736
في القرعة بين المعتقين
روى أن رجلا من الأنصار أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له غيرهم مال فبلغ النبي ﷺ فغضب من ذلك وقال: "لقد هممت أن لا أصلي عليه" ثم دعا مماليكه فجزأهم ثلاثة أجزاء فأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة إنما غضب وهم أن لا يصلي لأن المريض لا يجوز أن يتصرف إلا في ثلث ماله فيجب على كل مريض أن لا ينبسط في ماله بسط الأصحاء لاحتمال موته منه فلا يحل له ذلك فيحتاط لنفسه ولورثته لئلا يكون مذموما فإن من سنته ﷺ ترك الصلاة على المذمومين ثم القرعة في مثل هذا مختلف فيها فعند أهل الحجاز والشافعي يجوز استعمالها في مثله وعند أبي حنيفة وأصحابه هي منسوخة والواجب السعاية في ثلثي قيمتهم لورثة معتقهم استدلالا بالإجماع على ترك القرعة فيما هو في معنى العتق مثل هبة المريض ستمائة لستة رجال وتقبيضه إياها وكذا في دعوى النسب من ثلاثة نفرا دعوا ولد أمة وطئوها في طهر واحد روى أن عليا ﵁ حكم في مثل هذه القضية بالقرعة ودفع الولد بها وبلغ ﷺ حكمه فضحك حتى بدت نواجذه ففيه رضاه به منه ثم وجدنا عن علي أنه حكم في مثل هذه القضية بخلاف هذا الحكم فإنه أتاه رجلان وقعا على امرأة في طهر فقال: الولد بينكما.
قال الطحاوي: فاستحال بأن يكون علي يقضي بخلاف ما كان قضى به في زمن الرسول ﷺ ولم ينكره إلا وقد اطلع على نسخ القرعة التي قضى بها أولا فما رجع إلا عن منسوخ قد كان عليه إلى ناسخ هذا فيما طريقه الأحكام وأما ما طريقه نفى الظنون وتطييب النفوس كإقراع النبي ﷺ بين نسائه في السفر وكإقراع القاسم على السهام بعد تعديلها فهي مستحسنة غير منسوخة وغير واجبة والله أعلم.
стр. 737
في أول عبدا وآخر عبدا ملكه فهو حر
روى عن عمر بن الخطاب سأل ابن عباس أرأيت قوله تعالى: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ هل كانت جاهلية غير واحدة فقال ابن عباس: ما سمعت أولى إلا ولها آخرة فقال عمر: هات من كتاب الله تعالى ما يصدق ذلك فقال ابن عباس أن الله تعالى يقول وجاهدوا في الله حق جهاده كما جاهدتم أول مرة فقال عمر: من أمرنا الله أن نجاهده فقال ابن عباس: مخزوم وعبد شمس هذا المتلوكان من القرآن ثم أسقط فيما أسقط وروى أن عمر قال لعبد الرحمن بن عوف: ألم تجد فيما أنزل علينا أن جاهدتم أول مرة فأنا لا نجدها قال: أسقطت فيما أسقط من القرآن فقال عمر: أتخشى أن يرجع الناس كفارا قال: ما شاء الله قال: أن يرجع الناس كفارا ليكونن أمراؤهم بني فلان ووزارؤهم بني فلان.
وفي حديث آخر فقال عمر: إن كان ذلك لا يكون إلا وبنو مخزوم من الأمر بسبيل وفي رواية ليكونن امراؤهم بنوا أمية ووزراؤهم بنوا المغيرة فلم يكن عمر ولا ابن عباس علما سقوط ذلك من كتاب الله حتى أعلمهما بذلك عبد الرحمن بن عوف فعلم أنه قد يكون أول لما لا يكون له آخر ومثله قول العلماء في رجل قال: أول عبدا ملكه فهو حر فملك عبدا يعتق عليه وإن لم يملك عبدا آخر بخلاف ما لو قال آخر: عبدا ملكه فهو حر فلك عبدا ولم يملك عبدا سواه حتى مات لا يعتق لأنه لا يكون آخرا إلا وقد كان أولا وروى في تأويلها عن ابن عباس ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ هي الجاهلية كانت بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم وعن الفراء كان ذلك في الزمن الذي ولد فيه إبراهيم ﵇ كانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ غير مخيط الجانبين وكانت تلبس الثياب من المال لا يواري جسدها فأمرن أن لا يفعلن ذلك
стр. 738
وقد احتج محتج على أنه يكون أولى وإن لم يكن أخرى بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ فقد كانت نشأة أولى ولم تكن بعدها نشأة أخرى ولكن جوابه أن ذلك إنما أنزل بعد أن كانت نشأة ومنه ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ فكان ذلك مما تقدم نزول الآية التي ذكرنا أنها تدل على ما قال.
стр. 739
في قوله: اعتق أي عبيدي شئت
روى عن عائشة أن رسول الله ﷺ دعا فقال: "اللهم أنما أنا بشر فإيما رجل سببته أو آذيته فلا تعذبني به" وعنها تقول: جاء رجلان إلى رسول الله ﷺ فسألاه فلم يعطهما شيئا ثم سألاه فلم يعطيهما شيئا ثم سألاه فلم يعطهما شيئا فسبهما ولعنهما فدخل ووجهه محمر يتبين فيه الغضب فقلت: لقد خاب الرجلان وهلكا لم يصبهما منك شيء ولعنتهما فقال رسول الله ﷺ : "أما علمت أني عهدت إلى ربي عهدا أفقلت يا رب إني بشر أغضب كما يغضب البشر فأي المؤمنين سببت أو لعنت فلا تعاقبه بها ولا تعذبه واجعلها له زكاة وأجرا".
وفي رواية أنس أني اشترطت على ربي فقلت إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر فإيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن تجعلها له طهورا وزكاة وقربة تقربه منك يوم القيامة وعن أبي السوار عن حمالة١ قال: رأيت رسول الله ﷺ يمشي والناس يتبعونه فأتبعته معهم فاتقى القوم بي فأتى علي رسول الله ﷺ فضربني أما قال: بعسيب أو بقضيب أو سواك أو شيء كان معه فوالله ما أوجعني وبت ليلة وقلت: ما ضربني رسول الله ﷺ إلا لشيء علمه الله في فحدثت نفسي أن آتي رسول الله ﷺ إذا أصبحت فنزل جبريل على النبي ﷺ فقال: إنك راع
стр. 740
ولا تكسر قرون رعيتك فلما صلى الغداة أو قال: أصبحنا قال: "إن ناسا يبتعوني وإني لا يعجبني أن يتبعوني اللهم فمن ضربت أو سببت فاجعلها له كفارة وأجرا" أو قال: "مغفرة" قد كان أبو يوسف يستدل بهذه الآثار على تعميم العتق في قوله: أعتق أي عبيدي شئت لأن أي قد يكون على جميعهم كما في هذه الآثار وكان محمد يخالفه في ذلك ويقول: يعتقوا حدا من العبيد لا غير واحتج بقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً﴾ فكان ذلك على واحد من الطعام لا على كل الطعام ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ بمعنى أي الأجلين لأن ما صلة فكان ذلك على واحد من الأجلين لا عليهما جميعا وبما روى عن أنس بن مالك قال: لما قدم عبد الرحمن المدينة مهاجرا آخي رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع فبات عنده فلما أصبح قال له سعد: إني من أحسن الأنصار امرأتين وأفضلهم حائطين فانظر إلى امرأتي فأيتهما كانت أحلى في عينيك فارقتها ثم تزوجتها فإن قومها لا يخالفوني الحديث فقال له: عبد الرحمن بارك الله لك في أهلك ومالك إلى آخر الحديث فكان قول سعد أي زوجتي هويت نزلت لك عنه لم يكن عليهما جميعا وإنما كان على أحدهما فمثله قوله: أعتق أي عبيدي شئت يكون على واحد منهم لا على جميعهم والحق أن الآثار المتقدمة فيما لا يحصى عدده ولا يتهيأ استعمالها في جملته فكون أي على ما استعملت فيه على من قبلت له وفيما يحصي عدده ويوقف على مقداره تكون على واحد من الجنس المذكور فيه لا على أكثر من ذلك كما قال محمد ابن الحسن.