← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 11816

المعتصر من المختصر من مشكل الآثار

جمال الدين الملطي

Полный текст (1 343 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

في القرعة بين المعتقين روى أن رجلا من الأنصار أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له غيرهم مال فبلغ النبي ﷺ فغضب من ذلك وقال: "لقد هممت أن لا أصلي عليه" ثم دعا مماليكه فجزأهم ثلاثة أجزاء فأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة إنما غضب وهم أن لا يصلي لأن المريض لا يجوز أن يتصرف إلا في ثلث ماله فيجب على كل مريض أن لا ينبسط في ماله بسط الأصحاء لاحتمال موته منه فلا يحل له ذلك فيحتاط لنفسه ولورثته لئلا يكون مذموما فإن من سنته ﷺ ترك الصلاة على المذمومين ثم القرعة في مثل هذا مختلف فيها فعند أهل الحجاز والشافعي يجوز استعمالها في مثله وعند أبي حنيفة وأصحابه هي منسوخة والواجب السعاية في ثلثي قيمتهم لورثة معتقهم استدلالا بالإجماع على ترك القرعة فيما هو في معنى العتق مثل هبة المريض ستمائة لستة رجال وتقبيضه إياها وكذا في دعوى النسب من ثلاثة نفرا دعوا ولد أمة وطئوها في طهر واحد روى أن عليا ﵁ حكم في مثل هذه القضية بالقرعة ودفع الولد بها وبلغ ﷺ حكمه فضحك حتى بدت نواجذه ففيه رضاه به منه ثم وجدنا عن علي أنه حكم في مثل هذه القضية بخلاف هذا الحكم فإنه أتاه رجلان وقعا على امرأة في طهر فقال: الولد بينكما. قال الطحاوي: فاستحال بأن يكون علي يقضي بخلاف ما كان قضى به في زمن الرسول ﷺ ولم ينكره إلا وقد اطلع على نسخ القرعة التي قضى بها أولا فما رجع إلا عن منسوخ قد كان عليه إلى ناسخ هذا فيما طريقه الأحكام وأما ما طريقه نفى الظنون وتطييب النفوس كإقراع النبي ﷺ بين نسائه في السفر وكإقراع القاسم على السهام بعد تعديلها فهي مستحسنة غير منسوخة وغير واجبة والله أعلم.

стр. 737

في أول عبدا وآخر عبدا ملكه فهو حر روى عن عمر بن الخطاب سأل ابن عباس أرأيت قوله تعالى: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ هل كانت جاهلية غير واحدة فقال ابن عباس: ما سمعت أولى إلا ولها آخرة فقال عمر: هات من كتاب الله تعالى ما يصدق ذلك فقال ابن عباس أن الله تعالى يقول وجاهدوا في الله حق جهاده كما جاهدتم أول مرة فقال عمر: من أمرنا الله أن نجاهده فقال ابن عباس: مخزوم وعبد شمس هذا المتلوكان من القرآن ثم أسقط فيما أسقط وروى أن عمر قال لعبد الرحمن بن عوف: ألم تجد فيما أنزل علينا أن جاهدتم أول مرة فأنا لا نجدها قال: أسقطت فيما أسقط من القرآن فقال عمر: أتخشى أن يرجع الناس كفارا قال: ما شاء الله قال: أن يرجع الناس كفارا ليكونن أمراؤهم بني فلان ووزارؤهم بني فلان. وفي حديث آخر فقال عمر: إن كان ذلك لا يكون إلا وبنو مخزوم من الأمر بسبيل وفي رواية ليكونن امراؤهم بنوا أمية ووزراؤهم بنوا المغيرة فلم يكن عمر ولا ابن عباس علما سقوط ذلك من كتاب الله حتى أعلمهما بذلك عبد الرحمن بن عوف فعلم أنه قد يكون أول لما لا يكون له آخر ومثله قول العلماء في رجل قال: أول عبدا ملكه فهو حر فملك عبدا يعتق عليه وإن لم يملك عبدا آخر بخلاف ما لو قال آخر: عبدا ملكه فهو حر فلك عبدا ولم يملك عبدا سواه حتى مات لا يعتق لأنه لا يكون آخرا إلا وقد كان أولا وروى في تأويلها عن ابن عباس ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ هي الجاهلية كانت بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم وعن الفراء كان ذلك في الزمن الذي ولد فيه إبراهيم ﵇ كانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ غير مخيط الجانبين وكانت تلبس الثياب من المال لا يواري جسدها فأمرن أن لا يفعلن ذلك

стр. 738

وقد احتج محتج على أنه يكون أولى وإن لم يكن أخرى بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ فقد كانت نشأة أولى ولم تكن بعدها نشأة أخرى ولكن جوابه أن ذلك إنما أنزل بعد أن كانت نشأة ومنه ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ فكان ذلك مما تقدم نزول الآية التي ذكرنا أنها تدل على ما قال.

стр. 739

في قوله: اعتق أي عبيدي شئت روى عن عائشة أن رسول الله ﷺ دعا فقال: "اللهم أنما أنا بشر فإيما رجل سببته أو آذيته فلا تعذبني به" وعنها تقول: جاء رجلان إلى رسول الله ﷺ فسألاه فلم يعطهما شيئا ثم سألاه فلم يعطيهما شيئا ثم سألاه فلم يعطهما شيئا فسبهما ولعنهما فدخل ووجهه محمر يتبين فيه الغضب فقلت: لقد خاب الرجلان وهلكا لم يصبهما منك شيء ولعنتهما فقال رسول الله ﷺ : "أما علمت أني عهدت إلى ربي عهدا أفقلت يا رب إني بشر أغضب كما يغضب البشر فأي المؤمنين سببت أو لعنت فلا تعاقبه بها ولا تعذبه واجعلها له زكاة وأجرا". وفي رواية أنس أني اشترطت على ربي فقلت إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر فإيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن تجعلها له طهورا وزكاة وقربة تقربه منك يوم القيامة وعن أبي السوار عن حمالة١ قال: رأيت رسول الله ﷺ يمشي والناس يتبعونه فأتبعته معهم فاتقى القوم بي فأتى علي رسول الله ﷺ فضربني أما قال: بعسيب أو بقضيب أو سواك أو شيء كان معه فوالله ما أوجعني وبت ليلة وقلت: ما ضربني رسول الله ﷺ إلا لشيء علمه الله في فحدثت نفسي أن آتي رسول الله ﷺ إذا أصبحت فنزل جبريل على النبي ﷺ فقال: إنك راع

стр. 740

ولا تكسر قرون رعيتك فلما صلى الغداة أو قال: أصبحنا قال: "إن ناسا يبتعوني وإني لا يعجبني أن يتبعوني اللهم فمن ضربت أو سببت فاجعلها له كفارة وأجرا" أو قال: "مغفرة" قد كان أبو يوسف يستدل بهذه الآثار على تعميم العتق في قوله: أعتق أي عبيدي شئت لأن أي قد يكون على جميعهم كما في هذه الآثار وكان محمد يخالفه في ذلك ويقول: يعتقوا حدا من العبيد لا غير واحتج بقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً﴾ فكان ذلك على واحد من الطعام لا على كل الطعام ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ بمعنى أي الأجلين لأن ما صلة فكان ذلك على واحد من الأجلين لا عليهما جميعا وبما روى عن أنس بن مالك قال: لما قدم عبد الرحمن المدينة مهاجرا آخي رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع فبات عنده فلما أصبح قال له سعد: إني من أحسن الأنصار امرأتين وأفضلهم حائطين فانظر إلى امرأتي فأيتهما كانت أحلى في عينيك فارقتها ثم تزوجتها فإن قومها لا يخالفوني الحديث فقال له: عبد الرحمن بارك الله لك في أهلك ومالك إلى آخر الحديث فكان قول سعد أي زوجتي هويت نزلت لك عنه لم يكن عليهما جميعا وإنما كان على أحدهما فمثله قوله: أعتق أي عبيدي شئت يكون على واحد منهم لا على جميعهم والحق أن الآثار المتقدمة فيما لا يحصى عدده ولا يتهيأ استعمالها في جملته فكون أي على ما استعملت فيه على من قبلت له وفيما يحصي عدده ويوقف على مقداره تكون على واحد من الجنس المذكور فيه لا على أكثر من ذلك كما قال محمد ابن الحسن.

стр. 741

كتاب المكاتب في القادر على الوفاء عن نبهان مولى أم سلمة أنه بينا هو يسير مع أم سلمة زوج النبي ﷺ في طريق مكة وقد بقي من كتابته ألفا درهم فقالت وهي

стр. 742

تسير ماذا بقي عليك من كتابتك يا نبهان قلت: ألفا درهم قالت: فهما عندك قلت: نعم قالت: ادفع ما بقي عليك إلى محمد بن المنكدر فإني قد أعنته بها في نكاحه وعليك السلام ثم ألقت الحجاب فبكيت وقلت: والله لا أعطيه أبدا قالت: إنك والله يا بني لن تراني أبدا إن رسول الله ﷺ عهد إلينا إذا كان عند مكاتب أحداكن وفاء بما بقي من كتابته فأضربوا دونه الحجاب. وذلك إن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم فإذا كان عنده وفاء بها فلا يحل أن يمسكها ليسقط عن نفسه الحقوق كالزكاة من ماله وصلاتها بغير قناع وسفرها بغير محرم وعدتها نصف عدة الحرة وما أشبه ذلك من نظره إلى سيدته لأنه يمنع الواجب ليبقى له ما يحرم عليه فهذا وجه قوله ﷺ : "إذا كان لأحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤديه فلتحتجب منه".

стр. 743

في الوضع عن المكاتب وبيعه روى عن عائشة قالت: جاءت بريرة فقالت: يا عائشة إني قد كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فاعتقيني ولم تكن قضت من كتابتها شيئا فقالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا أن أعطيهم ذلك جميعا ويكون ولاؤك لي فعلت فذهبت إلى أهلها فعرضت ذلك عليهم فأبوا وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل ويكون ولاؤك لنا فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "لا يمنعك ذلك منها ابتعاعي واعتقي فإنما الولاء لمن أعتق" وقام في الناس خطيبا الحديث. في وقوف النبي ﷺ على عدم قضاء بريرة من كتابتها شيئا وفي قول عائشة: فإن أحبوا أن أعطيهم ذلك جميعا وتركه ﷺ الإنكار عليها دليل على عدم وجوب إسقاط بعض البدل عن المكاتب لأنه لو كان الوضع واجبا على المولى لبينه لعائشة وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والثوري وزفروا وأبي يوسف ومحمد خلافا لمن سواهم منهم الشافعي استدلالا بقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ .

стр. 744

فإنه للوجوب لا للندب وكذا روى عن عائشة لما أصاب رسول الله ﷺ سبايا بني المصطلق وقعت جويرية ابنة الحارث في سهم ثابت بن قيس أو لابن عم له فكاتبت على نفسها وكانت امرأة حلوة ملاحة لا يكاد يراها أحد إلا أخذت بنفسه فأتت رسول الله ﷺ تستعينه في كتابتها فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب الحجرة فكرهتها وعرفت أنه سيرى منها مثل الذي رأيت فقالت: يا رسول الله إني جويرية ابنة الحارث سيد قومه وقد أصابني من الأمر ما لم يخف عليك فوقعت في سهم لثابت فكاتبته فجئت رسول الله أستعينه على كتابتي، فقال: "فهل لك في خير من ذلك"؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: "أقضي عنك كتابتك وأتزوجك"، قالت: نعم، قال: "قد فعلت" وخرج الخبر إلى الناس إن رسول الله ﷺ تزوج جويرية فقالوا: صهر رسول الله ﷺ فأرسلوا ما في أيديهم فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق فلا تعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها. في قوله ﷺ : "أقضي عنك كتابتك" دليل على وجوب جميع الكتابة دون حطيطة تجب لها منها ومن الدليل على ذلك ما روي أن رسول الله ﷺ قال لسلمان: "كاتب" فلم يزل بأهله حتى كاتبوه على أربعين أوقية من ورق وإن يحيى لهم ثلاثمائة نخلة فأعانه ﷺ وقال لأصحابه: "أعينوا أخاكم" فأعانوه بالنخل وفي تفقير فقرها وقال ﷺ : "إذا فقرت لها فلا تضعها حتى أكون أنا الذي أضعها بيدي" فوضعها رسول الله ﷺ فلم تمت منها واحدة ولم يأخذ ﷺ مولى سلمان بحط شيء من كتابته فدل ذلك على وجوب جميع الكتابة واختلفت الصحابة في تأويل قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾ روي عن علي أنه الربع ورفعه ابن جريج عن عطاء إلى النبي ﷺ وحديثه عنه كان في حال الاختلاط لأنه كان خلط بآخره.

стр. 745

وروى أن عمر بن الخطاب كاتب غلاما له فلم يجد ما يعطيه فأرسل إلى حفصة فطلب منها دراهم فأرسلت إليه بمائتي درهم فقال: خذها بارك الله لك فيها قال: فبارك الله لي فيها قد اعتقت غير واحد منها فاستأذنته أن أخرج إلى العراق فقال: أما إذا كاتبتك فاذهب حيث شئت فأراد موال لبني عفان أن يصحبوني فقالوا: كلم أمير المؤمنين أن يكتب لنا كتابا نكرم به قال: وقد علمت أن سيكره ذلك فكلمته فانتهرني وما انتهرني قبلها فقال: أتريد أن تظلم الناس أنت أسوة المؤمنين فخرجت فلما قدمنا جئت معي بنمط وطنفسة فقلت: يا أمير المؤمنين هذا مني هدية فنظر إليهما فأعجبتاه ثم ردهما علي وقال: أنه قد بقيت من كتابتك بقية فاستعن بهما في كتابتك. فدل أن عمر لم يضع من كتابته شيئا وروى أن عثمان بن عفان كاتب غلاما له على مائة ألف وقال: والله لا أعطيك منها درهما فشفع له الزبير فقال: والله لا عطيه منها درهما فغضب الزبير وقال: طلبت إليك حاجة حلت دونها بيمين فأعطاه الزبير مائة ألف وقال: أطلب فيها من فضل الله فإن غلبك أمر فأد إلى عثمان ما له منها فطلب فيها من فضل الله فأدى إلى عثمان ما له وإلى الزبير ما له وفضلت في يديه ثمانون ألفا ففيه دليل على أن الآية لم تكن على وجوب الوضع من الكتاب عندهما وهو الحق ولا يقال كيف قيل لعائشة: ابتاعي وأعتقي وبيع المكاتب لا يجوز لأن المنع من بيع المكاتب لحقه فإذا أذن المكاتب جاز بيعه وصار تعجيز أو فسخا للكتابة كبيع العبد المرهون أو المستأجر بإذن من له الرهن والإجارة وقد أجاز أبو يوسف بيع المكاتب بإذنه قبل عجزه خلافا لمحمد لأن رسول الله ﷺ أجاز بيع بريرة لما ذكرنا.

стр. 746

في بيع الأمة طلاقها روى عن عائشة أنها اشترت بريرة واشترط الذين باعوها الولاء

стр. 747

فقال النبي ﷺ : "الولاء لمن اشترى" فأعتقها وخيرها وكان زوجها حرا فاختارت نفسها ففرق رسول الله ﷺ بينهما اختلفت الصحابة في بيع الأمة ذات الزوج فقال بعضهم: هو طلاق وبعضهم: ليس بطلاق لها منهم عمر بن الخطاب وعلي وعثمان وعبد الرحمن بن عوف روى عنه أنه ابتاع جارية ولها زوج ولم يعلم به فلما علم به ردها. ممن روى عنه أنه طلاق عبد الله بن عباس وأبي بن كعب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وهذا كاختلافهم في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فعند بعضهم: هن المسبيات ذوات الأزواج في دار الحرب وعند بعضهم: هن كل مبيعة ذات زوج والقول الأول أولى لما روينا عن أبي سعيد الخدري في سبب نزول الآية وللذي كان من إقرار رسول الله ﷺ بريرة على نكاحها بعد ابتياع عائشة أياها بدليل تخييرها في فراق زوجها وقد روى ابن عباس تخيير بريرة بعد عتقها في المقام مع زوجها ومذهبه أن بيع الأمة طلاقها فيحتمل أن يكون عدم الطلاق في بريرة لكون مشتريها ممن لا يحل لها التزويج بخلاف المشتري إذا كان رجلا يحل له. قال الطحاوي: ولما وقعت الفرقة بين المسبيات وبين أزواجهن بوقوع الرق عليهن بالسبي ولم يحللن لرجال بأعيانهم حتى يخمسن ويقسمن وكانت بريرة عند ابن عباس لم تحرم على زوجها بابتياع عائشة إياها دل على صحة تأويل مخالفيه لهذه الآية على أن المراد المسبيات دون المبيعات.

стр. 748

في الأمة تحت الحر إذا أعتقت عن عائشة أن زوج بريرة كان حرا وروي عنها أنه كان عبدا واحتج من رجح كونه عبد أنما روى عن عائشة أنه كان لها غلام وجارية زوجان فقالت: يا رسول الله أني أريد أن أعتقهما فقال رسول الله ﷺ : "ابدئي بالرجل قبل المرأة" ففيه أن الأمة لا خيار لها إذا أعتقت وزوجها حر

стр. 749

ولكن لا شك أن الزوجين كأنا غير بريرة وزوجها ومحال أن يأمر رسول الله ﷺ بما فيه الحياطة لأحد الزوجين وإبطال حق الآخر وهو خيار العتق الثابت لها في شرعه فالمعنى في ذلك هو أن عائشة لما استشارته أمرها بعتق أعظمهما ثوابا وهو إعتاق الذكر وإرجاء أمر الجارية لترى فيها بين حبسها وبين الصلة بها لأرحامها كما في حديث مرة بن كعب وكما روى عن ميمونة أنها أعتقت وليدة علي عهد رسول الله ﷺ فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك" وعن ابن عباس أنه كان عبدا ولم يختلف عنه في ذلك كما اختلف عن عائشة والتوفيق أن الحرية تكون بعد العبودية غير عكس فجعل عبدا ثم جعل حرا بعد ذلك في الحال التي خيرت الزوجة بين المقام عنده وبين الفراق دفعا للتعارض وما روي عن جرير عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: كان زوج بريرة عبدا ولو كان حرا لما خيرها رسول الله ﷺ لا يرد ما ذكرناه إذا لا نعلم من المتكلم من رواة هذا الحديث هل هو عائشة أو من دونها ولم لم نعلم فنجعله قول صحابي لا مخالف له قال القاضي: ويعارضه ما روي عنها أنه كان حرا. واحتمل أن يكون قول تابعي رواه عنها أو من دونه فيقابل قوله بقول طاوس أن لها الخيار وإن كان زوجها رجلا من قريش ثم نظرنا فوجدنا مولى الأمة له أن يزوجها حرا كان أو عبدا كالأب يزوج الصغيرة من شاء ثم لا يكون لها بعد البلوغ خيار سواء كان الزوج حرا أو عبدا ينبغي أن يستوي الحالان في الأمة ولا خلاف في أن لها الخيار إذا كان عبدا فكذا إذا كان حرا ومن فرق بينهما قال: إنما جعل لها الخيار إذا كان عبدا لأنه لا يستطيع تزويج بناتها ولا تحصينها والحق أن العلة هو ملكها نفسها بخلاف الصغيرة لأن بالبلوغ لا تملك نفسها وقيل: العلة إنما هي نقصان قرينة الزوج عن مرتبتها بالحرية الحاصلة لها والله أعلم.

стр. 750

في مسقط الخيار روي مرفوعا إذا عتقت الأمة وهي تحت العبد فأمرها بيدها فإن هو قرب حتى وطأها فهي امرأته لا تستطيع فراقه وعن عائشة إن بريرة عتقت فخيرها رسول الله ﷺ وقال لها: "إن قربك فلا خيار لك" فيه أن الخيار لا يبطل بالقيام من مجلس العلم حتى يكون منها تمكين من نفسها بالوطء بعده خلافا للكوفيين بأنها إذا قامت أو أخذت في عمل آخر بطل خيارها ومثل الوطء التمكين من التقبيل والمس في أن ذلك دليل الرضا بالزوج وإبطال الخيار كالتصريح باللسان ومثل ذلك الطلاق المبهم لامرأتيه والعتاق المبهم لأمتيه فإنه إذا جامع إحداهما مختارا تعينت الأخرى للطلاق والعتاق كما لو صرح بلسانه ومثل ذلك الأمة المبيعة المعينة إذا صدر من المشتري إليها ما لا يحل له منها إلا بملكه لها يكون قاطعا للرد نازلا منزلة قوله رضيت صريحا ويؤيد عدم اشتراط المجلس ما روي عن ابن عباس أنها لما خيرت كان زوجها يتبعها في سكك المدينة ودموعه تسيل على لحيته وكذا قوله ﷺ لها بعد إعلامها بثبوت الخيار لها: "هو زوجك وأبو ولدك" فقالت: أتامرني به يا رسول الله قال: "لا إنما أنا شافع" فقالت: أن كنت شافعا فلا حاجة لي فيه فقد انتقلت عنه من مكان إلى مكان واختارت نفسها وعن حفصة قالت لبريرة: أن أمرك بيدك ما لم يمسك زوجك وهو قول ابن عمر وعطاء.

стр. 751

معاني حديث بريرة عن عائشة أنها قالت: كان في بريرة ثلاث سنن: فكانت عتقت فخيرت في زوجها وقال ﷺ : "الولاء فيمن اعتق" ودخل ﷺ والبرمة تفور بلحم فقرب إليه خبز وأدم من أدم البيت فقال ﷺ : "ألم أر برمة فيها لحم"؟ قالوا: بلى يا رسول الله ولكن ذلك لحم تصدق به على بريرة وأنت لا تأكل الصدقة فقال ﷺ : "هو صدقه عليها وهو

стр. 752

لنا منها هدية". ووجهه أن الصدقة خرجت من ملك المتصدق على بريرة فجاز خروجها من ملكها إلى من تحرم عليه الصدقة بالهدية وبهذا استدل قوم على إباحة الصدقة للهاشمي بطريق العمالة لأنه لا يأخذ منها ما يأخذه إلا بعمله عليها لا بصدقة أهلها به عليه وهو قول أبي يوسف قياسا على الغنى وكرهه غيره لأن الصدقة تخرج من ملك ربها إلى مستحقها وفيهم العاملون علها ولا يحل لهم أن يأخذوها جعلا على عملهم وأنا تركنا القيام في ذلك للسنة روى عن علي قال: قلت للعباس: سل النبي ﷺ أن يستعملك على الصدقة فسأله فقال: "ما كنت لأستعملك على غسالة ذنوب الناس" فعلم بذلك إنما كره استعماله رفعا لرتبته أن يكون عاملا على الغسالة لا لحرمتها عليه كما روى ابن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ أنه ﷺ بعث رجلا من بني مخزوم على الصدقة فقال لأبي رافع: أصحبني كما تصيب منها فقال: حتى اسأل النبي ﷺ فسأله فقال: "أن آل محمد لا تحل لهم الصدقة وإن مولى القوم من أنفسهم" وذلك على التنزه منه لبني هاشم ولمواليهم لا على أنهم لو عملوا لحرم عليهم ما يأخذونه منها كما لا يحرم على الغني العام إذ لم يرد أبو رافع أن يصيب من الصدقة إلا ما تكون عمالته منها وقوله ﷺ لعائشة: "خذيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق" لا يجوز أن يبيح لعائشة أن تشترط خلاف ما في شريعته ولكن لم يوجد اشتراط الولاء في حديث عائشة إلا من رواية مالك عن هشام فأما من سواه وهو الليث ابن سعد وعمرو بن الحارث فقد رويا عن هشام أن السؤال لولاء بريرة إنما كان من عائشة لأهلها بأداء مكاتبتها إليهم فقال ﷺ : "لا يمنعك ذلك منها ابتاعي وأعتقي فإنما الولاء لمن أعتق" وهذا خلاف ما رواه مالك عن هشام خذيها واشترطي فإنما الولاء لمن أعتق مع أنه يحتمل أن يكون معنى اشترطي أظهري لأن الاشتراط في كلام العرب هو الإظهار ومنه قول أوس بن حجر.

стр. 753

فأشرط فيها نفسه وهو معصم ... فألقى باسياف له وتوكلا أي: أظهر نفسه أي أظهري الولاء الذي يوجبه عتاقك أنه لمن يكون ذلك العتاق منه دون من سواه وقال بعض أن معنى: اشترطي لهم أي: عليهم كقوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ وقال محمد بن شجاع: هو على الوعيد الذي ظاهره الأمر وباطنه النهي كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ﴾ الآية ألا تراه ﷺ صعد المبر وخطب فقال: "ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله " إلى آخره، وإذا انفرد مالك عن هشام وخالفه عمرو بن الحارث والليث بن سعد كانا أولى بالحفظ من واحد وحديث عائشة ذكر من وجوه بألفاظ شديدة الاختلاف غير أنه لا شيء فيه من إطلاق رسول الله ﷺ لأهل بريرة ما كان منهم من اشتراطهم الولاء لإطلاق عائشة ذلك لهم وممن روى عن عائشة ابن عمر والأسود بن يزيد والقاسم بن محمد وعمرة ابنة عبد الرحمن وعن ابن أيمن حدثني أبي قال: دخلت على عائشة فقالت: دخلت على بريرة فقالت: اشتريني وأعتقيني؟ فقلت: نعم فقالت: إن أهلي لا يبيعوني حتى يشترطوا ولائي فقلت لها: لا حاجة لنا بذلك فسمع ذلك رسول الله ﷺ فقال: "اشتريها فاعتقيها" واشترط أهلها الولاء فقال رسول الله ﷺ : "الولاء لمن أعتق وإن اشترط مائة شرط". وكان في حديث أيمن ودعيهم فليشترطوا ما شاؤوا على الوعيد ورواه ربيعة عن القاسم بمعنى الوعيد قال: كان في بريرة ثلاث سنن: أرادت عائشة أن تشتريها وتعتقها فقال أهلها: ولنا الولاء فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "لو شئت شرطته لهم فإنما الولاء لمن أعتق" ثم قام قبل الظهر أو بعدها فقال: "ما بال رجال يشترطون" الحديث، فقوله: "لو شئت شرطته" على الوعيد لا على إطلاق ذلك لها أن تشترطه لهم وعن الأسود عن عائشة أنها اشترت بريرة فأعتقتها واشترطت لأهلها الولاء فذكرت ذلك للنبي صلى الله

стр. 754

عليه وسلم فقال: "إنما الولاء لمن أعتق" وعن منصور أنها اشترت بريرة لتعتقها فاشترط أهلها الولاء فدخل عليها رسول الله ﷺ فقالت: إني اشتريت بريرة لأعتقها واشترط أهلها ولاءها فقال: "الولاء لمن أعتق" فكان قوله ﷺ بعد ذلك كله ثم أعلم أن بعض الناس استدل بقوله ﷺ لعائشة: "اشتريها واعتقيها" على أن ابتياع عائشة كان بأمر النبي ﷺ على أن تعتقها يجوز ابتياع المماليك بشرط الإعتاق بخلاف باقي الشرائط ولا دليل له في ذلك لأن ذلك كان مشورة بذلك علها أن تفعله ابتداء وليس فيه اشتراط أهلها ذلك عليها في بيعهم إياها منها وفي بعض الآثار أن عائشة هي التي سألت أن تشتريها على أن يكون الولاء لها وأن رسول الله ﷺ قال لعائشة بعد إباء موالي بريرة ذلك: "ابتاعي فاعتقي فإنما الولاء لمن أعتق" فكان فيه الأمر بابتياعها وعتقها ابتداء وليس فيه اشتراط من أهلها أن تعتقها عائشة أنما فيه اشتراطهم ولائها عليه في إعتاق عائشة بعد ابتياعها إياها ومقول أنها إذا كانت تعتقها عن نفسها لم يكن باشتراط من بائع بريرة عليها وفي الحديث دفع رسول الله ﷺ موالي بريرة عن ذلك حيث أنكر عليهم وأعلمهم بوعيده إياهم أنه خارج من شريعته بقوله: "كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل وإن كان مائة شرط" ولو كان ما صدر منهم من الشرط جائزا لما أنكره عليهم ولا تواعدهم عليه ولا ذمهم وفيما ذكرنا دليل على أن الذي كان منهم اشتراط ولائها في عتاق عائشة لا اشتراط أن تعتقها عن نفسها عتاقا واجبا عليها شرطهم في بيعهم إياها منها وقال ابن عمر: لا يحل فرج إلا فرج إن شاء صاحبه وهبه وإن شاء أمسكه لا شرط عليه فيه والمبيعة على أن يعتقها مشتريها ليس كذلك لأنه لزمه اعتاقها ولم يكن له إمساكها وفي ذلك نفى ما ظنه المتأولون من تجويز البيع بالشرط وقول عمر لابن مسعود في الجارية التي ابتاعها من أمرأته واشترطت عليه خدمتها لا تقريها ولا حد فيها مثنوية يؤكد ما قلنا أيضا.

стр. 755

المدبر روى عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ أتاه رجل قد دبر غلاما له فاحتاج فقال ﷺ : "إنما الصدقة عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول". وروى عنه أن رجلا اعتق عبدا عن دبر منه فاحتاج مولاه فأمره ببيعه فباعه بثمانمائة درهم فقال: أنفقها على عيالك فإنما الصدقة عن ظهر غنى وأبدأ بمن تعول فيه الا طلاق في بيع المدبر وروى عن جابر أن رجلا من الأنصار أعتق غلاما له عن دبر منه فاحتاج فقال ﷺ : "من يشتريه مني" فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة فدفعها إليه وذكره من طرق بألفاظ متقاربة ففي هذه الأحاديث أن رسول الله ﷺ تولى بيع ذلك المدبر فاحتمل أن يكون ذلك لمعنى كان في الرجل الذي باعه عليه مما يقصر به يده عن التبسط في عبده بالتدبير وغيره كما روى عن جابر أن رجلا من الأنصار يقال له: أبو فاطمة أعتق غلاما له عن دبر منه فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "هل له من مال غيره" فقالوا: لا فقال النبي ﷺ : "من يشتريه مني" فاشتراه نعيم بن النحام ختن عمر بن الخطاب بثمانمائة درهم فقال له النبي ﷺ : "أنفقها على نفسك فإن كان فضل فعلى أهلك فإن كان فضل فعلى أقاربك فإن كان فضل فاقسم ها هنا وها هنا يمينا وشمالا"، ففيه من كشف رسول الله ﷺ من له ما يدل على أن تدبيره عبده إذا كان له مال غيره خلاف تدبيره وليس له مال غيره وقد روى عن عطاء أنه سئل عن رجل أعتق جاريته عن دبر أيطؤها؟ قال: نعم قيل: أيبيعها؟ قال: لا إلا أن يحتاج إلى ثمنها فمن يطلق بيعه من غير حاجة منه إلى ثمنه كان الحديث حجة عليه وقد روي عن جابر أن البيع من ذلك المدبر أنها هو خدمته لا رقبته روى عنه عطاء أن

стр. 756

النبي ﷺ أمر ببيع خدمة المدبر فقد يجوز أن يذكر البيع ويراد منه الإجارة ومثله ما روى عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن ذلك. وما روى عنه أن النبي ﷺ قال: "من كان له فضل ماء أو فضل أرض فليزرعها أو يزرعها ولا تبيعوها" فقلت له: يعني الكراء؟ قال: "نعم". وقد كشفنا عن حديث جابر فوجدناه لم يأخذه إلا عن رجل عن النبي ﷺ ممن لا يعلم له صحبة١ وفي ذلك ما يمنع الاحتجاج به روى شعبة عن عمر وقال: سمعت جابرا يقول عن رجل من قومه أنه أعتق مملوكا له عن دبر فباعه ﷺ . وروى أن ذلك كان من النبي ﷺ في مدبر قد كان مات مولاه روي عن أبي الزبير وغيره عن جابر أن رجلا دبر مملوكا له ثم مات وعليه دين فباعه النبي ﷺ في دينه وهو مذهب جماعة من أهل المدينة منهم مالك أنه يباع بعد موت مولاه في دينه وهم يمنعون من بيعه في حياته وهذا اضطراب شديد قد وقع في هذا الحديث وقد رد من احتج به بعض الأحاديث بأقل من هذا الاضطراب قال: في حديث بروع قد اضطرب فيه لأن بعضهم يقول: معقل بن سنان وبعضهم يقول: معقل بن يسار فإذا وسعه الترك في حديث بروع فالأمر لنا أوسع في رد حديث جابر والمنع من إطلاق بيع المدبر في حياة سيده وقد كان من مذهب جابر أن لا يباع روى عن أبي الزبير نقول في أولاد المدبرة إذا مات مولاها لا نراهم إلا أحرار أو ولدها منها كأنه عضو منها فجعل للتدبير عملا في حياة مولاه ليس للوصية بالعتق ذلك العمل ويؤكده قوله ﷺ : "إنما الصدقة عن ظهر غنى". وعن عثمان بن عفان أنه قضى أن ما ولدت المدبرة قبل التدبير عبيد وبعد التدبير يعتقون بعتقها وعن ابن عمر أنه قال: ولد المدبرة بمنزلتها وهذا منهما كمذهب جابر وهذا القول في المنع من بيع المدبر قال به من فقهاء الأمصار أبو حنيفة وابن أبي ليلى والثوري وأئمة الحجاز كمالك وذويه والله أعلم.

стр. 757

كتاب الاستبراء روى أبو الدرداء أن رسول الله ﷺ رأى امرأة عند فسطاط يريد حالما والله أعلم فقال رسول الله ﷺ : "لعل صاحب هذه أن يلم بها لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه في قبره كيف يورثه وهو لا يحل له وكيف يسترقه وهو لا يحل له" فيه دليل على أن ولد الأمة الموطوءة وهي حامل لا يكون إبنا للواطئ خلافا لمن استدل به على لحوقه بالواطئ كما لحق بمن كان الحمل منه لأنه يلزم أن يورثه منهما للحوق نسبه بها مع أن في الحديث: كيف يورثه وهو لا يحل له وفي رواية: يورثه وليس منه أو يستعبده وقد عداه في سمعه وبصره. وقد كان مكحول يقول بعتاق الولد على واطئ أمه وهي حامل من غيره على ما روى عنه أن النبي ﷺ مر بجارية اشتراها رجل وهي حبلى فقال: "أتطؤها وهي حبلى" قال: نعم قال: "إنك تعد وفي سمعه وبصره فإذا ولد فاعتقه فإنه لا يحل لك ملكه". قوله: فاعتقه يدل على أنه قبل أن يعتقه غير عتيق ويحتمل أن يكون هذا اشفاقا منه أن يكون ما ظهر من الحمل ليس بحمل في الحقيقة وبسبب وطئه حبلت منه فكره له استرقاقه فلذلك أمر بإعتاقه ولما لم يتيقن ذلك لم يلحق نسبه به وفيما روى عن أبي سعيد قال: أصبنا سبيا يوم أوطاس فقال رسول الله ﷺ : "لا توطأن حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض حيضة". فيه أن الاستبراء لا يجب على الصغيرة والآيسة لأن النهى عن وطء الحامل وذات الحيض لا غير وما روى عن ابن عباس نهى عن وطء السبايا وهن حبالى حتى يضعن ما في بطونهن أو يستبرأن لا يخالف ما ذكرنا لأن قوله: أو يستبرأن يعود على من ليس بحامل من ذوات الحيض تقديره يستبرأن أن

стр. 758

كن ذوات حيض نحو قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ معناه إن حنثتم. روى عن عبد الله بن بريدة قال أخبرني أبي قال لم يكن أحد من الناس أبغض إلي من علي بن أبي طالب حتى أحببت رجلا من قريش لا أحبه الا على بغضاء علي قال فبعث ذلك الرجل على خيل فصحبته وما صحبته إلا على بغضاء على فكتب إلى النبي ﷺ إن يبعث من يخمس الغنيمة فبعث إلينا عليا وفي السبي وصيفة من أفضل السبي فلما خمسه صارت الوصيفة في الخمس ثم خمس فصارت في آل على فاتانا ورأسه يقطر ماء قلنا ما هذا فقال ألم تروا إلى الوصيفة صارت في الخمس ثم صارت في أهل بيت النبي ﷺ ثم صارت في آل علي وقعت عليها فكتب وبعثني مصدقا لكتابه إلى النبي ﷺ بما قال على فجعلت أقول عليه ويقول صدق فأمسك بيدي رسول الله ﷺ وقال: "اتبغض عليا" فقلت: نعم فقال: "لا تبغضه وإن كنت تحبه فازدد له حبا فوالذي نفسي بيده لنصيب آل علي في الخمس أفضل من وصيفة" فما كان بعد رسول الله ﷺ أحب إلي من علي. لا ينكر هذا بكونه مقاسما نفسه لنفسه ولغيره لأن من يقسم بالولاية كالإمام يقسم الغنائم بين أهلها وهو منهم ونائب الإمام كالإمام في ذلك ومعنى صيرورة الوصيفة إلى آله أنها صارت بالقسمة في نصيبه ولذلك جاز له الوقوع عليها لأن آل يستعمل صلة ومنه اللهم صل على آل أبي أوفى والمراد على أبي أوفي ومنه لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود أي من مزامير داود لأن المزامير كانت لداود لا لغيره من آله ومنه قوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وهو داخل فيهم غير خارج عنهم ووطؤه إياها بلا استبراء لأنها كانت ممن لا يحيض ولا ممن يخشى منها الحمل.

стр. 759

كتاب المواريث مدخل ... كتاب المواريث روي عن جابر بن عبد الله قال جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من

стр. 760

سعد فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدا وإن عمهما أخذ ما لهما فاستوفاه فلم يدع لهما مالا ولا تنكحان إلا ولهما مال فقال: "سيقضي الله في ذلك" فأنزل الله تعالى آية الميراث فبعث إلى عمهما فقال: "أعط ابنتي سعد الثلثين وأعط أمهما الثمن ولك ما بقي" آية الميراث هي قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الآية والحديث نص على أن للابنتين الثلثين خلافا لما ذهب إليه ابن عباس من أن لهما النصف والثلثان لمن فوق الابنتين وكلمة فوق هنا صلة كما في قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ بدليل قوله: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ وهي الأعناق وفقهاء الأمصار على هذا يؤكده قوله تعالى في الأختين: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ والابنتان أولى بذلك.

стр. 761

في مجهول العصبة روي أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: عندي ميراث رجل من الأزد وإني لم أجد أحدا أزديا أدفعه إليه قال: "انطلق ابتغ أزديا عاما" أو قال: "حولا" فانطلق ثم رجع في العام الثاني فقال: يار سول الله ما وجدت أزديا قال: "انطلق فانظر أول خزاعة فادفعه إليه" فلما قفى قال: "علي به" قال: فرجع قال: "انطلق فادفعه إلى أكبر خزاعة" يعني: أكبرها في النسب ومنه الولاء للكبر أمره بابتغاء الأزدي حولا نظير اللقطة إلى أن يلتقي صاحبها حولا ثم رد الميراث بعد ذلك إلى الأكبر من خزاعة كما رد اللقطة إلى ما يجب صرفه بعد الحول وإنما رده إلى خزاعة لأن خزاعة من الأزد وإنما تخزعوا منهم لما خرجوا من اليمن فصاروا إلى مكة وهم بنو مازن فحالفوا بمكة من حالفوه بها فصاروا بذلك حلفاء بني هاشم. لا يقال: كيف عدم الأزدي والأنصار من الأزد وهم أقرب إلى الميت من خزاعة لأنه يحتمل والله أعلم أنه كان بمكة قبل أن يهاجر رسول الله ﷺ منها إلى المدينة وكان ذلك المتوفى ممن كان أسلم فرد رسول الله ﷺ ميراثه إلى الأقعد به من خزاعة إذ لم يكن بمكة أنصار فكان

стр. 762

خزاعة أقعد الناس بالمتوفى وقد روي في هذا الحديث من غير هذا الطريق أن رسول الله ﷺ أتى بميراث رجل من خزاعة فقال: "اطلبوا له وارثا" فطلبوا فلم يجدوا فقال: "اطلبوا له ذا قرابة" فطلبوا فلم يجدوا فقال: "اطلبوا له ذا رحم" فطلبوا فلم يجدوا فقال: "ادفعوا ما له إلى أكبر خزاعة". والحديث الأول اولى لأن رواته أكثر ولان العرب لا تورث بالأرحام التي ليست عصبات فاستحال بذلك ما في الحديث الثاني مما أضافه إلى النبي ﷺ من طلب ذي الرحم ليدفع إليه ميراث الأزدي وإنما تورث بالأرحام العجم التي تنسب إلى قراها فالعرب ترجع إلى الشعوب وإلى القبائل وإلى الأفخاذ وبها يتوارثون والعجم لا ترجع إلى ذلك إنما تجمعهم بلدانها لا ما سواها فالشعوب النسب البعيد كتميم وبكر والقبائل دون ذلك والأفخاذ دون القبائل.

стр. 763

في ذوي الأرحام روي عن النبي ﷺ : "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه فمن ترك كلا أو وضيعة فإلي ومن ترك مالا فهو لورثته وأنا مولى من لا ولي له أرث ماله وأفك عانيه والخال وارث من لا وارث له يرث ماله ويفك عانيه" فيه حجة لمن يورث ذوي الأرحام والمقتدي فيه من الصحابة الكرام عمر وعلي وعبد الله بن مسعود ولا معنى لتأويل الخال بالعصبة من قبل أبائه استدلالا برواية من رواه والخال وارث من لا وارث له يرث ماله ويعقل عنه. لأن القصد إلى الخال الذي لا يرث مع من له ورثة وهو الخال الذي ليس من العصبة لأن الخال من العصبة يرث مع ذوي السهام الباقي عنهم ولأنه يستحيل أن يذكر النبي ﷺ الخال الذي هو من العصبة بالميراث بالخؤولة ويترك ذكره بالميراث من جهة التعصيب وميراثه به أقوى لأن العاصب يرث مع ذوي السهام ولا يرث الخال معهن واستدلالهم بتلك الرواية لا يصح لأنها رواية شعبة وكان يحدث عن حفظه ولا يرجع إلى كتاب

стр. 764

وكان يحدث بمعاني ما سمع ولا يأتي بألفاظ ذلك وكان يعجز عن ذلك إذ لم يكن فقيها فيرد ذلك إلى الفقيه كما لك والثوري فحقيقة الحديث على ما ذكرناه.

стр. 765

في الجد عن عمران بن حصين قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أن ابن ابني مات فما لي من ميراثه قال: "لك السدس" فلما ولي دعاه قال: "لك سدس آخر" فلما ولى دعاه فقال: "أن السدس الآخر طعمة" كان هذا قبل أن تنزل آية المواريث وقد كانت الوصية للوالدين والأقربين فإن لم يكن أوصى الميت كان حكم المال إلى رسول الله ﷺ يضعه فيما يرى وضعه فيه فكان بقية المال بعد السدس الذي أعطاه ﷺ الجد لا مستحق له يرثه فرجع الحكم إلى النبي ﷺ فأعطى منه الجد ما أعطى طعمة ولا وجه للحديث غير هذا إذ لو كان بعد نزول المواريث وله ورثة يستحقون بقية المال بعد السدس الواجب له لما أعطاه طعمة ما وجب لوارث معين ولو لم تكن له ورثة سواه لاستحق ميراثه كله وعليه يؤول ما روي عن معقل بن سنان أنه ﷺ أعطى للجد ثلثا أو سدسا لأنه لما شك جعلناه السدس الذي حفظه عمران ولم يحفظه معقل لأن من حفظ شيئا أولى ممن قصر عنه.

стр. 766

في الكلالة عن مرة بن شرحبيل عن عمر قال: ثلاثة لأن يكون رسول اله ﷺ بينهن لنا قبل أن يموت أحب إلي مما على الأرض الخلافة والربا والكلالة فقلت الكلالة لا شك فيه هو ما دون الولد والأب فقال الأب يشكون فيه وقد روي أن عمر قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قل إني والله ما أدع شيئا هو أهم إلي من أمر الكلالة وقد سألت نبي الله عنها فما أغلظ لي في شيء قط مما أغلط لي فيها حتى طعن بإصبعه في صدري

стр. 767

أو جنبي فقال: يا عمر أما يكفيك آية الصيف التي أنزلت في آخر سورة النساء وإني أن أعش أقض فيها بقضية لا يختلف فيها أحد يقرأ القرآن وعن مسروق سألت عمر عن قرابة لي ورث كلالة فقال: الكلالة ثلاثا ثم أخذ بلحيته فقال: والله لأن أعلمها أحب إلي مما على الأرض من شيء سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: "ألم تسمع إلي الآية التي أنزلت في آية الصيف مرتين". فترك عمر الجواب عنها تورعا عن القول في كتاب الله مما لم يوقف على حقيقته من عند الله حتى مات على ذلك وعن ابن عباس سمعت عمر يقول: القول ما قلت قلت: وما قلت؟ قال: الكلالة من لا ولد له. وروى عن عمر من رواية سعيد بن المسيب لما حضرته الوفاة دعا بكتاب كتبه في الكلالة فمحاه وقال: ترون فيه رأيكم وعن الشعبي أن أبا بكر وعمر قالا الكلالة من لا ولد له ولا والد وحديث سعد بن أبي وقاص في مرضه وقد أتاه رسول الله ﷺ عائدا فقال: يا رسول الله إن لي مالا كثيرا وليس لي وارث إلا كلالة الحديث وقد كانت لسعد ابنة فعقلنا أن معنى قوله: ليس لي وارث مع ابنتي إلا الكلالة لأن الإبنة ليست كلالة عند أهل العلم جميعا وعن جابر أتاني رسول الله ﷺ يعودني وأنا مريض لا أعقل فتوضأ فصب الوضوء علي فعقلت فقلت كيف الميراث فإنما ترثني كلالة فنزلت آية الفرائض فدل ذلك أن الكلالة هي الوارث لا الموروث وقد كان لجابر أخوات مذكورات في غير هذا الحديث فلم ينكر رسول الله ﷺ قوله: إنهن كلالة وعلى صحة ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً﴾ وهي مصدر من تكلله النسب كلالة يعني: ما تكلل به النسب من الأعمام وهي العم والعصبة وقيل: الأخوة من الكلالة والقول الصحيح: إن الكلالة هم الوارثون لا الموروثون وعن البراء: أنها آخر آية نزلت. وعن الحسن بن محمد سألت ابن عباس عن الكلالة فقال: من لا ولد

стр. 768

له ولا والد فقلت: يقول الله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ فغضب علي وانتهرني فيحتمل أن ترك الذكر للوالد في الآية لأن المخاطبين بذلك يعلمون أن الولد في هذا المعنى أوكد من الوالد فيكون ذكر الولد يغني عن ذكر الوالد كما قال: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ وسكت عما سواهن من العمات والخالات لعلم المخاطبين بما أريد منهم ومثله ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ ثم قال: ﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً﴾ فقيل: الجواب لكان هذا القرآن وقيل: هو لكفروا به ومنه ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ ولم يذكر ما كان يكون ووصل ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ فكان معقولا أن الكلالة ما تكلل على الموروث في الميراث الذي يتركه من يستحقه بالنسب الذي يتكلل به عليه وكان الولد غير متكلل عليه لأنه منه ومثله الوالد لأنه منه فثبت بذلك أن الكلالة ما عدا الوالد والولد جميعا.

стр. 769

في النبي ﷺ لا يرث ولا يورث عن عائشة أن مولى لرسول الله ﷺ توفي فقال: هاهنا رجل من أهل قريته فأعطاه إياه وعنها أن مولى رسول الله ﷺ وقع من عذق نخلة فمات وترك شيئا فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "هل ترك من ولد أو حميم" قالوا: لا قال: "انظروا أهل قريته فادفعوه إليهم" وإنما ترك رسول الله ﷺ ميراث مولاه هذا إلا أن الله تعالى شرفه وجعله في أعلى مراتب الدنيا والآخرة وأخرجه من أخلاق من سواه وكان فيما أنزل عليه: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمّاً وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ فوصفهم بأخلاق لا يحمدها وجعلهم بذلك في منزلة سفلى وجعل حكمه فيما أخرجه إليه أعلى الأحكام فلم يجعله ممن يرث بنسب ولا ولاء ولا تزويج وخالف بينه وبين سائر أمته في ذلك زيادة في فضله وفي تشريفه إياه فأمر ﷺ بميراث

стр. 770

مولاه لما لم يكن له ولد ولا حميم أن يدفع إلى أهل قريته كما للأئمة أن يدفعوا المال الذي لا مالك له إلى من يريدون من الناس وكذلك سائر الأنبياء لا يرثون ولا يورثون. لا يقال أن زكريا سأل ربه أن يهب له وليا يرثه فوهب له يحيى وأصلح له زوجته لأنه إنما ورث عنه النبوة كمثل ما ورث من آل يعقوب لأنه لم يكن له مال وكان زاهدا نجارا يعمل بيده وعن أبي الدرداء قال رسول الله ﷺ : "من سلك طريقا يطلب علما سلك الله به طريق من طرق الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وإن العالم يستغفر له من في السموات ومن في الأرض وكل شيء حتى الحيتان في جوف الماء وإن العلماء هم ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر". وزكريا منهم فلم يورث شيئا من المال وكذلك قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ هو مما سوى الأموال. لا يقال: قد كان سليمان في حياة والده نبيا فما الذي ورث عنه لأنا نقول ورث عنه حكمته وما يورث عن مثله فكان ذلك مضافا إلى نبوته فإن قيل: فقد ورث رسول الله ﷺ عن أبيه منزله ومملوكته أم أيمن وشقران اللذين أعتقهما قلنا: ذلك كان قبل أن يؤتيه الله تعالى النبوة فلما أؤتيها عاد حكمه إلى منعه من ميراث غيره ومنع غيره من ميراثه وفيما روي عن النبي ﷺ : لا يقتسم ورثتي دينار أما تركت بعد نفقة أهلي ومؤنة عاملي فهو صدقة المراد بالأهل أزواجه وإنما كانت لهن النفقة لكونهن محبوسات عليه ليكن أزواجه في الجنة محرمات على غيره قوله: لا يقتسم ورثتي يعني من كان يرثني لو كنت موروثا على سبيل الاستعارة ما تركت فهو صدقة لأن من لا يورث فلا وارث له في الحقيقة والله أعلم.

стр. 771

في رباع النبي ﷺ روى أسامة بن زيد قال لرسول الله ﷺ : أتنزل في دارك بمكة فقال: "وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور" وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب ولم يرثه جعفر ولا علي لأنهما كانا مسلمين وكان عقيل وطالب كافرين وكان عمر يقول: لا يرث المؤمن الكافر قوله: وكان عقيل إلى آخره ليس من الحديث أنما هو من كلام الزهري ولهذا قال له موسى بن عقبة: أفصل كلامك من كلام النبي ﷺ احتج المحتج بهذا على أن أراضي مكة مملوكة ولا حجة فيه لأن إضافة الدار من أسامة إليه وإضافته إياها إلى نفسه قد تكون بسكناها لا على أنها ملك له كإضافته تعالى بيت العنكبوت إلى العنكبوت ومساكن النمل إلى النمل وكما يقال باب الدار وجل الفرس يؤيده إن ارث أبي طالب لا يرجع إلا إلى أولاده وكذا مال عبد المطلب لا يرجع إليه ﷺ لأن أباه عبد الله مات قبل عبد المطلب.

стр. 772

في التولي روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ومن تولى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا" فيه جواز التولي بإذن مواليه الذين كانوا مواليه قبل ذلك بخلاف العتاق فإنه لا يكون مولى لأحد سوى معتقه أذن له في ذلك أو لم يأذن وفي رواية ومن تولى مولى بغير إذنه فعليه لعنة الله ففيه جواز التولي بإذنه وبقبول الذين يتولى ذلك منه وفيه إطلاق وجوب الولاء بغير العتاق كما يقوله العراقيون خلافا للحجازيين مستدلين بقوله ﷺ : "إنما الولاء لمن أعتق" ولا حجة فيه لأن القصد به إلى الولاء بالعتاق لا غير لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية فكان ذلك نفيا منه أن تكون الزكوات لغير المسلمين في الآية ولم يمنع أن تكون صدقات سوى الزكاة لقوم آخرين فكذا قوله صلى الله عيه وسلم: "إنما

стр. 773

الولاء لمن أعتق" هو على الولاء بالعتاق أي: لا يكون الولاء بالعتاق إلا لمن أعتق ولا يمنع أن يكون ولاء سواه وهو المذكور في الأحاديث بالموالاة فالولاء يكون بالموالاة ويكون للمولى بها أن ينتقل بولائه عمن كان مولى له إلى من سواه من الناس بإذن من ينتقل عنه وبإذن من ينتقل إليه به لا يكون مولى لمن ينتقل إليه إلا بهذه الأشياء الثلاثة وقد كان أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد يذهبون إلى وجوب الولاء بالموالاة ويذهبون إلى أن للمولى أن ينتقل رضى مولاه بذلك أو لم يرض ما لم يكن عقل عنه جناية جناها فإن عقل فلا يمكن الانتقال ولكن الحديث مطلق عن قيد العقل فلا يصح العدول عنه إلى غيره تحقيقا للأتباع.

стр. 774

في من أسلم على يد رجل ووالاه عن تميم الداري قلت: يا رسول الله الرجل من المشركين يسلم على يدي الرجل من المسلمين فقال: "هو أولى الناس بمحياه ومماته" تعلق به قوم منهم عمر بن عبد العزيز وربيعة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب فأثبتوا به ولاء الذي أسلم للذي أسلم على يده وورثوه منه وأكثر العلماء على أنه لا يكفي مجرد الإسلام على يده حتى يواليه بعده كما لو والاه ولم يكن أسلم على يديه وهو مذهب الكوفيين وقد أجاز ذلك عمر بن الخطاب على ما رواه ابن شهاب ويحتمل قوله ﷺ : "هو أولى الناس بمحياه ومماته" أن يكون المراد أحق الناس أن يقصد لموالاته إذ كان الإرشاد والهداية على يديه وهو كلام عربي يفهمه المخاطبون كما فهم المراد بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ أي: فحنثتم وذلك أن الناس يحتاجون إلى التعارف إذ كان الله جعلهم شعوبا وقبائل ليتعارفوا فاحتاج من أسلم أن يكون في شعب وقبيلة حتى ينسب إليها ويعرف بها فقد روى عن ابن أبي عبد الرحمن المقبري أنه قال: أتيت أبا حنيفة فقال لي: ممن الرجل فقلت: رجل من الله على بالإسلام فقال لي: لا تقل هكذا ولكن وال بعض هذه الأحياء ثم أنتم إليهم فإني كنت أنا كذلك.

стр. 775

في ميراث المرأة روى عن النبي ﷺ : "تحرز المرأة ثلاثة مواريث عتيقها ولقيطها وولدها الذي تلاعن عليه" يحتمل أن يكون للمرأة ولاء من التقطته ويحتمل أن يكون معناه أن من التقط فالأولى به أن يوالي من التقطه إذ هو أحق الناس به حيث التقطه وكفله وتسبب لحياته إذ لا ولاء لأحد عليه ولا نسب له أحد يمنعه ذلك من المولاة وما روى عن عمر بن الخطاب أنه قال لأبي جميلة في لقيطه الذي التقطه: اذهب فهو حر ولك ولاء وعلينا نفقته يسعه من التاويل ما وسع الحديث وقد كان محمد بن الحسن يذهب إلى أن معناه أن ولاءه لك لأن للإمام أن يجعل ولاء صبي لا ولاء عليه لمن شاء من المسلمين فيكون بذلك مولاه كما لو والاه وهو بالغ صحيح العقل وكذلك أبو حنيفة وأصحابه يقولون في اللقيط: أنه حر ويوالي من شاء إذا كبر وقول عمر في اللقيط هو حر ليس على حقيقة بل هو على ظاهره لأنه قد يكون عبدا وعن على أنه قال في المنبوذ: هو حر فإن أحب أن يوالي ملتقطه وإلاه وأن أحب أن يوالي غيره وإلاه يؤكد ما قلنا والله أعلم.
следующие страницы →